رد المحتار على الدر المختار - ابن عابدين - (3/ 705، 706) (المذهب الحنفي)
(غموس) تغمسه في الإثم ثم النار، وهي كبيرة مطلقًا، لكن إثم الكبائر متفاوت. نهر.
(إن حلف على كاذب عمدًا). ولو غير فعل أو ترك كوالله إنه حجز الآن في ماضٍ (كوالله ما فعلت) كذا (عالمًا بفعله أو) حال (كوالله ما له عليَّ ألفٌ عالمًا بخلافه، والله إنه بكر عالمًا بأنه غيره) وتقييدهم بالفعل والماضي اتفاقي أو أكثري، (ويأثم بها) فتلزمه التوبة.
______________
قوله: (تغمسه في الإثم ثم النار) بيان لما في صيغة فعول من المبالغة ح قوله: (وهي كبيرة مطلقًا) أي: اقتطع بها حق مسلم أو لا، وهذا رد على قول البحر ينبغي أن تكون كبيرة إذا اقتطع بها مال مسلم أو آذاه، وصغيرة إن لم يترتب عليها مفسدة، فقد نازعه في النهر بأنه مخالف لإطلاق حديث البخاري: «الْكَبَائِرُ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ»، وقول شمس الأئمة: إن إطلاق اليمين عليها مجاز؛ لأنها عقد مشروع، وهذه كبيرة محضة صريح فيه، ومعلوم أن إثم الكبائر متفاوت. اهـ.
وكذا قال المقدسي: أي مفسدة أعظم من هتك حرمة اسم الله تعالى قوله: (على كاذب) أي: على كلام كاذب: أي مكذوب. وفي نسخة: على كذب قوله: (عمدًا) حال من فاعل حلف: أي عامدًا، ومجيء الحال مصدرًا كثير، لكنه سماعي.
قوله: (ولو غير فعل أو ترك) كان الأولى ذكره قبيل قوله: والله إنه بكر، فإنه مثال لهذا فيستغنى به عن المثال المذكور، وعن تأخير قوله في ماض. قوله: (الآن) قيد به لما تعرفه قريبًا.
قوله: (في ماض) متعلق بمحذوف صفة لموصوف كاذب: أي: على كلام كاذب واقع مدلوله في ماض، ولا يصح تعلُّقه بقوله: «حلف»؛ إذ ليس المراد أن حلفه وقع في الماضي كما لا يخفى فافهم.
قوله: (وتقييدهم بالفعل والماضي إلخ) رد على صدر الشريعة؛ حيث جعل التقييد للاحتراز، وإن والله إنه حجر من الحلف على الفعل بتقدير كان، أو يكون، وجعل الحال من الماضي؛ لأن الكلام يحصل أولًا في النفس فيُعبَّر عنه باللسان، فالإخبار المعلَّق بزمان الحال إذا حصل في النفس فعبَّر عنه باللسان انعقد اليمين وصار الحال ماضيًا بالنسبة إلى زمان انعقاد اليمين، فإذا قال: كتبت لا بد من الكتابة قبل ابتداء التكلم، فيكون الحلف عليه حلفًا على الماضي، وأشار إلى وجه الرد بلفظ الآن، فإنه لا يمكن أن يقدر معه كان ليصير فعلًا، ولا يمكن أن يكون من الماضي لمنافاته للفظ الآن، على أن الحال إنما يعبر عنه بصيغة المضارع المستعملة في الحال أو في الاستقبال، ولا يعبر عنه بصيغة الماضي أصلًا، نعم قد يراد تقريب الماضي من الحال فيؤتى بصيغة الماضي مقرونة بقد نحو قد قام زيد إذا أردت أن قيامه قريب من زمن التكلم فإذا قال: والله قمتُ لا يصح أن يراد به الحال أصلًا، بخلاف أقوم، فإنه يراد به الحال أو الاستقبال كما هو مقرر في محله، فحيث لم يصح أن يكون فعلًا ولا ماضيًا تعين أن يكون تقييدهم بالفعل وبالماضي في قولهم هو حلفه على فعل ماض إلخ اتفاقًا، أي: لا للاحتراز عن غيره، أو أكثريًّا أي: لكونه هو الأكثر.
قوله: (ويأثم بها) أي إثمًا عظيمًا كما في الحاوي القدسي.
مطلب في معنى الإثم
والإثم في اللغة: الذنب، وقد تسمى الخمر إثمًا. وفي الاصطلاح عند أهل السنة استحقاق العقوبة. وعند المعتزلة لزوم العقوبة بناء على جواز العفو وعدمه كما أشار إليه الأكمل في تقريره بحر.
قوله: (فتلزمه التوبة)؛ إذ لا كفارة في الغموس يرتفع بها الإثم فتعينت التوبة للتخلص منه.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير - الدردير - (2/ 128) (المذهب المالكي)
(و) لا كفارة في كل يمين (غموس) تعلقت بماض سميت غموسًا؛ لغمسها صاحبها في النار، أي: لكونها سببًا في استحقاقه الغمس في النار، وفسرها بقوله: (بأن شك) الحالف في المحلوف عليه (أو ظن) ظنًّا غير قوي، وأولى إن تعمد الكذب (وحلف) شاكًّا أو ظانًّا أو متعمدًا للكذب، واستمر على ذلك (بلا تبين صدق)، فإن تبين صدقُه لم تكن غموسًا، وفيه نظر.
_____________
قوله: (وغموس) قال اللقاني: مخرج مما فيه الكفارة، وكأنه قال اليمين الموجبة للكفارة بذكر اسم الله أو صفته، لا بـ«لكَ عليَّ عهد»، ولا بغموس.
قوله: (تعلَّقت بماض) أي: وأما إن تعلقت بالحال أو بالمستقبل ففيها الكفارة، وعلى كل حال تسمى غموسًا.
والحاصل أن ظاهر المصنف أن الغموس تُطلَق على هذا المفهوم، سواء وجبت فيها كفارة أم لا، وهو ظاهر كلام ابن عرفة أيضًا، وكذلك اللغو اسم للمفهوم الآتي وجبت فيه كفارة أم لا كما هو ظاهر المصنف، وابن عرفة كذا نقل شيخنا عن عج.
قوله: (بأن شك أو ظن) أي كما لو شك في مجيء زيد أمس، وعدم مجيئه، ثم حلف مع شكه أنَّه قد جاء، أو ظن أنه جاء، وحلف أنه جاء، ولم يتبين صدقه بأن تبين أن الأمر على خلاف ما حلف، وأنه لم يجئ أو بقي على شكه، ومن باب أولى ما إذا علم عدم مجيئه وحلف أنه قد جاء.
قوله: (فإن تبيَّن صدقه لم يكن غموسًا) أي: ولا إثم عليه مستمر، قال عج: وهو المتبادر من المدونة، وعليه حملها ابن الحاجب.
قال ابن عبد السلام، وعليه حمل ابن عتاب لفظ العتبية فيما يشبه مسألة المدونة، وحمل غير واحد المدونة على أنه وافق ابن عبد البر في الظاهر، لا أن إثم الجراءة يسقط عنه؛ لأن ذلك لا يزيله إلا التوبة، قال: وهو ظاهر من جهة الفقه إلا أنه بعيد من لفظ المدونة. اهـ. بن.
فقول الشارح لم تكن غموسًا، أي: فلا حرمة عليه مستمرة، بل تنقطع، وقوله: (وفيه نظر) أي: فإن إثم الجراءة لَا يَسْقُطُ عَنْهُ إذَا تَبَيَّنَ صِدْقُهُ، وَإِنَّمَا تُزِيلُهُ التَّوْبَةُ.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج - شهاب الدين الرملي - (8/ 175، 176) (المذهب الشافعي)
وَأُورِدَ عَلَى الْمَتْنِ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ وَهِيَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى مَاضٍ كَاذِبًا عَامِدًا فَإِنَّهَا يَمِينٌ بِاَللَّهِ وَلَا تَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّ الْحِنْثَ اقْتَرَنَ بِهَا ظَاهِرًا وَكَذَا بَاطِنًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَيُرَدُّ بِأَنَّهُ اشْتِبَاهٌ نَشَأَ مِنْ تَوَهُّمِ أَنَّ الْمَحْصُورَ الْأَخِيرُ وَالْمَحْصُورَ فِيهِ الْأَوَّلُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْمُقَرَّرُ أَنَّ الْمَحْصُورَ فِيهِ هُوَ الْجُزْءُ الْأَخِيرُ فَانْعِقَادُهَا هُوَ الْمَحْصُورُ وَاسْمُ الذَّاتِ أَوْ الصِّفَةُ هُوَ الْمَحْصُورُ فِيهِ، فَمَعْنَاهُ كُلُّ يَمِينٍ مُنْعَقِدَةٍ لَا تَكُونُ إلَّا بِاسْمِ ذَاتٍ أَوْ صِفَةٍ. وَهَذَا حَصْرٌ صَحِيحٌ لَا أَنَّ كُلَّ مَا هُوَ بِاسْمِ اللَّهِ أَوْ صِفَتِهِ يَكُونُ مُنْعَقِدًا فَتَأَمَّلْهُ، عَلَى أَنَّ جَمْعًا مُتَقَدِّمِينَ قَالُوا بِانْعِقَادِهَا
. (وَلَا يُقْبَلُ) ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا (قَوْلُهُ: لَمْ أُرِدْ بِهِ الْيَمِينَ) يَعْنِي لَمْ أُرِدْ بِمَا سَبَقَ مِنْ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ اللَّهَ تَعَالَى؛ لِأَنَّهَا نَصٌّ فِي مَعْنَاهَا لَا تَحْتَمِلُ غَيْرَهُ.