رد المحتار على الدر المختار (16/ 425 - 428) (المذهب الحنفي)
كتاب اللقطة:
(هي) بالفتح وتسكن: "اسم وضع للمال الملتقط" عيني.
وشرعًا: "مال يوجد ضائعًا". ابن كمال.
وفي التتارخانية عن المضمرات: "مال يوجد ولا يعرف مالكه، وليس بمباح كمال الحربي".
وفي المحيط (رفع شيء ضائع للحفظ على غير، لا للتمليك) وهذا يعم ما علم مالكه كالواقع من السكران، وفيه: أنه أمانة، لا لقطة؛ لأنه لا يعرف، بل يدفع لمالكه....
الشرح:
كتاب اللقطة: تقدم وجه تقديم اللقيط عليها.
وقال في العناية: هما متقاربان لفظًا ومعنى، وخص اللقيط ببني آدم، واللقطة بغيرهم؛ للتمييز بينهما، وقدم الأول؛ لشرف بني آدم. قوله: (بالفتح) أي: فتح القاف مع ضم اللام وبفتحهما كما في القاموس، قوله: (وتسكن) قال الأزهري: الفتح قول جميع أهل اللغة وحذاق النحويين.
وقال الليث: هي بالسكون، ولم أسمعه لغيره، ومنهم من يعد السكون من لحن العوام، مصباح.
قوله: (اسم وضع للمال الملتقط) فهو حقيقة، لا مجاز، وهذا هو المتبادل من كتب اللغة، لكن اختار في الفتح أنها مجاز؛ لأنها بالفتح وصف مبالغة للفاعل كهُمَزَة ولُمَزَة لكثير الهمز واللمز، وبالسكون للمفعول كضُحْكة وهُزْأة لمن يضحك منه، ويهزأ به، وإنما قيل للمال لقطة بالفتح؛ لأن الطباع في الغالب تبادر إلى التقاطه؛ لأنه مال، فصار باعتبار أنه داع إلى أخذه لمعنى فيه كأنه الكثير الالتقاط مجازًا، وإلا فحقيقته الملتقط الكثير الالتقاط، وما عن الأصمعي وابن الأعرابي أنه بالفتح اسم للمال أيضًا محمول على هذا. ا هـ.
قوله: (وشرعًا: مال يوجد ضائعًا) الظاهر أنه مساو للمعنى اللغوي المذكور، ومثله قول المصباح: الشيء الذي تجده ملقى فتأخذه، ويدل عليه أن ابن كمال لم يذكر المعنى اللغوي، وهو ظاهر كلام الفتح أيضًا.
وعليه، فلا يلزم في حقيقتها عدم معرفة المالك ولا عدم الإباحة.
أما الأول: فلأنه إذا وجب رده إلى مالكه الذي ضاع منه لا يخرج عن كونه لقطة.
أما كونها يجب تعريفها فذاك إذا لم يعرف مالكها؛ إذ لا يلزم اتحاد الحكم في جميع أفراد الحقيقة، كالصلاة وغيرها.
وأما المباح كالساقط من حربي فكذلك، ومثله ما يلقط من الثمار كجوز ونحوه كما يأتي، فهو يسمى: لقطة شرعًا ولغة، وإن لم يجب تعريفه ولا رده إلى مالكه.
وبه علم مغايرة هذا التعريف لما بعده، ولا ضرر في ذلك فافهم.
قوله: (مال يوجد) إلخ، فخرج ما عرف مالكه فليس لقطة؛ بدليل أنه لا يعرف، بل يرد إليه، وبالأخير مال الحربي.
لكن يرد عليه ما كان محرزًا بمكان أو حافظ فإنه داخل في التعريف، فالأول أن يقال: "هو مال معصوم معرض للضياع"، بحر.
وأقول: الحرز بالمكان ونحوه خرج بقوله: "يوجد" أي: في الأرض ضائعًا؛ إذ لا يقال في المحرز ذلك.
على أنه في المحيط جعل عدم الإحراز من شرائطها، وعرفها بما يأتي، وهذا يفيد أن عدم معرفة المالك ليس شرطا في مفهومها، نهر.
قوله: (رفع شيء) إلخ، هذا تعريف لها بالمعنى المصدري، أعني: الالتقاط؛ لأنه لازمها، وهذا يقع في كلامهم كثيرًا، ومنه: الأضحية؛ فإنها اسم لما يضحى به.
وعرفوها شرعًا بذبح حيوان مخصوص إلخ، وهذا التعريف يخرج ما كان مباحًا.
قوله: (لا للتمليك) الأولى لا للتملك، قوله: (وفيه: أنه أمانة، لا لقطة) إلخ، فيه نظر، فإن اللقطة أيضًا أمانة، وعدم وجوب تعريفه لا يخرجه عن كونه لقطة كما قدمنا؛ لأنه وإن علم مالكه فهو مال ضائع، أي: لا حافظ له نظير ما مر في المال الذي يوجد مع اللقيط.
وفي القاموس: ضاع الشيء صار مهملًا؛ ولهذا ذكر في النهر أن هذا الفرع يدل على ما استفيد من هذا التعريف من أن عدم معرفة المالك ليس شرطًا في مفهومها.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (16/ 409 - 411) (المذهب المالكي)
(اللقطة: مال معصوم) أي: محترم شرعًا، وهو ملك غير الحربي، فخرج بمعصوم مال الحربي والركاز (عرض للضياع) بأن كان في مضيعة بغامر، أي: فلاة من الأرض أو عامر بالمهملة ضد الخراب، خرج به ما كان بيد حافظ ولو حكمًا، بأن وضعه صاحبه بمكان ليرجع إليه، وخرج الإبل أيضًا، أو عرض بفتح العين والراء المخففة مبنيًّا للفاعل، والمراد عرض الضياع له ففيه قلب، (وإن كان) المال المعصوم (كلبًا) مأذونًا فيه، وأما غيره فليس بمال (وفرسًا وحمارًا) وبالغ على الكلب؛ لأنه ربما يتوهم من منع بيعه أنه لا يلتقط وعلى ما بعده؛ لئلا يتوهم أنه كضالة الإبل.
الشرح:
(باب في اللقطة): اشتهر على ألسنة الفقهاء فتح القاف مع أن قياس فعلة في المفعول الذي هو مراد هنا السكون كضُحْكة لمن يضحك سنه، وقُدْوة لمن يقتدى به، والفتح إنما هو القياس في الفاعل يقال: رجل ضحكة، أي: كثير الضحك، ومنه هُمَزة لُمَزة أي: كثير الهمز واللمز.
قوله: (أي: محترم شرعًا) أي: ثبت له الاحترام في الشرع بأن لا يجوز لأحد أن يتصرف فيه بغير إذن مستحقه، وقول الشارح: أي: محترم شرعًا تفسير للمال المعصوم، وهو يشير إلى أن كلام المصنف يقرأ بالوصفية، ويصح قراءته بالإضافة، أي: مال شخص معصوم، أي: حفظ نفسه وماله بالإسلام أو بأداء الجزية، ثم إن قوله: "مال معصوم" سواء قرئ بالإضافة أو بالوصفية يشمل الرقيق الكبير والاصطلاح أنه آبق، لا لقطة، نعم الرقيق الصغير لقطة، وقوله: عرض للضياع، أورد عليه أنه لم يتعرض لقيد الأخذ بالفعل، مع أنه إنما يسمى لقطة إذا التقط بالفعل، فكان الأولى أن يقول: مال معصوم أخذ من مكان خيف عليه الضياع فيه، فكأن المصنف مال للتعريف بالأعم، واكتفى بقوله الآتي: "ووجب أخذه" إلخ.
قوله: (أي: فلاة) المراد بها الخراب.
قوله: (وخرج الإبل) أي: لأنها لا يخشى عليها الضياع.
قوله: (وإن كان المال المعصوم) أي: الذي عرض للضياع.
قوله: (فليس بمال) أي: فلا يدخل في كلامه.
قوله: (إنه لا يلتقط) أي: وأنه غير مال، فأفاد بالمبالغة أنه مال يلتقط، وإنما لم يقطع سارقه مع أنه مال، قال ابن عرفة: لأنه من باب درء الحد بالشبهة.
قوله: (أنه كضالة الإبل) أي: فلا يلتقط.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (18/ 330) (المذهب الشافعي)
شرح منتهى الإرادات (4/ 160) (المذهب الحنبلي)
باب اللقطة: محركة، وكحُزْمة وهُمَزة، وتمامه: ما التقطه، قاله في القاموس.
وقوله: (محركة) أي: مفتوحة اللام والقاف.
وعرفًا: مال كنقد ومتاع أو مختص كخمر خلال ضائع كساقط بلا علم أو ما في معناه، أي: الضائع، كمتروك قصدًا لمعنى يقتضيه ومدفون منسي لغير حربي، فإن كان لحربي فلآخذه كما لو ضل الحربي الطريق فلآخذه هو وما معه.
رد المحتار على الدر المختار (16/ 425 - 428) (المذهب الحنفي)
اللقطة:
(ندب رفعها لصاحبها) إن أمن على نفسه تعريفها، وإلا فالترك أولى....
قوله: (ندب رفعها) وقيل: الأفضل عدمه.
والصحيح: الأول، وهو قول عامة العلماء، خصوصًا في زماننا، كما في شرح الوهبانية.
قلت: ويمكن التوفيق بالأمن وعدمه.
قوله: (إن أمن على نفسه تعريفها) أي: عدم تعريفها، كما لا يخفى. ا هـ. ح. أي: لأن الأمن مما يخاف منه، والمخوف عدم التعريف لا التعريف، إلا أن يدعي تضمين "أمن على نفسه" معنى: وثق منها، تأمل.
قوله: (وإلا) أي: وإن لم يأمن بأن شك، فلا ينافي ما في البدائع؛ لأنه فيما إذا أخذها لنفسه، فإذا تيقن من نفسه منعها من صاحبها فرض الترك، وإذا شك ندب، أفاده ط، لكن إن أخذها لنفسه لم يبرأ من ضمانها إلا بردها إلى صاحبها، كما في الكافي.
(بتصرف).
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (16/ 420 - 422) (المذهب المالكي)
ثم ذكر حكم الالتقاط بقوله: (ووجب) (أخذه) أي: المال المعصوم الذي عرض للضياع (لخوف خائن) لو تركه مع علمه أمانة نفسه؛ بدليل ما بعده لوجوب حفظ مال الغير حينئذ (لا إن علم خيانته هو فيحرم) أخذه ولو خاف خائنًا (وإلا) بأن لم يخف خائنًا (كره) ولو علم أمانة نفسه، كأن خاف الخائن، وشك في أمانته هو (على الأحسن) فالوجوب في صورة، والحرمة في صورتين، والكراهة في ثلاثة.
الشرح:
قوله: (بدليل ما بعده) الحق كما قال بن: أنه لا دلالة فيما بعده على تقييد هذا بعلمه أمانة نفسه، بل المتبادر من قول المصنف: "لا إن علم خيانته" إدراج الشك فيما قبله، وإدراج الشك في قوله: "وإلا كره من تصرفات الشارح" تبعًا لعبق، ولا يؤخذ من المصنف، وحاصل الفقه: أنه يجب الأخذ بشرطين: إن خاف الخائن، ولم يعلم خيانة نفسه، بأن علم أمانة نفسه أو شك فيها، فإن علم خيانة نفسه حرم الأخذ، خاف الخائن أم لا، وإن لم يخف الخائن كره، علم أمانة نفسه أو شك فيها، فالوجوب في صورتين، وكذلك الحرمة، وكذلك الكراهة، خلافًا لما قاله الشارح.
قوله: (فيحرم أخذه) أي: هذا إذا لم يخف خائنًا، بل ولو خاف خائنًا فيحرم أخذه في هاتين الصورتين، كذا قاله أهل المذهب، وتبعهم الشارح، وبحث فيه ابن عبد السلام قائلًا: إن حرمة أخذه إذا علم خيانة نفسه ولم يخف خائنًا ظاهرة، وأما إذا خاف خائنًا فالظاهر أنه يجب عليه أخذها في تلك الحالة وترك الخيانة، ولا تكون خيانة نفسه عذرًا مسقطًا عنه وجوب حفظها من الخائن، واستظهر بحثه الحطاب، فعلى هذا يكون وجوب الأخذ في ثلاث صور: ما إذا خاف الخائن، وعلم أمانة نفسه أو شك فيها، أو علم خيانتها، والحرمة في صورة هي ما إذا لم يخف الخائن وعلم خيانة نفسه، والكراهة في صورتين وهما ما إذا لم يخف خائنا وشك في أمانة نفسه أو علم أمانتها.
والحاصل: أن مجموع الصور ست؛ لأن مريد الالتقاط إما أن يعلم أمانة نفسه، أو خيانتها، أو شك فيها وفي كل إما أن يخاف الخائن لو ترك الأخذ، أو لا، وقد علمت أحكامها، ثم كل من الوجوب والكراهة مقيد بما إذا لم يخف على نفسه من الحاكم، وإلا لم يأخذها، كما في عبق.
قوله: (على الأحسن) فيه إجمال؛ لأنه يوهم أن الخلاف والاستحسان في صور الكراهة كلها، وليس كذلك إنما هو في صورة واحدة، وهي أن لا يخاف خائنًا ويعلم أمانة نفسه فثلاثة أقوال، لمالك الاستحباب والكراهة والاستحباب فيما له بال والكراهة في غيره، واختار التونسي من هذه الأقوال الكراهة مطلقًا، كما في الجواهر، وإليه أشار المصنف بالأحسن، وأما إذا لم يخف خائنًا وشك في أمانة نفسه فيكره له أخذه اتفاقًا.
شرح منتهى الإرادات (4/ 160) (المذهب الحنبلي)
والأصل في الالتقاط: حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لقطة الذهب والورق، فقال: اعرف وكاءها وعفاصها، ثم عرفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يومًا من الدهر فادفعها إليه، وسأله عن ضالة الإبل فقال: مالك ولها؟ فإن معها حذاءَها وسقاءَها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها، وسأله عن الشاة، فقال: خذها؛ فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب. متفق عليه.
وقوله: "معها حذاءها" أي: خفها؛ لأنه لقوته وصلابته يجري مجرى الحذاء، وسقاؤها: بطنها تأخذ فيه ماء كثيرًا، فيبقى معها يمنعها العطش.