رد المحتار على الدر المختار (26/ 335 - 342) (المذهب الحنفي)
فصل: في اللبس
(يحرم لبس الحرير ولو بحائل) بينه وبين بدنه (على المذهب) الصحيح، وعن الإمام: إنما يحرم إذا مس الجلد.
قال في القنية: وهي رخصة عظيمة في موضع عمت به البلوى (أو في الحرب) فإنه يحرم أيضًا عنده.
وقالا: يحل في الحرب (على الرجل، لا المرأة، إلا قدر أربع أصابع) كأعلام الثوب (مضمومة)، وقيل: منشورة، وقيل: بين بين، وظاهر المذهب: عدم جمع المتفرق، ولو في عمامة، كما بسط في القنية، وفيها: عمامة طرزها قدر أربع أصابع من إبريسم من أصابع عمر رضي الله عنه، وذلك قيس شبرنا يرخص فيه.
(وكذا المنسوج بذهب إذا كان هذا المقدار) أربع أصابع (وإلا لا) يحل للرجل، زيلعي.
وفي المجتبى: العلَم في العمامة في موضعين أو أكثر يجمع، وقيل: لا، وفيه: وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: عمامة عليها علَم من قصَب فضة قدر ثلاث أصابع: لا بأس، ومِن ذَهَبٍ: يكره، وقيل: لا يكره، وفيه: تكره الجُبَّة المكفوفة بالحرير.
قلت: وبهذا ثبت كراهة ما اعتاده أهل زماننا من القمص البصرية، وفيه: المرخص العلم في عرض الثوب.
قلت: ومفاده أن القليل في طوله يكره. اهـ.
قال المصنف: وبه جزم منلا خسرو وصدر الشريعة، لكن إطلاق الهداية وغيرها يخالفه.
وفي السراج عن السير الكبير: العلم حلال مطلقًا، صغيرًا كان أو كبيرًا.
قال المصنف: وهو مخالف لما مر من التقييد بأربع أصابع، وفيه رخصة عظيمة لمن ابتلي به في زماننا. اهـ.
قلت: قال شيخنا: وأظن أنه الراية وما يعقد على الرمح، فإنه حلال ولو كبيرًا؛ لأنه ليس بلبس، وبه يحصل التوفيق.
الشرح:
فصل: في اللبس
اعلم أن الكسوة منها فرض، وهو ما يستر العورة ويدفع الحر والبرد، والأولى كونه من القطن أو الكتان أو الصوف على وفاق السنة، بأن يكون ذيله لنصف ساقه وكمه لرؤوس أصابعه، وفمه قدر شبر، كما في النتف بين النفيس والخسيس؛ إذ خير الأمور أوساطها، وللنهي عن الشهرتين، وهو ما كان في نهاية النفاسة أو الخساسة.
ومستحب: وهو الزائد لأخذ الزينة، وإظهار نعمة الله تعالى، قال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ».
ومباح: وهو الثوب الجميل للتزين في الأعياد، والجمع، ومجامع الناس، لا في جميع الأوقات؛ لأنه صلف وخيلاء، وربما يغيظ المحتاجين، فالتحرز عنه أولى ومكروه، وهو اللبس للتكبر، ويستحب الأبيض، وكذا الأسود؛ لأنه شعار بني العباس.
«وَدَخَلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَكَّةَ وَعَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ».
ولبس الأخضر سنة، كما في الشرعة. اهـ من الملتقى، وشرحه.
وفي الهندية عن السراجية: لبس الثياب الجميلة مباح إذا لم يتكبر، وتفسيره: أن يكون معها كما كان قبلها. اهـ.
ومن اللباس المعتاد: لبس الفرو، ولا بأس به من السباع كلها، وغير ذلك من الميتة المدبوغة والمذكاة، ودباغها ذكاتها، محيط.
ولا بأس بجلود النمر والسباع كلها إذا دبغت أن يجعل منها مصلى، أو منبر السرج، ملتقط.
ويكره للرجال السراويل التي تقع على ظهر القدمين، عتابية، ولا بأس بنعل مخصوف بمسامير الحديد.
وفي الذخيرة: ما فيه نجاسة تمنع جواز الصلاة هل يجوز لبسه؟ ذكر في كراهية أبي يوسف في حديث سعيد بن جبير أنه كان يلبس قلنسوة الثعالب، ولا يصلي بها أن هذا زلة منه.
قلت: هذا إشارة إلى أنه لا يجوز لبسه بلا ضرورة، تتارخانية، لكن قدم الشارح في شروط الصلاة أن له لبس ثوب نجس في غير صلاة، وعزاه في البحر إلى المبسوط.
قوله: (يحرم لبس الحرير) إلخ، أي: إلا لضرورة، كما يأتي، قال في المغرب: الحرير: الإبريسم المطبوخ، وسمي الثوب المتخذ منه حريرًا، قوله: (قال في القنية إلخ) نقله عن أستاذه بديع، وأنه قال: لكن طلبت هذا عن أبي حنيفة في كثير من الكتب، فلم أجد سوى ما عن برهان صاحب المحيط، قال في الخيرية: فالحاصل أنه مخالف لما في المتون الموضوعة لنقل المذهب، فلا يجوز العمل والفتوى به، قوله: (وقالا: يحل في الحرب) أي: لو صفيقًا يحصل به اتقاء العدو، كما يأتي، والخلاف فيما لُحْمته حرير وسُدَاه، أما ما لحمته فقط حرير أو سداه حرير فقط يباح لبسه حالة الحرب بالإجماع، كما في التتارخانية، ويأتي، قوله: (إلا قدر أربع أصابع) إلخ؛ لما صح عن ابن عباس رضي الله عنهما، إِنَّمَا «نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الثَّوْبِ الْمُصْمَتِ مِنَ الْحَرِيرِ»، فأما العلم وسدى الثوب فلا بأس به، والمصمت الخالص، ولخبر مسلم: «نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ، إِلَّا مَوْضِعَ أَصْبُعٍ، أَوْ أَصْبُعَيْنِ، أَوْ ثَلَاثٍ، أَوْ أَرْبَعٍ»، وهل المراد قدر الأربع أصابع طولًا وعرضًا، بأن لا يزيد طول العلم وعرضه على ذلك، أو المراد عرضها فقط، وإن زاد طوله على طولها؟ المتبادر من كلامهم: الثاني، ويفيده أيضًا ما سيأتي في كلام الشارح عن الحاوي الزاهدي: وعلم الثوب رقمه، وهو الطراز، كما في القاموس، والمراد به ما كان من خالص الحرير نسجًا أو خياطة، وظاهر كلامهم أنه لا فرق بينه وبين المطرف، وهو ما جعل طرفه مسجفًا بالحرير في أنه يتقيد بأربع أصابع، خلافًا للشافعية، حيث قيدوا المطرز بالأربع أصابع، وبنوا المطرف على العادة الغالبة في كل ناحية، وإن جاوز أربع أصابع فالمراد بالعلَم عندنا ما يشملهما، فيدخل فيه السجاف، وما يحيط على أطراف الأكمام، وما يجعل في طوق الجبة، وهو المسمى: قبة، وكذا العروة والزر، كما سيأتي.
ومثله -فيما يظهر- طرة الطربوش، أي: القلنسوة، ما لم تزد على عرض أربع أصابع، وكذا بيت تكة السراويل، وما على أكتاف العباءة، وعلى ظهرها، وإزار الحمام المسمى بـ: الشطرنجي، وما في أطراف الشاش، سواء كان تطريزًا بالإبرة، أو نسجًا، وما يركب في أطراف العمامة المسمى صجقًا، فجميع ذلك لا بأس به إذا كان عرض أربع أصابع، وإن زاد على طولها؛ بناء على ما مر، ومثله لو رقع الثوب بقطعة ديباج، بخلاف ما لو جعلها حشوًا.
قال في الهندية: ولو جعل القز حشوًا للقباء فلا بأس به؛ لأنه تبع، ولو جعلت ظهارته أو بطانته فهو مكروه؛ لأن كليهما مقصود، كذا في محيط السرخسي، وفي شرح القدوري عن أبي يوسف: أكره بطائن القلانس من إبريسم. ا هـ، وعليه فلو كانت قبة الجبة أكثر من أربع أصابع، كما هو العادة في زماننا فخيط فوقها قطعة كرباس يجوز لبسها؛ لأن الحرير صار حشوًا، تأمل.
قوله: (وظاهر المذهب عدم جمع المتفرق) أي: إلا إذا كان خط منه قزًّا وخط منه غيره، بحيث يرى كله قزًّا فلا يجوز، كما سيذكره عن الحاوي، ومقتضاه حل الثوب المنقوش بالحرير تطريزًا ونسجًا إذا لم تبلغ كل واحدة من نقوشه أربع أصابع، وإن زادت بالجمع ما لم ير كله حريرًا، تأمل.
قال ط: وهل حكم المتفرق من الذهب والفضة كذلك؟ يحرر.
قوله: (وفيها) أي: القنية، وقد رمز فيها بعد هذا النجم الأئمة المعتبر أربع أصابع، كما هي على هيئتها، لا أصابع السلف، ثم رمز للكرماني منشورة، ثم رمز للكرابيسي التحرز عن مقدار المنشورة أولى.
قوله: (وإلا لا يحل للرجل، زيلعي) عبارة الزيلعي مطلقة عن التقييد بالرجل، واعترض بأن هذا ليس من الحلي، فالظاهر أن حكم النساء فيه كالرجال.
أقول: فيه نظر؛ لأن الحلي -كما في القاموس-: ما يتزين به، ولا شك أن الثوب المنسوج بالذهب حلي.
وقدمناه عن الخانية أن النساء فيما سوى الحلي من الأكل والشرب والادهان من الذهب والفضة والعقود بمنزلة الرجال، ولا بأس لهن بلبس الديباج والحرير والذهب والفضة واللؤلؤ. ا هـ.
وفي الهداية: ويكره أن يلبس الذكور من الصبيان الذهب والحرير. اهـ، وسيأتي.
وفي القنية: لا بأس بالعلم المنسوج بالذهب للنساء، فأما للرجال فقدر أربع أصابع وما فوقه يكره، قوله: (وفي المجتبى) إلخ، قد علمت أن القول الثاني ظاهر المذهب، وهذا مكرر مع ما مر من قوله: «ولو في عمامة».
قوله: (وفيه) أي: في المجتبى، وكذا الضمائر بعده، قوله: (ومن ذهب يكره) قال في القنية: كأنه اعتبره بالخاتم. اهـ، وفيها: وكذا في القلنسوة في ظاهر المذهب يجوز قدر أربع أصابع، وفي رواية عن محمد: لا يجوز، كما لو كانت من حرير. اهـ.
قلت: ويأتي الكلام في علَم الثوب من الذهب، قوله: (تُكرَه الجُبَّة المكفوفة بالحرير) هذا غير ما عليه العامة؛ فإنه نقل في الهندية عن الذخيرة: أن لبس المكفوف بالحرير مطلق عند عامة الفقهاء.
وفي التبيين: عن أسماء رضي الله عنها، أنها أخرجت جبة طيالسة عليها لبنة شبر من ديباج كسرواني، وفرجاها مكفوفان به، فقالت: هذه جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلبسها، وكانت عند عائشة رضي الله تعالى عنها، فلما قبضت عائشة قبضْتُها إلي، فنحن نغسلها للمريض فيشتفي بها»، رواه أحمد ومسلم، ولم يذكر لفظة: الشبر. اهـ ط.
وفي الهداية: وعنه عليه الصلاة والسلام «أنه كان يلبس جبة مكفوفة بالحرير». اهـ.
وفي القاموس: كفَّ الثوبَ كفًّا: خاط حاشيته، وهو الخياطة الثانية بعد الشل، وفيه لبنة القميص نبيقته، قوله: (قلت) القائل صاحب المجتبى، وقد علمت حكم المبني عليه هذا القول، قوله: (البصرية) الذي رأيته في المجتبى: المضربة من التضريب، قوله: (قلت: ومفاده) قائله صاحب المجتبى أيضًا، قوله: (وبه جزم) أي: بالتقييد بالعرض، وكذا جزم به ابن الكمال والقهستاني، ونقله في التتارخانية عن جامع الجوامع، قوله: (لكن إطلاق الهداية وغيرها يخالفه) أي: يخالف التقييد بالعرض.
وقد يقال: يحمل المطلق على المقيد، كما صرحوا به في كتب الأصول من أنه يحمل عليه عند اتحاد الحكم والحادثة، على أن المتون كثيرًا ما تطلق المسائل عن بعض قيودها، تأمل، ولكن إطلاق المتون موافق لإطلاق الأدلة، وهو أرفق بأهل هذا الزمان؛ لئلا يقعوا في الفسق والعصيان، قوله: (وهو مخالف) إلخ، نعم هذا مخالف للمتون صريحًا، فتقدم عليه، قوله: (قلت) إلخ، هذا بعيد جدًّا، ففي التتارخانية: وأما لبس ما علَمه حرير أو مكفوف فمطلق عند عامة الفقهاء، خلافًا لبعض الناس.
وعن هشام، عن أبي حنيفة: لا يرى بأسًا بالعلم في الثوب قدر أربع أصابع.
وذكر شمس الأئمة السرخسي أنه لا بأس بالعلَم في الثوب؛ لأنه تبع ولم يقدر. اهـ.
فكلامهم في العلَم في الثوب الملبوس، لا العلَم الذي هو الراية، وإلا لم يبق معنى لقولهم في الثوب، ولا للتعليل بالتبعية.
هذا، وفي التتارخانية ما نصه: بقي الكلام في النساء، قال عامة العلماء: يحل لهن لبس الحرير الخالص، وبعضهم قالوا: لا يحل، وأما لبس ما علَمُه حرير إلى آخر ما قدمناه، والمتبادر من هذه العبارة أن ما ذكر من إطلاق العلم إنما هو في حق النساء، فإن ثبت هذا فلا إشكال، والتوفيق به أحسن، وإلا فهما روايتان.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (2/ 315 - 318) (المذهب المالكي)
(وعصى) الرجل (وصحت) صلاته (إن) (لبس حريرًا) خالصًا مع وجود غيره، وأعاد بوقت، كما مر، كحرمة لبسه بغيرها على رجل أو التحاف به أو ركوب أو جلوس عليه ولو بحائل أو تبعًا لزوجته أو في جهاد أو لحكة، إلا أن يتعين للدواء، فإنه يجوز كتعليقه ستورًا من غير استناد، وكذا البشخانة المعلقة بلا مس، وخط العلم والخياطة به، ويلحق بذلك قيطان الجوخ والسبحة، وتجوز الراية في الحرب، وفي السجاف إذا عظم نظر، لا إن كان كأربعة أصابع، فالأظهر الجواز، والأرجح كراهة الخز، والورع التنزه عن ذلك كله، والآخرة عند ربك للمتقين....
الشرح:
قوله: (وعصى الرجل) أي: وأما الصبي فالحرير والذهب في حقه مكروهان، كما ذكره ابن يونس، وفي المدخل: المنع أولى، وأما إلباسه الفضة فجائز على المعتمد، خلافًا لمن قال بالكراهة، قوله: (إن لبس حريرًا) أي: وأما حمل الحرير فيها من غير لبس فجائز، قوله: (مع وجود غيره) أي: وأما عند عدم وجود غيره فالصلاة فيه متعينة عليه، وإن كان يعيد أيضًا بوقت، كما مر.
قوله: (كما مر) أي: في قوله: «كمصل بحرير» وإن انفرد، فالمصنف بين هنا العصيان مع الصحة، وفيما تقدم الإعادة في الوقت، فالغرض من ذكر هذه المسألة هنا مخالف للغرض من ذكرها سابقًا، فلا تكرار، ولا يقال: إن الإعادة في الوقت تستلزم العصيان؛ لأن الإعادة في الوقت قد تكون لارتكاب مكروه، نعم تستلزم الصحة، تأمل، قوله: (أو ركوب أو جلوس عليه) أي: أو ارتفاق به، خلافًا لعبد الملك بن الماجشون القائل بجواز الجلوس، والركوب عليه، والارتفاق به، ولو من غير حائل؛ لما في ذلك من امتهانه، قوله: (ولو بحائل) أي: خلافًا لمن أجاز الركوب، والجلوس عليه، والارتفاق به، إذا كان عليه حائل، وهو موافق للحنفية.
قوله: (أو تعبًا لزوجته) أي: خلافًا لابن العربي، حيث قال بجواز افتراشه والغطاء به تبعًا لزوجته، وعليه فإذا قامت من على ذلك الفرش لضرورة وجب عليه الانتقال من عليه لموضع يباح له حتى ترجع لفراشها، وإن كان نائمًا أيقظته، أو أزالت اللحاف عنه، قوله: (أو في جهاد أو لحكة) أي: لأن زوال الحكة به وإرهاب العدو به غير محقق، وما ذكره من حرمة لبسه لهما هو المشهور، وهو قول ابن القاسم، وروايته عن مالك، خلافًا لابن حبيب في الحكة، فقد أجاز لبسه لها، ومحل الخلاف ما لم يتعين طريقًا للدواء، وإلا جاز لبسه لها اتفاقًا، وخلافًا لابن الماجشون في الجهاد؛ فقد أجاز لبسه له؛ معللًا ذلك بأن فيه إرهابًا للعدو في الحرب، قوله: (كتعليقه ستورًا) إلخ، أي: كما يجوز تعليق الحرير ستورًا للحيطان من غير استناد عليه للرجال، قوله: (وكذا البشخانة) أي: وكذا يجوز اتخاذ البشخانة، وهي الناموسية من الحرير، قوله: (وخط العلم) أي: فلا بأس به وإن عظم، كما قال ابن حبيب، وقيل: إنه مكروه، والخلاف المذكور فيما إذا كان قدر أربعة أصابع، أو ثلاثة، أو اثنين، أو واحد، أما الخط الرقيق دون الإصبع فجائز اتفاقًا، كما أن ما زاد على الأربع أصابع فحرام اتفاقًا، وهذا كله في العلَم المتصل بالثوب على وجه النسج، كالطراز الذي يكون بالثوب، وأما المتصل به لا على وجه النسج فأشار له بقوله بعد: «وفي السجاف» إلخ، قوله: (قيطان الجوخ والسبحة) أي: وأما ما يفعل فيها من التسابيح فلا يجوز إذا كانت من الحرير.
قوله: (وتجوز الراية في الحرب) أي: يجوز اتخاذ راية الحرب من الحرير، وأما رايات الفقراء من الحرير فممنوعة، ومثل ما ذكر في الجواز: الطوق واللبنة، كما قال بعض أصحاب المازري، والمراد بالطوق: القبة، والمراد باللبنة: البنيقة التي تجعل تحت الإبط كالرقعة، فيجوز جعلها من الحرير، ومنع ابن حبيب الجيب وهو الطوق والزر، أي: زر الجوخة والقفطان، وقد يقال: إنه أولى بالجواز من القيطان؛ ولذا قال شيخنا: إنه ضعيف، والمعتمد جوازهما من الحرير، قوله: (وفي السجاف) أي: وفي جواز السجاف من الحرير إذا عظم بأن كان قدر ربع الجوخة، كما نقله سيدي محمد الزرقاني عن بعضهم، قوله: (لا إن كان كأربعة أصابع، فالأظهر الجواز) أي: كما اختاره الشيخ أحمد النفراوي في شرح الرسالة، كما يجوز اتخاذ غطاء العمامة وكيس الدراهم من الحرير؛ قياسًا على الناموسية، ولا يعد هذا استعمالًا للحرير، كما استظهره بعضهم، قوله: (والأرجح كراهة الخز) أي: وهو ما سداه حرير ولحمته من الوبر، ومثل الخز ما في معناه، وهي الثياب التي سداها حرير ولحمتها قطن أو كتان، كما في خش، تبعًا لشراح الرسالة، وقال بعضهم بحرمتها وحرمة الخز، وهو مقابل الراجح في كلام الشارح، وقال بعضهم بجواز الخز وما في معناه، وقيل بجواز الخز وحرمة ما في معناه، فالأقوال أربعة، أرجحها الكراهة في الخز وما في معناه، كما قال الشارح.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (7/ 300 - 302) (المذهب الشافعي)
(يحرم على الرجل) والخنثى المشكل احتياطًا (استعمال الحرير) ولو قزًّا (بفرش وغيره) من تستر وتدثر واتخاذ ستر وغيرها من سائر وجوه الاستعمال، لا مشيه عليه فيما يظهر؛ لأنه لمفارقته له حالًا لا يعد مستعملًا له عرفًا؛ لما صح من قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ».
وقول حذيفة رضي الله عنه: «نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ، وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ».
ومر أنه صلى الله عليه وسلم أخذ في يَمِينِه قطعة حرير، وفي شماله قطعة ذهب، وقال: «هَذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، حِلٌّ لِإِنَاثِهِمْ».
ووجه الإمام تحريمه بأن فيه مع معنى الخيلاء أنه ثوب رفاهية وزينة وإبداء زي يليق بالنساء دون شهامة الرجال، ولا ينافيه ما في الأم من كراهة لبس اللؤلؤ للرجل، وعلله بأنه من زي النساء؛ لأن الإمام لم يجعل زيهن وحده مقتضيًا للتحريم، بل مع ما انضم إليه مما ذكر، على أن الذي صوَّبَه في الروضة والمجموع حرمة التشبه بهن، كعكسه؛ لما يأتي، فما في الأم إما مبني على أن ذلك مكروه، أو محمول على أن مراده من جنس زي النساء، لا أنه زي مخصوص بهن، وقد ضبط ابن دقيق العيد ما يحرم التشبه بهن فيه بأنه ما كان مخصوصًا بهن في جنسه وهيئته أو غالبًا في زيهن، وكذا يقال في عكسه، وألحقوا بالرجل الخنثى؛ للاحتياط كما مر، والتقييد في بعض الأخبار باللبس والجلوس جريٌ على الغالب، فيحرم ما عداهما، كما دل عليه بقية الأخبار، وأفتى الوالد - رحمه الله تعالى - بحرمة استعمال الحرير وإن لم يكن منسوجًا؛ بدليل استثنائهم من الحرمة خيط السبحة، وليقة الدواة، والأوجه عدم حرمة استعمال ورق الحرير في الكتابة ونحوها؛ لأنه يشبه الاستحالة.
(ويحل للمرأة لبسه)؛ لما مر في الخبر: «حِلٌّ لِإِنَاثِهِمْ»، ولأن تزيين المرأة بذلك يدعو إلى الميل إليها ووطئها، فيؤدي إلى ما طلبه الشارع من كثرة النسل، ويجوز للرجل وغيره لبس ثوب خيط به، ولا يأتي فيه تفصيل المضبب؛ لأنه أهون، ويحل منه خيط السبحة، كما في المجموع، ويلحق به -كما قاله الزركشي- ليقة الدواة؛ لاستتارها بالحبر، كإناء نقد غشي بغيره، ولأنها أولى بانتفاء الخيلاء من التطريف، ومثل ذلك -فيما يظهر- الخيط الذي ينظم فيه أغطية الكيزان، ونحوها من العنبر والصندل ونحوهما، والخيط الذي يعقد عليه المنطقة، وهي التي يسمونها: الحياصة، بل أولى بالحل، وجوز الفوراني للرجل منه كيس المصحف.
أما كيس الدراهم وغطاء العمامة منه: فقد تقدم في الآنية أن الأرجح حرمته عليه، ويجوز لبس خلع الحرير ونحوه من الملوك، كما نقل عن الماوردي؛ لقلة زمنه، ولإلباس عمر سراقة سواري كسرى وجعل التاج على رأسه، وإذا جاءت الرخصة في لبس الذهب للزمن اليسير في حالة الاختيار، وأن ذلك القدر لا يعد استعمالًا فالحرير أولى، ذكره الزركشي وغيره، والأولى في التعليل ما في مخالفة ذلك من خوف الفتنة، لا كتابة الصداق فيه، ولو للمرأة، كما أفتى المصنف، ونقله عن جماعة من الأصحاب، وهو المعتمد، وإن نوزع فيه، وليس كخياطة أثواب الحرير للنساء، كما زعمه الإسنوي وغيره، وارتضاه الجوجري.
وقال في الإسعاد: إنه الأوجه؛ لأن الخياطة لا استعمال فيها، بخلاف الكتابة، ولا اتخاذه بلا لبس، كما أفتى به ابن عبد السلام.
قال: لكن إثمه دون إثم اللبس، وما ذكره هو قياس إناء النقد، لكن كلامهم ظاهر في الفرق بينهما من وجوه متعددة، وهو الأوجه، فلو حمل هذا على ما إذا اتخذه ليلبسه، بخلاف ما إذا اتخذه لمجرد القنية لم يبعد، ولا لبس درع نسج بقليل ذهب، أو زر بأزراره، أو خيط به لكثرة الخيلاء، وقد أفتى ابن رزين بإثم من يفصل للرجال الكلوثات الحرير والأقماع، ويشتري القماش الحرير، ويبيعه لهم، أو يخيطه لهم، أو يصوغ الذهب للبسهم (والأصح تحريم افتراشها) إياه؛ للسرف والخيلاء، بخلاف اللبس؛ فإنه يزينها للحليل، كما مر، والثاني: يحل، كلبسه، وسيأتي ترجيحه.
شرح منتهى الإرادات (1/ 151 ، 152) (المذهب الحنبلي)
وحرم على غير أنثى من رجل وخنثى، حتى كافر، لبس ما كلُّهُ وما غاليه ظهورًا حرير، ولو كان بطانة؛ لحديث عمر رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ؛ فَإِنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ» متفق عليه.
«وَكَوْنُ عُمَرَ بَعَثَ بِمَا أَعْطَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَخٍ لَهُ مُشْرِكٍ»، متفق عليه، ليس فيه أنه أذن له في لبسها، وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمر رضي الله عنه، وعلي، وأسامة، رضي الله عنهم، ولم يلزم منه إباحة لبسه، والكفار مخاطبون بفروع الشريعة، وحرم أيضًا على غير أنثى افتراشه، أي: الحرير؛ لحديث حذيفة رضي الله عنه: «نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا، أَوْ أَنْ نَلْبَسَ الْحَرِيرَ وَالدِّيبَاجَ، وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ»، رواه البخاري.
ولا يحرم افتراشه تحت حائل صفيق، فيجوز أن يجلس على الحائل، ويصلي عليه؛ لأنه حينئذ مفترش للحائل، مجانب للحرير، ويحرم أيضًا على غير أنثى استنادٌ إليه، وتعليقه، أي: الحرير، فيدخل فيه بشخانة وخيمة ونحوهما، وحرم الأكثر استعماله مطلقًا، فدخل فيه تكة وشرابة مفردة وخيط مسبحة ويحرم أيضًا كتابة مهر فيه، أي: في الحرير، وقيل: يكره، وعليه العمل، ويحرم أيضًا ستر جدر به، أي: بالحرير؛ لأنه استعمال له، أشبه لبسه غير الكعبة المشرفة، زادها الله تعظيمًا وتشريفًا، فيجوز سترها بالحرير، وكلام أبي المعالي يدل على أنه محل وفاق، ومحل تحريم استعمال الحرير إذا كان بلا ضرورة، كبرد أو حكة أو مرض أو قمل؛ لحديث أنس، أن عبد الرحمن بن عوف والزبير شكَوْا القمل إلى النبي، فرخص لهما في قميص الحرير، ورأيته عليهما، متفق عليه، وما ثبت في حق صحابي يثبت في حق غيره؛ إذ لا دليل على اختصاصه به، وقس على القمل غيره مما يحتاج فيه إلى لبس الحرير.
رد المحتار على الدر المختار (26/ 350 ، 351) (المذهب الحنفي)
وحرم أيضًا على اختصاصه به، وقس على القمل أيضًا غيره مما يحتاج فيه إلى لبس الحرير.
(ويحل توسُّده وافتراشه) والنوم عليه، وقالا والشافعي ومالك: حرام وهو الصحيح، كما في المواهب، قلت: فليحفظ هذا، لكنه خلاف المشهور، وأما جعله دثارًا أو إزارًا فإنه يكره بالإجماع، سراج.
الشرح:
قوله: (ويحل توسده) الوسادة: المخدة، منح، وتسمى: مرفقة، وإنما حل؛ لما روي «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَسَ عَلَى مِرْفَقَةِ حَرِيرٍ»، وكان على بساط ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مرفقة حرير، وروي أن أنسًا رضي الله تعالى عنه حضر وليمة، فجلس على وسادة حرير، ولأن الجلوس على الحرير استخفاف، وليس بتعظيم، فجرى مجرى الجلوس على بساط فيه تصاوير، منح عن السراج.
قوله: (وقالا إلخ) قيل: أبو يوسف مع أبي حنيفة ح، وقيل: مع محمد، قوله: (كما في المواهب) ومثله في متن درر البحار، قال القهستاني: وبه أخذ كثير من المشايخ، كما في الكرماني. اهـ.
ونقل مثله ابن الكمال، قوله: (لكنه خلاف المشهور) قال في الشرنبلالية: قلت: هذا التصحيح خلاف ما عليه المتون المعتبرة المشهورة والشروح.
قوله: (وأما جعله دثارًا) الدثار بالكسر: ما فوق الشعار من الثياب، والشعار ككتاب: ما تحت الدثار من اللباس، وهو ما يلي شعر الجسد، ويفتح جمعه أشعر، قاموس، فالدثار: ما لا يلاقي الجسد، والشعار بخلافه، وشمل الدثار: ما لو كان بين ثوبين، وإن لم يكن ظاهرًا إلا إذا كان حشوًا، كما قدمناه عن الهندية، قوله: (فإنه يكره بالإجماع)، وأما ما نقله صاحب المحيط من أنه إنما يحرم ما مس الجلد تقدم، فلعله لم يعتبره؛ لضعفه، أفاده ط.
رد المحتار على الدر المختار (26/ 353 - 357) (المذهب الحنفي)
(و) يحل (لبس ما سداه إبريسم ولحمته غيره) ككتان وقطن وخز؛ لأن الثوب إنما يصير ثوبًا بالنسج، والنسج باللحمة، فكانت هي المعتبرة دون السدى.
قلت: وفي الشرنبلالية عن المواهب: يكره ما سداه ظاهر، كالعتابي، وقيل: لا يكره، ونحوه في الاختيار.
قلت: ولا يخفى أن المرجح اعتبار اللحمة، كما يعلم من العزمية، بل في المجتبى: أن أكثر المشايخ أفتوا بخلافه، وفي شرح المجمع: الخز صوف غنم البحر. اهـ.
قلت: وهذا كان في زمانهم، وأما الآن فمن الحرير، وحينئذ فيحرم، برجندي وتتارخانية، فليحفظ.
(و) حل (عكسه في الحرب فقط) لو صفيقًا يحصل به اتقاء العدو، فلو رقيقًا حرم بالإجماع؛ لعدم الفائدة، سراج، وأما خالصه فيكره فيها عنده، خلافًا لهما، ملتقى.
قلت: ولم أر ما لو خلطت اللحمة بإبريسم وغيره، والظاهر اعتبار الغالب، وفي حاوي الزاهدي: يكره ما كان ظاهره قز، أو خط منه خز، وخط منه قز، وظاهر المذهب عدم جمع المتفرق، إلا إذا كان خط منه قز، وخط منه غيره، بحيث يرى كله قزًّا، فأما إذا كان كل واحد مستبينًا، كالطراز في العمامة، فظاهر المذهب: أنه لا يجمع. اهـ، وأقره شيخنا.
قلت: وقد علمت أن العبرة للحمة، لا للظاهر، على الظاهر، فافهم.
الشرح:
قوله: (ولحمته غيره) سواء كان مغلوبًا أو غالبًا، أو مساويًا للحرير، وقيل: لا يلبس إلا إذا غلبت اللحمة على الحرير، والصحيح: الأول، كما في المحيط، وأقره القهستاني وغيره، در منتقى.
قوله: (وخز) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الزاي، ويأتي معناه، قوله: (فكانت هي المعتبرة دون السدى)؛ لما عرف أن العبرة في الحكم لآخر وصفي العلة، كفاية، قوله: (كالعتابي) هو مثل القطني والأطلس في زماننا، قوله: (ونحوه في الاختيار) حيث قال: وما كان سداه ظاهرًا كالعتابي قيل: يكره؛ لأن لابسه في منظر العين لابس حرير، وفيه خيلاء، وقيل: لا يكره؛ اعتبارًا باللحمة. اهـ ط.
قوله: (قلت: ولا يخفى) إلخ، اعلم أن المتون مطلقة في حل لبس ما سداه إبريسم ولحمته غيره كعبارة المصنف: وهي كذلك في الجامع الصغير للإمام محمد رحمه الله، وقد علل المشايخ المسألة بتعليلين الأول ما قدمه الشارح، وهو المذكور في الهداية، والثاني: ما نقل عن الإمام أبي منصور الماتريدي رحمه الله تعالى، وهو أن اللحمة تكون على ظاهر الثوب ترى وتشاهد، فالتعليل الأول ناظر إلى اعتبار اللحمة مطلقًا؛ لأنها كآخر وصفي العلة، كما مر، والثاني: ناظر إلى ظهورها، فعلى التعليل الأول يجوز لبس العتابي ونحوه، وعلى الثاني يكره، كما ذكره شراح الهداية، وفي تقرير الزيلعي هنا خفاء، وظاهر إطلاق المتون اعتبار التعليل الأول؛ ولذا قال في الهداية بعده: والاعتبار للحمة، على ما بينا.
قوله: (بل في المجتبى) إلخ، ونصه: إنما يجوز ما كان سداه إبريسمًا، ولحمته قطن، إذا كان مخلوطًا، لا يتبين فيه الإبريسم، أما إذا صار على وجهه كالعتابي في زماننا، والششتري والقتبي فإنه يكره؛ للتشبه بزي الجبابرة، قلت: ولكن أكثر المشايخ أفتوا على خلافه. اهـ، قوله: (قلت: وهذا) أي: كون الخز صوف غنم البحر، قال في التتارخانية: والخز: اسم لدابة يكون على جلدها خز، وأنه ليس من جملة الحرير، ثم قال بعده: قال الإمام ناصر الدين: الخز في زمانهم من أوبار الحيوان المائي، قوله: (وحل عكسه في الحرب فقط)، حاصل المسألة على ثلاثة أوجه، قال في التتارخانية: ما لحمته غير حرير وسداه حرير يباح لبسه في حالة الحرب، أي: وغيرها، وما لحمته حرير وسداه غير حرير يباح لبسه في حالة الحرب بالإجماع، وأما ما لحمته وسداه حرير ففي لبسه حالة الحرب خلاف بين أصحابنا وعلمائنا. اهـ.
وظاهر التقييد بحالة الحرب: أن المراد وقت الاشتغال بها، لكن في القهستاني: وعن محمد: لا بأس للجندي إذا تأهب للحرب بلبس الحرير، وإن لم يحضره العدو، ولكن لا يصلي فيه، إلا أن يخاف العدو. اهـ.
قوله: (لو صفيقًا) ضد الرقيق، قوله: (فلو رقيقًا) إلخ، اعلم أن لبس الحرير لا يجوز بلا ضرورة مطلقًا، فما كان سداه غير حرير ولحمته حرير يباح لبسه في الحرب للضرورة، وهي شيئان: التهيب بصورته، وهو بريقه ولمعانه، والثاني: ضعف معرة السلاح، أي: مضرته، أتقاني، فإذا كان رقيقًا لم تتم الضرورة فحرام إجماعًا بين الإمام وصاحبيه، قوله: (فيكره فيها) أي: في الحرب عنده؛ لأن الضرورة تندفع بالأدنى، وهو المخلوط، وهو ما لحمته حرير فقط؛ لأن البريق واللمعان بظاهره، واللحمة على الظاهر، ويدفع معرة السلاح أيضًا، والمخلوط وإن كان حريرًا في الحكم ففيه شبهة الغزل، فكان دون الحرير الخالص، والضرورة اندفعت بالأدنى، فلا يصار إلى الأعلى، وما رواه الشعبي إن صح؛ يحمل على المخلوط، أتقاني، قوله: (خلافًا لهما) قال في التتارخانية: إنما لا يكره عندهما لبس الحرير في الحرب إذا كان صفيقًا يدفع معرة السلاح، فلو رقيقًا لا يصلح لذلك كره بالإجماع. اهـ.
أقول: والحاصل أنه عند الإمام لا يباح الحرير الخالص في الحرب مطلقًا، بل يباح ما لحمته فقط حرير لو صفيقًا، وأما عندهما فيباح كل منهما في الحرب لو صفيقًا، ولو رقيقًا، فلا خلاف في الكراهة، فافهم. وتأمل فيما في الشرنبلالية، قوله: (قلت: ولم أر) إلخ، مأخوذ من حاشية شيخه الرملي، وتمام عبارته: ثم رأيت في الحاوي الزاهدي بعلامة جمع التفاريق، وما كان من الثياب الغالب عليه غير القز كالخز ونحوه لا بأس به؛ فقد وافق بحثنا المنقول، ولله الحمد. اهـ.
ثم نقل عبارة الحاوي التي ذكرها الشارح، ولم يزد بعدها شيئًا؛ فلذا قال الشارح: وأقره شيخنا، وأجاب الشارح أيضًا في شرحه على الملتقى بقوله: ثم رأيته في الأشباه في قاعدة: «إذا اجتمع الحلال والحرام» ألحقه بمسألة الأواني، وحينئذ فيحل لو حريرًا للحمة مساويًا وزنًا، أو أقل، لا أزيد. اهـ.
وبين الجوابين فرق؛ فإن ما في الأشباه مصرح بحل المساواة، وما ذكره الرملي، وتبعه الشارح، ساكت عنه، وقد أجاب البيري بعبارة الزاهدي المارة أيضًا.
وأقول: تحتمل عبارة الزاهدي أن تكون مبنية على القول الضعيف من اعتبار غلبة اللحمة على الحرير، كما قدمناه، فلا تصلح للجواب، تأمل.
قوله: (ما كان ظاهره قز) اسم «كان» ضمير الشأن، والجملة من المبتدأ والخبر خبرها، والقز: الإبريسم كما في القاموس، أو نوع منه كما في الصحاح، قوله: (أو خط منه خز) إلخ، أقول: ليس المراد بالخط ما يكون في السدى طولًا؛ لأن السدى لا يعتبر ولو كان كله قزًّا، بل المراد بالخط ما يكون في اللحمة عرضًا، فإذا كان المراد ذلك ظهر منه جواب آخر عن المسألة السابقة، بأن يقال: إذا خلطت اللحمة بإبريسم وغيره، بحيث يرى كله إبريسمًا كره، وإن كان كل واحد مستبينًا كالطراز لم يكره؛ لأن ظاهر المذهب عدم الجمع فيما لم يبلغ أربع أصابع، ويظهر لي أن هذا الجواب أحسن من الجواب السابق، فتأمل فيه.
قوله: (قلت: وقد علمت) إلخ، استدراك على ما في الحاوي، وعلى شيخه، حيث أقره، فإن قوله: «يكره ما كان ظاهره قز» مفرع على اعتبار الظاهر، وكراهة نحو العتابي، والمرجح خلافه كما مر، ولا يرد هذا على ما استظهرناه آنفًا في الجواب؛ لأن عدم اعتبار الظاهر إنما هو في السدى، وكلامنا السابق في اللحمة. قوله: (على الظاهر) أي: الراجح، وليس المراد ظاهر الرواية، كما هو اصطلاحه في إطلاق هذا اللفظ، تأمل.