رد المحتار على الدر المختار - ابن عابدين - (5/ 707) (المذهب الحنفي)
(جاز العمرى) للمعمر له ولورثته بعده لبطلان الشرط (لا) تجوز (الرقبى)؛ لأنها تعليق بالخطر، وإذا لم تصح تكون عارية؛ لحديث أحمد وغيره «مَن أعمَرَ عُمرَى فهي لمعمره في حياته وموته، لا ترقبوا فمن أرقب شيئًا فهو سبيل الميراث».
قوله: (جاز العُمرى) بالضم من الإعمار كما في الصحاح، قال في الهامش: العُمرى هي أن يجعل داره له عمره فإذا مات ترد عليه اهـ. قوله: (لا تجوز الرقبى) هي أن تقول: «إن مت قبلك فهي لك». لحديث أحمد وأبي داود والنسائي مرفوعًا «مَنْ أعمَرَ عُمرَى إلخ». كذا في الهامش في كافي الحاكم الشهيد باب الرقبى.
رجل حضرته الوفاة فقال: داري هذه حبيس، لم تكن حبيسًا وهي ميراث، وكذا إن قال: داري هذه حبيس على عقبي من بعدي، والرقبى هو الحبيس وليس بشيء.
رجل قال لرجلين: عبدي هذا لأطولكما حياة، أو قال: عبدي هذا حبيس على أطولكما حياة، فهذا باطل، وهو الرقبى، وكذا لو قال لرجل: داري لك حبيس، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف: أما أنا فأرى أنه إذا قال: لك حبيس، فهي له إذا قبضها، وقوله: حبيس، باطل، وكذلك إذا قال: هي لك رقبى. اهـ .
أيضًا فإذا قال: داري هذه لك عمرى تسكنها، وسلمها إليه، فهي هبة وهي بمنزلة قوله: طعامي هذا لك تأكله، وهذا الثوب لك تلبسه، وإن قال: وهبت لك هذا العبد حياتك وحياته، فقبضه فهي هبة جائزة، وقوله: حياتك، باطل وكذا لو قال: أعمرتك داري هذه حياتك، أو قال: أعطيتكها حياتك فإذا مت فهي لي، وإذا مت أنا فهي لوارثي، وكذا لو قال: هو هبة لك ولعقبك من بعدك وإن قال: أسكنتك داري هذه حياتك ولعقبك من بعدك فهي عارية وإن قال: هي لك ولعقبك من بعدك فهي هبة له، وذكر العقب لغو اهـ .
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير - الدردير - (4/ 108) (المذهب المالكي)
(وجازت العمرى) وهي كما قال ابن عرفة تمليك منفعة حياة المعطى بغير عوض إنشاء، فخرج تمليك الذات بعوض وبغيره وخرج بقوله: )حياة المعطى(، أي: بفتح الطاء الوقف المُؤبَّد، وكذا المؤقت بأجل معلوم، نعم يرد عليه الوقف على زيد مدة حياته.
وخرج بقوله: (بغير عوض) ما إذا كانت بعوض فإجارة فاسدة. وبقوله: إنشاء الحكم باستحقاقها، وقوله: (المعطى) بالفتح يقتضي أنها إذا كانت حياة المعطي بالكسر لا تكون عمرى حقيقة، وإن جازت أيضًا كعمر زيد الأجنبي منهما، وإنما كانت حقيقة في حياة المعطى بالفتح؛ لأنها التي ينصرف لها الاسم عند الإطلاق، فلو قال: أعمرتك، أو أعمرت زيدًا داري حُمِل على عمر المعطى بالفتح.
وحكمها: الندب، وعبَّر بالجواز ليتأتى له الإخراج الآتي في قوله: (لا الرقبى) ولا يشترط فيها لفظ الإعمار، بل ما دل على تمليك المنفعة في عقار أو غيره مدة عمر المعطى كما أشار له بالكاف في قوله: (ك أعمرتك) داري، أو ضيعتي أو فرسي، أو سلاحي، أو أسكنتك أو أعطيت ونحوه فإنه ينصرف لحياة المعمر بالفتح، لكن في نحو أعطيت لا بد من قرينة تدل على الإعمار، وإلا كانت هبة (أو) أعمرت (وارثك) أو أعمرتك ووارثك فأو مانعة خلو، يجوز معها الجمع فيصدق كلامه بثلاث صور.
قوله: (وكذا المؤقت بأجل معلوم) إنما خرج هذا؛ لأنه ليس مؤقتًا بحياة المعطى بالفتح. قوله: (فإجارة فاسدة) أي: لتقييدها بأجل مجهول وهو حياة المعطى بالفتح. قوله: (الحكم باستحقاقها) أي العمرى؛ لأنه ليس إنشاء وإحداثًا لتمليك المنفعة بل تجديد له. قوله: (لا تكون عمرى حقيقة) أي اصطلاحًا، بل عمرى مجازًا، أي وكذا يقتضي أنها إذا لم تقيد بالعمر، بل بمدة كإلى قدوم زيد مثلًا، لا تكون عمرى حقيقة، وإن جازت وهو كذلك.
قوله: (عند الإطلاق) أي: عند عدم التقييد بحياته، أو حياة غيره. قوله: (بل ما دل على تمليك المنفعة) أي: ك أسكنتك ونحوه من الألفاظ الدالة على تمليك المنفعة ك وهبتك سكناها أو استغلالها عمرك.
قوله: (في عقار، أو غيره) أي كتاب وحلي وسلاح وحيوان. قال في كتاب الهبات من المدونة: قيل فإن أعمر ثوبًا، أو حليًّا، قال: لم أسمع من مالك في الثياب شيئًا، وأما الحلي فأراه بمنزلة الدار، وفيها في كتاب العارية ولم أسمع في الثياب شيئًا، وهي عندي على ما أعارها عليه من الشرط. أبو الحسن: يريد أنه إذا بقي من الثوب شيء بعد موت المعمر رد وإن لم يبق منه شيء فلا شيء لربه اهـ بن.
قوله: (لا بد من قرينة تدل على الإعمار) أي: ك أعطيتُك سكنى داري، أو غلتها مدة عمرك، أو عمري. قوله: (فيصدق كلامه بثلاث صور) إلا أنه إذا أعمره ووارثه معًا فلا يستحق الوارث إلا بعد موته كوقف عليك وولدك على قول مالك حيث كان الوالد أحوج، ولكن المعمول به في الوقف قول المغيرة وهو مساواة الولد للوالد، ولو كان أحوج، ولعل الفرق بين العمرى لا تكون للوارث إلا بعد موت المورث وبين الوقف حيث سوى فيه بين الولد والوالد على قول المغيرة أن مدلول العمرى العمر فكأنه إنما أعمر الوارث بعد موت مورثه، وأما إذا أعمره فقط، أو أعمر وارثه فقط فإن المعمر يستحق المنفعة حالًا.
واعلم أن العمرى كالهبة في الحوز بمعنى أن حوزها قبل المانع شرط في تمامها فتلزم بالقول ويجبر المعمر بالكسر على دفعها للمعمر ليحوزها فإن حصل المانع للمعمر بالكسر قبل أن يحوزها المعمر بالفتح بطلت إن لم يحصل من المعمر بالفتح جد في طلبها قبل المانع.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير - الدردير - (4/ 108، 109) (المذهب المالكي)
(ورجعت) العمرى بمعنى الشيء المعمر إذا مات المُعمَّر بالفتح ملكًا (للمُعمِّر) بالكسر (أو وارثه) إن مات، والمراد وارثه يوم موت المعمر بالكسر لا وارثه يوم المرجوع، فلو مات عن أخ حر مسلم وولد كافر، أو رقيق ثم أسلم الولد، أو تحرَّر، ثم مات المعمر بالفتح رجعت للأخ لأنه الوارث يوم موت المعمر بالكسر لا للابن؛ لأنه إنما اتصف بصفة الإرث يوم المرجوع، وهو لا يعتبر وشبه في الرجوع ملكًا، وإن اختلف المرجوع له في المشبه والمشبه به، فقال: (كحبس عليكما) أي: كقول محبس لرجلين هذا الشيء حبس عليكما، (وهو لآخركما) فهو حبس عليهما ما داما حيين معا فإذا مات أحدهما رجعت للآخر (ملكًا) يصنع فيها ما يشاء من بيع وغيره، وأما لو قال: حبس عليكما فقط فإنه يرجع للآخر حبسًا فإذا مات الآخر رجع مراجع الأحباس، وقيل: يرجع ملكًا للمحبس، أو وارثه وهو الراجح الموافق لما قدمه المصنف في الوقف.
فقوله: ملكًا معمول ل (رجعت) مقدرًا، كما علمت، وقال ابن غازي: هو حال من فاعل رجعت المذكور، وهو راجع للمسألتين أي ترجع ملكًا للمعمر، أو وارثه في الأولى وترجع ملكًا للآخر منهما في الثانية، لكنه خلاف قاعدته الأغلبية من رجوع القيد لما بعد الكاف، وفي بعض النسخ ملك بالرفع وهو خبر مبتدأ محذوف، أي: وهو أي الراجع في المسألتين ملك.
قوله: (ورجعت للمعمر، أو وارثه إن مات) ولو حرث المعمر بالفتح أرضًا أعمرت له ومات أخذها ربها ودفع لورثته أجرة الحرث وإن شاء أسلمها لهم بحرثها تلك السنة وأخذ منهم أجرة مثلها، فإن مات المعمر بالفتح، وبها زرع وفات الإبان فلورثته الزرع الموجود ولا كراء عليهم؛ لأن مورثهم زرع بوجه جائز.
قوله: (رجع مراجع الأحباس) أي لأقرب فقراء عصبة المحبس ولأقرب امرأة لو رجلت عصبته.
قوله: (وهو الراجح إلخ) فيه أن الراجح هو الأول؛ لأنه قول المصريين وابن القاسم وأشهب منهم، بقي ما لو قال: حبس عليكما حياتكما، وهو لآخركما وحكمها كالمسألة الثانية فترجع إذا مات الأول للثاني حبسًا فإذا مات الثاني فهل ترجع مراجع الأحباس، أو ترجع ملكًا للمحبس إن كان حيًّا، أو لوارثه قولان.
والحاصل أن الصور ثلاث: الأولى: صورة المصنف وهي حبس عليكما وهو لآخركما الثانية: حبس عليكما ويسقط قوله: وهو لآخركما، الثالثة: حبس عليكما حياتكما وهو لآخركما، ففي الأولى إذا مات أحدهما رجعت للثاني ملكًا، وفي كل من الثانية والثالثة إذا مات الأول رجعت للثاني حبسًا، فإذا مات الثاني فهل ترجع مراجع الأحباس، أو ترجع ملكًا للمحبس قولان، وهما منصوصان في الثانية ومخرجان في الثالثة.
قوله: (معمول ل رجعت) أي: على أنه مفعول مطلق، أي: رجعت رجوع ملك لا مفعول به؛ لأن رجع لازم وقوله: معمول ل رجعت أي وليس من كلام المحبس.
قوله: (حال من فاعل رجعت) فيه أن ملكًا مصدر منكر، ومجيء المصدر المنكر حالًا مقصور على السماع، ويُؤَوَّل هنا باسم المفعول، أي: رجعت في حال كونها مملوكة.
قوله: (وهو راجع للمسألتين) فيه أن فاعل رجع المذكور ضمير عائد على العمرى، وحينئذ فيكون قوله: (ملكًا) راجعًا للأولى فقط، فلعل الأولى جعله حالًا من الراجع في المسألتين المدلول عليه ب رجع المذكور والمقدر الذي اقتضاه التشبيه.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير - الدردير - (4/ 109) (المذهب المالكي)
لا (الرقبى) بضم الراء وسكون القاف وبالباء الموحدة، فلا تجوز في حبس ولا ملك، وهي من المراقبة، كأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه، وأفاد المصنف تفسيرها بالمثال بقوله: (كذوي دارين) أو عبدين، أو دار وعبد (قالا) أي: قال كل منهما لصاحبه في عقد واحد (إن مت قبلي فهما) أي: دارك وداري (لي، وإلا) بأن مت قبلك (فلك)، ولا يخفى أن دار كل ملك له، فالمراد: إن مت قبلي فدارك لي مضمومة لداري، وإن مت قبلك فداري لك مضمومة لدارك، وإنما منع لما فيه من الخروج عن وجه المعروف إلى المخاطرة فإن وقع ذلك واطلع عليه قبل الموت فسخ، وإن لم يطلع عليه إلا بعد الموت رجعت لوارثه ملكًا، ولا ترجع مراجع الأحباس لفساد العقد، وشبه في المنع قوله: (كهبة نخل) لشخص (واستثناء ثمرتها) أي: استثنى الواهب ثمرتها (سنين) معلومة، أو سنة فلا مفهوم للجمع على الأصح.
قوله: (فلا تجوز في حبس ولا ملك) بأن يقول كل لصاحبه: إن مت فداري ملك لك، أو حبس عليك. قوله: (في عقد واحد) أشار الشارح بذلك إلى أن محل المنع إذا وقع ما ذكر من القولين في عقد واحد أي بأن وقع أحدهما بفور الآخر، ودخلا على ذلك كما هو ظاهر المصنف، وأما لو قال أحدهما لصاحبه ذلك، ثم قال الآخر مثل الأول فهو جائز؛ إذ لا تهمة فيه حيث لم يدخلا عليه، ويكون هذا وصية.قوله: (أن دار كُلٍّ) أي: دار كل متكلم.
قوله: (فالمراد إلخ) أي فهو من النوع المسمى في البديع بالجمع والتفريق كقوله تعالى: { وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى } [البقرة: 135] أي: قالت اليهود للنصارى: كونوا هودًا مثلنا، وقالت النصارى لليهود: كونوا نصارى مثلنا.
قوله: (إلى المخاطرة) أي: الغرر؛ إذ لا يدرى أيهما يموت قبل الآخر.
قوله: (إلا بعد الموت) أي: بعد موت أحدهما. وقوله: رجعت أي دار من مات لوارثه، ولا تكون للمراقب الحي.
قوله: (كهبة نخل) أي: سواء كانت الهبة من الآن، أو اتفقا على أنها تكون بعد الأجل الذي يقبض الواهب ثمرتها فيه والعلاج فيه على الموهوب له.
قوله: (واستثناء ثمرتها) أي: كلها، أو بعضها لوجود علة المنع فيهما كما قاله بن خلافًا لعبق، حيث قال بالجواز إذا استثنى بعضها.
قوله: (فلا مفهوم للجمع) وذلك لوجود علة المنع وهي المخاطرة أي: الغرر في استثناء الثمرة سنة واحدة. وقوله: على الأصح أي خلافًا للبساطي حيث قال بالجواز فيما دون الجمع، ونسب ذلك لظاهر الروايات قاله شيخنا العدوي.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج - شهاب الدين الرملي - (5/ 409، 410) (المذهب الشافعي)
ولا تصح الهبة بأنواعها مع شرط مفسد كأن لا يزيل ملكه عنه، ولا مؤقتة ولا معلقة إلا في مسائل العمرى والرقبى كما قال (ولو قال: أعمرتك هذه الدار) أو هذا الحيوان مثلًا أي: جعلتها لك عمرك (فإذا دمت فهي لورثتك) أو لعقبك (فهي) أي: الصيغة المذكورة (هبة) أي: صيغة هبة طول فيها العبارة فيعتبر فيها القبول وتلزم بالقبض وتكون لورثته ولا تختص بعقبه إلغاء لظاهر لفظه عملا بالخبر الآتي، ولا تعود للواهب بحال لخبر مسلم: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْمَرَ عُمْرَى فَإِنَّهَا لِلَّذِي أُعْطِيَهَا لَا تَرْجِعُ إلَى الَّذِي أَعْطَاهَا» وظاهر عبارة المصنف كغيره عدم الفرق في هذه الألفاظ بين العالم بمعناها والجاهل به، واستشكله الأذرعي قال: وفي الروضة في الكتابة عن المروزي أن قريب الإسلام وجاهل الأحكام لا يصح تدبيره بلفظه حتى ينضم إليه نية أو زيادة لفظ اهـ.
والأقرب أخذًا من قولهم في الطلاق لا بد من قصد اللفظ لمعناه أنه لا بد من معرفة اللفظ، ولم يوجد حتى يقصده.
نعم من أتى بلفظ صريح وادعى جهله بمعناه لم يصدق إلا إن دلت قرينة حاله على ذلك لعدم مخالطته لمن يعرف كما صرح به الأذرعي. (ولو اقتصر على أعمرتك) كذا، ولم يتعرض لما بعد موته (فكذا) هو هبة (في الجديد) لخبر الشيخين «الْعُمْرَى مِيرَاثٌ لِأَهْلِهَا». وجعلها له مدة حياته لا ينافي انتقالها لورثته فإن الأملاك كلها مقدرة بحياة المالك، وكأنهم إنما لم يأخذوا بقول جابر - رضي الله عنه -: إنما العمرى التي أجاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقول هي لك ولعقبك، فإذا قال: هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها لأنه قال بحسب اجتهاده، والقديم بطلانه كما لو قال: أعمرتك سنة. (ولو قال) أعمرتك هذه أو جعلتها لك عمرك، وألحق به السبكي وهبتك هذه عمرك.
(فإذا مت عادت إلي) أو إلى ورثتي إن كنت مت (فكذا) هو هبة (في الأصح) إلغاء للشرط الفاسد وإن ظن لزومه لإطلاق الأخبار الصحيحة، ولهذا عدلوا به عن قياس سائر الشروط الفاسدة؛ إذ ليس لنا موضع يصح فيه العقد مع وجود الشرط المنافي لمقتضاه إلا هذا.
والثاني يبطل العقد لفساد الشرط، وخرج بعمرك عمري أو عمر زيد فيبطل؛ لأنه تأقيت؛ إذ قد يموت هذا أو الأجنبي أولًا، (ولو) (قال: أرقبتك) هذه من الرقوب؛ لأن كل واحد يرقب موت صاحبه (أو جعلتها لك رقبى)، واقتصر على ذلك أو ضم إليه ما بعد أي التفسيرية في قوله (أي: إن مت قبلي عادت إلي، وإن مت قبلك استقرت لك فالمذهب طرد القولين القديم والجديد) فعلى الجديد الأصح يصح ويلغو الشرط الفاسد فيشترط قبولها والقبض، وذلك لخبر أبي داود والنسائي «لَا تَعْمُرُوا وَلَا تَرْقُبُوا، فَمَنْ أَرْقَبَ شَيْئًا أَوْ أَعْمَرَهُ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ» أي: لا ترقبوا ولا تعمروا طمعًا في أن يعود إليكم فإن سبيله الميراث، ومقابل المذهب القطع بالبطلان.
دقائق أولي النهى لشرح المنتهى - البهوتي - (2/ 434، 435) (المذهب الحنبلي)
ولا تصح الهبة مؤقتة ك وهبتكه شهرًا أو سنة؛ لأنه تعليق لانتهاء الهبة فلا تصح معه كالبيع إلا في العمرى فتصح مع التوقيت بالعمر؛ لأنه شرط رجوعها هنا على غير الموهوب له وهو وارثه بخلاف التوقيت بزمن معلوم، ومعناها شرط الواهب على المتهب عود موهوب على كل حال إليه أو إلى ورثته أي: الموهوب له، سُمِّيت عمرى لتقييدها بالعمر ك أعمرتك أو أرقبتك هذه الدار أو هذه الفرس أو هذه الأَمَة، يقال: أعمَرْتُه وعمَّرته مشددًا إذا جعلت له الدار مدة عمرك أو عمره، وأرقبتك أعطيتك، ونصه أي: أحمد فيمن يعمر أمة لا يطؤها نقله يعقوب وابن هانئ، وحمل أي: حمله القاضي على الورع؛ لأن الوطء استباحة فرج، وقد اختلف في صحة العمرى، وجعلها بعضهم تمليك المنافع فلم ير له وطأها لهذا وبعده، ابن رجب قال: والصواب حمله على أن الملك بالعمرى قاصر، أو جعلتها لك عمرك أو حياتك أو جعلتها لك عمرى أو رقبى أو ما بقيت، أو أعطيتكها عمرك، أو حياتك، أو عمرى أو رقبى أو ما بقيت، فتصح لحديث جابر مرفوعًا «الْعُمْرَى جَائِزَةٌ لِأَهْلِهَا». رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وأما حديث: «لا تعمروا ولا ترقبوا» فالنهي على سبيل الإعلام لهم بنفوذها للمعمر والمرقب بدليل بقية الحديث، فمن أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حيًّا وميِّتًا، وتكون لمعطي ولورثته بعده إن كانوا للخبر كتصريحه أي: المعمر بأن العمرى بعد موت معمر لورثته سواء كانت عقارًا أو حيوانًا أو غيرهما وإلا يكن له وارث فهي لبيت المال نصًّا كسائر المال المخلف، وإن أضافها لعمر غيره كوهبتكها عمر زيد لم تصح؛ لأنها هبة مؤقتة، وليست من العمرى.
وإن شرط واهب على موهوب له رجوعها أي: الهبة بلفظ إرقاب أو غيره لمعمر أي: واهب عند موته مطلقًا أو شرط رجوعها إليه أي: الواهب إن مات موهوب له قبله أي: الواهب أو شرط رجوعها إلى غيره كورثة واهب إن مات قبل موهوب له، وهذه هي الرقبى سُمِّيَت بذلك؛ لأن كلا منهما يرقب موت صاحبه، وعن أحمد الرقبى هي لك حياتك فإذا مت فهي لفلان أو راجعة إلي والحكم واحد أو شرط واهب رجوعها مطلقًا أي: بلا تقييد بموت أو غيره إليه أو إلى ورثته أو إلى آخرهما موتًا لغا الشرط وصحت الهبة لمعمر اسم مفعول وبعده لورثته كالأول أي: كالمسائل المذكورة أولًا، وهو قول جابر، وابن عمر، وابن عباس؛ لحديث جابر «قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرى لمن وُهِبَت له» متفق عليه، ولأنه شرط ينافي مقتضى العقد فلغا، وصحَّ العقد كالبيع مع الشرط الفاسد.
وأما قول جابر إنما العمرى التي أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: «هي لك ولعقبك» فأما إذا قال: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى صاحبها. متفق عليه، فأجيب عنه بأنه من قول جابر نفسه فلا يعارض ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ولا يصح إعمار المنافع ولا إرقابها، فلو قال: «منحتكه عمرك» فعارية قال في القاموس منحه الناقة: جعل له وبرها ولبنها وولدها وهي المنحة والمنيحة، وكذا لو قال له عن بيته: «سكناه لك عمرك» وكذا لو قال عن بُستانه ونحوه: غَلَّتُه لك عمرك، وعن قنه: خدمتُهُ لك عمرك. عارية. له الرجوع متى شاء؛ لأن المنافع إنما تستوفى شيئًا فشيئًا بمضي الزمان فلا تلزم إلا في قدر ما قبضه منه.