رد المحتار على الدر المختار (فقه حنفي) (5/ 531)
هل يملك الوكيل الإقرار عن موكله؟
(وصح) (إقرار الوكيل بالخصومة) لا بغيرها مطلقًا (بغير الحدود والقصاص) على موكله (عند القاضي) (دون غيره) استحسانًا (وإن انعزل) الوكيل (به) أي: بهذا الإقرار حتى لا يدفع إليه المال، وإن برهن بعده على الوكالة للتناقض، درر، (وكذا إذا استثنى) الموكل (إقراره) بأن قال: وكلتك بالخصومة غير جائز الإقرار صح التوكيل والاستثناء على الظاهر بزازية (فلو أقر عنده) أي: القاضي (لا يصح، وخرج به عن الوكالة) فلا تسمع خصومته، درر، (وصح) (التوكيل بالإقرار) (ولا يصير به) أي: بالتوكيل (مقرًّا)، بحر.
[رد المحتار]
قوله: (وصح إقرار الوكيل) يعني: إذا ثبت وكالة الوكيل بالخصومة، وأقر على موكله، سواء كان موكله المدعي، فأقر باستيفاء الحق، أو المدعى عليه فأقر بثبوته عليه، درر، قوله: (بالخصومة) متعلق بالوكيل، قوله: (لا بغيرها) أي: لا إقرار الوكيل بغير الخصومة، أي: وكالة كانت، قوله: (بغير الحدود والقصاص) متعلق بـ "إقرار". قوله: (استحسانًا) والقياس: أن لا يصح عند القاضي أيضًا؛ لأنه مأمور بالمخاصمة، والإقرار يضرها؛ لأنه مسالمة ح، قوله: (انعزل) أي: عزل نفسه لأجل دفع الخصم، واني، ورده عزمي زادة ط، قال في الهداية: تحت قوله: "انعزل" أي: لو أقيمت البينة على إقراره في غير مجلس القضاء يخرج من الوكالة اهـ.
قوله: (حتى لا يدفع إليه المال) أي: لا يؤمر الخصم بدفع المال إلى الوكيل؛ لأنه لا يمكن أن يبقى وكيلًا بجواب مقيد وهو الإقرار، وما وكله بجواب مقيد، وإنما وكله بالجواب مطلقًا اهـ ح عن شرح الهداية معزيًّا لقاضي زاده، قوله: (للتناقض)؛ لأنه زعم أنه مبطل في دعواه، درر، قوله: (بأن قال) المسألة على خمسة أوجه مبسوطة في البحر، قوله: (على الظاهر) أي: ظاهر الرواية، ومثله استثناء الإنكار، فيصح منها في ظاهر الرواية، زيلعي وبيانه فيه، قوله: (أي: بالتوكيل) التوكيل بالإقرار صحيح، ولا يكون التوكيل به قبل الإقرار إقرارًا من الموكل.
وعن الطواويسي: معناه أن يوكل بالخصومة، ويقول: خاصم، فإذا رأيت لحوق مؤنة أو خوف عار علي فأقر بالمدعى يصح إقراره على الموكل، كذا في البزازية، رملي.
قلت: ويظهر منه وجه عدم كونه إقرارًا، ونظيره صلح المنكر.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (فقه مالكي) (3/ 379)
هل يملك الوكيل الإقرار عن موكله؟
(ولا الإقرار) أي: ليس للوكيل الإقرار عن موكله (إن لم يفوض له) في التوكيل بأن يوكله وكالة مفوضة (أو يجعل له) الإقرار عند عقد الوكالة فله الإقرار، ويلزمه ما أقر به عنه فيهما إن أقر بما يشبه، ولم يقر لمن يتهم عليه، وكان الإقرار من نوع الخصومة.
(ولخصمه) أي: خصم الموكل (اضطراره إليه) أي: إلى الإقرار، أي: له أن يلجئ الموكل إلى جعل الإقرار للوكيل (قال) المازري: من عند نفسه (وإن قال) الموكل لوكيله: (أقر عني بألف فإقرار) من الموكل بها فلا يحتاج لإنشاء الوكيل إقرارًا بها، ولا ينفع الموكل الرجوع، ولا عزل الوكيل عنه، ويكون شاهدًا عليه بها وأخرج من قابل النيابة.
[حاشية الدسوقي]
قوله: (أي: ليس للوكيل الإقرار عن موكله) فإن أقر بشيء لم يلزم الموكل ما أقر به، ويكون الوكيل كشاهد، قوله: (عند عقد الوكالة) أي: لخاصة، قوله: (ويلزمه) أي: الموكل ما أقر به الوكيل، وقوله فيهما أي: فيما إذا وكله وكالة مفوضة، وجعل له الإقرار عند عقد الوكالة، قوله: (وكان الإقرار من نوع الخصومة) أي: كأن يوكله في دين فيقر بتأخيره أو بقبض بعضه أو إبرائه من بعضه، لا إن وكل على بيع داره منه، فيقر له بدين عن الموكل أو بإتلافه وديعة له.
قوله: (أي: خصم الموكل) أي: وهو من عليه الدين مثلًا، قوله: (أي: له أن يلجئ إلخ) أي: بأن يقول أحد الخصمين لصاحبه الذي وكل له وكيلًا: لا أتعاطى المخاصمة مع وكيلك حتى تجعل له الإقرار، قوله: (أقر عني بألف) أي: لزيد، أو اعترف بها له، وكذا أبرئ فلانًا من حقي الذي عليه فإنه إبراء من الموكل، كما ذكره ابن عبد البر في الكافي، ثم إن قوله: "إن قال إلخ" ليس نص المازري صريحًا في ذلك، وإنما اعتمد المصنف فهم ابن شاس له، ونصه: لو قال لوكيله: أقر عني لفلان بألف درهم فهو بهذا القول كالمقر بالألف، قاله المازري: واستقراه من نص بعض الأصحاب.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (فقه شافعي) (5/ 25)
هل يملك الوكيل الإقرار عن موكله؟
(لا في إقرار) كوكلتك لتقر عني لفلان بكذا (في الأصح)؛ لأنه إخبار عن حق، فلم يقبل التوكيل كالشهادة، نعم يكون به مقرًّا لإشعاره بثبوت الحق عليه، فإنه لا يأمر غيره بأن يخبر عنه بشيء إلا وهو ثابت، والثاني: يصح؛ لأنه قول يلزم به الحق فأشبه الشراء، نعم إن قال: أقر له عني بألف له علي كان إقرارًا جزمًا، ولو قال: أقر له بألف لم يكن مقرًّا قطعًا.
شرح منتهى الإرادات للبهوتي (فقه حنبلي) (2/ 202)
هل يملك الوكيل الإقرار عن موكله؟
(ويقبل إقراره) أي: الوكيل على موكله (في كل ما وكل فيه) من بيع وإجارة وصرف وغيرها (ولو) كان الموكل فيه (نكاحًا)؛ لأنه يملك التصرف فقبل قوله فيه كولي المجبرة، فيقبل قول وكيل إنه قبض الثمن من مشتر وتلف بيده وفي قدر ثمن ونحوه، لكن لا يصدق فيما لا يشبه من قليل ثمن ادعى أنه باع به أو كثيره إن اشترى، ذكره المجد، وإذا وكل البائع والمشتري وعقد الوكيلان واتفقا على الثمن واختلف الموكلان فيه، فقال القاضي: يتحالفان، أي: البائع والمشتري، وصحح المجد لا تحالف، وأنه يقبل قول الوكيلين.
(وإن اختلفا) أي: الوكيل والموكل (في رد عين أو) في رد (ثمنها) بعد بيعها (ف) القول (قول وكيل) متبرع؛ لأنه قبض العين لنفع مالكها لا غير كالمودع (لا) وكيل (بجعل) فلا يقبل قوله في الرد؛ لأن في قبضه نفعًا لنفسه، أشبه المستعير، وإن طلب ثمن من وكيل فقال: لم أقبضه بعد، فأقام المشتري بينة عليه بقبضه ألزم به الوكيل ولم يقبل قوله في رد ولا تلف؛ لأنه صار خائنًا بجحده، قاله المجد.
رد المحتار على الدر المختار (فقه حنفي) (5/ 529)
هل للوكيل صلاحية قبض الحق عن موكله؟
باب: الوكالة بالخصومة والقبض
(وكيل الخصومة والتقاضي) أي: أخذ الدين (لا يملك القبض) عند زفر، وبه يفتى؛ لفساد الزمان، واعتمد في البحر العرف (و) لا (الصلح) إجماعًا، بحر، (ورسول التقاضي يملك القبض لا الخصومة) إجماعًا، بحر، أرسلتك أو كن رسولًا عني إرسال، وأمرتك بقبضه توكيل، خلافًا للزيلعي (ولا يملكهما) أي: الخصومة والقبض (وكيل الملازمة، كما لا يملك الخصومة وكيل الصلح) بحر (ووكيل قبض الدين يملكها) أي: الخصومة، خلافًا لهما لو وكيل الدائن، ولو وكيل القاضي لا يملكها اتفاقًا كوكيل قبض العين اتفاقًا.
وأما وكيل قسمة وأخذ شفعة ورجوع هبة ورد بعيب فيملكها مع القبض اتفاقًا، ابن ملك.
(أمره بقبض دينه، وأن لا يقبضه إلا جميعًا، فقبضه إلا درهمًا) (لم يجز قبضه) المذكور (على الآمر)؛ لمخالفته له فلم يصر وكيلًا (و) الآمر (له الرجوع على الغريم بكله) وكذا لا يقبض درهمًا دون درهم، بحر، (ولو لم يكن للغريم بينة على الإيفاء فقضي عليه) بالدين (وقبضه الوكيل فضاع منه ثم برهن المطلوب) على الإيفاء للموكل (فلا سبيل له) للمديون (على الوكيل، وإنما يرجع على الموكل)؛ لأن يده كيده، ذخيرة.
[رد المحتار]
قوله: (أي: أخذ الدين) هذا لغة، وعرفا: هو المطالبة، عناية ح، وكان عليه أن يذكر هذا المعنى؛ فإنهم بنوا الحكم عليه؛ معللين بأن العرف قاض على اللغة، ولا يخفى عليك أن أخذ الدين بمعنى قبضه، فلو كان المراد المعنى اللغوي يصير المعنى: الوكيل بقبض الدين لا يملك القبض، وهو غير معقول، تدبر، قوله: (عند زفر) وروي عن أبي يوسف، غرر الأفكار، قوله: (واعتمد في البحر العرف) حيث قال: وفي الفتاوى الصغرى: التوكيل بالتقاضي يعتمد العرف، إن كان في بلدة كان العرف بين التجار أن المتقاضي هو الذي يقبض الدين كان التوكيل بالتقاضي توكيلًا بالقبض، وإلا فلا ح، وليس في كلامه ما يقتضي اعتماده، نعم نقل في المنح عن السراجية أن عليه الفتوى، وكذا في القهستاني عن المضمرات، قوله: (إجماعًا)؛ لأن الوكيل بعقد لا يملك عقدًا آخر، قوله: (وأمرتك بقبضه توكيل) قال في البحر أول كتاب الوكالة: فإن قلت: فما الفرق بين التوكيل والإرسال، فإن الإذن والأمر توكيل كما علمت، أي: من كلام البدائع من قوله: الإيجاب من الموكل أن يقول: وكلتك بكذا، أو افعل كذا، أو أذنت لك أن تفعل كذا ونحوه؟
قلت: الرسول أن يقول له: أرسلتك، أو كن رسولا عني في كذا، وقد جعل منها الزيلعي في باب خيار الرؤية: أمرتك بقبضه، وصرح في النهاية فيه معزيًّا إلى الفوائد الظهيرية أنه من التوكيل، وهو الموافق لما في البدائع؛ إذ لا فرق بين: افعل كذا، وأمرتك بكذا اهـ وتمامه فيه.
قوله: (خلافًا للزيلعي) حيث جعل: أمرتك بقبضه إرسالًا ح، كذا في الهامش، قوله: (وكيل الصلح)؛ لأن الصلح مسالمة لا مخاصمة، قوله: (أي: الخصومة) حتى لو أقيمت عليه البينة على استيفاء الموكل أو إبرائه تقبل عنده.
وقالا: لا يكون خصمًا، زيلعي، قوله: (ولو وكيل القاضي) بأن وكله بقبض دين الغائب، شرنبلالية، قوله: (أمره بقبض دينه) قال في الهامش، نقلًا عن الهندية: الوكيل بقبض الدين إذا أخذ العروض من الغريم والموكل لا يرضى ولا يأخذ العروض، فللوكيل أن يرد العروض على الغريم ويطالبه بالدين، كذا في جواهر الفتاوى.
رجل له على رجل ألف درهم وضح، فوكَّل رجلًا بقبضها، وأعلمه أنها وضح فقبض الوكيل ألف درهم غلة وهو يعلم أنها غلة لم يجز على الآمر، فإن ضاعت في يده ضمنها الوكيل ولم يلزم الآمر شيء، ولو قبضها وهو لا يعلم أنها غلة فقبضه جائز، ولا ضمان عليه، وله أن يردها ويأخذ خلافها، فإن ضاعت من يده فكأنها ضاعت من يد الآمر، ولا يرجع بشيء في قياس قول أبي حنيفة، وفي قياس أبي يوسف يرد مثلها ويأخذ الوضح اهـ.
أقول: الأوضاح: حلي من فضة، جمع: وضح، وأصله البياض، مغرب.
وفي المختار: والأوضاح: حلي من الدراهم الصحاح.
وذكر في الهامش: دفع إلى رجل مالًا يدفعه إلى رجل، فذكر أنه دفعه إليه، وكذبه في ذلك الآمر والمأمور له بالمال، فالقول قوله في براءة نفسه عن الضمان، والقول قول الآخر، أنه لم يقبضه، ولا يسقط دينه عن الآمر، ولا يجب اليمين عليهما جميعًا، وإنما يجب على الذي كذبه دون الذي صدقه، فإن صدق المأمور في الدفع فإنه يحلف بالله ما قبض، فإن حلف لا يسقط دينه، وإن نكل سقط وصدق الآخر أنه لم يقبضه، وإن كذب المأمور فإنه يحلف المأمور خاصة لقد دفعه إليه، فإن حلف برئ، وإن نكل لزمه ما دفع إليه اهـ هندية من فصل: إذا وكل إنسانًا بقضاء دين عليه.
قوله: (درهمًا دون درهم) معناه: لا يقبض متفرقًا، فلو قبض شيئًا دون شيء لم يبرأ الغريم من شيء، جامع الفصولين، وفيه: وكيل قبض الوديعة قبض بعضها جاز، فلو أمر أن لا يقبضها إلا جميعًا فقبض بعضها ضمن ولم يجز القبض، فلو قبض ما بقي قبل أن يهلك الأول جاز القبض على الموكل اهـ.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (فقه مالكي)(3/ 377)
هل للوكيل صلاحية قبض الحق عن موكله؟
(وقبض حق) له على الغير، وكذا قضاؤه (وعقوبة) من قتل وتعزير، ممن له ذلك من حاكم، أو ولي، أو سيد، أو زوج، فيما يجوز.
[حاشية الدسوقي]
قوله: (وكذا قضاؤه) أي: وكذا له أن يوكل في قضاء دين عليه، قوله: (أو ولي) فله أن يوكل شخصًا على القتل، كما أن للحاكم أن يوكل على الحد والتعزير، وكذا في قتل الحرابة والردة، قوله: (أو سيد) أي: في عبده إذا تزوج بملكه، قوله: (فيما يجوز) أي: للزوج عقوبة الزوجة عليه كترك الصلاة.
مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (فقه شافعي) (3/ 239)
هل للوكيل صلاحية قبض الحق عن موكله؟
(وإن قال): وكلتك (في بيع أموالي) وقبض ديوني واستيفائها (وعتق أرقائي) ورد ودائعي ومخاصمة خصمائي ونحو ذلك (صح) وإن جهل الأموال والديون ومن هي عليه والأرقاء والودائع ومن هي عنده، والخصوم وما فيه الخصومة؛ لأن الغرر فيه قليل، بخلاف ما لو قال: بع بعض مالي أو طائفة أو سهمًا منه، أو بع هذا أو هذا فإنه لا يصح؛ لكثرة الغرر، ولو قال: بع أو هب من مالي، أو اقض من ديوني ما شئت، أو أعتق أو بع من عبيدي من شئت، صح في البعض لا في الجميع فلا يأتي الوكيل بالجميع؛ لأن "مِنْ" للتبعيض.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ قَالَ لِلْوَكِيلِ: طَلِّقْ مِنْ نِسَائِي مَنْ شَاءَتْ فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَ كُلَّ مَنْ شَاءَتْ الطَّلَاقَ، فَهَلَّا كَانَ هُنَا كَذَلِكَ؟
أُجِيبَ: بِأَنَّ الْمَشِيئَةَ فِي هَذِهِ مُسْتَنِدَةٌ إلَى كُلٍّ مِنْهُنَّ فَلَا تُصَدَّقُ مَشِيئَةُ وَاحِدَةٍ بِمَشِيئَةِ غَيْرِهَا، فَكَانَ ذَلِكَ فِي مَعْنَى: أَيُّ امْرَأَةٍ شَاءَتْ مِنْهُنَّ الطَّلَاقَ طَلِّقْهَا، بِخِلَافِهَا فِيمَا مَرَّ فَإِنَّهَا مُسْتَنِدَةٌ إلَى الْوَكِيلِ فَصُدِّقَتْ مَشِيئَتُهُ فِيمَا لَا يَسْتَوْعِبُ الْجَمِيعَ، فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ مَشِيئَتِهِ فِيمَا يَسْتَوْعِبُهُ احْتِيَاطًا، وَلَوْ قَالَ: تَزَوَّجْ لِي مَنْ شِئْت صَحَّ، كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْ مِنْ مَالِي مَا شِئْت، وَلَوْ قَالَ: أَبْرِئْ فُلَانًا عَمَّا شِئْت مِنْ مَالِي صَحَّ وَلْيُبْقِ مِنْهُ شَيْئًا، أَوْ عَنْ الْجَمِيعِ، فَأَبْرَأَهُ عَنْهُ أَوْ عَنْ بَعْضِهِ صَحَّ، أَوْ أَبْرِئْهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ أَبْرَأَهُ عَنْ أَقَلِّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، كَمَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي، وَيَكْفِي فِي صِحَّةِ الْوَكَالَةِ بِالْإِبْرَاءِ عِلْمُ الْمُوَكِّلِ بِقَدْرِ الدَّيْنِ، وَإِنْ جَهِلَهُ الْوَكِيلُ وَالْمَدْيُونُ.
شرح منتهى الإرادات للبهوتي (فقه حنبلي) (2/ 201)
هل للوكيل صلاحية قبض الحق عن موكله؟
(ومن وُكِّلَ) بالبناء للمفعول (في قبض) دين أو عين (كان وكيلًا في خصومة) سواء علم رب الحق ببذل الغريم ما عليه أو جحده أو مطله؛ لأنه لا يتوصل إلى القبض إلا بالإثبات، فالإذن فيه إذن فيه عرفًا. قلت: ومثله من وُكِّلَ في قسم شيء أو بيعه أو طلب شفعة فيملك بذلك تثبيت ما وكل فيه؛ لأنه طريق للتوصل إليه، وأطلق فيه في المغني روايتين (لا عكسه) فالوكيل في الخصومة لا يكون وكيلًا في القبض؛ لأن الإذن فيه لم يتناول نطقًا ولا عرفًا، وقد يرضى للخصومة من لا يرضاه للقبض، وليس لوكيل في خصومة إقرار على موكله مطلقًا نصًّا؛ كإقراره عليه بقود وقذف وكالولي موكل (أو) قال له: (قضيت بحضرتك) فقال: بل بغيبتي (حلف موكل)؛ لاحتمال صدق الوكيل، وقضى له بالضمان؛ لأن الأصل معه.
(ومن وُكِّلَ) بالبناء للمفعول (في قبض) دين أو عين (كان وكيلًا في خصومة) سواء علم رب الحق ببذل الغريم ما عليه أو جحده أو مطله؛ لأنه لا يتوصل إلى القبض إلا بالإثبات، فالإذن فيه إذن فيه عرفًا. قلت: ومثله من وُكِّلَ في قسم شيء أو بيعه أو طلب شفعة فيملك بذلك تثبيت ما وكل فيه؛ لأنه طريق للتوصل إليه، وأطلق فيه في المغني روايتين (لا عكسه) فالوكيل في الخصومة لا يكون وكيلًا في القبض؛ لأن الإذن فيه لم يتناول نطقًا ولا عرفًا، وقد يرضى للخصومة من لا يرضاه للقبض، وليس لوكيل في خصومة إقرار على موكله مطلقًا نصًّا؛ كإقراره عليه بقود وقذف وكالولي موكل (أو) قال له: (قضيت بحضرتك) فقال: بل بغيبتي (حلف موكل)؛ لاحتمال صدق الوكيل، وقضى له بالضمان؛ لأن الأصل معه.
(ويحتمل في) قول إنسان لآخر: (أجب خصمي عني كخصومة) أي: أن يكون كتوكيله في خصومة.
(و) يحتمل (بطلانها) أي: الوكالة بهذا اللفظ، قال في تصحيح الفروع: الصواب الرجوع في ذلك إلى القرائن، فإن دلت على شيء كان، وإلا فهي إلى الخصومة أقرب، انتهى.
ولا تصح ممن علم ظلم موكله في الخصومة، قال في الفنون: وفي كلام القاضي: لا يجوز لأحد أن يخاصم عن غيره في إثبات حق أو نفيه، وهو غير عالم بحقيقة أمره، ومعناه في المغني في الصلح عن المنكر.
(و) إن قال لوكيله: (اقبض حقي اليوم) أو يوم كذا ونحوه (لم يملكه) أي: فعل ما وكل فيه اليوم (غدًا)؛ لأن إذنه لم يتناوله، ولأنه قد يؤثر التصرف في زمن الحاجة دون غيره، وقضاء العبادات؛ لاشتغال الذمة بها.
(و) إن قال لوكيله: اقبض حقي (من فلان ملكه) أي: قبض حقه من فلان و (من وكيله)؛ لقيامه مقامه فيجري مجرى إقباضه، و(لا) يملك قبضه (من وارثه)؛ لأنه لم يؤمر به، ولا يقتضيه العرف والطلب على الوارث بطريق الأصالة، بخلاف الوكيل؛ ولهذا لو حلف لا يفعل شيئًا حنث بفعل وكيله (وإن قال) له: اقبض حقي (الذي قبله) أي: فلان أو الذي عليه (ملكه) أي: قبضه منه ومن وكيله و (من وارثه)؛ لاقتضاء الوكالة قبضه مطلقًا فشمل القبض من وارثه؛ لأنه حقه.
الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل (2/ 244)
هل للوكيل صلاحية قبض الحق عن موكله؟
وإن وكَّله في القبض كان وكيلًا في الخصومة، وإن وكَّله في قبض الحق من إنسان تعين قبضه منه أو من وكيله، لا من وارثه، وإن قال: حقي الذي عليه، أو قبله فمنه، أو من وارثه، وإن قال: أقبضه اليوم لم يملك قبضه غدًا، وله إثبات وكالته مع غيبة موكله، وإن أمره بدفع ثوب إلى قصار معين فدفعه ونسيه لم يضمنه، وإن أطلق المالك ودفعه إلى من لا يعرف عينه ولا اسمه ولا دكانه ضمنه الوكيل؛ لتفريطه ولوكيل في شراء حنطة أو طعام بر فقط لا دقيقه، وإن وكله في الإيداع فأودع ولم يشهد لم يضمن إذا أنكر المودع، وإن وكل مودعًا أو غيره في قضاء دين ولم يأمره بإشهاد فقضاء في غيبته ولم يشهد فأنكر الغريم ضمن الوكيل، قال القاضي وغيره: سواء صدقه الموكل أو كذبه كما لو أمره بالإشهاد فلم يفعل، إلا أن يقضيه بحضرة الموكل أو يأذن له في القضاء بغير إشهاد، وإن قال: أشهدت فماتوا أو أذنت فيه بلا بينة أو قضيت بحضرتك فأنكر الموكل فقوله.
رد المحتار على الدر المختار (فقه حنفي) (5/ 517)
(1) ليس للوكيل بالبيع أن يبيع لنفسه:
(ولو وكله بشراء شيء بعينه) بخلاف الوكيل بالنكاح إذا تزوجها لنفسه صح، منية، والفرق في الواني (غير الموكل لا يشتريه لنفسه) ولا لموكل آخر بالأولى (عند غيبته، حيث لم يكن مخالفًا؛ دفعًا للغرر)
[رد المحتار]
قوله: (لا يشتريه لنفسه) أي: بلا حضوره، باقاني، كذا في الهامش، قوله: (بالأولى) أوضحه في البحر، قوله: (دفعًا للغرر) قال الباقاني؛ لأنه يؤدي إلى تغرير الآمر، حيث اعتمد عليه، ولأن فيه عزل نفسه فلا يملكه، على ما قيل، إلا بمحضر من الموكل، كذا في الهداية. ا. هـ، هكذا في الهامش، وفيه: الوكيل بالبيع لا يملك شراءه لنفسه؛ لأن الواحد لا يكون مشتريًا وبائعًا فيبيعه من غيره ثم يشتريه منه، وإن أمره الموكل أنه يبيعه من نفسه أو أولاده الصغار أو ممن لا تقبل شهادته فباع منه جاز، بزازية. ا. هـ حامدية، وإذا وكله أن يشتري له عبدًا بعينه بثمن مسمى وقبل الوكالة، ثم خرج من عند الموكل، وأشهد على نفسه أن يشتريه لنفسه ثم اشترى العبد بمثل ذلك الثمن فهو للموكل، فتاوى هندية.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (فقه مالكي) (3/ 387):
(1) ليس للوكيل بالبيع أن يبيع لنفسه:
(و) منع (بيعه) أي: الوكيل، فهو مصدر مضاف لفاعله (لنفسه) ما وكل على بيعه، ولو سمى له الثمن؛ لاحتمال الرغبة فيه بأكثر ما لم يكن بعد تناهي الرغبات فيه أو لم يأذن له ربه في البيع لنفسه، وإلا جاز (ومحجوره) من صغير وسفيه ورقيق غير مأذون فيمنع؛ لأنه من قبيل البيع لنفسه، ومثل محجوره شريكه المفاوض إن اشترى بمال المفاوضة (بخلاف زوجته) أي: الوكيل وولده الرشيد (ورقيقه).
[حاشية الدسوقي]
قوله: (ما لم يكن) إلخ، هذا قيد في منع بيع الوكيل لنفسه.
وحاصله: أن المنع مقيد بما إذا لم يكن شراؤه بعد تناهي الرغبات، وبما إذا لم يأذن له ربه في البيع لنفسه، فإن اشترى الوكيل لنفسه بعد تناهي الرغبات، أو أذنه الموكل في شرائه لنفسه جاز شراؤه حينئذ، ومثل إذنه له في شرائه ما لو اشتراه بحضرة ربه؛ لأنه مأذون له حكمًا، قوله: (ومحجوره عطف على نفسه) أي: منع أن يبيع الوكيل لمحجوره، فلا يجوز لمن وكل على بيع سلعة أن يبيعها لمن في حجره من صغير أو سفيه أو مجنون أو رقيق، قوله: (غير مأذون) أي: له في التجارة، وأما بيعه له فجائز كما يأتي للشارح، قوله: (لأنه من قبيل البيع لنفسه) أي: لأن الذي يتصرف لمن ذكر من المحاجير هو الحاجر فكأنه باع لنفسه، قوله: (إن اشترى بمال المفاوضة) أي: وأما إن اشترى شريكه بماله الخاص به فالجواز ولا مفهوم لشريك المفاوضة، بل كذلك شريكه الآخذ بعنانه يمنع البيع له إذا كان الشراء بمال الشركة وإلا جاز، قوله: (بخلاف زوجته) ذكر بعض الموثقين أن الرجل إذا اشترى لزوجته شيئًا بطريق الوكالة، ثم طلب منها الثمن فزعمت أنها دفعته له، فإن نقد الثمن حلفت، وإن لم ينقده حلف ولكل منهما رد اليمين على صاحبه اهـ شب.
قوله: (المأذون) أي: ولو حكمًا كمكاتبه (قوله: فإن حابى) أي: بأن باع ما يساوي عشرة بخمسة، وقوله: "وغرم الوكيل" أي: لموكله، قوله: (وقت البيع) أي: لا وقت قيام الموكل أو علمه.
مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (فقه شافعي) (3/ 245)
(1) ليس للوكيل بالبيع أن يبيع لنفسه:
(و) الوكيل بالبيع والشراء مطلقًا (لا يبيع) ولا يشتري (لنفسه و) لا (لولده الصغير) ونحوه من محاجيره، ولو أذن له فيه لتضاد غرضي الاسترخاص لهم والاستقصاء للموكل، وكذا لو قدر له الثمن ونهاه عن الزيادة؛ لأن الأصل عدم جواز اتحاد الموجب والقابل، وإن انتفت التهمة، ولأنه لو وكله ليهب من نفسه لم يصح، وإن انتفت التهمة لاتحاد الموجب والقابل، ولو وكله في هبة أو تزويج أو استيفاء حد أو قصاص أو دين من نفسه لم يصح لذلك، ومقتضى ذلك منع توكيل السارق في القطع، وهو ما صرح به في أصل الروضة هنا، لكن صرحوا في باب استيفاء القصاص بخلافه، وهو الأوجه، ولو وكله في طرفي عقد ونحوه كمخاصمة لم يأت بهما لما مر، وله اختيار طرف منهما، ويصح توكيله في إبراء نفسه بناء على أنه لا يشترط القبول في الإبراء، وفي إعتاقها والعفو عنها من قصاص أو حد قذف.
(والأصح أنه) أي: الوكيل بالبيع مطلقًا (يبيع لأبيه) وسائر أصوله (وابنه البالغ) وسائر فروعه المستقلين؛ لأنه باع بالثمن الذي لو باع به لأجنبي لصح فلا تهمة حينئذ، فهو كما لو باع من صديقه. والثاني: لا؛ لأنه متهم بالميل إليهم، كما لو فوض إليه الإمام أن يولي القضاء من شاء لا يجوز له تفويضه إلى أصوله ولا فروعه، وفرق الأول بأن لنا هنا مردًّا ظاهرًا، وهو ثمن المثل، ولأن فيه تزكية لأصوله وفروعه بخلاف الوكالة.
شرح منتهى الإرادات للبهوتي (فقه حنبلي) (2/ 194)
(1) ليس للوكيل بالبيع أن يبيع لنفسه:
(ولا يصح بيع وكيل لنفسه) بأن يشتري ما وكل في بيعه من نفسه لنفسه (ولا) يصح (شراؤه منها) أي: نفسه (لموكله) بأن وكل في شراء شيء، فاشتراه من نفسه لموكله؛ لأنه خلاف العرف في ذلك، وكما لو صرح فقال له: بعه أو اشتره من غيرك، وللحوق التهمة له في ذلك (إلا إن أذن) موكل لوكيله في بيعه لنفسه، أو شرائه منها.
(فيصح) للوكيل إذا (تولى طرفي العقد فيهما كأب الصغير) ونحوه، إذا باع من ماله لولده، أو اشترى منه له (و) ك (توكيله) أي: جائز التصرف (في بيعه، و) توكيل (آخر) لذلك الوكيل (في شرائه) فيتولى طرفي عقده (ومثله) أي: عقد البيع (نكاح) بأن يوكل الولي الزوج، أو عكسه أو يوكلا واحدًا، أو يزوج عبده الصغير بأمته ونحوه، فيتولى طرفي العقد.
(و) مثله (دعوى) بأن يوكله المتداعيان في الدعوى، والجواب عنها وإقامة الحجة لكل منهما، وقال الأزجي في الدعوى: الذي يقع الاعتماد عليه، لا يصح للتضاد.
(وولده) أي: الوكيل (ووالده ومكاتبه ونحوهم) ممن ترد شهادته له، كزوجته وابن بنته وأبي أمة (كنفسه) فلا يجوز للوكيل البيع لأحدهم، ولا الشراء منه مع الإطلاق؛ لأنه يتهم في حقهم، ويميل إلى ترك الاستقصاء عليهم في الثمن، كتهمته في حق نفسه، بخلاف نحو أخيه وعمه (وكذا حاكم وأمينه ووصي وناظر وقف ومضارب).
قال (المنقح وشريك عنان ووجوه) فلا يبيع أحد منهم من نفسه ولا ولده ووالده ونحوه، ولا يشتري من نفسه ولا من ولده ووالده ونحوه؛ لما تقدم، فيعلم منه أنه ليس لناظر الوقف غير الموقوف عليه أن يؤجر عين الوقف لولده ولا زوجته، ولا تؤجر ناظرة زوجها ونحوه للتهمة، وقد ذكرت ما فيه في شرح الإقناع.
رد المحتار على الدر المختار (فقه حنفي) (5/ 527)
(2) ليس للوكيل أن يوكل غيره فيما وُكِّل فيه:
(الوكيل لا يوكل إلا بإذن آمره)؛ لوجود الرضا (إلا) إذا وكله (في دفع زكاة) فوكل آخر ثم دفع الأخير جاز ولا يتوقف، بخلاف شراء الأضحية، أضحية الخانية، (و) إلا الوكيل (في قبض الدين) إذا وكل (من في عياله) صح، ابن ملك (و) إلا (عند تقدير الثمن) من الموكل الأول (له) أي: لوكيله فيجوز بلا إجازته؛ لحصول المقصود، درر، (والتفويض إلى رأيه) كـ "اعمل برأيك" (كالإذن) في التوكيل (إلا في طلاق وعتاق)؛ لأنهما مما يحلف به فلا يقوم غيره مقامه، قنية.
[رد المحتار]
قوله: (الوكيل لا يوكل) المراد: أنه لا يوكل فيما وكَّل فيه، فيخرج التوكيل بحقوق العقد فيما ترجع الحقوق فيه إلى الوكيل، فله التوكيل بلا إذن؛ لكونه أصيلًا فيها؛ ولذا لا يملك نهيه عنها، وصح توكيل الموكل كما قدمناه، بحر.
وفيه: وخرج عنه ما لو وكل الوكيل بقبض الدين من في عياله فدفع المديون إليه فإنه يبرأ؛ لأن يده كيده، ذكره الشارح في السرقة اهـ، وذكر الثاني المصنف.
قوله: (بخلاف شراء الأضحية) فلو وكَّل غيره بشرائها فوكل الوكيل غيره ثم وثم فاشترى الأخير يكون موقوفًا على إجازة الأول، إن أجاز جاز، وإلا فلا، بحر عن الخانية، قوله: (تقدير الثمن) أي: لو عين ثمنه لوكيله، س، قوله: (من الموكل الأول) مخالف لما في البحر وللتعليل، كما يظهر مما كتبناه على البحر، والموافق لما في البحر أن يقول: من الوكيل الأول له، أي: للوكيل الثاني.
وأفاد اقتصاره على هذه المسائل أن الوكيل في النكاح ليس له التوكيل، وبه صرح في الخلاصة والبزازية والبحر من كتاب النكاح، وقدمناه في باب الولي فراجعه، خلافًا لما قاله ط هناك بحثًا من أن له التوكيل قياسًا على هذه المسألة الثالثة فافهم، قوله: (لحصول المقصود)؛ لأن الاحتياج فيه إلى الرأي لتقدير الثمن ظاهر وقد حصل.
بخلاف ما إذا وكل وكيلين وقدر الثمن؛ لأنه لما فوض إليهما مع تقدير الثمن ظهر أن غرضه اجتماع رأيهما في الزيادة واختيار المشتري كما مر، درر.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (فقه مالكي) (3/ 388)
(2) ليس للوكيل أن يوكل غيره فيما وُكِّل فيه
(و) منع (توكيله) أي: توكيل الوكيل غير المفوض على ما وكل فيه؛ لأن الموكل لم يرض إلا بأمانته (إلا أن) يكون الوكيل (لا يليق به) تولى ما وكل عليه بنفسه كوجيه في حقير، فله التوكيل حيث علم الموكل بوجاهته أو اشتهر الوكيل بها وإلا فليس له التوكيل وضمن إن وكل لتعديه (أو) إلا أن (يكثر) فهو عطف على لا يليق فيوكل من يشاركه في الكثير الذي وكل فيه ليعينه عليه، لا أنه يوكل غيره استقلالًا وحيث جاز له التوكيل (فلا ينعزل الثاني بعزل) الوكيل (الأول) ولا بموته، فهو من إضافة المصدر للمفعول، أي: إذا عزل الأصيل وكيله فلا ينعزل وكيل الوكيل وينعزل كل منهما بموت الأول وله عزل كل منهما وللوكيل عزل وكيله، وأما المفوض فله التوكيل مطلقًا (وفي) جواز (رضاه) أي: الموكل الأول بالسلم الذي أسلم فيه وكيل وكيله، وقد أمر به الموكل الأول (إن تعدى) الوكيل (به).
[حاشية الدسوقي]
قوله: (ومنع توكيله) أي: منع أن يوكل الوكيل غيره على ما وكل فيه بغير رضا موكله؛ لأن الموكل لم يرض إلا بأمانته، وهذا إذا كان الوكيل غير مفوض، أي: وأما المفوض فله أن يوكل بغير رضا موكله قوله: (كوجيه) أي: كتوكيل وجيه جليل القدر على أمر حقير كبيع دابة بسوق.
قوله: (في حقير) أي: وكل في حقير، قوله: (أو اشتهر الوكيل بها) أي: بالوجاهة؛ لأن الموكل حينئذ محمول على أنه علم بها، ولا يصدق في دعواه أنه لم يعلم، قوله: (وإلا فليس...) إلخ، أي: وإن لم يعلم الموكل بوجاهته ولا اشتهر الوكيل بها فليس له التوكيل، فإن وكل وتلف المال ضمنه لتعديه، قوله: (لا أنه يوكل غيره استقلالًا) أي: بخلاف الصورة الأولى.
شرح منتهى الإرادات للبهوتي (فقه حنبلي) (2/ 189)
(2) ليس للوكيل أن يوكل غيره فيما وُكِّل فيه:
(ولوكيل توكيل فيما يعجزه) فعله؛ (لكثرته ولو في جميعه)؛ لدلالة الحال على الإذن فيه، وحيث اقتضت الوكالة جواز التوكيل جاز في جميعه، كما لو أذن فيه لفظًا (وفيما لا يتولى مثله بنفسه) كالأعمال البدنية في حق أشراف الناس المترفعين عنها عادة؛ لأن الإذن إنما ينصرف لما جرت به العادة، و (لا) يصح أن يوكل وكيل (فيما يتولى مثله بنفسه) ويقدر عليه؛ لأنه لم يؤذن له في التوكيل ولا تضمنه الإذن له فلم يجز، كما لو نهاه، ولأنه استؤمن فيما يمكنه النهوض فيه فلا يوليه غيره كالوديعة (إلا بإذن) موكله له أن يوكل فيجوز؛ لأنه عقد أذن له فيه، أشبه سائر العقود.
قال في الفروع: ولعل ظاهر ما سبق يستنيب نائبًا في الحج لمرض، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي رحمه الله (ويتعين) على وكيل حيث جاز له أن يوكل (أمين) فلا يجوز له استنابة غيره؛ لأنه ينظر لموكله بالأحظ، ولا أحظ له في إقامة غيره (إلا مع تعيين موكل) بأن قال له: وكِّلْ زيدًا مثلًا فله توكيله، وإن لم يكن أمينا؛ لأنه قطع نظره بتعيينه له، وإن وكل أمينًا فخان فعليه عزله؛ لأن إبقائه تفريط وتضييع (وكذا) أي: كالوكيل فيما تقدم تفصيله (وصي يوكل أو حاكم يستنيب)؛ لأن كُلًّا منهما متصرف لغيره بالإذن.
(و) قول موكل لوكيله: (وكل عنك) يصح، فإن فعل فالوكيل (وكيل وكيله فله عزله) ينعزل بموت الوكيل الأول وعزله.
(و) وكل (عني أو) وكل و (يطلق) فلا يقول: عنك ولا عني، فوكل (ف) هو (وكيل موكله) فلا ينعزل بموت الوكيل الأول ولا عزله، ولا يملك الأول عزله؛ لأنه ليس وكيله.
رد المحتار على الدر المختار (فقه حنفي) (5/ 536)
(3) يجوز لكل من الموكِّل والوكيل فسخ الوكالة
باب: عزل الوكيل
(الوكالة من العقود الغير اللازمة) كالعارية (فلا يدخلها خيار شرط، ولا يصح الحكم بها مقصودًا، وإنما يصح في ضمن دعوى صحيحة على غريم) وبيانه في الدرر (فللموكل العزل متى شاء ما لم يتعلق به حق الغير) كوكيل خصومة بطلب الخصم كما سيجيء، ولو الوكالة دورية في طلاق وعتاق على ما صححه البزازي، وسيجيء عن العيني خلافه فتنبه (بشرط علم الوكيل) أي: في القصدي، أما الحكمي فيثبت وينعزل قبل العلم كالرسول (ولو) عزله (قبل وجود الشرط في المعلق به) أي: بالشرط، به يفتى، شرح وهبانية.
[رد المحتار]
[باب: عزل الوكيل]
قوله: (خيار شرط)؛ لأنه إنما يحتاج إليه في عقد لازم؛ ليتمكن من له الخيار من فسخه إذا أراد، منح، قوله: (فللموكل العزل) قال الزيلعي بعد تقرير مسألة عزل الوكيل: ما لم يتعلق به حق الغير، وعلى هذا قال بعض المشايخ: إذا وكل الزوج بطلاق زوجته بالتماسها ثم غاب، لا يملك عزله، وليس بشيء، بل له عزله في الصحيح؛ لأن المرأة لا حق لها في الطلاق، وعلى هذا قالوا: لو قال الموكل للوكيل: كلما عزلتك فأنت وكيلي، لا يملك عزله؛ لأنه كلما عزله تجددت الوكالة له، وقيل: ينعزل بقوله: كلما وكلتك فأنت معزول.
وقال صاحب النهاية: عندي أنه يملك عزله أن يقول: عزلتك عن جميع الوكالات، فينصرف ذلك إلى المعلق والمنفذ، وكلاهما ليس بشيء، ولكن الصحيح إذا أراد عزله وأراد أن لا تنعقد الوكالة بعد العزل أن يقول: رجعت عن المعلقة، وعزلتك عن المنجزة؛ لأن ما لا يكون لازمًا يصح الرجوع عنه والوكالة منه. ا. هـ ملخصًا.
قوله: (كوكيل خصومة) تمثيل لمدخول النفي، أي: ليس له عزله، وإن علم به الوكيل؛ لتعلق حق الغير به، فليس للموكل العزل كوكيل خصومة، وهو ما إذا وكل المدعى عليه وكيلًا بالخصومة بطلب الخصم الذي هو المدعي ثم غاب وعزله فإنه لا يصح؛ لئلا يضيع حق المدعي ح.
قوله: (كما سيجيء) أي: قريبًا. قوله: (ولو الوكالة دورية) لا يخلو إما أن يكون مبالغة على قوله: "فللموكل العزل"، أو على قوله: "ما لم يتعلق به حق الغير"، فعلى الأول يكون المعنى: أن له العزل ولو كانت الوكالة دورية، والمبالغة حينئذ ظاهرة، وعلى الثاني: أنه ليس له العزل في الوكالة الدورية، وعلى كل ففي كلام الشارح مناقشة.
أما على الأول فلمنافاته لقوله: "وسيجيء عن العيني خلافه"؛ لأن الذي سيجيء أن له العزل، فليس خلافه، وأما على الثاني: فلأنه يقتضي أنه مما تعلق به حق الغير، وليس كذلك؛ لأن من يقول بعدم عزله في الوكالة الدورية يقول: إنه لا يمكن؛ لأنه كلما عزله تجددت له وكالة، وقوله: "في طلاق وعتاق" يحتمل أنه حال من الوكالة الدورية، ويحتمل أنه مسألة أخرى من مدخول "لو" أيضًا، أي: ولو في طلاق وعتاق لا بقيد كونه في الوكالة الدورية، وفي كل مناقشة أيضًا؛ لأن البزازي لم يصحح شيئًا منهما، بل قال: وكله غير جائز الرجوع، قال بعض المشايخ: ليس له أن يعزله في الطلاق والعتاق.
وقال بعض مشايخنا: له العزل، وليس فيه رواية مسطورة.
وقال قبله: لو عزل الوكيل بالطلاق والنكاح لا يصح بلا علم؛ لأنه وإن لم يلحقه ضرر، لكنه يصير مكذبًا، فيكون غرورًا. ا. هـ.
نعم، يصح حمله على الثاني إن جعلت المبالغة على قوله: "فللموكل عزله".
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (فقه شافعي) (5/ 52 : 54)
(3) يجوز لكل من الموكِّل والوكيل فسخ الوكالة:
فصل: في بيان جواز الوكالة، وما تنفسخ به، وتخالُف الموكل والوكيل، ودفْع الحق لمستحقه، وما يتعلق بذلك.
(الوكالة) ولو بجُعْل بناء على أن العبرة بصيغ العقود هنا، كما رجحه الروياني، وجزم به الجويني في مختصره، ما لم تكن بلفظ الإجارة بشروطها، وليس الكلام في ذلك (جائزة) أي: غير لازمة (من الجانبين)؛ لأن الموكل قد تظهر له المصلحة في ترك ما وكل فيه أو توكيل آخر، ولأن الوكيل قد يعرض له ما يمنعه عن العمل، نعم لو علم الوكيل أنه لو عزل نفسه في غيبة موكله استولى على المال جائر حرم عليه العزل إلى حضور موكله أو أمينه على المال؛ قياسًا على الوصي، كما بحثه الأذرعي، وهو ظاهر وقياسه عدم النفوذ (فإذا) (عزله الموكل في حضوره) بأن قال: عزلتك (أو قال) في حضوره أيضًا: (رفعت الوكالة، أو أبطلتها) أو فسختها أو أزلتها أو نقضتها أو صرفتها (أو أخرجتك منها انعزل) منها في الحال؛ لدلالة كل من الألفاظ المذكورة عليه...
(ولو) (قال) الوكيل الذي ليس قِنًّا للموكل: (عزلت نفسي، أو رددت الوكالة) أو فسختها، أو أخرجت نفسي منها (انعزل) حالا، وإن غاب الموكل؛ لما مر أن ما لا يحتاج للرضا لا يحتاج للعلم، ولأن قوله المذكور إبطال لأصل إذن الموكل له، فلا يشكل؛ لما مر أنه لا يلزم من فساد الوكالة فساد التصرف؛ لبقاء الإذن.
أما لو وكل السيد قِنَّه في تصرف مالي فلا ينعزل بعزل نفسه؛ لأنه من الاستخدام الواجب.
شرح منتهى الإرادات للبهوتي (فقه حنبلي) (2/ 191)
(3) يجوز لكل من الموكِّل والوكيل فسخ الوكالة:
فصل: والوكالة، والشركة، والمضاربة، والمساقاة، والمزارعة، والوديعة، والجعالة، والمسابقة، والعارية (عقود جائزة من الطرفين)؛ لأن غايتها إذن وبذل نفع، وكلاهما جائز (لكل) من المتعاقدين (فسخها) أي: هذه العقود كفسخ الإذن في أكل طعامه (وتبطل) هذه العقود (بموت أو جنون) مطبق؛ لأنها تعتمد الحياة والعقل، فإذا انتفى ذلك انتفت صحتها؛ لانتفاء ما تعتمد عليه، وهو أهلية التصرف، لكن لو وكل ولي يتيم أو ناظر وقف أو عقد عقدًا جائزًا غيرها، ثم مات، لم تبطل بموته؛ لأنه متصرف على غيره، كما في الإقناع وغيره.
رد المحتار على الدر المختار (فقه حنفي) (5/ 538)
(4) تبطل الوكالة بفسخ أحد العاقدين، أو موته، أو بحجر السفه:
(وينعزل الوكيل) بلا عزل (بنهاية) الشيء (الموكل فيه) (كأن وكله بقبض دين فقبضه) بنفسه (أو) وكله (بنكاح فزوجه) الوكيل، بزازية، ولو باع الموكل والوكيل معًا أو لم يعلم السابق فبيع الموكل أولى عند محمد، وعند أبي يوسف يشتركان ويخيران، كما في الاختيار وغيره. (و) ينعزل (بموت أحدهما وجنونه مطبِقًا) بالكسر، أي: مستوعبًا سنة على الصحيح، درر وغيرها، لكن في الشرنبلالية عن المضمرات: شهر، وبه يفتى، وكذا في القهستاني والباقاني، وجعله قاضي خان في فصل فيما يقضى بالمجتهدات قولَ أبي حنيفة، وأن عليه الفتوى فليحفظ (و) بالحكم (بلحوقه مرتدًّا) ثم لا تعود بعوده مسلمًا على المذهب ولا بإفاقته، بحر.
[رد المحتار]
قوله: (وينعزل الوكيل) وفي شركة العناية: يشكل على هذا أن من وكل بقضاء الدين فقضاه الموكل ثم قضاه الوكيل قبل العلم لم يضمن مع أنه عزل حكمي.
وأجيب: بأن الوكيل بقضاء الدين مأمور بأن يجعل المؤدى مضمونًا على القابض؛ لأن الديون تقضى بأمثالها، وذلك يتصور بعد أداء الموكل؛ ولذا يضمنه القابض لو هلك، بخلاف الوكيل بالتصدق إذا دفع بعد دفع الموكل، فلو لم يضمن الوكيل يتضرر الموكل؛ لأنه لا يتمكن من استرداد الصدقة من الفقير ولا تضمينه اهـ بنوع تصرف، سائحاني.
قوله: (فزوجه الوكيل) أشار بهذا وبما قبله إلى أن نهاية الموكل فيه إما أن تكون من جهة الموكل أو من جهة الوكيل، وينعزل الوكيل بها، فلو طلق الموكل المرأة فليس للوكيل أن يزوجه إياها؛ لأن الحاجة قد انقضت.
وفي البزازية: وكله بالتزويج فتزوجها ووطئها وطلقها وبعد العدة زوجها من الموكل صح؛ لبقاء الوكالة، سائحاني.
أقول: الظاهر أن الضمير في "تزوجها" للوكيل لا الموكل، وإلا نافى ما هنا وما يأتي من أن تصرفه بنفسه عزل، تأمل.
قوله: (وينعزل) وفي التجنيس من باب المفقود: رجل غاب وجعل دارًا له في يد رجل ليعمرها فدفع إليه مالًا ليحفظه، ثم فقد الدافع، فله أن يحفظ وليس له أن يعمر الدار إلا بإذن الحاكم؛ لأنه لعله قد مات، ولا يكون الرجل وصيًّا للمفقود حتى يحكم بموته اهـ، وبهذا علم أن الوكالة تبطل لفقد الموكل في حق التصرف لا الحفظ، بحر.
قوله: (عن المضمرات: شهر) أي: مقدار شهر، قوله: (بلحوقه مرتدًّا) في إيضاح الإصلاح: المراد باللحاق ثبوته بحكم الحاكم، بحر، لكن عبارة درر البحار: ولحاقه بحرب فبطل بغير حكم به.
قال شارحه: لأن أهل الحرب أموات في أحكام الإسلام وبلحاقه صار منهم. ا. هـ.
وفي المجمع: ولحاق الموكل بعد ردته بدار الحرب يبطل.
وقالا: إن حكم به.
قال ابن ملك؛ لأن لحاقه إنما يثبت بقضاء القاضي، قيد باللحاق؛ لأن المرتد قبله لا يبطل توكيله عندهما، وموقوف عنده، إن أسلم نفذ وإن قتل أو لحق بدار الحرب بطل. ا. هـ.
فعلم أن ما في الإيضاح على قولهما، وفيه بحث في اليعقوبية، فانظر ما كتبناه على البحر.
قوله: (بعوده مسلمًا) أي: سواء كان وكيلًا أو موكلًا، بحر.
قوله: (بحر) عبارته، ومقتضاه: أنه لو أفاق بعد جنونه مطبقًا لا تعود وكالته.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (فقه مالكي) (3/ 396)
(4) تبطل الوكالة بفسخ أحد العاقدين، أو موته، أو بحجر السفه:
(وانعزل) الوكيل مفوضًا أم لا (بموت موكله)؛ لأنه نائب عنه في ماله، وقد انتقل لورثته بموته فلا يلزمهم ما باع أو ابتاع بعده (إن علم) الوكيل بموت موكله (وإلا) يعلم (فتأويلان) في عزله بمجرد الموت أو حتى يبلغه وهو الأرجح، وهذا إذا كان البائع للوكيل أو المشتري منه حاضرًا ببلد موته وبين له أنه وكيل أو ثبت ببينة، وإلا فلا ينعزل إلا إذا بلغه اتفاقًا (وفي عزله) أي: الوكيل (بعزله) أي: الموكل (ولم يعلم) الوكيل بذلك وعدم عزله حتى يعلم به وهو الراجح (خلاف) وفائدته هل تصرفه بعد العزل وقبل العلم ماض أو لا؟ (وهل لا تلزم) الوكالة مطلقًا، وقعت بأجرة أو جُعْل أو لا؛ إذ هي من العقود الجائزة كالقضاء (أو إن وقعت بأجرة).
[حاشية الدسوقي]
قوله: (وانعزل بموت موكله) أي: وكذا بفلسه الأخص؛ لانتقال المال للغرماء، قوله: (فلا يلزمهم ما باع أو ابتاع بعده) أي: بعد موت الموكل، أي: بل إن شاءوا أجازوه، وإن شاءوا لم يجيزوا، وحينئذ إذا كان قد ابتاع لزم الوكيل غرم الثمن، وإذا كان قد باع غرم لهم قيمة المثمن إن كان قد فات، ورد المبيع لهم إن كان قائمًا، قوله: (فتأويلان في عزله...) إلخ، وعلى الأول: لو اشترى أو باع شيئًا بعد موته ولم يعلم بالموت لم يُلزمه الورثة ذلك، وعليه غرم الثمن وقيمة المثمن إن فات، قوله: (وهذا إذا كان البائع) إلخ، الأنسب اعتبار الحضور في نفس الوكيل، بأن يقول: وهذا الخلاف محله إذا كان الوكيل حاضرًا ببلد موته؛ لأن حضوره مظنة علمه، وكأنه اكتفى بالتلازم بين المتعاقدين، فيلزم من حضور أحدهما ببلد موت الموكل حضور الآخر، قوله: (وفي عزله أي: الوكيل بعزله أي: الموكل له ولم يعلم الوكيل بذلك) هذا القول مقيد بما إذا أشهد الموكل على عزله، وكان عدم إعلامه بذلك لعذر كبعده عنه، فإن ترك إعلامه لغير عذر مطلقًا، أي: أشهد بعزله أم لا، أو ترك إعلامه لعذر ولم يشهد به مضي تصرفه اتفاقًا.
قوله: (خلاف) محله في غير وكيل خصام قاعد الخصم كثلاثة، وأما وكيل الخصام إذا قاعد خصم الموكل كثلاثة فإنه لا ينعزل بعزل الموكل له، سواء عزله في غيبته أو بحضرته كما مر، وفي عبق: لا ينعزل الوكيل بجنونه أو جنون موكله، إلا أن يطول جنون الموكل جدًّا، فينظر له الحاكم، ولا تنعزل زوجة وكيلة لزوجها بطلاقه لها، إلا أن يعلم من الموكل كراهة ذلك منها، وينعزل هو عن وكالته لها بطلاقه لها، كما استظهره ابن عرفة، وكأن الفرق أن الطلاق بيده، وإذا أظهر منه الأعراض كرهت بقاءه. اهـ، وانعزل الوكيل بردته أيام الاستتابة، وأما بعدها، فإن قتل فواضح وإن أخر لمانع كالحمل فقد تردد العلماء في عزله، وكذا ينعزل بردة موكله بعد مضي أيام الاستتابة ولم يرجع ولم يقتل لمانع، قوله: (إذ هي من العقود الجائزة) أي: الغير اللازمة، قوله: (كالقضاء) أي: فعقد القضاء من السلطان غير لازم فلمن ولي قاضيًا أن يفك عن نفسه، وكذا من وكل على شيء فله عزل نفسه، كتوكيله على عمل معين بأجرة معلومة (أو جعل) بأن يوكله على تقاضي دينه، ولم يعين له قدره أو عينه، ولكن لم يعين من هو عليه، وليس المراد وقوعها بلفظ إجارة أو جعالة (فكهما) ففي الإجارة تلزمهما بالعقد، وفي الجعالة تلزم الجاعل فقط بالشروع (وإلا) بأن وقعت بغير عوض (لم تلزم) وهذا من تتمة القول الثاني (تردد) ثم حيث لم تلزم إن ادعى الوكيل أن ما اشتراه لنفسه قُبِلَ قولُهُ.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (فقه شافعي) (5/ 54)
(4) تبطل الوكالة بفسخ أحد العاقدين، أو موته، أو بحجر السفه:
(وينعزل) أيضًا (بخروج أحدهما) أي: الموكل والوكيل (عن أهلية التصرف) (بموت أو جنون) وإن لم يعلم به الآخر أو قصر زمن الجنون؛ لأنه لو قارن منع الانعقاد، فإذا طرأ أبطله، وخالف ابن الرفعة فقال: الصواب: أن الموت ليس بعزل، وإنما تنتهي به الوكالة.
قال الزركشي: وفائدة عزل الوكيل بموته انعزال من وكله عن نفسه إن جعلناه وكيلًا عنه اهـ، وقيل: لا فائدة لذلك في غير التعاليق (وكذا إغماء) ينعزل به في الأصح؛ إلحاقًا له بالجنون، كما مر في الشركة، والثاني: لا ينعزل به؛ لأنه لم يلتحق بمن يولى عليه.
نعم، لا ينعزل وكيل رمى الجمار بإغماء موكله؛ لأنه زيادة في عجزه المشترط لصحة الإنابة، وذكره لهذه الثلاثة مثال فلا يرد عليه أن مثلها طرو نحو فسقه فيما شرطه السلامة من ذلك على ما مر، وردة الموكل ينبني العزل بها على أقوال ملكه، وفي ردة الوكيل وجهان، والذي جزم به في "المطلب" الانعزال بردة الموكل دون الوكيل، ولو تصرف نحو وكيل وعامل قراض بعد انعزاله جاهلًا في عين مال موكله لم يصح، وضمنها إن سلمها كما مر، أو في ذمته انعقد له.
(وبخروج) الوكيل عن ملك الموكل و(محل التصرف) أو منفعته (عن ملك الموكل) كأن أعتق أو باع ما وكل في بيعه أو إعتاقه أو آجر ما أذن في إيجاره؛ لزوال ولايته حينئذ، فلو عاد لملكه لم تعد الوكالة، ولو وكله في بيع ثم زوج أو أجر أو رهن وأقبض، كما قاله ابن كج أو وصى أو دبر أو علق العتق بصفة أخرى، كما بحثه البلقيني وغيره أو كاتب انعزل؛ لأن مريد البيع لا يفعل شيئًا من ذلك غالبًا، وقياس ما يأتي في الوصية الانعزال بما يبطل الاسم كطحن الحنطة، وهو الأوجه، ولو وكَّل قِنًّا بإذن مالكه ثم باعه أو أعتقه لم ينعزل.
نعم، يعصي بتصرفه بغير إذن مشتريه؛ لصيرورة منافعه مستحقة له.
شرح منتهى الإرادات للبهوتي (فقه حنبلي) (2/ 191)
(4) تبطل الوكالة بفسخ أحد العاقدين، أو موته، أو بحجر السفه:
(و) تبطل وكالة بـ (حجر لسفه) على وكيل أو موكل (حيث اعتبر رشد) كالتصرف المالي، فإن وكل في نحو طلاق ورجعة لم تبطل بسفه، وكذا لو وكل في نحو احتطاب أو استسقاء ماء ونحوه.
(و) تبطل وكالة (بسكر يفسق به) بخلاف ما أكره عليه (فيما ينافيه) الفسق (كإيجاب نكاح ونحوه) كاستيفاء حد وإثباته؛ لخروجه بالفسق عن أهلية ذلك التصرف.
(و) تبطل وكالة (لفلس موكل فيما حجر عليه فيه) كأعيان ماله؛ لانقطاع تصرفه فيها، بخلاف ما لو وكل في شراء شيء في ذمته، أو في ضمان أو اقتراض.
(و) تبطل وكالة (بردته) أي: الموكل؛ لمنعه من التصرف في ماله ما دام مرتدًّا، ولا تبطل بردة وكيل إلا فيما ينافيها.
(و) تبطل وكالة (بتدبيره) أي: السيد (أو كتابته قِنًّا وكل في عتقه)؛ لدلالته على رجوع الموكل عن الوكالة في العتق.
رد المحتار على الدر المختار (فقه حنفي) (5/ 540)
وهل تبطل الوكالة بحجر الفلس؟
(و) ينعزل (بعجز موكله لو مكاتبًا وحجره) أي: موكله (لو مأذونًا كذلك) أي: علم أو لا؛ لأنه عزل حكمي كما مر، وهذا (إذا كان وكيلًا في العقود والخصومة، أما إذا كان وكيلًا في قضاء دين واقتضائه وقبض وديعة فلا) ينعزل بحجر وعجز، ولو عزل المولى وكيل عبده المأذون لم ينعزل.
[رد المحتار]
قوله: (لو مكاتبًا) يؤخذ من عموم بطلان الوكالة بعزل الموكل أن للمكاتب والمأذون عزل وكيلهما أيضًا، كما نبه عليه في البحر.
وقال فيه: وإن باع العبد، فإن رضي المشتري أن يكون العبد على وكالته فهو وكيل، وإن لم يرض بذلك لم يجبر على الوكالة، كذا في كافي الحاكم، وهو يقتضي أن توكيل عبد الغير موقوف على رضا السيد، وقد سبق إطلاق جوازه على أنه لا عهدة عليه في ذلك إلا أن يقال: إنه من باب استخدام عبد الغير. ا.هـ.
ثم المكاتب لو كوتب أو أذن المحجور لم تعد الوكالة؛ لأن صحتها باعتبار ملك الموكل التصرف عند التوكيل، وقد زال ذلك، ولم يعد بالكتابة الثانية أو الإذن الثاني، شرح مجمع لابن ملك، قوله: (لم ينعزل)؛ لأنه حجر خاص، والإذن في التجارة لا يكون إلا عامًّا فكان العزل باطلًا، ألا ترى أن المولى لا يملك نهيه عن ذلك مع بقاء الإذن؟!
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (فقه مالكي) (3/ 396)
مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (فقه شافعي)(3/ 258)
رد المحتار على الدر المختار (فقه حنفي) (5/ 518)
(5) إذا تصـرف الوكيل في البيع والشـراء بغير ما حدده له موكله:
فلو اشتراه بغير النقود (أو بخلاف ما سمى) الموكل (له من الثمن وقع) الشراء (للوكيل)؛ لمخالفته أمره، وينعزل في ضمن المخالفة، عيني.
[رد المحتار]
قوله: (فلو اشتراه) تفريع على قوله: "حيث لم يكن مخالفًا"، قوله: (بغير النقود) أي: إذا لم يكن الثمن مسمى، قوله: (أو بخلاف) شمل المخالفة في الجنس والقدر، وفيه كلام، فانظره في البحر، قوله: (ما سمى) أي: إن كان الثمن مسمى، قوله: (فالشراء للوكيل) المسألة على وجوه، كما في البحر.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (فقه مالكي) (3/ 383)
(5) إذا تصـرف الوكيل في البيع والشـراء بغير ما حدده له موكله:
[حاشية الدسوقي]
(أو بيعه) أي: الوكيل (بأقل) مما سمى له الموكل ولو يسيرًا فيخير (أو اشترائه بأكثر) مما سمى له أو من ثمن المثل (كثيرًا) فيخير، وأما باليسير فلا؛ لأن شأن الشراء الزيادة؛ لتحصيل المطلوب.
ولذا قال (إلا كدينارين) الكاف استقصائية (في أربعين) وثلاثة في ستين وواحد في عشرين فلا خيار ليسارته، وشأن الناس التغابن في مثل ذلك، وفي نسخة: "لا كدينارين" بـ: لا النافية، وهي الصواب؛ لأنه بيان لمفهوم قوله: "كثيرًا"، كأنه قال: لا إن قلت الزيادة كدينارين... إلخ؛ إذ لا وجه للاستثناء، إلا أن تجعل "إلا" بمعنى "غير".
[حاشية الدسوقي]
قوله: (أو بيعه بأقل) أي: ومخالفته في بيعه بأقل، فـ "في" مقدرة، وهي للسببية، أي: ومخالفته بسبب بيعه؛ لأن المخالفة بسببه لا فيه، قوله: (أو اشترائه بأكثر) أي: أو مخالفته في اشترائه بأكثر، أي: بسبب اشترائه بأكثر، أي: بزيادة، وهي صادقة بكونها كثيرة أو يسيرة، فإن كانت كثيرة فالتخيير، وإن كانت يسيرة فلا خيار، وإلى ذلك أشار بقوله: "كثيرًا"، فأفاد الحكمين بالمنطوق والمفهوم، قوله: (إلا كدينارين إلخ) تقريره على أن الاستثناء خاص باشترائه بأكثر نحوه في ابن غازي، قال ح: وهو الذي مشى عليه عبد الحق وابن يونس واللخمي والمتيطي وصاحب الجواهر، وأما من باع بأقل مما سماه له الآمر ولو يسيرًا لم يلزم الآمر ذلك ويخير اهـ بن.
قوله: (الكاف استقصائية) أي: لأن الزيادة اليسيرة نصف العشر فأقل، وما زاد عليه فهو كثير، قوله: (وثلاثة في ستين) أي: وأربعة في ثمانين، وواحد في عشرين، أي: ونصف واحد في عشرة، وربع واحد في خمسة.
قوله: (وهو الصواب) أي: لأن القصد بيان المفهوم، لا الاستثناء؛ لأن ما قبل "إلا" لا يشمل ما بعدها، حتى يصح الاستثناء، قوله: (إلا أن تجعل إلخ) أي: أو يجعل الاستثناء منقطعًا.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (فقه شافعي) (5/ 44)
(5) إذا تصـرف الوكيل في البيع والشـراء بغير ما حدده له موكله:
(وإن) (قال): بع (بمائة) مثلًا (لم يبع بأقل) منها، ولو بتافه؛ لفوات اسم المائة المنصوص عليها له، وبه فارق البيع بالغبن اليسير؛ لأنه لا يمنع كونه بثمن المثل (وله) بل عليه (أن يزيد) عليها ولو من غير جنسها كما يأتي؛ لأن المفهوم من تقديرها عرفًا امتناع النقص عنها فقط، وليس له إبدال صفتها كمكسرة بصحاح وفضة بذهب (إلا أن يصرح بالنهي) عن الزيادة فتمتنع؛ إذ النطق أبطل حكم العرف، وكذا لو عين الشخص كبع بكذا من زيد فليس له الزيادة؛ لأن تعيينه دال على محاباته.
نعم، لو قال: بعه منه بمائة وهو يساوي خمسين لم تمتنع الزيادة، كما قاله الغزالي، وإنما جاز لوكيله في خلع زوجته بمائة مثلًا الزيادة؛ لأنه غالبًا يقع عن شقاق، فلا محاباة فيه، وألحق به ما لو وكله في العفو عن القود بنصف، فعفا بالدية حيث صح بها، وقد ينظر فيه بأنه لا قرينة هنا تنافي المحاباة، بخلاف الخلع، وقرينة قتله لمورثه يبطلها سماحة بالعفو عنه، لا سيما مع نصه على النقص عنها، ولا ينافي ما تقرر أنه لو وكله أن يشتري له عبد زيد بمائة جاز له شراؤه بأقل، ولم يحمل على ذلك؛ لأن البيع ممكن من المعين وغيره، فتمحض التعيين للمحاباة، والشراء لتلك العين غير ممكن إلا من مالكها، فضعف احتمال ذلك القصد، وظهر قصد التعريف، ولو أمره ببيع الرقيق مثلًا بمائة فباعه بها وثوب أو دينار صح عند جواز البيع بالزيادة؛ لأنه حصل غرضه، وزاد خيرًا، ولو قال: اشتر بمائة لا بخمسين جاز الشراء بالمائة وبما بينها وبين الخمسين لا بما عدا ذلك، أو بع بمائة لا بمائة وخمسين لم يجز النقص عن المائة ولا استكمال المائة والخمسين ولا الزيادة عليهما للنهي عن ذلك، ويجوز ما عداه، أو لا تبع أو لا تشتر بأكثر من مائة مثلًا وباع بثمن المثل وهو مائة أو ما دونها لا أكثر جاز؛ لإتيانه بالمأمور به، بخلاف ما إذا اشترى أو باع بأكثر من مائة للنهي عنه.
شرح منتهى الإرادات للبهوتي (فقه حنبلي) (2/ 195)
(5) إذا تصـرف الوكيل في البيع والشـراء بغير ما حدده له موكله:
(وإن باع وكيل) في بيع (أو) باع (مضارب بزائد على) ثمن (مقدر) أي: قدره له رب المال صح (أو) باعا بزائد على (ثمن مثل) إن لم يقدر لهما ثمنًا (ولو) كان الزائد (من غير جنس ما أمرا به) أي: الوكيل والمضارب بالبيع به (صح) البيع؛ لوقوعه بالمأذون فيه، وزيادة تنفع ولا تضر، ولأن من رضي بمائة لا يكره أن يزاد عليها ثوب أو نحوه، وإن قال: بعه بمائة درهم فباعه بمائة دينار، أو بتسعين درهمًا وعشرة دنانير ونحوه، أو بمائة ثوب، أو بثمانين درهمًا وعشرين ثوبًا لم يصح، ذكره القاضي للمخالفة، ويحتمل أن يصح فيما إذا جعل مكان الدراهم أو مكان بعضها دنانير؛ لأنه مأذون فيه عرفًا؛ لأن من رضي بدرهم رضي مكانه دينارًا، ذكره في المغني.
(وكذا) يصح البيع (إن باعا) أي: الوكيل والمضارب (بأنقص) عن مقدر أو ثمن (مثل، أو اشتريا بأزيد) عن مقدر أو ثمن مثل نصًّا؛ لأن من صح بيعه وشراؤه بثمن صح بأنقص منه وأزيد كالمريض (ويضمنان) أي: الوكيل والمضارب (في شراء) بأزيد من مقدر أو ثمن مثل (الزائد) عنهما.
(و) يضمنان (في بيع) بأنقص عن مقدر (كل النقص عن مقدر) ويضمنان في بيع إن لم يقدر لهما ثمن كل (ما لا يتغابن بمثله عادة) كعشرين من مائة، بخلاف ما يتغابن به كالدرهم من عشرة؛ لعسر التحرز منه، وحيث نقص ما لا يتغابن به ضمنا جميع ما نقص (عن ثمن مثل)؛ لأنه تفريط بترك الاحتياط، وطلب الحظ لإذنه، وفي بقاء العقد وتضمين المفرط جمع بين المصالح، وكذا شريك ووصي وناظر وقف وبيت مال ونحوهم.
رد المحتار على الدر المختار (فقه حنفي) (5/ 517)
(وكله بشراء عشرة أرطال لحم بدرهم فاشترى ضعفه بدرهم مما يباع منه عشرة بدرهم لزم الموكل منه عشرة بنصف درهم) خلافًا لهما والثلاثة.
قلنا: إنه مأمور بأرطال مقدرة، فينفذ الزائد على الوكيل، ولو شرى ما لا يساوي ذلك وقع للوكيل إجماعًا كغير موزون.
[رد المحتار]
قوله: (ضعفه) احترز عن الزيادة القليلة كعشرة أرطال ونصف فإنها لازمة للآمر؛ لأنها تدخل بين الوزنين فلا يتحقق حصول الزيادة، بحر عن غاية البيان.
قوله: (خلافًا لهما) فعندهما: يلزمه العشرون بدرهم؛ لأنه فعل المأمور وزاده خيرًا، منح. قوله: (كغير موزون) قيد به؛ لأن في القيميات لا ينفذ شيء على الموكل، منح.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (فقه مالكي) (3/ 383)
(6) وأما إذا كان في بيعه وشـرائه مصلحة للموكِّل فالبيع صحيح:
(أو بيعه) أي: الوكيل (بأقل) مما سمى له الموكل ولو يسيرًا فيخير (أو اشترائه بأكثر) مما سمى له أو من ثمن المثل (كثيرًا) فيخير، وأما باليسير فلا؛ لأن شأن الشراء الزيادة لتحصيل المطلوب.
ولذا قال: (إلا كدينارين) الكاف استقصائية (في أربعين) وثلاثة في ستين وواحد في عشرين فلا خيار ليسارته، وشأن الناس التغابن في مثل ذلك، وفي نسخة: "لا كدينارين" بـ "لا" النافية، وهي الصواب؛ لأنه بيان لمفهوم قوله: "كثيرًا"، كأنه قال: لا إن قلت الزيادة كدينارين إلخ؛ إذ لا وجه للاستثناء إلا أن تجعل "إلا" بمعنى "غير".
[حاشية الدسوقي]
قوله: (أو بيعه بأقل) أي: ومخالفته في بيعه بأقل فـ "في" مقدرة، وهي للسببية، أي: ومخالفته بسبب بيعه؛ لأن المخالفة بسببه لا فيه، قوله: (أو اشترائه بأكثر) أي: أو مخالفته في اشترائه بأكثر، أي: بسبب اشترائه بأكثر، أي: بزيادة وهي صادقة بكونها كثيرة أو يسيرة، فإن كانت كثيرة فالتخيير، وإن كانت يسيرة فلا خيار، وإلى ذلك أشار بقوله: "كثيرًا" فأفاد الحكمين بالمنطوق والمفهوم، قوله: (إلا كدينارين إلخ) تقريره على أن الاستثناء خاص باشترائه بأكثر نحوه في ابن غازي، قال ح: وهو الذي مشى عليه عبد الحق وابن يونس واللخمي والمتيطي وصاحب الجواهر، وأما من باع بأقل مما سماه له الآمر ولو يسيرًا لم يلزم الآمر ذلك ويخير اهـ بن.
قوله: (الكاف استقصائية) أي: لأن الزيادة اليسيرة نصف العشر فأقل، وما زاد عليه فهو كثير، قوله: (وثلاثة في ستين) أي: وأربعة في ثمانين، وواحد في عشرين، أي: ونصف واحد في عشرة، وربع واحد في خمسة.
قوله: (وهو الصواب) أي: لأن القصد بيان المفهوم لا الاستثناء؛ لأن ما قبل "إلا" لا يشمل ما بعدها حتى يصح الاستثناء، قوله: (إلا أن تجعل إلخ) أي: أو يجعل الاستثناء منقطعًا.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (فقه شافعي) (5/ 46)
(6) وأما إذا كان في بيعه وشـرائه مصلحة للموكِّل فالبيع صحيح:
(ولو) (قال: اشتر بهذا الدينار شاة ووصفها) بصفة، بأن بين نوعها وغيره مما مر في شراء العبد وإلا لم يصح التوكيل، فإن أريد بالوصف زيادة على ما مر ثَم كان شرطًا لوجوب رعاية الوكيل له في الشراء لا لصحة التوكيل حتى يبطل بعقده (فاشترى به شاتين بالصفة) ومثل ذلك ما لو اشترى شاة كذلك وثوبًا (فإن لم تساو واحدة) منهما (دينارًا لم يصح الشراء للموكل) وإن زادت قيمتهما جميعًا على الدينار؛ لانتفاء تحصيل غرضه، ثم إن وقع بعين الدينار بطل من أصله أو في الذمة ونوى الموكل، وكذا إن سماه خلافًا لما وقع للأذرعي هنا وقع للوكيل (وإن ساوته كل واحدة فالأظهر الصحة) أي: صحة الشراء (وحصول الملك فيهما للموكل)؛ لخبر عروة المار في بيع الفضولي، ولأنه حصل غرضه وزاد خيرًا، وإن لم توجد الصفة التي ذكرها في الزائد فيما يظهر وإن ساوته إحداهما فقط فكذلك، ولا ترد عليه؛ لأن الخلاف الذي فيها طرق لا أقوال، والأوجه اعتبار وقوع شرائهما في عقد واحد تقدمت في اللفظ أو تأخرت، وأما حالة تعدد العقد فتقع المساوية للموكل فقط.
شرح منتهى الإرادات للبهوتي (فقه حنبلي) (2/ 196)
(6) وأما إذا كان في بيعه وشـرائه مصلحة للموكِّل فالبيع صحيح:
(و) من قال لوكيله في بيع نحو ثوب: (بعه بدرهم فباع به) أي: الدرهم (وبعرض) كفلس أو كتاب صح (أو) باعه (بدينار صح) البيع؛ لأنه في الأولى باع بالمأذون فيه حقيقة وزيادة تنفع الموكل ولا تضره، وفي الثانية باع بمأذون فيه عرفًا، فإن من رضي بدرهم رضي مكانه بدينار (وكذا) لو قال لوكيله: بع هذا (بألف نساء فباع به) أي: الألف (حالًّا) فيصح (ولو مع ضرر) يلحق الموكل بحفظ الثمن؛ لأنه زاده خيرًا (ما لم ينهه) عن البيع حالًّا، فإن نهاه لم يصح؛ للمخالفة، وكل تصرف خالف الوكيل موكله فيه فكتصرف فضولي.
رد المحتار على الدر المختار (فقه حنفي)(5/ 516)
(7) إذا وكله في شـراء شـيء، فاشترى شـيئًا معيبًا:
(وللوكيل الرد بالعيب ما دام المبيع في يده)؛ لتعلق الحقوق به (ولوارثه أو وصيه ذلك بعد موته) موت الوكيل (فإن لم يكونا فلموكله ذلك) أي: الرد بالعيب، وكذا الوكيل بالبيع، وهذا إذا لم يسلمه (فلو سلمه إلى موكله امتنع رده إلا بأمره)؛ لانتهاء الوكالة بالتسليم، بخلاف وكيل باع فاسدًا فله الفسخ مطلقًا لحق الشرع، قنية.
[رد المحتار]
قوله: (بالعيب) أشار إلى أنه لو رضي بالعيب فإنه يلزمه، ثم الموكل إن شاء قَبِلَه، وإن شاء ألزم الوكيل، وقبل أن يلزم الوكيل لو هلك يهلك من مال الموكل، كذا في البزازية، وإلى أن الرد عليه لو كان وكيلًا بالبيع فوجد المشتري به عيبًا ما دام الوكيل عاقلًا من أهل لزوم العهدة، فلو محجورًا فعلى الموكل، بحر. قوله: (وهذا إلخ) لا حاجة إليه مع قول المتن: ما دام المبيع في يده ح، قوله: (مطلقًا) أي: وإن سلمه وقبض الثمن وسلمه إلى الموكل فيسترد الثمن منه بغير رضاه.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (فقه مالكي) (3/ 381)
(7) إذا وكله في شـراء شـيء، فاشترى شـيئًا معيبًا:
(و) له (رد المعيب) على بائعه (إن لم يعينه) أي: المعيب (موكله)، فإن عينه بأن قال له: اشتر لي هذه السلعة فلا رد للوكيل به، وهذا في الوكيل الغير المفوض، وإلا فله الرد، ولو عين له الموكل المبيع (وطولب بثمن) لسلعة.
[حاشية الدسوقي]
قوله: (وله رد المعيب) اللام بمعنى على، أي: يجب على الوكيل أن يرد المعيب إذا كان لا يعلم بالعيب حال شرائه، وإلا لزمه هو، إلا أن يشاء الموكل أخذه فله ذلك، أو يقل العيب والشراء فرصة فيلزم الموكل كما يأتي، وظاهره أنه يجب الرد على الوكيل، حيث لم يعلم بالعيب، سواء كان من العيوب الخفية كالسرقة، أو كان من الظاهرة وهو كذلك ما لم يكن ظاهرًا بحيث لا يخفى حتى على غير المتأمل، وإلا فلا رد له به، ويلزم الوكيل، هذا هو المعتمد، كما قال شيخنا، خلافًا لما في عبق وخش عن اللخمي. قوله: (فإن عينه فلا رد للوكيل به) أي: ويخير الموكل إما أن يقبله أو يرده على بائعه. قوله: (وإلا فله الرد) أي: فيجوز له أن يرد، كما يجوز له أن يقبل.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (فقه شافعي)(5/ 50)
(7) إذا وكله في شـراء شـيء، فاشترى شـيئًا معيبًا:
(وأحكام العقد تتعلق بالوكيل دون الموكل ....، فله الفسخ بخياري المجلس والشرط، وإن أجاز الموكل، بخلاف خيار العيب لا رد للوكيل إذا رضي به الموكل؛ لأنه لدفع الضرر عن المالك، وليس منوطًا باسم المتعاقدين، كما نيط به في الفسخ بخيار المجلس بخبر: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» وبخيار الشرط بالقياس على خيار المجلس (وإذا اشترى الوكيل طالبه البائع بالثمن إن كان دفعه) إليه (الموكل) للعرف، سواء اشترى بعينه أم في الذمة، ولتعلق أحكام العقد بالوكيل، وله مطالبة الموكل أيضًا على المذهب، كما ذكراه في معاملة العبيد (وإلا) بأن لم يدفعه إليه (فلا) يطالبه (إن كان الثمن معينًا)؛ لأنه ليس في يده وحق البائع مقصور عليه (وإن كان) الثمن (في الذمة طالبه) به دون الموكل (إن أنكر وكالته، أو قال: لا أعلمها)؛ لأن الظاهر أنه يشتري لنفسه والعقد وقع معه، ومسألة عدم العلم من زيادته على المحرر (وإن اعترف بها طالبه) به (أيضًا في الأصح) وإن لم يضع يده عليه (كما يطالب الموكل ويكون الوكيل كضامن) لمباشرته العقد (والموكل كأصيل)؛ لأنه المالك، ومن ثَم رجع عليه الوكيل إذا غرم، والثاني: لا يطالب الوكيل، بل الموكل فقط؛ لأن العقد وقع له، والوكيل سفير محض، وقيل عكسه؛ لأن الالتزام وجد معه، ولو أرسل من يقترض له فاقترض فهو كوكيل المشتري، فيطالب وإذا غرم رجع على موكله.
شرح منتهى الإرادات للبهوتي (فقه حنبلي) (2/ 198)
(7) إذا وكله في شـراء شـيء، فاشترى شـيئًا معيبًا:
(وليس له) أي: الوكيل (شراء معيب) مع الإطلاق؛ لأنه يقتضي السلامة؛ ولذلك جاز الرد بالعيب، وإذا علم) بعيبه قبل شرائه (لزمه) أي: الشراء؛ لدخوله في العقد على العيب (ما لم يرضه موكله) بعيبه، فإن رضيه فله؛ لأنه نوى العقد له (وإن جهل) وكيل عيبه حال عقد صح، وكان كشراء موكل بنفسه لمشقة التحرز من ذلك فإن رضيه موكل معيبًا فليس لوكيل رده؛ لأن الحق للموكل وإن سخطه أو كان غائبًا (فله) أي: الوكيل (رده) على بائعه؛ لقيامه مقام موكله، وكذا خيار غبن أو تدليس.
(وإذا ادعى بائع رضا موكله) بالعيب (وهو) أي: الموكل (غائب حلف) وكيل (أنه لا يعلم) رضا موكله (ورده) للعيب (ثم إن حضر) موكل (فصدق بائعًا) على رضاه بعيبه، أو قامت به بينة (لم يصح الرد)؛ لانعزال الوكيل من الرد برضا موكله بالعيب (وهو) أي: المعيب (باق لموكل) فله استرجاعه، ولو كانت دعوى الرضا من قِبَله.
وإن لم يدع بائع رضا موكل وقال له: توقف حتى يحضر الموكل، فربما رضي بالعيب لم يلزم الوكيل ذلك؛ لاحتمال هرب البائع، أو فوات الثمن بتلفه، وإن طاوعه لم يسقط رد موكل (وإن أسقط وكيل) اشترى معيبًا (خياره ولم يرض موكله) بالعيب (فله رده)؛ لتعلق الحق به (وإن أنكر بائع أن الشراء وقع لموكل) ولا بينة (حلف) بائع أنه لا يعلم أن الشراء وقع له (ولزم) البيع (الوكيل)؛ لرضاه بالعيب، والظاهر صدور العقد لمن باشره فيغرم الثمن، وإن صدق بائع أن الشراء لموكله أو قامت به بينة فله الرد وإن وجد من الوكيل ما يسقطه.
(ولا يرد) وكيل (ما عينه له موكل) كـ اشتر هذا العبد أو الثوب فاشتراه (بعيب وجده) فيه (قبل إعلامه) أي: الموكل؛ لقطعه نظر وكيله بتعيينه، فربما رضيه على جميع أحواله، فإن علم الوكيل عيب ما عين له قبل شرائه فله شراؤه؛ لما تقدم.
رد المحتار على الدر المختار (فقه حنفي) (5/ 516)
(9) اعلم أن الوكيل أمين، فلا يضمن ما تلف عنده إلا بالتعدي أو التفريط:
(هلك المبيع من يده قبل حبسه هلك من مال موكله ولم يسقط الثمن)؛ لأن يده كيده (ولو) هلك (بعد حبسه فهو كمبيع) فيهلك بالثمن، وعند الثاني كرهن (ولا اعتبار بمفارقة الموكل) ولو حاضرًا، كما اعتمده المصنف تبعًا للبحر، خلافًا للعيني وابن ملك (بل بمفارقة الوكيل).
[رد المحتار]
قوله: (فهو كمبيع) عند محمد، وهو قول أبي حنيفة، ابن كمال، قوله: (كرهن) أي: فيهلك بالأقل من قيمته ومن الثمن.
وعند زفر كغصب، فإن كان الثمن مساويًا للقيمة فلا اختلاف، وإن كان الثمن عشرة والقيمة خمسة عشر، فعند زفر يضمن خمسة عشر، لكن يرجع الموكل على الوكيل بخمسة، وعند الباقين يضمن عشرة، وإن كان بالعكس فعند زفر يضمن خمسة عشرة، ويطلب الخمسة من الموكل، وكذا عند أبي يوسف؛ لأن الرهن يضمن بالأقل من قيمته والدين، وعند محمد: يكون مضمونًا بالثمن وهو خمسة عشر، ابن كمال، قوله: (وابن ملك) أي: والحدادي، نقلًا عن المستصفى، ومشى عليه في درر البحار، وعزاه صاحب النهاية إلى الإمام خواهر زاده.
واستشكله الزيلعي وصاحب العناية بأن الوكيل أصيل في باب البيع، حضر الموكل العقد أو لم يحضر.
وقال الزيلعي: وإطلاق المبسوط وسائر الكتب دليل على أن مفارقة الموكل لا تعتبر أصلًا، ولو كان حاضرًا، وهذا منشأ ما مشى عليه المصنف تبعًا للبحر، لكن أجاب العيني عن الإشكال بأن الوكيل نائب فإذا حضر الأصيل فلا يعتبر النائب. ا. هـ.
وتعقبه الحموي بأن الوكيل نائب في أصل العقد أصيل في الحقوق فلا اعتبار بحضرة الموكل، وبه علمت أن ما ذكره الشارح، أي: العيني في غير محله.
قلت: والذي يدفع الإشكال من أصله ما قدمه الشارح عن الجوهرة من أن العهدة على آخذ الثمن لا العاقد لو حضرا في أصح الأقاويل، وما ذكره العيني وصاحب العناية مبني على القول الآخر من أنه لا عبرة بحضرته، وهو ما مشى عليه في المتن سابقًا، فتنبه.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (فقه مالكي) (3/ 381)
(9) اعلم أن الوكيل أمين، فلا يضمن ما تلف عنده إلا بالتعدي أو التفريط:
فإن عينه بأن قال له: اشتر لي هذه السلعة، فلا رد للوكيل به، وهذا في الوكيل الغير المفوض، وإلا فله الرد، ولو عين له الموكل المبيع (وطولب بثمن) لسلعة اشتراها لموكله أو باعها له (ومثمن) كذلك اشتراه أو باعه لموكله (ما لم يصرح بالبراءة) من الثمن أو المثمن، فإن صرح بأن قال: لا أتولى ذلك لم يطالب، وإنما يطالب موكله وشبه في مفهوم لم يصرح، قوله: (كبعثني فلان لتبيعه) كذا، أو ليشتري منك كذا، فلا يطالب بالثمن، فإن أنكر فلان أنه أرسله فالثمن على الرسول (لا) إن قال: بعثني (لأشتري منك)، أو لأشتري له منك، فيطالب الرسول ما لم يقر المرسل بأنه أرسله، فالطلب على المرسل (و) طولب الوكيل (بالعهدة) من عيب أو استحقاق (ما لم يعلم) المشتري أنه وكيل، وإلا فالطلب على الموكل لا الوكيل، إلا أن يكون مفوضًا.
[حاشية الدسوقي]
قوله: (اشتراها لموكله أو باعها له) والمطالب له بالثمن في الأولى البائع الأجنبي، وفي الثانية موكله، قوله: (ومثمن) أي: وطولب بمثمن اشتراه، قوله: (أو باعه لموكله) والمطالب به في الأولى موكله، وفي الثانية الأجنبي عكس ما قبله، قوله: (ما لم يصرح بالبراءة) أي: وما لم يكن العرف عدم طلبه بهما وإلا عمل به كما مر، قوله: (لا أتولى ذلك) أي: نقد الثمن أو دفع المثمن، بل يتولاه الموكل، دوني، قوله: (لم يطالب) أي: لا بثمن ولا بمثمن، قوله: (وشبه في مفهوم لم يصرح) أي: وهو ما إذا صرح بالبراءة، قوله: (لتبيعه كذا) أي: بمائة، وقوله: أو ليشتري منك كذا أي: بمائة مثلًا فرضي صاحب السلعة، قوله: (لا لأشتري منك إلخ) الفرق بين هذه وما قبلها أنه في هذه أسند الشراء لنفسه، وما قبلها أسنده لغيره.
قوله: (أو لأشتري له منك) أي: فزيادة له لا تخرجه عن كونه وكيلًا، ولو نص المصنف على هذه لفهمت صورته بالأولى، قوله: (ما لم يقر المرسل إلخ) فيه نظر، والصواب كما في بن: أنه إذا أقر المرسل بأنه أرسله كان للبائع غريمان، فيبتع أيهما شاء، كما نقله في التوضيح وح، إلا أن يحلف المرسل أنه دفع الثمن للرسول فإنه يبرأ أو يتبع الرسول، كما في ابن عرفة.
قوله: (وطولب الوكيل بالعهدة) أي: طولب الوكيل على البيع بالعهدة، أي: طالبه المشتري بها، فإذا باع الوكيل سلعة، وظهر بها عيب، أو حصل فيها استحقاق، رجع المشتري على الوكيل، قوله: (ما لم يعلم المشتري أنه وكيل) أي: كالسمسار، أي: وما لم يحلف الوكيل أنه كان وكيلًا في البيع، كما نقله المواق عن المدونة معترضًا به إطلاق المصنف، قوله: (إلا أن يكون مفوضًا) أي: فإن كان مفوضًا كان له الرجوع عليه وعلى الموكل، فيصير له غريمان، يتبع أيهما شاء، كالشريك المفوض والمقارض.
والحاصل: أن الوكيل إن كان غير مفوض فإنه يطالب بالعهدة، ما لم يحلف أو يعلم المشتري أنه وكيل، وإلا كان المطالب بها الموكل، وإن كان مفوضًا كان للمشتري الرجوع عليه، لا فرق بين عدم علم المشتري أنه وكيل أو علم أنه وكيل فقط أو علم أنه وكيل مفاوض، وفي المفوض يصير للمشتري غريمان، كما علمت.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (فقه شافعي) (5/ 48)
(9) اعلم أن الوكيل أمين، فلا يضمن ما تلف عنده إلا بالتعدي أو التفريط.
(ويد الوكيل يد أمانة، وإن كان بجعل)؛ لنيابته عن موكله في اليد والتصرف، ولأنه عقد إحسان، والضمان منفر عنه (فإن تعدى ضمن) كسائر الأمناء، ومن التعدي أن يضيع المال منه ولا يعرف كيف ضاع أو وضعه بمحل ثم نسيه، وهل يضمن بتأخير ما وكل في بيعه؟ وجهان، أوجههما عدمه إن لم يكن مما يسرع فساده وأخره مع علمه بالحال من غير عذر (ولا ينعزل) بالتعدي بغير إتلاف الموكل فيه (في الأصح)؛ لأن الوكالة إذن في التصرف، والأمانة حكم يترتب عليها، ولا يلزم من ارتفاعها ارتفاع أصلها كالرهن، والثاني: ينعزل كالمودع، ورد بأن الوديعة محض ائتمان، ومحل هذا الوجه إذا تعدى بالفعل، فإن تعدى بالقول كما لو باع بغبن فاحش ولو بسلم لم ينعزل جزمًا؛ لأنه لم يتعد فيما وكل فيه، ونحوه في الكفاية عن البحر.
نعم، لو كان وكيلًا عن ولي أو وصي انعزل، كما بحثه الأذرعي وغيره، كالوصي يفسق؛ إذ لا يجوز إبقاء مال محجور بيد غير عدل، وهو محمول على عدم إبقاء المال في يده، أما بالنسبة إلى عدم بقائه وكيلًا فلا؛ لعدم كونه وليًّا فلا يمتنع عليه الإتيان بالتصرف الموكل فيه، ولا ينافيه ما مر من أن الولي لا يوكل في مال المحجور عليه فاسقًا؛ لأن ذاك بالنسبة للابتداء، ويغتفر هنا طرو فسقه؛ إذ يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء، ويزول ضمانه عما تعدى فيه ببيعه وتسليمه، ولا يضمن ثمنه؛ لانتفاء تعديه فيه، فلو رد عليه بعيب مثلًا بنفسه أو بالحاكم عاد الضمان مع أن العقد قد يرتفع من حينه على الراجح غير أنا لا نقطع النظر عن أصله بالكلية، فلا يشكل بما لو وكل مالك المغصوب غاصبه في بيعه فباعه فإنه يبرأ ببيعه، وإن لم يخرج من يده حتى لو تلف في يده قبل قبض مشتريه لم يضمنه؛ لوضوح الفرق بينهما وهو قوة يد الوكيل الذي طرأ تعديه؛ لكونه نائبًا عن الموكل في اليد والتصرف مع كونها يد أمانة، فكأنها لم تزل، وضعف يد الغاصب؛ لتعديه، فليست بيد شرعية، فانقطع حكمها بمجرد زوالها، وتقدم أنه لو تعدى بسفره بما وكل فيه وباعه فيه ضمن ثمنه، وإن تسلمه وعاد من سفره فيستثنى مما مر، ولو امتنع الوكيل من التخلية بين الموكل والمال بعذر لم يضمن وإلا ضمن كالمودع، ولو قال له: بع هذا ببلد كذا، واشتر لي بثمنه قِنًّا جاز له إيداعه في الطريق أو المقصد عند حاكم أمين ثم أمين؛ إذ العمل غير لازم له، ولا تغرير منه، بل المالك هو المخاطر بماله، ومن ثم لو باعه لم يلزمه شراء القِنّ، ولو اشتراه لم يلزمه رده، بل له إيداعه عند من ذكر، وليس له رد الثمن حيث لا قرينة ظاهرة تدل على رده فيما يظهر؛ لأن المالك لم يأذن فيه، فإن علا فهو في ضمانه إلى وصوله لمالكه.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (فقه شافعي) (5/ 51)
(9) اعلم أن الوكيل أمين، فلا يضمن ما تلف عنده إلا بالتعدي أو التفريط:
(وإذا) (قبض الوكيل بالبيع الثمن) حيث جوزناه له (وتلف في يده) أو بعد خروجه عنها (وخرج المبيع مستحقا رجع عليه المشتري) ببدل الثمن (وإن اعترف بوكالته في الأصح)؛ لدخوله في ضمانه بقبضه، والثاني: يرجع به على الموكل وحده؛ لأن الوكيل سفير محض (ثم يرجع الوكيل) إذا غرم (على الموكل) بما غرمه؛ لأنه غره، ومحله ما لم يكن منصوبًا من جهة الحاكم، وإلا فلا يكون طريقًا في الضمان؛ لأنه نائب الحاكم، وهو لا يطالب (قلت: وللمشتري الرجوع على الموكل ابتداء في الأصح، والله أعلم)؛ لأن الوكيل مأمور من جهته، ويده كيده، وعلم من كلامه تخيير المشتري في الرجوع على من شاء منهما، وأن القرار على الموكل، ويأتي ما تقرر في وكيل مشتر تلف المبيع في يده، ثم ظهر مستحقًّا، والثاني: لا يرجع على الموكل؛ لأنه تلف تحت يد الوكيل، وقد بان فساد الوكالة، وخرج بالوكيل فيما ذكر الولي فيضمن وحده الثمن إن لم يذكر موليه في العقد، وإلا ضمنه المولي، والفرق: أن شراء الولي لازم للمولى عليه بغير إذنه، فلم يلزم الولي ضمانه، بخلاف الوكيل.
وفي أدب القضاء للغزي: لو اشترى في الذمة بنية أنه لابنه الصغير فهو للابن والثمن في ماله، أعني: الابن، بخلاف ما لو اشترى له بمال نفسه يقع للطفل، ويصير كأنه وهبه الثمن، أي: كما قاله القاضي، وقال القفال: لا يقع للأب، قال في الأنوار: وهو الأوفق لإطلاق الأصحاب والكتب المعتبرة.
شرح منتهى الإرادات للبهوتي (فقه حنبلي) (2/ 199)
(9) اعلم أن الوكيل أمين، فلا يضمن ما تلف عنده إلا بالتعدي أو التفريط:
(وليس لوكيل في بيع تقليبه) أي: المبيع (على مشتر إلا بحضرة موكل)؛ لأن الإذن في البيع لا يتناوله، فإن حضر الموكل جاز؛ لدلالة الحال على رضاه به (وإلا) بأن دفعه إليه ليقلبه بحيث يغيب به عن الوكيل كأخذه ليريه أهله (ضمن) الوكيل؛ لتعديه، قاله في النوادر.
وفي الفروع: ويتوجه العرف (ولا) لوكيل في بيع شيء (بيعه ببلد آخر)؛ لعدم تعارفه، فلا يقضيه الإطلاق (فيضمن) تلفه قبل بيعه؛ لتعديه (ويصح) بيعه له ببلد آخر؛ لما تقدم، أو الوكالة لا تبطل بتعديه (ومع مؤنة نقل) لمبيع لا يصح بيعه في بلد آخر؛ لأن فيه دلالة على رجوعه عن التوكيل؛ لأن مثل ذلك لا يفعله بغير إذن صريح إلا متصرف لنفسه، ذكره في شرحه بحثًا.