البحر الرائق شرح كنز الدقائق - ابن نجيم - (8/ 554) (المذهب الحنفي)
(وحرم شرط الجعل من الجانبين لا من أحد الجانبين)؛ لما روى ابن عمر - رضي الله عنهما - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سبق بالخيل وراهن»، ومعنى شرط الجُعْل من الجانبين أن يقول: إن سبق فرسك فلك علي كذا، وإن سبق فرسي فلي عليك كذا، وهو قمار فلا يجوز؛ لأن القمار من القمر الذي يزاد تارة، وينقص أخرى وسمي القمار قمارًا؛ لأن كل واحد من القمارين ممن يجوز أن يذهب ماله إلى صاحبه ويجوز أن يستفيد مال صاحبه فيجوز الازدياد والنقصان في كل واحدة منهما، فصار ذلك قمارًا، وهو حرام بالنص، ولا كذلك إذا شرط من جانب واحد، بأن يقول: إن سبقتني فلك علي كذا، وإن سبقتك فلا شيء لي عليك؛ لأن النقصان والزيادة لا يمكن فيهما، وإنما في أحدهما يمكن الزيادة، وفي الأخرى النقصان، فلا يكون مقامرة؛ لأن المقامرة مفاعلة منه، فيقتضي أن يكون من الجانبين، وإذا لم يكن في معناه جاز استحسانًا؛ لما روينا، والقياس أنه لا يجوز؛ لما فيه من تعليق الملك على الخطر؛ ولهذا لا تجوز فيما عدا الأربعة المذكورة في الكتاب كالبغل، وإن كان الجعل مشروطًا من أحد الجانبين، وفي الحديث إشارة إليه؛ لأنه خصص هؤلاء، والمراد به الاستباق بلا جعل يجوز في كل شيء، ولا يمكن إلحاق ما شرط فيه الجعل؛ لأنه ليس في معناه؛ لأن المانع فيه من وجهين: القمار، والتعليق بالخطر، وفي الآخر من وجه واحد هو: التعليق بالخطر لا غير، فليس بمثل له حتى يقاس عليه، وشرطه أن تكون الغاية مما تتحملها الفرس، وكذا شرطه أن يكون في كل واحد من الفرسين احتمال السبق.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير - الدردير - (2/ 209) (المذهب المالكي)
قوله: (وأما غير هذه الثلاثة) أي: كالمسابقة على البغال والحمير والفيلة، قوله: (شرط في جواز المسابقة) أي: بجعل، قوله: (فلا تصح بغرر) أي: بذي غرر كعبد آبق أو بعير شارد، قوله: (ولا مجهول) أي: كالذي في الجيب، وفي الصندوق، والحال أنه لا يعلم قدره أو جنسه، فلو وقعت المسابقة بممنوع مما ذكر فالظاهر أنه لا شيء فيها؛ لأنه لم ينتفع الجاعل بشيء حتى يقال: عليه جُعْل المثل، خلافًا لما في البدر القرافي، بل تكون كالمجانية، كذا قرر شيخنا.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير - الدردير - (2/ 209) (المذهب المالكي)
قوله: (وأخرجه متبرع) المسابقة في هذه جائزة اتفاقًا، وأما في الثانية وهي قوله: "أو أحدهما" فهي جائزة، على المشهور، كما في عبق، وفي المواق: أنها جائزة اتفاقًا عند ابن رشد، قوله: (فلمن حضر) أي: المسابقة على الظاهر، ويحتمل لمن حضر العقد، ويحتمل لمن حضرهما، وهل لمخرج الجعل الأكل معهم منه أم لا قياسًا على الصدقة تعود إليه؟ قولان، قوله: (ولا يشترط في صحة العقد التصريح...) إلخ، هذا هو الصواب، خلافًا لما في خش من اشتراط ذلك قائلًا: كان الأولى للمصنف أن يقول: على أن من سبق... إلخ. اهـ.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير - الدردير - (2/ 210) (المذهب المالكي)
قوله: (ولو بمحلل) أي: ولو وقع عقد المسابقة على الوجه المتقدم مع محلل، ورد بلو على من قال بالجواز مع المحلل، وهو ابن المسيب، وقال به مالك مرة، ووجهه أنهما مع المحلل صارا كاثنين أخرج أحدهما دون الآخر، قاله بن، وفيه أنه إذا أخرج أحدهما ليأخذ إذا سبق ممنوع.
والذي في ح عن الجزولي توجيه ذلك القول بأن دخول الثالث يدل على أنهما لم يقصدا القمار، وإنما قصدا القوة على الجهاد، فتدبر، وعلى ذلك القول إذا سبق المحلل أخذ الجعل منهما، وإذا سبق أحدهما مع المحلل أخذ ذلك الأحد ماله وقسم المال الآخر مع المحلل؛ إذ ليس له عليه مزية. اهـ. بن. قوله: (من المتبرع) بل وكذا إن كان الجعل منهما معًا، وكان بينهما محلل بناء على القول بالجواز المشار له بلو، فيجوز أن يخرج أحدهما خمسة والآخر عشرة، كما قال ابن يونس، قوله: (أو موضع الإصابة) بالجر عطفا على الجعل، قوله: (بل يجوز اشتراط...) إلخ، أي: كأن يقول أحدهما: أنا أصيب الغرض أربعة من عشرة خرقًا في أدناه، أي: في أسفله، وأنت تصيبه أربعة من عشرة خرقًا أو خسفًا من وسطه أو من أعلاه.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج - شهاب الدين الرملي - (8/ 166) (المذهب الشافعي)
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج - شهاب الدين الرملي - (8/ 167) (المذهب الشافعي)
وقال الإمام: لو أخرج المال من يقطع بتخلفه جاز؛ لأنه كالباذل جعلًا، ولو أخرجاه معًا ولا محلل وأحدهما يقطع بسبقه فالسابق كالمحلل؛ لأنه لا يغرم شيئًا، وشرط المال من جهته لغو، قالا: وهو حسن، وعلم من هذا اشتراط اتحاد الجنس لا النوع، وإن تباعد النوعان إن وجد الإمكان المذكور.
نعم، لو وقع السباق بين بغل وحمار جاز؛ لتقاربهما، وأخذ بعضهم من ذلك اعتبار كون أحد أبوي البغل حمارًا (والعلم بالمال المشروط) جنسًا وقدرًا وصفة كسائر الأعواض، ويجوز كونه عينًا ودينًا، حالًّا أو مؤجلًا، أو بعضه كذا وبعضه كذا، فإن كان معينًا كفت مشاهدته، أو في الذمة وصف، فلو عقدا على مجهول فسد العقد، واستحق السابق أجرة مثله، ولا بد من ركوبهما لهما، فلو شرطا جريانهما بأنفسهما فسد العقد، واستحق السابق أجرة مثله، ويعتبر اجتناب الشروط المفسدة كإطعام السبق لأصحابه، أو إن سبقه لا يسابقه إلى شهر وإسلامهما، كما بحثه البلقيني؛ لأن مبيحه غرض الجهاد (ويجوز شرط المال من غيرهما بأن يقول الإمام أو أحد الرعية: من سبق منكما فله في بيت المال) كذا، وهذا مختص بالإمام أو نائبه (أو) فله (علي كذا) وهذا عام لكل أحد حتى الإمام؛ لما في ذلك من الحض على تعلم الفروسية وبذل مال في قربة، ويؤخذ منه ندب ذلك (و) يجوز شرطه (من أحدهما فيقول: إن سبقتني فلك علي كذا، وإن سبقتك فلا شيء) لي (عليك)؛ إذ لا قمار.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج - شهاب الدين الرملي - (8/ 168) (المذهب الشافعي)
(إلا بمحلل) كفء لهما في المركوب وغيره و (فرسه) مثلًا المعين (كفء) بتثليث أوله، أي: مساو (لفرسيهما) إن سبق أخذ مالهما، وإن سبق لم يغرم شيئًا؛ ولهذا سمي محللًا لحل المال بسببه، وحينئذ فيصح؛ للخبر الصحيح: «من أدخل فرسًا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فليس بقمار، ومن أدخل فرسًا بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار» فإذا كان قمارًا عند الأمن من سبق فرس المحلل، فعند عدم المحلل أولى، وقوله فيه: "بين فرسين" للغالب، فيجوز كونه بجنب أحدهما إن رضيا، وإلا تعين التوسط، ويكفي محلل واحد بين أكثر من فرسين، فالتثنية في كلام المصنف فاعل مطابق للخبر، أما إذا لم يكافئ فرسه فرسيهما فلا يصح نظير ما مر، وينبغي للمحلل أن يجري فرسه بين فرسيهما، فإن أجراها بجنب أحدهما جاز حيث تراضيا بذلك، والمحلل بكسر اللام.
(فإن سبقهما أخذ المالين) سواء أجاءا معًا أم مرتبًا (وإن سبقاه وجاءا معه) أو لم يسبق أحد (فلا شيء لأحد وإن جاء مع أحدهما) وتأخر الآخر (فمال هذا) الذي جاء معه (لنفسه)؛ لأنه لم يسبق (ومال المتأخر للمحلل والذي معه)؛ لأنهما سبقاه (وقيل: للمحلل فقط) بناء على أنه محلل لنفسه، والأصح أنه محلل لنفسه ولغيره (وإن جاء أحدهما ثم المحلل ثم الآخر) أو سبقاه وجاءا مرتبين أو سبق أحدهما وجاء مع المتأخر (فمال الآخر للأول في الأصح)؛ لسبقه لهما.
دقائق أولي النهى لشرح المنتهى - البهوتي - (2/ 277: 279) (الحنبلي)
و (لا) تجوز مسابقة (بعوض) أي: مال لمن سبق (إلا في مسابقة خيل وإبل وسهام) أي: نشاب ونبل للرجال، قاله في الإقناع؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر» رواه الخمسة، ولم يذكر ابن ماجه: "نصل"، ولأنها آلات الحرب المأمور بتعلمها وأحكامها؛ فلذلك اختص بها، وذكر ابن عبد البر تحريم الرهن في غير الثلاثة إجماعًا (بشروط خمسة، أحدها: تعيين المركوبين) في المسابقة (و) تعيين (الرماة) في المناضلة (برؤية) فيهما (سواء كانا اثنين أو جماعتين)؛ لأن القصد في المسابقة معرفة ذات المركوبين المسابق عليهما ومعرفة عددهما، وفي المناضلة: معرفة حذق الرماة، ولا يحصل ذلك إلا بالتعيين بالرؤية، فإن عقد اثنان مناضلة ومع كل منهما نفر غير متعين لم يجز، وإن بان بعض الحزب كثير الإصابة أو عكسه فادعى أحدهما ظن خلافه لم يقبل، و (لا) يشترط تعيين (الراكبين ولا القوسين)؛ لأنهما آلة للمقصود كالسرج، والقصد معرفة عدو الفرس وحذق الرامي، كما سبق.
وكل ما تعين لا يجوز إبداله، كما في البيع، وما لا يتعين يجوز إبداله مطلقًا، وإن شرط أن لا يرمي بغير هذا القوس أو السهم أو لا يركب غير فلان ففاسد؛ لمنافاته مقتضى العقد.
الشرط (الثاني: اتحاد المركوبين) بالنوع في المسابقة (أو) اتحاد (القوسين بالنوع) في المناضلة؛ لأن التفاوت بين النوعين معلوم بحكم العادة، أشبها الجنسين (فلا تصح) مسابقة (بين) فرس (عربي و) فرس (هجين) أي: أبوه فقط عربي (ولا) المناضلة بين (قوس عربية) أي: قوس النبل (و) قوس (فارسية) أي: قوس النشاب، قاله الأزهري، ولا يكره الرمي بها.
فإن لم يذكر أنواع القوس التي يرميان بها في الابتداء لم يصح.
الشرط (الثالث: تحديد المسافة) بالابتداء (والغاية و) تحديد (مدى رمي بما جرت به العادة) أما في المسابقة: فلأن الغرض معرفة الأسبق، ولا يحصل إلا بالتساوي في الغاية؛ لأن من الحيوان ما يقصر في أول عَدْوه ويسرع في انتهائه، وبالعكس، فيحتاج إلى غاية تجمع حاليه، فإن استبقا بلا غاية لينظر أيهما يقف أولًا لم يجز؛ لأنه يؤدي إلى أن لا يقف أحدهما حتى ينقطع فرسه، ويتعذر الإشهاد على السبق فيه، وأما في المناضلة: فلأن الإصابة تختلف بالقرب والبعد، فإن قيد بمدى تتعذر فيه الإصابة غالبًا، وهو ما زاد على ثلاثمائة ذراع لم يصح؛ لأنه يفوت به الغرض المقصود بالرمي، وقد قيل: إنه ما رمى في أربعمائة ذراع إلا عقبة بن عامر الجهني.
الشرط (الرابع: علم عوض)؛ لأنه مال في عقد، فوجب العلم به كسائر العقود، ويعلم بالمشاهدة أو الوصف، ويجوز حالًّا ومؤجلًا، وبعضه حال وبعضه مؤجل، كالبيع (وإباحته) أي: العوض؛ لما تقدم (وهو) أي: العوض أي: بذله (تمليك) للسابق (بشرط سبقه)؛ ولهذا قال في الانتصار في شركة العنان: القياس لا يصح.
الشرط (الخامس: الخروج) بالعوض (عن شبه قمار) بكسر القاف، يقال: قامره قمارًا ومقامرة، فقمره إذا راهنه فغلبه (بأن لا يخرج جميعهم) العوض؛ لأنه إذا أخرجه كل منهم لم يخل عن أن يغنم أو يغرم، وهو شبه القمار.
(فإن كان) الجعل (من الإمام) على أن من سبق فهو له؛ جاز، ولو من بيت المال؛ لأن فيه مصلحة، وحثًّا على تعلم الجهاد، ونفعًا للمسلمين (أو) كان الجعل من (غيره) أي: الإمام على أن من سبق فهو له جاز؛ لما فيه من المصلحة والقربة، كما لو اشترى به سلاحًا أو خيلًا (أو) كان الجعل (من أحدهما) أي: المتسابقين أو من اثنين فأكثر منهم إذا كثروا وثَمَّ من لم يخرج (على أن من سبق أخذه جاز)؛ لأنه إذا جاز بذله من غيرهم فأولى أن يجوز من بعضهم.
(فإن جاءا) أي: المتسابقان منتهى الغاية (معًا فلا شيء لهما) من الجعل؛ لأنه لم يسبق أحدهما الآخر (وإن سبق مخرج) عوض (أحرزه، ولم يأخذ من صاحبه شيئًا)؛ لئلا يكون قمارًا (وإن سبق الآخر) الذي لم يخرج (أحرز سبق صاحبه) فملكه كسائر ماله، كالعوض في الجعالة إذا وفى بالعمل، فإن كان عينًا أخذه وإن كان في الذمة فدين يقضى به عليه، ويجبر عليه إن كان موسرًا، وإن أفلس ضرب به مع الغرماء (وإن أخرجا) أي: المتسابقان (معًا لم يجز) تساويا أو تفاضلا؛ لأنه قمار؛ إذ لا يخلو كل منهما عن أن يغنم أو يغرم (إلا بمحلل لا يخرج شيئًا).
(ولا يجوز) كون محلل (أكثر من واحد) لدفع الحاجة به (يكافئ مركوبه) أي: المحلل (مركوبيهما) في المسابقة (أو) يكافئ (رميه رميهما) في المناضلة؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «من أدخل فرسًا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فليس قمارًا، ومن أدخل فرسًا بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار» رواه أبو داود، ولأن غير المكافئ وجوده كعدمه.