رد المحتار على الدر المختار - ابن عابدين - (5/ 707) (المذهب الحنفي)
قوله (كما لا يصح) تعليق الإبراء عن الدين بشرط محض كقوله لمديونه: إذا جاء غد أو إن متَّ بفتح التاء فأنت بريء من الدين، أو إن متَّ من مرضك هذا، أو إن متُّ من مرضي هذا فأنت في حل من مهري فهو باطل؛ لأنه مخاطرة وتعليق، (إلا بشرط كائن) ليكون تنجيزًا كقوله لمديونه: إن كان لي عليك دين أبرأتك عنه، صح وكذا إن متُّ بضم التاء فأنت بريء منه أو في حل جاز).
"فروع".
وهبت مهرها لزوجها على أن يجعل أمر كل امرأة يتزوجها عليها بيدها، ولم يقبل الزوج قيل: لا يبرأ، والمختار أن الهبة تصح بلا قبول المديون، وإن قيل: إن جعل أمرها بيدها فالإبراء ماضٍ، وإن لم يجعل فكذلك عند البعض، والمختار أنه يعود، وكذا لو أبرأته على أن لا يضربها، ولا يحجرها أو يهب لها كذا، فإن لم يكن هذا شرطًا في الهبة لا يعود المهر.
منعها من المسير إلى أبويها حتى تهب مهرها، فالهبة باطلة لأنها كالمكرهة.
وذكر شمس الإسلام خوفها بضرب حتى تهب مهرها فإكراه، إن كان قادرًا على الضرب، وذكر بكر سقوط المهر.
لا يقبل التعليق بالشرط، ألا ترى أنها لو قالت لزوجها: إن فعلت كذا فأنت بريء من المهر لا يصح.
قال لمديونه: إن لم أقتضِ مالي عليك حتى تموت، فأنت في حل فهو باطل؛ لأنه تعليق، والبراءة لا تحتمله. بزازية.
قوله: (لأنه مخاطرة) لاحتمال موت الدائن قبل الغد أو قبل موت المديون ونحو ذلك؛ لأن المعنى إذا مت قبلي، وإن جاء الغد، والدين عليك فيحتمل أن يموت الدائن قبل الغد أو قبل موت المديون، فكان مخاطرة. كذا قرره شيخنا.
وأقول: الظاهر أن المراد أنه مخاطرة في مثل: إن مت من مرضك هذا، وتعليق في مثل إن جاء الغد والإبراء لا يحتملهما، وأن المراد بالشرط الكائن الموجود حالة الإبراء وأما قوله: إن مت بضم التاء فإنما صح، وإن كان تعليقًا؛ لأنه وصية: وهي تحتمل التعليق فافهم.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير - الدردير - (4/ 99) (المذهب المالكي)
قوله: (لأن الإبراء يحتاج إلى قبول) أي: بناء على أنه نقل للملك، وحاصله أنه اختلف في الإبراء فقيل: إنه نقل للملك فيكون من قبيل الهبة وهو الراجح، وقيل إنه إسقاط للحق، فعلى الأول يحتاج لقبول دون الثاني كالطلاق والعتق فإنهما من قبيل الإسقاط ولا تحتاج المرأة والعبد فيهما لقبول العصمة والحرية. واعلم أن ظاهر المذهب جواز تأخير القبول عن الإيجاب كما قال القرافي وهو صريح نقل ابن عرفة ونصه ابن عتاب، ومن سكت عن قبول صدقته زمانًا فله قبولها بعد ذلك، فإن طلب غلَّتَها حلف ما سكت تاركًا لها وأخذ الغلة. قوله: (وإلا فكالرهن) أي، وإلا فهبته كرهن الدين وصورته أن يشتري سلعة من زيد بعشرة لأجل ويرهن المشتري عليها دينه الذي له على خالد، فيجوز إن أشهد على الرهنية وجمع بين البائع ومَن عليه الدين ودفع للبائع ذكر الدين، واعلم أنه إذا وهبه الدين، وقام بذلك الدين شاهد واحد حلف الموهوب له لا الواهب؛ لأن الشخص لا يحلف ليستحق غيره. انظر ح، وإن دفع المدين الدين للواهب بعد العلم بالهبة ضمن ويؤخذ من قوله فكالرهن صحة التصيير في الوظائف، وهو أن يتجمد لإنسان مال معلوم من وظيفة، أو جامكية فيصيره لغيره إن كان ذلك التصيير من غير مقابلة شيء، بل هبة، أما إن كان في مقابلة شيء يؤخذ في مقابلة التصيير فالمنع؛ لأنه بيع نقد بنقد نسيئة.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج - شهاب الدين الرملي - (5/ 413) (المذهب الشافعي)
(وهبة الدين) المستقر (للمدين) أو التصدق به عليه (إبراء) فلا يحتاج إلى قبول نظرًا للمعنى، وهذا صريح فيه، خلافًا لما في الذخائر من أنه كناية.
نعم، ترك الدين للمدين كناية إبراء (و) هبته (لغيره) أي المدين (باطلة في الأصح)؛ لأنه غير مقدور على تسليمه؛ لأن ما يقبض من المدين عين لا دين، وظاهر كلام جماعة واعتمده الوالد - رحمه الله تعالى - بطلان ذلك، وإن قلنا بما مر من صحة بيعه لغير من هو عليه بشروطه السابقة وهو كذلك، ويؤيده ما مر من صحة بيع الموصوف دون هبته والدين مثله، بل أولى، ويفرق بين صحة بيعه وعدم صحة هبته بأن بيع ما في الذمة التزام لتحصيل المبيع في مقابلة الثمن الذي استحقه، والالتزام فيها صحيح بخلاف هبته فإنما لا تتضمن الالتزام؛ إذ لا مقابل فيها فكانت بالوعد أشبه فلم يصح، وبتأمل هذا يندفع ما في شرح المنهج والإسعاد وغيرهما من تخريج هذا على ذاك والحكم بصحة هبته بالأولى، إن قلنا بصحة بيعه.
دقائق أولي النهى لشرح المنتهى - البهوتي - (2/ 433) (المذهب الحنبلي)
ومن أبرأ مدينه من دينه أو وهبه أي: الدين لمدينه أو أحله منه بأن قال له: أنت في حل منه أو أسقطه عنه أو تركه له أو ملكه له أو تصدق به أي: الدين عليه أي: المدين أو عفا عنه أي: الدين صح ذلك جميعه وكان مسقطًا للدين وكذا لو قال: أعطيتكه، وإنما صح بلفظ الهبة والصدقة والعطية؛ لأنه لما لم يكن هناك عين موجودة يتناولها اللفظ انصرف إلى معنى الإبراء.
قال الحارثي: ولهذا لو وهبه دينه هبة حقيقية لم يصح لانتفاء معنى الإسقاط وانتفاء شرط الهبة، ومن هنا امتنع هبة لغير من هو عليه وامتنع إجزاؤه عن الزكاة لانتفاء حقيقة الملك، ولو كان ذلك قبل حلوله أي: الدين أو اعتقد رب دين مسقط له عدمه أي: الدين اعتبارًا بما في نفس الأمر كمن باع مال أبيه أو نحوه يظن حياته فتبين أنه مات.
ولا يصح الإبراء ونحوه إن علَّقه رب دين بشرط نصًّا في إن مت بفتح التاء فأنت في حل وإن قال: إن مت بضم التاء فأنت في حل فهو وصية للمدين بالدين؛ لأنه تبرع معلق بالموت ويبرأ مدين بإبراء رب الحق له بأحد الألفاظ السابقة منجزًا، ولو رد المدين الإبراء؛ لأنه لا يفتقر إلى القبول كالعتق والطلاق بخلاف هبة العين لأنه تمليك. (أو) أي: ويصح الإبراء منجزًا ولو جهل رب الدين قدره وصفته كالأجنبي لا إن علمه مدين فقط، وكتمه من رب دين خوفًا من أنه إن علمه رب الدين لم يبرئه منه فلا يصح الإبراء منه؛ لأنه هضم للحق وهو إذن كالمكره؛ لأنه غير متمكن من المطالبة والخصومة فيه.
ولا يصح الإبراء مع إبهام المحل الوارد عليه الإبراء ك أبرأت أحد غريمي أو أبرأت غريمي هذا من أحد ديني ك وهبتك أحد هذين العبدين أو كفلت أحد الدينين.