حاشية رد المحتار، على الدر المختار: شرح تنوير الأبصار (4/ 13) (المذهب الحنفي)
حد الزاني غير المحصن:
(وَغَيْرُ الْمُحْصَنِ يُجْلَدُ مِائَةً إنْ حُرًّا، وَنِصْفُهَا لِلْعَبْدِ)؛ بِدَلَالَةِ النَّصِّ، وَالْمُرَادُ بِالْمُحْصَنَاتِ فِي الْآيَةِ: الْحَرَائِرُ، ذَكَرَهُ الْبَيْضَاوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ أَنَّهُ غَلَّبَ الْإِنَاثَ عَلَى الذُّكُورِ، لَكِنَّهُ عَكْسُ الْقَاعِدَةِ....
قَوْلُهُ: (بِدَلَالَةِ النَّصِّ) هُوَ قَوْله تَعَالَى: { فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ } [النساء: 25] نَزَلَتْ فِي الْإِمَاءِ.
وَإِذَا ثَبَتَ فِيهِنَّ لِلرِّقِّ ثَبَتَ فِي الذُّكُورِ الْأَرِقَّاءِ دَلَالَةً؛ إذْ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا أَوْلَوِيَّةُ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ بِالْحُكْمِ، بَلْ تَكْفِي الْمُسَاوَاةُ، نَهْرٌ، قَوْلُهُ: (وَذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ) إلَخْ، فَيَكُونُ دُخُولُ الذُّكُورِ ثَابِتًا بِعِبَارَةِ النَّصِّ، لَا بِدَلَالَتِهِ، قَوْلُهُ: (لَكِنَّهُ عَكْسُ الْقَاعِدَةِ) وَهِيَ تَغْلِيبُ الذُّكُورِ عَلَى الْإِنَاثِ.
وَوَجْهُ الْعَكْسِ هُنَا -كَمَا أَفَادَهُ فِي الْفَتْحِ- هُوَ كَوْنُ الدَّاعِيَةِ فِيهِنَّ أَقْوَى؛ وَلِذَا قُدِّمَتِ الزَّانِيَةُ عَلَى الزَّانِي فِي الْآيَةِ.
قَوْلُهُ: (لِقَوْلِهِمْ: رُكْنُهُ) أَيْ: رُكْنُ الْحَدِّ، وَفِيهِ تَأَمُّلٌ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّ الرُّكْنَ هُوَ الضَّرْبُ أَوِ الرَّجْمُ.
تَنْبِيهٌ:
فِي كَافِي الْحَاكِمِ: يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الْعَبْدِ إذَا أَقَرَّ بِالزِّنَى أَوْ بِغَيْرِهِ مِمَّا يُوجِبُهُ، وَإِنْ كَانَ مَوْلَاهُ غَائِبًا، وَكَذَا فِي الْقَطْعِ وَالْقِصَاصِ، وَإِنْ قَالَ بَعْدَ عِتْقِهِ: "زَنَيْت وَأَنَا عَبْدٌ" لَزِمَهُ حَدُّ الْعَبِيدِ. ا هـ.
قَوْلُهُ: (فِي الصِّحَاحِ) إلَخْ، تَفْسِيرٌ لِمَا وَقَعَ فِي عِبَارَةِ الْمُتُونِ كَالْقُدُورِيِّ وَالْكَنْزِ وَغَيْرِهِمَا بِسَوْطٍ لَا ثَمَرَةَ لَهُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ الْمُرَادُ بِالثَّمَرَةِ؛ لِأَنَّهُ الْمَشْهُورُ فِي الْكُتُبِ، كَمَا قَالَهُ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ.
وَرَجَّحَ فِي الْمُغْرِبِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا ذَنَبُهُ، وَذَكَرَ فِي الْفَتْحِ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ رضي الله عنه، «أَنَّهُ كَانَ يُؤْمَرُ بِالسَّوْطِ فَتُقْطَعُ ثَمَرَتُهُ، ثُمَّ يُدَقُّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ حَتَّى يَلِينَ ثُمَّ يُضْرَبُ بِهِ» فَالْمُرَادُ أَنْ لَا يُضْرَبَ وَفِي طَرَفِهِ يُبْسٌ؛ لِأَنَّهُ يَجْرَحُ أَوْ يُبْرِحُ، فَكَيْفَ إذَا كَانَ فِيهِ عُقْدَةٌ؟!
وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ يُجْتَنَبُ كُلٌّ مِنَ الثَّمَرَةِ بِمَعْنَى الْعُقْدَةِ، وَبِمَعْنَى الْفَرْعِ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ ذَنَبَيْنِ؛ تَعْمِيمًا لِلْمُشْتَرَكِ فِي النَّفْيِ، وَلَوْ تَجَوَّزَ بِالثَّمَرَةِ فِيمَا يُشَاكِلُ الْعُقَدَ لِيَعُمَّ الْمَجَازَ مَا هُوَ يَابِسُ الطَّرَفِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا لَكَانَ أَوْلَى، فَإِنَّهُ لَا يُضْرَبُ بِمِثْلِهِ حَتَّى يُدَقَّ رَأْسُهُ، فَيَصِيرَ مُتَوَسِّطًا. ا هـ مُلَخَّصًا.
قَوْلُهُ: (بَيْنَ الْجَارِحِ وَغَيْرِ الْمُؤْلِمِ) بِأَنْ يَكُونَ مُؤْلِمًا غَيْرَ جَارِحٍ، وَلَوْ كَانَ الْمَجْلُودُ ضَعِيفَ الْخِلْقَةِ فَخِيفَ هَلَاكُهُ يُجْلَدُ جَلْدًا ضَعِيفًا يَحْتَمِلُهُ. فَتْحٌ.
قَوْلُهُ: (وَفَرَّقَ جَلْدَهُ) إلَخْ؛ لِأَنَّ جَمْعَهُ عَلَى عُضْوٍ وَاحِدٍ قَدْ يُفْسِدُهُ، وَضَرْبُ مَا اسْتُثْنِيَ قَدْ يُؤَدِّي إلَى الْهَلَاكِ حَقِيقَةً أَوْ مَعْنًى بِإِفْسَادِ بَعْضِ الْحَوَاسِّ الظَّاهِرَةِ أَوِ الْبَاطِنَةِ.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (4/ 321-322) (المذهب المالكي)
جلد وتغريب الزاني:
وأشار للنوع الثاني بقوله: (وجلد) المكلف (البكر الحر) ذكرًا أو أنثى (مائة، وتشطر) الجلد (بالرق، وإن قل) كمبعض، وكذا من فيه شائبة حرية، كمكاتب وأم ولد ومعتق لأجَل ومدبر.
أما الأنثى: فلقوله تعالى: { فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ } [النساء: 25].
وأما الذَّكَر: فبالقياس عليها؛ إذ لا فرق (وتحصن كل) من الزوجين الرقيقين على البدلية؛ بدليل قوله: (دون صاحبه بالعتق والوطء بعده) بشروطه المتقدمة، فإذا عتق وزوجته مطيقة غير بالغ أو أمة أو كافرة وأصابها؛ تحصن دونها، فإن عتقت فقط تحصنت دونه إن أصابها وهي بالغة مسلمة عاقلة، والحاصل أن الذكر المكلف الحر المسلم يتحصن بوطء زوجته المطيقة ولو صغيرة أو كافرة أو أمة أو مجنونة، والأنثى تتحصن بوطء زوجها إن كان بالغًا ولو عبدًا أو مجنونًا، فعلم أن شرط تحصين الذكر زيادة على العشرة المتقدمة إطاقة موطوءته، وشرط تحصين الأنثى بلوغ واطئها فقط زيادة على العشرة، ولا يقال: وإسلامه؛ لأن الكافر لا يصح نكاحه المسلمة، فهو خارج بالنكاح للصحيح.
وأشار للنوع الثالث بقوله: (وغُرِّبَ) البكر (الحر الذكر فقط) دون العبد، ولو رضي سيده، ودون الأنثى ولو رضيت هي وزوجها (عامًا) كاملًا من يوم سجنه في البلد التي غرب إليها، فلا بد من سجنه بها، وكان الأولى التصريح به، بأن يقول: يسجن بها عامًا، ويكتفي به عما سيأتي له (وأجره عليه) أي: أجرة حمله ذهابًا وإيابًا، ومؤنته بموضع سجنه، وأجرة الموضع عليه؛ لأنه من تعلقات الجناية (وإن لم يكن له مال فمن بيت المال) إن كان، وإلا فعلى المسلمين (كفَدَكٍ) بفتح الفاء والدال المهملة: قرية من قرى خيبر، بينها وبين المدينة يومان، وقيل: ثلاثة مراحل (وخيبر) بينها وبين المدينة ثلاثة أيام (من المدينة) المنورة، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم نفى من المدينة إليها (فيسجن سنة) من حين سجنه، كما مر (وإن) (عاد) الذي غرب إلى وطنه قبل مضي السنة (أخرج) مرة (ثانية) إلى الموضع الأول، أو غيره؛ لإكمال السنة، ويحتمل أن المعنى: وإن عاد للزنا بعد تغريبه ورجوعه لوطنه أخرج بعد جلده مرة ثانية إلى البلد التي نفي إليها، أو إلى غيرها، وأما إن زنى في الموضع الذي غرب إليه أو زنى غريب بغير بلده فاستظهر بعضهم أنه إن تأنس بأهل السجن؛ لطول الإقامة معهم، وتأنس الغريب بأهل تلك البلد غرب لموضع آخر بعد الجلد، وإلا كفى السجن في ذلك الموضع، ويستأنف لمن زنى في السجن عامًا، ويلغى ما تقدم له....
قَوْلُهُ: (البكر) المراد به: غير المحصن، وهو من لم يتقدم له وطء مباح في نكاح لازم، بأن لم يتقدم له وطء أصلًا، أو تقدم له وطء في أمته، أو في زوجته، لكن في حيضها أو في نكاح فاسد لم يفت، وفسخ.
قَوْلُهُ: (الحر) أي: الكائن من أفراد جنس الحر، فيشمل الذكر والأنثى، كما قال الشارح، والمراد: الحر المتقدم، وهو المكلف المسلم.
قَوْلُهُ: (بالرق) أي: ذكرًا كان الرقيق أو أنثى، فيلزم كُلًّا منهما خمسون جلدة إذا زنى.
قَوْلُهُ: (وإن قل) أي: الرق في تلك الرقبة، قَوْلُهُ: (فإذا عتق) أي: الزوج الذكر المكلف المسلم، قَوْلُهُ: (وزوجته مطيقة) أي: حرة مسلمة مطيقة، قَوْلُهُ: (وأصابها) أي: بعد عتقه.
قَوْلُهُ: (تحصن) أي: ولو كانت مجنونة، وقوله: "فإن عتقت" أي: الزوجة المسلمة المكلفة، وقوله: "تحصنت دونه إن أصابها" أي: بعد عتقها ولو كان مجنونًا، فوطء المجنون يحصن الزوجة العاقلة، كما أنه يحلها لمبتها، ووطء المجنونة يحصن زوجها العاقل، وإن كان لا يحلها لمبتها؛ لأنه يشترط في الإحلال علم الزوجة بالوطء.
قَوْلُهُ: (والحاصل) أي: حاصل ما استفيد من كلام المصنف هنا، ومن قوله سابقًا: "يرجم المكلف" إلخ.
قَوْلُهُ: (يتحصن بوطء زوجته) أي: وطئًا مباحًا بانتشار في نكاح لازم، وكذا يقال فيما بعد.
قَوْلُهُ: (والأنثى) أي: الحرة المسلمة المكلفة، قَوْلُهُ: (إطاقة موطوءته) قد يقال: هذا يغني عنه اشتراط كون الوطء مباحًا؛ إذ وطء غير المطيقة ليس مباحًا، تأمل.
قَوْلُهُ: (زيادة على العشرة) أي: وأما البلوغ المذكور في العشرة فبلوغ من اعتبر تحصينه، كالمرأة، فعلى هذا لا بد في تحصينها من بلوغها وبلوغ واطئها.
هذا، وقد يقال: لا نسلم أن بلوغ واطئها زائد على العشرة المتقدمة؛ لأن المراد بالبلوغ المتقدم في الشروط: ما يشمل بلوغ من اعتبر تحصينه وبلوغ غيره، فبالنسبة لتحصين الرجل يعتبر بلوغه فقط، وبالنسبة لتحصين المرأة يعتبر بلوغ كل منهما، تأمل.
قَوْلُهُ: (وغرب الحر الذكر) أي: بعد الجلد مائة، وإنما غرب عقوبة له؛ لأجل أن ينقطع عن أهله وولده ومعاشه، وتلحقه الذلة، ومحل تغريب الحر الذكر إذا كان متوطنًا في البلد التي زنى فيها، وأما الغريب الذي زنى بفور نزوله ببلد فإنه يجلد ويسجن بها؛ لأن سجنه في المكان الذي زنى فيه تغريب له، وأشعر قوله: "غرب" أنه لو غرب نفسه لا يكفي؛ لأن تغريبه نفسه قد يكون من شهواته، فلا يكون زجرًا له.
قَوْلُهُ: (دون العبد والأنثى) أي: فلا يغربان، ولا يسجن واحد منهما ببلد الزِّنَى؛ لأن السجن تبع للتغريب، وهما لم يغربا، وهذا هو المعتمد؛ لأنه قول مالك وعامة أصحابه، كما قاله ابن رشد في المقدمات.
قوله: (ولو رضيت هي وزوجها) أي: لما يخشى عليها من الزِّنَى؛ بسبب ذلك التغريب، وظاهره: أنها لا تغرب ولو مع محرم، وهو المعتمد، خلافًا لقول اللخمي: تنفى المرأة إذا كان لها ولي، أو تسافر مع جماعة رجال ونساء، كخروج الحج، فإن عدم جميع ذلك سجنت بموضعها عامًا؛ لأنه إذا تعذر التغريب لم يسقط السجن، هذا كلامه، وقد علمت ضعفه.
قَوْلُهُ: (عامًا كاملًا من يوم سجنه) ظاهره: ولو كان عليه دين، وهو كذلك؛ لأن الدين يؤخذ من ماله إن كان له مال، وإلا فهو معسر ينظر على كل حال.
قَوْلُهُ: (ومؤنته) أي: وثمن مؤنته من طعام وشراب، وفي هذا إشارة إلى أن المصنف استعمل الأجرة فيما يشمل ثمن المأكل والمشرب من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، أو من عموم المجاز.
قَوْلُهُ: (فيسجن) أي: بعد الجلد سنة من حين سجنه في البلد الذي نفي إليه، كما مر، فذكر العام فيما مر لا فائدة فيه، على أن سجنه قد يتأخر بعد دخول بلد التغريب، فيكون التغريب حينئذ أكثر من عام، فلو اقتصر على ما هنا، أو ذكر السجن فيما تقدم، وحذف ما هنا كان أنسب.
قَوْلُهُ: (غرب لموضع آخر) أي: سنة كاملة، وألغي ما مضى من الأولى، فلا يكمل عليه، ولا يحتسب منها بشيء، فقول الشارح: "ويستأنف لمن زنى في السجن" أي: سواء غرب لموضع آخر، أو لم يغرب.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (7/ 492) (المذهب الشافعي)
حد المكلف غير المحصن:
(وَ) حَدُّ الْمُكَلَّفِ وَمِثْلُهُ الْمُتَعَدِّي بِسُكْرِهِ (الْبِكْرُ) وَهُوَ غَيْرُ الْمُحْصَنِ السَّابِقِ (الْحُرُّ) ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى (مِائَةُ جَلْدَةٍ)؛ لِلْآيَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِوُصُولِهِ إلَى الْجِلْدِ (وَتَغْرِيبُ عَامٍ) أَيْ: سَنَةٍ هِلَالِيَّةٍ، وَآثَرَ التَّعْبِيرَ بِهِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تُطْلَقُ عَلَى الْجَدْبِ، وَعُطِفَ بِالْوَاوِ؛ لِيُفِيدَ بِهِ عَدَمَ التَّرْتِيبِ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ تَقْدِيمُ الْجَلْدِ أَوْلَى.
فَلَوْ قُدِّمَ التَّغْرِيبُ اعْتُدَّ بِهِ، وَيُجْلَدُ بَعْدَهُ، وَإِنْ نَازَعَ فِي ذَلِكَ الْأَذْرَعِيُّ.
وَعَبَّرَ بِالتَّغْرِيبِ؛ لِيُفِيدَ بِهِ اعْتِبَارَ فِعْلِ الْحَاكِمِ، فَلَوْ غَرَّبَ نَفْسَهُ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ؛ لِانْتِفَاءِ التَّنْكِيلِ، وَابْتِدَاءِ الْعَامِ مِنْ أَوَّلِ السَّفَرِ، وَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ فِي مُضِيِّ عَامٍ عَلَيْهِ، حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ، وَيَحْلِفُ نَدْبًا إنِ اتُّهِمَ لِبِنَاءِ حَقِّهِ تَعَالَى عَلَى الْمُسَامَحَةِ، وَتُغَرَّبُ الْمُعْتَدَّةُ، وَأُخِذَ مِنْهُ تَغْرِيبُ الْمَدِينِ، أَمَّا مُسْتَأْجِرُ الْعَيْنِ فَالْأَوْجَهُ عَدَمُ تَغْرِيبِهِ إنْ تَعَذَّرَ عَمَلُهُ فِي الْغُرْبَةِ، كَمَا لَا يُحْبَسُ إنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فِي الْحَبْسِ، وَيُوَجَّهُ تَغْرِيبُ الْمَدِينِ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا بِأَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ قَضَى مِنْهُ وَإِلَّا لَمْ تُفِدْ إقَامَتُهُ عِنْدَ الدَّائِنِ، فَلَمْ يُمْنَعْ حَقَّهُ تَوَجَّهَ التَّغْرِيبُ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ التَّغْرِيبُ (إلَى مَسَافَةِ قَصْرٍ) مِنْ مَحَلِّ زِنَاهُ (فَمَا فَوْقَهَا) عَلَى مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ، بِشَرْطِ كَوْنِ الطَّرِيقِ وَالْمَقْصِدِ آمِنًا، كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ فِي نَظَائِرِهِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ بِالْبَلَدِ طَاعُونٌ؛ لِحُرْمَةِ دُخُولِهِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَلِأَنَّ مَا دُونَهَا فِي حُكْمِ الْحَضَرِ (وَإِذَا عَيَّنَ الْإِمَامُ جِهَةً فَلَيْسَ لَهُ طَلَبُ غَيْرِهَا فِي الْأَصَحِّ) فَلَوْ طَلَبَ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِيهِ، فَيَنْتَفِي الزَّجْرُ الْمَقْصُودُ، وَيَلْزَمُهُ الْإِقَامَةُ فِيمَا غُرِّبَ إلَيْهِ؛ لِيَكُونَ لَهُ كَالْحَبْسِ، وَلَهُ اسْتِصْحَابُ أَمَةٍ يَتَسَرَّى بِهَا دُونَ أَهْلِهِ وَعَشِيرَتِهِ.
وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمَا عَدَمُ تَمْكِينِهِ مِنْ حَمْلِ مَالٍ زَائِدٍ عَلَى نَفَقَتِهِ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ، خِلَافًا لِلْمَاوَرْدِيِّ وَالرُّويَانِيِّ، وَلَا يُقَيَّدُ إلَّا إنْ خِيفَ مِنْ رُجُوعِهِ، وَلَمْ تُفِدْ فِيهِ الْمُرَاقَبَةُ أَوْ مِنْ تَعَرُّضِهِ لِإِفْسَادِ النِّسَاءِ مَثَلًا، وَأَخَذَ مِنْهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ كُلَّ مَنْ تَعَرَّضَ لِإِفْسَادِ النِّسَاءِ أَوِ الْغِلْمَانِ، أَيْ: وَلَمْ يَنْزَجِرْ إلَّا بِحَبْسِهِ حُبِسَ، قَالَ: وَهِيَ مَسْأَلَةٌ نَفِيسَةٌ، وَإِذَا رَجَعَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ رُدَّ لِمَا يَرَاهُ الْإِمَامُ، وَاسْتَأْنَفَهَا؛ لِأَنَّ التَّنْكِيلَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِمُوَالَاةِ مُدَّةِ التَّغْرِيبِ، وَالثَّانِي: لَهُ ذَلِكَ، فَيُجَابُ إلَيْهِ (وَيُغَرَّبُ، غَرِيبٌ) لَهُ وَطَنٌ (مِنْ بَلَدِ الزِّنَى إلَى غَيْرِ بَلَدِهِ) هُوَ أَيْ: وَطَنِهِ، وَلَوْ حِلَّةَ بَدَوِيٍّ؛ إذِ الْإِيحَاشُ لَا يَتِمُّ بِدُونِ ذَلِكَ (فَإِنْ عَادَ) الْمُغَرَّبُ (إلَى بَلَدِهِ) الْأَصْلِيِّ أَوِ الَّذِي غُرِّبَ مِنْهُ أَوْ إلَى دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ (مُنِعَ فِي الْأَصَحِّ)؛ مُعَامَلَةً لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ، وَقِيَاسُ مَا مَرَّ: اسْتِئْنَافُ الْعَامِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، أَمَّا غَرِيبٌ لَا وَطَنَ لَهُ كَأَنْ زَنَى مَنْ هَاجَرَ لِدَارِنَا عَقِبَ وُصُولِهَا فَيُمْهَلُ حَتَّى يَتَوَطَّنَ مَحَلًّا، ثُمَّ يُغَرَّبَ مِنْهُ، وَفَارَقَ تَغْرِيبَ مُسَافِرٍ زَنَى بِغَيْرِ مَقْصِدِهِ.
وَإِنْ فَاتَهُ الْحَجُّ مَثَلًا؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ تَنْكِيلُهُ وَإِيحَاشُهُ، وَلَا يَتِمُّ بِدُونِ ذَلِكَ، بِأَنَّ هَذَا لَهُ وَطَنٌ، فَالْإِيحَاشُ حَاصِلٌ بِبُعْدِهِ عَنْهُ، وَذَاكَ لَا وَطَنَ لَهُ فَاسْتَوَتِ الْأَمَاكِنُ جَمِيعُهَا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، فَتَعَيَّنَ إمْهَالُهُ لِيَأْلَفَ ثُمَّ يُغَرَّبَ لِيَتِمَّ الْإِيحَاشُ، وَاحْتِمَالُ عَدَمِ تَوَطُّنِهِ بَلَدًا فَيُؤَدِّي إلَى سُقُوطِ الْحَدِّ بَعِيدٌ جِدًّا، فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، كَاحْتِمَالِ الْمَوْتِ وَنَحْوِهِ، وَمَا وَقَعَ لِابْنِ الرِّفْعَةِ وَالْبُلْقِينِيِّ هُنَا مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ غَيْرُ سَدِيدٍ، وَلَوْ زَنَى فِيمَا غُرِّبَ إلَيْهِ غُرِّبَ لِغَيْرِهِ بَعِيدًا عَنْ وَطَنِهِ وَمَحَلِّ زِنَاهُ، وَدَخَلَ فِيهِ بَقِيَّةُ الْأَوَّلِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ: لَا يَتَعَرَّضُ لَهُ (وَلَا تُغَرَّبُ امْرَأَةٌ وَحْدَهَا فِي الْأَصَحِّ، بَلْ مَعَ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ) أَوْ نِسْوَةٍ ثِقَاتٍ مَعَ أَمْنِ الْمَقْصِدِ وَالطَّرِيقِ، وَيَجُوزُ مَعَ وَاحِدٍ ثِقَةٍ أَوْ مَمْسُوحٍ كَذَلِكَ أَوْ عَبْدِهَا الْأَمِينِ إنْ كَانَتْ هِيَ ثِقَةً أَيْضًا، بِأَنْ حَسُنَ حَالُهَا؛ لِمَا مَرَّ فِي الْحَجِّ مِنَ الِاكْتِفَاءِ فِي السَّفَرِ الْوَاجِبِ بِذَلِكَ، وَوُجُوبُ الْمُسَافَرَةِ عَلَيْهَا لَا يُلْحِقُهَا بِالْمُسَافِرَةِ لِلْهِجْرَةِ حَتَّى يَلْزَمَهَا السَّفَرُ وَلَوْ وَحْدَهَا؛ إذِ الْفَرْقُ أَنَّ تِلْكَ تَخْشَى عَلَى نَفْسِهَا أَوْ بُضْعِهَا لَوْ أَقَامَتْ، وَهَذِهِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَانْتَظَرَتْ مَنْ يَجُوزُ لَهَا السَّفَرُ مَعَهُ (وَلَوْ بِأُجْرَةٍ) طَلَبَهَا مِنْهَا فَيَلْزَمُهَا كَأُجْرَةِ الْجَلَّادِ، فَإِنْ كَانَتْ مُعْسِرَةً فَفِي بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ أُخِّرَ التَّغْرِيبُ إلَى أَنْ تُوسِرَ كَأَمْنِ الطَّرِيقِ، وَمِثْلُهَا فِي جَمِيعِ ذَلِكَ أَمْرَدُ جَمِيلٌ فَلَا يُغَرَّبُ إلَّا مَعَ مَحْرَمٍ أَوْ سَيِّدٍ (فَإِنِ امْتَنَعَ) وَلَوْ بِأُجْرَةٍ (لَمْ يُجْبَرْ فِي الْأَصَحِّ)؛ إذْ فِي إجْبَارِهِ تَعْذِيبُ مَنْ لَمْ يُذْنِبْ بِجَرِيمَةِ غَيْرِهِ، وَالثَّانِي: يُجْبَرُ لِإِقَامَةِ الْوَاجِبِ، وَبِهَذَا وُجِّهَ تَغْرِيبُهَا وَحْدَهَا.
الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل (4/ 251-252) (المذهب الحنبلي)
حد الزاني غير المحصن:
وإذا زنى الحر غير المحصن من رجل أو امرأة جُلد مائة، وغُرب عامًا إلى مسافة القصر، في بلد معين، وإن رأى الإمام التغريب إلى فوق مسافة القصر فعل، والبدوي يغرب عن حلته وقومه، ولا يمكن من الإقامة بينهم، ولو عين السلطان جهة لتغريبه، وطلب الزاني جهة غيرها؛ تعين ما عينه السلطان، ولو أراد الحاكم تغريبه فخرج بنفسه وغاب سنة ثم عاد لم يكفه، في ظاهر كلامهم، ولا يحبس في البلد نفي إليه، فإن عاد من تغريبه قبل مضي الحول أعيد تغريبه حتى يكمل الحول مسافرًا، ويبنى على ما مضى، وتغرب امرأة مع محرم وجوبًا إن تيسر، فيخرج معها حتى يسكنها في موضع، ثم إن شاء رجع إذا أمن عليها، وإن شاء أقام معها، وإن أبى الخروج معها بذلت له الأجرة من مالها، فإن تعذر فمن بيت المال، فإن أبى الخروج معها نفيت وحدها، كما لو تعذر، كسفر الهجرة وسفر الحج إذا مات المحرم في الطريق، وقيل: تَستأجِر امرأة ثقة، اختاره جماعة، وإن زنى الغريب غُرِّبَ إلى بلد غير وطنه، وإن زنى في البلد الذي غرب إليه غرب إلى غير البلد الذي غرب منه، وتدخل بقية مدة الأول في الثاني؛ لأن الحدين من جنس، فتداخلا.