رد المحتار على الدر المختار (28/ 450 - 452) (المذهب الحنفي)
(وركنها قوله: وأوصيت بكذا لفلان، وما يجري مجراه من الألفاظ المستعملة فيها).
وفي البدائع: ركنها الإيجاب والقبول، وقال زفر: الإيجاب فقط.
قلت: والمراد بالقبول ما يعم الصريح والدلالة، بأن يموت الموصي له بعد موت الموصي بلا قبول، كما سيجيء.
الشرح:
قوله: (وما يجري مجراه) إلخ، في الخانية: قال: أوصيت لفلان بكذا، ولفلان بكذا، وجعلت ربع داري صدقة لفلان، قال محمد: أجيز هذا على الوصية،وقال أبو يوسف في سؤال عرض عليه، وأما قوله: جعلت هو وصية لا يشترط فيها القبض والإفراز. ا هـ، ملخصًا.
وفي النهاية: وأما بيان الألفاظ المستعملة فيها، ففي النوادر عن محمد: إذا قال: اشهدوا أني أوصيت لفلان بألف درهم، وأوصيت أن لفلان في مالي ألف درهم، فالأولى وصية، والأخرى إقرار، وفي الأصل: قوله: سدس داري لفلان وصية، وقوله: لفلان سدس في داري إقرار، وعلى هذا قوله: لفلان ألف درهم من مالي وصية استحسانًا إذا كان في ذكر وصيته، وفي مالي إقرار، وإذا كتب وصيته بيده، ثم قال: اشهدوا علي في هذا الكتاب جاز استحسانًا، وإن كتبها غيره لم يجز ا هـ ملخصًا.
قوله: (وفي البدائع) إلخ، عبارتها على ما في الشرنبلالي: وأما ركن الوصية فقد اختلف فيه، قال أصحابنا الثلاثة، أي: الإمام وصاحباه، وهو الإيجاب والقبول، والإيجاب من الموصي، والقبول من الموصى له، فما لم يوجد جميعًا لا يتم الركن، وإن شئت قلت: ركن الوصية الإيجاب من الموصي، وعدم الرد من الموصى له، وهو أن يقع اليأس عن رده، وهذا أشمل لتخريج المسائل، وقال زفر: الركن هو الإيجاب من الموصي فقط. ا هـ.
وكلام المصنف تبعًا لشراح الهداية يشير إلى القبول شرط، لا ركن، وما في البدائع هو الموافق لما يذكرونه في سائر العقود كالبيع ونحوه من أن الركن منهما، قوله: (قلت) إلخ، عزاه في الشرنبلالي إلى الخلاصة، والظاهر أن المراد بالقبول دلالة عدم الرد، فهو بمعنى ما قدمناه عن البدائع من قوله: "وإن شئت قلت" إلخ، ثم المعتبر في القبول والرد ما بعد الموت، لا ما قبله، كما سيأتي، قوله: (بأن يموت) إلخ: تصوير للدلالة، ومثله الوصية للحمل، وبقي لو الموصى له غير معين كالفقراء، والظاهر أن القبول غير شرط، أو هو موجود دلالة، تأمل.
قوله: (كما سيجيء) أي: في الورقة الثانية.
شرح مختصر خليل للخرشي (24/ 144 - 153) (المذهب المالكي)
(ص): صح إيصاء حر مميز مالك، وإن سفيهًا وصغيرًا، وهل إن لم يتناقض أو أوصى بقربة، تأويلان.
(ش): يعني: أنه يشترط في الموصي أن يكون حرًّا، فالعبد ولو بشائبة لا تصح وصيته، وأن يكون مميزًا، فالصبي الذي لا ميز عنده والمجنون والسكران لا تصح وصيتهم، ويدخل السكران المميز، وأن يكون مالكًا لما أوصى به ملكًا تامًّا، فمستغرق الذمة وغير المالك لا تصح وصيتهما، وليس المراد بقوله: "مالك" أن يكون مالكًا لأمر نفسه؛ لئلا يناقض قوله: "وإن صغيرًا وسفيهًا"؛ لأن الحجر عليهما لحق أنفسهما، فلو منعا من الوصية لكان الحجر عليهما لحق غيرهما، وهل محل صحة وصية الصبي المميز إذا لم يحصل فيها تناقض مما يعلم أنه لم يعرف ما أوصى به، ولا يعلم أوله من آخره، هذا تأويل أبي عمران، أو محل الصحة إذا أوصى بما فيه قربة كصدقة وصلة رحم وما أشبه ذلك، أما إذا أوصى بمعصية فإنها لا تصح، هذا تأويل اللخمي، واللفظ المتأول هو قول مالك في المدونة، وتصح وصية ابن عشر سنين فأقل مما يقاربها إذا أصاب وجه الوصية، ولم يكن فيه اختلاط، فهو إشارة إلى تفسير الاختلاط الواقع في المدونة هل المراد به ما قاله أبو عمران، أو ما قاله اللخمي؟ وإلا فعدم التناقض والوصية بالقربة متفق عليهما، فالخلاف لفظي....
(ص): لمن يصح تملكه كمن سيكون إن استهل ووزع لعدده.
(ش): هذا هو الركن الثاني، وهو الموصى له، وشرطه: أن يكون يصح تملكه للموصى به شرعًا، سواء كان بالغًا عاقلًا مسلمًا موجودًا أم لا؛ ولذا يصح لحمل سيكون في المستقبل، ويستحق الوصية إن استهل صارخًا وغلة الموصى به قبل وجود الموصى له للورثة؛ إذ الولد لا يملك إلا بعد وضعه وتحقق الحياة فيه، فإن لم يستهل صارخًا لا يستحق الوصية وترد، وإذا وضعت أكثر من واحد فإن الوصية توزع على عدد الوضع الذكر كالأنثى؛ لأن ذلك شأن العطايا، وهذا عند الإطلاق، وأما إن نص على التفضيل فإنه يصار له، فقوله: "إن استهل" شرط في الاستحقاق، لا في صحة الوصية، ومثل الاستهلال لا يدل على الحياة ككثرة الرضع، والضمير في "لعدده" يرجع للحمل....
(ص): بلفظ أو إشارة مفهمة.
(ش): هذا هو الركن الثالث، وهي الصيغة، والمعنى: أن الوصية تكون بلفظ صريح كأوصيت، وتكون بلفظ غير صريح يفهم منه إرادة الوصية كالإشارة، وظاهره ولو من القادر على الكلام، خلافًا لابن شعبان.
(ص): وقبول المعين شرط بعد الموت، فالملك له بالموت.
(ش): يعني: أن الوصية إذا كانت لشخص معين كزيد مثلًا، فإن قبوله لها بعد موت الموصي شرط في وجوبها له، وأما إذا كانت على غير معين كالفقراء، فإنه لا يشترط في حقهم القبول بعد الموت؛ لتعذر ذلك من جميعهم، واحترز بقوله: "بعد الموت" مما لو قبل في حياة الموصي؛ فإن ذلك لا يفيده شيئًا؛ إذ للموصي أن يرجع في وصيته ما دام حيًّا؛ لأن عقد الوصية غير لازم، حتى لو رد الموصى له قبل موت الموصي فله أن يرجع ويقبل بعده، قاله مالك، وإذا قبل بعد الموت بقرب أو بعد طول زمان، فإن الغلة الحادثة بعد الموت وقبل القبول تكون للموصى له؛ لأن الملك انتقل إليه بمجرد الموت.
قوله: "المعين" أي: البالغ الرشيد، وإلا فوليه يقبل له، بخلاف الحوز في الوقف والهبة فيكفي حوز الصغير والسفيه كما مر، فلو مات المعين قبل القبول فلوارثه القبول مات قبل العلم، أو بعده، اللهم إلا أن يريد الموصي الموصى له بعينه فليس لوارثه القبول.
وقوله: "شرط" أي: في اللزوم، أي: في لزومها للموصي، فلا ينافيه قوله: "فالملك له بالموت"؛ لأن القبول بعد الموت كاشف لملكه بالموت، لا في الصحة؛ لأنها صحيحة مطلقًا، لكن قضية قوله: "فالملك له بالموت" أن الغلة كلها له، وقضية قوله: "وقوم بغلة حصلت بعده" أنه لا غلة له، ويدفع هذا بأنه وإن كان الملك له بالموت، إلا أن العبرة بيوم التنفيذ، كما قاله بعد، فقوله: "له بالموت" وقوله: "يوم التنفيذ" لا يغني أحدهما عن الآخر.
مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج (11/ 69 - 134) (المذهب الشافعي)
وأركان الوصية أربعة: موص، وموصى له، وموصى به، وصيغة، وذكرها المصنف على هذا الترتيب، وبدأ بالأول فقال: (تصح وصية كل مكلف حر) مختار بالإجماع؛ لأنها تبرع (وإن كان كافرًا) ولو حربيًّا، كما قاله الماوردي، وإن استرق بعدها، وماله عندنا بأمان، كما بحثه الزركشي....
ثم شرع في الركن الثاني، وهو الموصى له، فقال: (وإذا أوصى لجهة عامة، فالشرط) في الصحة (أن لا تكون) الجهة (معصية كعمارة كنيسة) للتعبد فيها ولو ترميمًا، وكتابة التوراة والإنجيل وقراءتهما، وكتابة كتب الفلسفة والنجوم وسائر العلوم المحرمة، ومن ذلك: الوصية لدهن سراج الكنيسة تعظيمًا لها.
أما إذا قصد انتفاع المقيمين والمجاورين بضوئها فالوصية جائزة، وإن خالف في ذلك الأذرعي، وسواء أوصى بما ذكر مسلم أم كافر، بل قيل: إن الوصية ببناء الكنيسة من المسلم ردة، ولا تصح أيضًا الوصية ببناء موضع لبعض المعاصي كالخمارة، وإذا انتفت المعصية فلا فرق بين أن يكون قربة كالفقراء أو بناء المساجد وعمارة قبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وألحق الشيخ أبو محمد بها قبور العلماء والصالحين؛ لما فيه من إحياء الزيارة والتبرك بها أو مباحة لا تظهر فيها القربة كالوصية للأغنياء وفك أسارى الكفار من المسلمين؛ لأن القصد من الوصية تدارك ما فات في حال الحياة من الإحسان، فلا يجوز أن تكون معصية....
ثم شرع في الركن الثالث، وهو الموصى به، ويشترط كونه مقصودًا يحل الانتفاع به ويقبل النقل، فلا تصح بما لا يقصد كدم، ولا بما لا يحل الانتفاع به كمزمار، ولا بما لا يقبل النقل كقصاص، وحق الشفعة - إذا لم يبطل بالتأخير لعذر كتأجيل الثمن - وحد قذف وإن قبلت الانتقال بالإرث لأنها لا تقبل النقل....
ثم شرع في الركن الرابع، وهو الصيغة، فقال: (وصيغتها) أي: الوصية (أوصيت له بكذا، أو ادفعوا إليه) بعد موتي كذا (أو أعطوه) بهمزة قطع، قاله المصنف، قال: ووصلها غلط (بعد موتي) كذا (أو جعلته) له بعد موتي (أو هو له بعد موتي) وهذه كلها صرائح، كما هو ظاهر إطلاق الروضة، ويرشد له قول المصنف بعد: وينعقد بالكناية، ومن صرائحها أيضًا: ملكته له، أو وهبته له، أو حبوته به بعد موتي.
شرح منتهى الإرادات (4/ 236 - 254) (المذهب الحنبلي)
وتصح الوصية من مميز يعقلها لتمحضها نفعًا له كإسلامه وصلاته؛ لأنها صدقة يحصل له ثوابها بعد غناه من ماله، فلا ضرر يلحقه في عاجل دنياه ولا أخراه، بخلاف الهبة، ولا تصح من طفل؛ لأنه لا يعقل الوصية، ولا حكم لكلامه، وأشار إلى الثاني من أركان الوصية بقوله: "بلفظ مسموع من الموصي بلا خلاف، وبخط؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما، وتقدم أول الباب ثابت أنه خط موص بإقرار ورثة أو إقامة بينة أنه خطة، وقال القاضي في شرح المختصر: ثبوت الخط يتوقف على معاينة البينة أو الحاكم لفعل الكتابة؛ لأن الكتابة عمل، والشهادة على العمل طريقها الرؤية، نقله الحارثي، والمقدم الأول، ولأن الوصية يتسامح فيها؛ ولهذا صح تعليقها، ولا تصح إن ختمها موص، وأشهد عليها مختومة، ولم يعلم الشاهد ما فيها، ولم يتحقق أنها أي: الوصية بخطه أي: الموصي؛ لأن الشاهد لا يجوز له الشهادة بما فيها بمجرد هذا القول؛ لعدم علمه بما فيها، ككتاب القاضي إلى القاضي، فإن ثبت أنها خطة عمل بها....
الموصى له، وهو الثالث من أركان الوصية، تصح الوصية لكل من يصح تمليكه من مسلم معين كزيد أولًا كالفقراء وكافر معين؛ لقوله تعالى: { إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا } [الأحزاب: 6]، قال محمد بن الحنفية وعطاء وقتادة: إن ذلك هو وصية المسلم لليهودي ولو مرتدًّا أو حربيًّا كالهبة فلا تصح لعامة النصارى أو نحوهم، لكن لو وصى لكافر بعبد مسلم أو مصحف أو سلاح أو حد قذف لم تصح، وبعبد كافر فأسلم قبل موت موص بطلت، وكذا بعد موته وقبل القبول؛ لأنه لا يجوز أن يبتدئ الكافر ملكًا على مسلم....
الموصى به، وهو المكمل لأركان الوصية بالمال الأربعة:
يعتبر إمكانه، فلا تصح الوصية بمدبر، ولا أم ولد؛ لعدم إمكانهما لحريتهما بموت الموصي، ولا يحمل أمته الآيسة أو خدمة أمته الزمنة، ويعتبر اختصاصه أي: الموصى به بموصي، وإن لم يكن مالًا كجلد ميتة ونحوه، فلا تصح الوصية بمال غيره.