رد المحتار على الدر المختار (26/ 386 - 388) (المذهب الحنفي)
(ومن عرسه وأمته الحلال) له وطؤها، فخرج المجوسية والمكاتبة والمشركة ومنكوحة الغير، والمحرمة برضاع أو مصاهرة، فحكمها كالأجنبية، مجتبى.
ويشكل بالمفضاة؛ فإنه لا يحل له وطؤها، وينظر إليها، قهستاني.
قلت: وقد يجاب بأنه أغلبي (إلى فرجها) بشهوة وغيرها، والأولى تركه؛ لأنه يورث النسيان.
الشرح:
قوله: (ومن عرسه وأمته) فينظر الرجل منهما، وبالعكس، إلى جميع البدن من الفَرْق إلى القدم، ولو عن شهوة؛ لأن النظر دون الوطء الحلال، قهستاني.
قوله: (الحلال) جعله في المنح قيدًا للأمة، كما في الهداية، والأولى جعله قيدًا للعرس أيضًا؛ لما في القهستاني: لا ينظر إلى فرج المظاهر منها، على ما قاله أبو حنيفة وأبو يوسف، وينظر إلى الشعر والظهر والصدر منها، كما في قاضي خان. ا هـ
وأما الحائض: فإنه يحرم عليه قربان ما تحت الإزار، قال الشارح في باب الحيض: وأما حل النظر ومباشرتها له ففيه تردد، قوله: (له وطؤها) الجار والمجرور متعلق بالحلال، ووطؤها فاعل، أي: التي يحل له وطؤها، قوله: (أو مصاهرة) بأن كانت موطوءته أو بنتها، ط.
قوله: (فحكمها كالأجنبية) أي: كالأمة الأجنبية؛ بدليل ما في العناية، حيث قال: قيد بقوله: «من أمته التي تحل له»؛ لأن حكم أمته المجوسية والتي هي أخته من الرضاع حكم أمة الغير في النظر إليها؛ لأن إباحة النظر إلى جميع البدن مبنية على حل الوطء، فينتفي بانتفائه. ا هـ.
قوله: (ويشكل) أي: تقييد الأمة التي يحل له وطؤها بما لو كانت مفضاة، وهي التي اختلط مسلكاها.
قوله: (فإنه لا يحل له وطؤها)، إلا أن يعلم أنه يمكنه أن يأتيها في القبل من غير الوقوع في الدبر، فإن شك فليس له أن يطأها، كما في الهندية.
قوله: (والأولى تركه) قال في الهداية: الأولى ألَّا ينظر كل واحد منهما إلى عورة صاحبه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ فَلْيَسْتَتِرْ، وَلَا يَتَجَرَّدْ تَجَرُّدَ الْعَيْرَيْنِ»، ولأن ذلك يورث النسيان؛ لورود الأثر، وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يقول: الأولى أن ينظر ليكون أبلغ في تحصيل معنى اللذة. ا هـ، لكن في شرحها للعيني أن هذا لم يثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما، لا بسند صحيح، ولا بسند ضعيف، وعن أبي يوسف: سألت أبا حنيفة عن الرجل يمس فرج امرأته، وهي تمس فرجه؛ ليتحرك عليها، هل ترى بذلك بأسًا؟ قال: لا، وأرجو أن يعظم الأجر، ذخيرة.
قوله: (لأنه يورث النسيان) ويضعف البصر. ا هـ ط.
تنبيه:
قدمنا أن الرجل ينظر من أمته الحلال، وهي منه، إلى جميع البدن، قال منلا مسكين: وأما حكم نظر السيدة إلى جميع بدن أمتها، والأمة إلى سيدتها فغير معلوم. ا هـ، وذكر محشيه أبو السعود أنه مستفاد من قول المصنف: والمرأة للمرأة.
أقول: الظاهر أنه كذلك؛ إذ لو كانت المرأة كالرجل في ذلك لنصوا عليه، ولأنهم أناطوا حل النظر إلى غير مواضع الزينة بحل الوطء، كما مر، وفي العناية والنهاية قبيل الاستبراء ما نصه: والنساء كلهن في حل نظر بعضهن إلى بعضهن سواء.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (7/ 333 ، 334) (المذهب المالكي)
(وحل لهما) أي: لكل من الزوجين في نكاح صحيح مبيح للوطء نظر كل جزء من جسد صاحبه (حتى نظر الفرج) وما ورد من أن نظر فرجها يورث العمى منكر لا أصل له....
الشرح:
قوله: (في نكاح صحيح) أي: بمجرد النكاح الصحيح، وقوله: «مبيح للوطء» احترازًا عما قبل الإشهاد مثلًا وعن نكاح العبد، فإنه وإن كان صحيحًا إلا أنه غير مبيح للوطء؛ لأن لسيده الخيار، كما يأتي.
قوله: (حتى نظر الفرج) أي: فيحل لكل من الزوجين نظر فرج صاحبه، سواء كان في حالة الجماع أو في غيرها، وما ذكره المصنف من الجواز قال الشيخ زروق في شرح الرسالة: وهو وإن كان متفقًا عليه، لكن كرهوا ذلك للطب؛ لأنه يؤذي البصر، ويورث قلة الحياء في الولد.
قوله: (وما ورد) إلخ لفظ الحديث، كما في الجامع: «إذا جامع أحدكم زوجته أو جاريته فلا ينظر إلى فرجها»؛ لأن ذلك يورث العمى، فهذا الحديث موضوعه النهي حالة الجماع؛ لأنها مظنة النظر، وأحرى في غير الجماع.
قوله: (منكرًا) أي: فهو موضوع، كما قال ابن الجوزي.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (20/ 229) (المذهب الشافعي)
(وللزوج النظر إلى كل بدنها) حال حياتها، أي: الزوجة والمملوكة التي تحل، وعكسه إن لم يمنعها، كما بحثه الزركشي، وإن توقف فيه بعض المتأخرين؛ لأنه يملك التمتع بها، بخلاف العكس، وشمل كلامه الفرج ظاهرًا مع الكراهة، وباطنًا أشد؛ لأنه محل استمتاعه وعكسه؛ للخبر الصحيح: «احفظ عورتك إلا من زوجتك أو أمتك» أي: فهي أولى أن لا تحفظ منه؛ لأن الحق له لا لها، ومن ثم لزمها تمكينه، ولا عكس، وقيل: يحرم نظر الفرج؛ لخبر: «إِذَا جَامَعَ أَحَدُكُمْ زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ فَلَا يَنْظُرْ إِلَى فَرْجِها؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُورِثُ الْعَمَى» أي: في الناظر أو الولد أو القلب، حسنه ابن الصلاح، وخطأ ابن الجوزي في ذكره له في الموضوعات، ورد بأن أكثر المحدثين على ضعفه، وأنكر الفارقي جريان خلاف في حرمة نظره حالة الجماع، وهو ممنوع بأن الخبر المذكور مصرح بخلافه، وتقدم جواز النظر لحلقة الدبر، ومسها، والتلذذ بها بما سوى الإيلاج؛ لأن جملة أجزائها محل استمتاعه، إلا ما حرم الله تعالى عليه من الإيلاج، وخرج بالنظر: المس، فلا خلاف في حله، ولو للفرج، وبحال الحياة ما بعد الموت فلا يحل بشهوة، وبالتي تحل زوجته المعتدة عن شبهة، ونحو أمة مجوسية فلا يحل له إلا نظر ما عدا ما بين سرتها وركبتها.
شرح منتهى الإرادات (5/ 126) (المذهب الحنبلي)
ولكل من الزوجين نظر جميع بدن الآخر ولمسه بلا كراهة، حتى فرجه نصًّا؛ لقوله تعالى: { إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } [المؤمنون: 6].
ولحديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قلت: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: «احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ»، رواه الترمذي وحسنه، ولأن الفرج محل الاستمتاع، فجاز النظر إليه، كبقية البدن.
رد المحتار على الدر المختار (26/ 391) (المذهب الحنفي)
(ومن محرمه) هي: من لا يحل له نكاحها أبدًا بنسب أو سبب ولو بزنا (إلى الرأس والوجه والصدر والساق والعضد إن أمن شهوته) وشهوتها أيضًا، ذكره في الهداية، فمن قصره على الأول فقد قصر ابن كمال، (وإلا لا، لا إلى الظهر والبطن) خلافًا للشافعي (والفخذ)، وأصله قوله تعالى: { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ } [النور: 31] الآية، وتلك المذكورات مواضع الزينة، بخلاف الظهر ونحوه.
الشرح:
قوله: (أو سبب) كالرضاع والمصاهرة، قوله: (ولو بزنا) أي: ولو كان عدم حل نكاحها له بسبب زناه بأصولها أو فروعها، قال الزيلعي: وقيل: إنها كالأجنبية، والأول أصح؛ اعتبارًا للحقيقة؛ لأنها محرمة عليه على التأبيد قوله: (فمن قصره على الأول) أي: قصر التقييد على الأمن من جانب الرجل، وهو تعريض بتاج الشريعة والمصنف أيضًا، قوله: (لا إلى الظهر والبطن) إلخ، أي: مع ما يتبعهما من نحو الجنبين والفرجين والأليتين والركبتين، قهستاني، قوله: (وتلك المذكورات مواضع الزينة) أشار إلى أنه ليس المراد في الآية نفس الزينة؛ لأن النظر إليها مباح مطلقًا، بل المراد مواضعها، فالرأس موضع التاج، والوجه موضع الكحل، والعنق والصدر موضع القلادة، والأذن موضع القرط، والعضد موضع الدملوج، والساعد موضع السوار، والكف موضع الخاتم والخضاب، والساق موضع الخلخال، والقدم موضع الخضاب، زيلعي، والشعر موضع العقص، أتقاني، والدملوج كعصفور، والدملج مقصور منه، مصباح، وهو من حلي العضد، والعقص سير يجمع به الشعر، وقيل: خيوط سود تصل بها المرأة شعرها، مُغْرب.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (2/ 294 - 298) (المذهب المالكي)
(و) من حرة (مع) رجل (محرم) ولو بصهر أو رضاع (غير الوجه والأطراف) فلا يجوز نظر صدر ولا ظهر ولا ثدي ولا ساق، وإن لم يلتذ، بخلاف الأطراف من عنق ورأس وظهر قدم، إلا أن يخشى لذة، فيحرم ذلك، لا لكونه عورة، كما مر....
قوله: (ولو بصهر) أي: هذا إذا كانت محرميته بنسب كأبيها وأخيها وابنها، بل ولو كانت بصهر كزوج أمها أو ابنتها، قوله: (فلا يجوز نظر صدر) إلخ، أي: فلا يجوز للرجل أن يرى من المرأة التي من محارمه صدرها إلخ، وأجاز الشافعية رؤية ما عدا ما بين السرة والركبة، وذلك فسحة.
مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج (12/ 34 - 40) (المذهب الشافعي)
ولا ينظر من محرمه بين سرة وركبة، ويحل ما سواه، وقيل: ما يبدو في المهنة فقط....
(ولا ينظر) الفحل (من محرمه) الأنثى من نسب أو رضاع أو مصاهرة ما (بين سرة وركبة) منها، أي: يحرم نظر ذلك إجماعًا، (ويحل) بغير شهوة نظر (ما سواه) أي: المذكور، وهو ما عدا بين السرة والركبة؛ لأن المحرمية معنى يوجب حرمة المناكحة، فكانا كالرجلين والمرأتين، فيجوز النظر إلى السرة والركبة؛ لأنهما ليسا بعورة بالنسبة لنظر المحرم، فهذه العبارة أولى من عبارة ابن المقري، تبعًا لغيره، بما فوق السرة وتحت الركبة (وقيل): إنما يحل نظر (ما يبدو) منها (في المهنة فقط)؛ لأن غيره لا ضرورة إلى النظر إليه، والمراد بما يبدو في المهنة: الوجه والرأس والعنق، واليد إلى المرفق، والرجل إلى الركبة.
والمهنة بفتح الميم وكسرها: الخدمة، وأنكر بعضهم كسرها.
تنبيه:
قد علم من كلامه أن نظره إلى ما يبدو في حال المهنة جائز قطعًا، وإلى ما بين السرة والركبة حرام قطعًا، والخلاف فيما بين ذلك، ولا فرق في المحرم بين الكافر وغيره، نعم إن كان الكافر من قوم يعتقدون حل المحارم كالمجوس امتنع نظرها له ونظره إليها، نبه عليه الزركشي.
الإقناع لموسى الحجاوي (2/ 68) (المذهب الحنبلي)
(و) الضرب (الثالث: نظره إلى ذوات محارمه) من نسب أو رضاع أو مصاهرة (أو) إلى (أمته المزوجة) ومثلها التي يحرم الاستمتاع بها كالمكاتبة والمعتدة والمشتركة والمرتدة والمجوسية والوثنية، فيجوز بغير شهوة فيما ما بين السرة والركبة منهن؛ لأن المحرمية معنى يوجب حرمة المناكحة، فكانا كالرجلين والمرأتين، والمانع المذكور في الأمة صيرها كالمحرم، أما ما بين السرة والركبة فيحرم نظره في المحرم إجماعًا، ومثل المحرم: الأمة المذكورة، وأما النظر إلى السرة والركبة فيجوز؛ لأنهما ليسا بعورة بالنسبة لنظر المحرم والسيد، فهذه العبارة أولى من عبارة ابن المقري، تبعًا لغيره، بما فوق السرة وتحت الركبة.
وخرج بقيد عدم الشهوة النظر بها، فيحرم مطلقًا في كل ما لا يباح له الاستمتاع به، ولكن النظر في الخطبة يجوز ولو بشهوة.
البحر الرائق شرح كنز الدقائق (22/ 131 ، 132) (المذهب الحنفي)
قال رحمه الله: (لا ينظر إلى غير وجه الحرة وكفيها) قال الشارح: وهذا الكلام فيه خلل؛ لأنه يؤدي إلى أنه لا ينظر إلى شيء من الأشياء إلا إلى وجه الحرة وكفيها، فيكون تحريضًا إلى النظر إلى هذين العضوين، وإلى ترك النظر إلى كل شيء سواهما. ا هـ.
ولا يخفى على متأمل عدم هذا الخلل؛ لأن حرف «إلى» بدل عن «من» الابتدائية التي إلى غايتها، فهو في قوة المنطوق، فالتقدير لا يجوز له النظر من المرأة إلى غير الوجه وكفيها، فقد أفاد منع النظر منها غير الوجه وكفيها، لا التحريض، فتدبره، واستدل الشارح على جواز النظر إلى ما ذكر بقوله تعالى: { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } [النور: 30]، قال علي وابن عباس: ما ظهر منها الكحل والخاتم، لا الوجه كله والكف، فلا يفيد المدعى، فتأمل.
والأصل في هذا: أن ++«المرأة عورة مستورة»؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ++«المرأة عورة مستورة»، إلا ما استثناه الشرع، وهما عضوان، ولأن المرأة لا بد لها من الخروج للمعاملة مع الأجانب، فلا بد لها من إبداء الوجه؛ لتعرف، فتطالب بالثمن، ويرد عليها بالعيب، ولا بد من إبداء الكف؛ للأخذ والعطاء، وهذا يفيد أن القدم لا يجوز النظر إليه، وعن الإمام: أنه يجوز، ولا ضرورة في إبداء القدم فهو عورة في حق النظر، وليس بعورة في حق الصلاة، كذا في المحيط، وعن الثاني: يجوز النظر إلى ذراعيها أيضًا؛ لأنه يبدو منها عادة، وما عدا هذه الأعضاء لا يجوز النظر إليها؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ++«من نظر إلى محاسن امرأة أجنبية عن شهوة صب في عينيه الآنك يوم القيامة»... الحديث، وهو الرصاص المذاب، وقالوا: ولا بأس بالتأمل في جسدها وعليها ثياب، ما لم يكن ثوب بيان حجمها فلا ينظر إليه حينئذ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ++«من تأمل خلف امرأة من وراء ثيابها حتى تبين له حجم عظامها لم يرح رائحة الجنة»، وإذا كان الثوب لا يصف عظامها فالنظر إلى الثوب دون عظامها، فصار كما لو نظر إلى خيمة فيها فلا بأس به، قيدنا بالنظر؛ لأنه يكره له أن يمس الوجه والكف من الأجنبية، كذا في قاضي خان، وشمل كلامه: الحر المسلم البالغ والرقيق البالغ والصبي المراهق والكافر، كذا في الغياثية، وفيها: ولا بأس بالنظر إلى شعر الكافرة. ا هـ.
شرح مختصر خليل للخرشي (3/ 201) (المذهب المالكي)
(ص): ومع أجنبي غير الوجه والكفين.
(ش): معطوف على «امرأة»، والمعنى: أن عورة الحرة مع الرجل الأجنبي جميع بدنها، حتى دلاليها وقصتها، ما عدا الوجه، والكفين ظاهرهما وباطنهما، فيجوز النظر لهما بلا لذة ولا خشية فتنة من غير عذر، ولو شابة، وقال مالك: تأكل المرأة مع غير ذي محرم، ومع غلامها، وقد تأكل مع زوجها وغيره ممن يؤاكله، ابن القطان: فيه إباحة إبداء المرأة وجهها ويديها للأجنبي؛ إذ لا يتصور الأكل إلا هكذا. ا هـ.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (20/ 183 - 185) (المذهب الشافعي)
(ويحرم نظر فحل) ومجبوب وخصي وخنثى؛ إذ هو مع النساء كرجل وعكسه، فيحرم نظره لهما ونظرهما له احتياطًا، وإنما غسلاه بعد موته؛ لانقطاع الشهوة بالموت، فلم يبق للاحتياط حينئذ معنى، لا ممسوح، كما يأتي، (بالغ) ولو شيخًا هرمًا ومخنثًا، وهو المتشبه بالنساء، عاقل مختار (إلى عورة حرة) خرج مثالها، فلا يحرم نظره في نحو مرآة، كما أفتى به جمع؛ لأنه لم يرها، وليس الصوت منها، فلا يحرم سماعه، ما لم يُخَفْ منه فتنة، وكذا لو التَذَّ به، على ما بحثه الزركشي، ومثلها في ذلك الأمرد (كبيرة) بأن بلغت حدًّا تشتهى فيه لذوي الطباع السليمة (أجنبية) وهي ما عدا وجهها وكفيها بلا خلاف؛ لقوله تعالى: { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ } [النور: 30]، ولأنه إذا حرم نظر المرأة إلى عورة مثلها فأولى الرجل (وكذا وجهها) أو بعضه ولو بعض عينها (وكفها) أي: كل كف منها، وهو من رأس الأصابع إلى المعصم (عند خوف فتنة) إجماعًا من داعية نحو مس لها أو خلوة بها، وكذا عند النظر بشهوة بأن يلتذ به، وإن أمن الفتنة قطعًا (وكذا عند الأمن) من الفتنة فيما يظنه من نفسه من غير شهوة (على الصحيح)، ووجهه الإمام باتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه، وبأن النظر مظنة الفتنة ومحرك للشهوة، فاللائق بمحاسن الشريعة سد الباب، والإعراض عن تفاصيل الأحوال كالخلوة بالأجنبية، وبه اندفع القول بأنه غير عورة، فكيف حرم نظره؛ لأنه مع كونه غير عورة نظره مظنة للفتنة أو الشهوة، ففطم الناس عنه احتياطًا، على أن السبكي قال: الأقرب إلى صنيع الأصحاب أن وجهها وكفيها عورة في النظر، والثاني: لا يحرم، ونسبه الإمام للجمهور، والشيخان للأكثرين، وقال في المهمات: إنه الصواب، وقال البلقيني: الترجيح بقوة المدرك، والفتوى على ما في المنهاج، وما نقله الإمام من الاتفاق على منع النساء، أي: منع الولاة لهن معارض لما حكاه القاضي عياض عن العلماء أنه لا يجب على المرأة ستر وجهها في طريقها، وإنما ذلك سنة، وعلى الرجال غض البصر عنهن للآية، وحكاه المصنف عنه في شرح مسلم، وأقره عليه، ودعوى بعضهم عدم التعارض في ذلك؛ إذ منعهن من ذلك؛ ليس لكون الستر واجبًا عليهن في ذاته، بل لأن فيه مصلحة عامة، وفي تركه إخلال بالمروءة مردودة؛ إذ ظاهر كلامهما أن الستر واجب لذاته، فلا يتأتى هذا الجمع، وكلام القاضي ضعيف، وحيث قيل بالجواز كره، وقيل: خلاف الأولى، وحيث قيل بالتحريم، وهو الراجح حرم النظر إلى المنتقبة التي لا يبين منها غير عينيها ومحاجرها، كما بحثه الأذرعي، ولا سيما إذا كانت جميلة، فكم في المحاجر من خناجر، وأفهم تخصيص الكلام بالوجه والكفين حرمة كشف ما سوى ذلك من البدن، وما اختاره الأذرعي تبعًا لجمع من حل نظر وجه وكف عجوز تؤمن الفتنة من نظرها؛ لآية { وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ } [النور: 60] ضعيف مردود بما مر من سد الباب، وأن لكل ساقطة لاقطة، ولا دليل في الآية كما هو جلي، بل فيها إشارة للحرمة بالتقييد بـ «غير متبرجات بزينة»، واجتماع أبي بكر وأنس بأم أيمن، وسفيان وأضرابه برابعة، رضي الله عنهم، لا يستلزم النظر، على أن مثل هؤلاء لا يقاس بهم غيرهم، ومن ثم جوزوا لمثلهم الخلوة، كما يأتي قبيل الاستبراء، إن شاء الله تعالى.
الإقناع لموسى الحجاوي (2/ 67) (المذهب الحنبلي)
(أحدها: نظره) أي: الرجل (إلى) بدن امرأة (أجنبية) غير الوجه والكفين ولو غير مشتهاة قصدًا (لغير حاجة) مما سيأتي (فغير جائز) قطعًا وإن أمن الفتنة، وأما نظره إلى الوجه والكفين فحرام عند خوف فتنة تدعو إلى الاختلاء بها لجماع أو مقدماته بالإجماع، كما قاله الامام، ولو نظر إليهما بشهوة، وهي قصد التلذذ بالنظر المجرد وأمن الفتنة حرم قطعًا، وكذا يحرم النظر إليهما عند الأمن من الفتنة فيما يظهر له من نفسه من غير شهوة، على الصحيح، كما في المنهاج كأصله.
ووجهه الإمام باتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات الوجوه، وبأن النظر مظنة الفتنة ومحرك للشهوة، وقد قال تعالى: { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ } [النور: 30]، واللائق بمحاسن الشريعة سد الباب، والإعراض عن تفاصيل الأحوال كالخلوة بالأجنبية، وقيل: لا يحرم؛ لقوله تعالى: { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } [النور: 31]، وهو مفسر بالوجه والكفين، ونسبه الإمام للجمهور، والشيخان للأكثرين، وقال في المهمات: إنه الصواب؛ لكون الأكثرين عليه، وقال البلقيني: الترجيح بقوة المدرك، والفتوى على ما في المنهاج. اهـ، وكلام المصنف شامل لذلك، وهو المعتمد، وخرج بقيد القصد ما إذا حصل النظر اتفاقًا فلا إثم فيه.