البحر الرائق شرح كنز الدقائق (5/ 54) (المذهب الحنفي)
شروط حد السرقة:
هُوَ أَخْذُ مُكَلَّفٍ خُفْيَةً قَدْرَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ مَضْرُوبَةٍ مُحْرَزَةٍ بِمَكَانٍ أَوْ حَافِظٍ) أُطْلِقَ فِي الْأَخْذِ فَشَمِلَ الْحَقِيقِيَّ وَالْحُكْمِيَّ، فَالْأَوَّلُ: هُوَ أَنْ يَتَوَلَّى السَّارِقُ أَخْذَ الْمَتَاعِ بِنَفْسِهِ، وَالثَّانِي: هُوَ أَنْ يَدْخُلَ جَمَاعَةٌ مِنَ اللُّصُوصِ مَنْزِلَ رَجُلٍ، وَيَأْخُذُوا مَتَاعَهُ، وَيَحْمِلُوهُ عَلَى ظَهْرِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَيُخْرِجُوهُ مِن الْمَنْزِلِ، فَإِنَّ الْكُلَّ يُقْطَعُونَ اسْتِحْسَانًا، وَسَيَأْتِي، فَخَرَجَ بِالتَّكْلِيفِ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ عُقُوبَةٌ، وَهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِهَا، فَهُمَا مَخْصُوصَانِ مِنْ آيَةِ السَّرِقَةِ، لَكِنَّهُمَا يَضْمَنَانِ الْمَالَ.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (4/ 332) (المذهب المالكي)
شروط القطع في السرقة:
(وشرطه) أي: القطع المفهوم من تقطع اليمنى (التكليف) فلا يقطع صبي ولا مجنون ولا مكره ولا سكران بحلال (فيقطع الحر والعبد والمعاهد، وإن) سرقوا (لمثلهم) أي: من مثلهم؛ لأن السرقة من الفساد في الأرض، والحق في القطع لله تعالى، فلا يستثنى أحد (إلا) (الرقيق) يسرق (لسيده) نصابًا، فلا يقطع ولو رضي السيد، وكذا إن سرق من مال رقيق سيده؛ لأن مال العبد للسيد، فكأنه لم يخرجه من حرزه، ولئلا يجتمع على السيد عقوبتان: ضياع ماله، وقطع غلامه، وأشعر قوله: "لسيده" أنه لو سرق مال أصل سيده أو فرعه قطع، وهو كذلك، ولا فرق بين العبد القن وغيره....
قوله: (ولا مجنون) أي: مطبق، أو يفيق أحيانًا، وسرق في حال جنونه، فإن سرق في حال إفاقته فجن فإنه يقطع، إلا أنه تنتظر إفاقته، فإن قطع قبل إفاقته اكتفي بذلك، فإن شك في سرقة مجنون يفيق أحيانًا، هل سرق حال جنونه أو إفاقته، فالظاهر -كما في عبق- حمْله على الأول؛ لدرء الحد بالشبهة.
قوله: (ولا مكره) أي: على السرقة.
واعلم أن القطع يسقط بالإكراه مطلقًا، ولو كان بضرب أو سجن؛ لأنه شبهة تدرأ الحد، وأما الإقدام على السرقة أو على الغصب فلا ينفع فيه الإكراه، ولو بخوف القتل، كما صرح به ابن رشد، وحكى عليه الإجماع، وكذا صرح به في معين الحكام، ونقل ذلك عن ح في باب الطلاق خلافًا لما ذكره عبق هنا من جواز القدوم عليها إذا كان الإكراه بخوف القتل، انظر بن، وأما الإكراه على أن يقر بأنه سرق فيكون بالقتل والضرب والسجن والقيد، فإذا خوف بشيء من ذلك فأقر بها فلا تلزمه السرقة، على ما يأتي.
قوله: (ولا سكران بحلال) أي: لأنه كالمجنون، وأما السكران بحرام إذا سرق حال سكره أو قبله فإنه يقطع، لكن ينتظر صحوه، فإن قطع قبل صحوه اكتفي بذلك، والظاهر حمله على أنه بحرام حيث شك؛ لأنه الأغلب، إلا أن تكون حالته ظاهرة في خلاف ذلك حمل على الأول؛ لدرء الحد بالشبهة.
قوله: (فيقطع) إلخ، أي: فإذا وجد التكليف فيقطع الشخص الحر... إلخ، ذكرًا كان أو أنثى.
قوله: (وإن لمثلهم) اعترض بعدم صحة المبالغة بالنسبة لسرقة الحر من مثله؛ إذ لا يتوهم عدم القطع، حتى يبالغ عليه، والشأن أنه إنما يبالغ على الحكم المتوهم خلافه.
وأجيب: بأن المبالغة غير راجعة للحر، بل للعبد والمعاهد، وحينئذ فجمعه للضمير باعتبار إفراد المعاهد والعبد.
قوله: (والحق في القطع لله تعالى) أي: لا للمسروق منه.
قوله: (إلا الرقيق) استثناء من عموم قوله: "فيقطع العبد"، فظاهره: ولو سرق من سيده.
قوله: (فلا يقطع) أي: لا يجوز قطعه.
قوله: (ولو رضي السيد) أي: بقطعه، ولا يضمن المال الذي سرقه لسيده إذا أعتقه؛ لأن قدرته على استثناء ماله عند عتقه وتركه دليل على براءته له منه.
قوله: (من مال رقيق سيده) أي: من مال رقيق آخر لسيده.
قوله: (لأن مال العبد للسيد) هذا تعليل لكلام المصنف.
قوله: (وهو كذلك) أي: لأن العبد لا شبهة له في مال فرع سيده، ولا في مال أصله، وكذا لا شبهة له في مال سيده وعدم قطعه بسرقته من ماله؛ لئلا يجتمع على السيد عقوبتان، كما قال الشارح، لا لكونه له شبهة في ماله.
قوله: (ولا فرق بين العبد القن وغيره) هذا تعميم في قول المصنف: "إلا الرقيق..." إلخ، والمراد بغير القن من فيه شائبة حرية، كأم ولد ومكاتب، وسواء سرق من محل حجر عليه فيه أم لا.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (7/ 462) (المذهب الشافعي)
شُرُوطِ السَّارِقِ الَّذِي يُقْطَعُ:
فَصْلٌ: فِي شُرُوطِ السَّارِقِ الَّذِي يُقْطَعُ، وَهِيَ: تَكْلِيفٌ، وَعِلْمُ تَحْرِيمٍ، وَعَدَمُ شُبْهَةٍ وَإِذْنٍ، وَالْتِزَامُ أَحْكَامٍ، وَاخْتِيَارٌ، وَفِيمَا يُثْبِتُ السَّرِقَةَ وَيُقْطَعُ بِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ (لَا يُقْطَعُ صَبِيٌّ وَمَجْنُونٌ) وَجَاهِلٌ مَعْذُورٌ بِجَهْلِهِ (وَمُكْرَهٌ)؛ لِرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْهُمْ، وَحَرْبِيٌّ، وَمَنْ أَذِنَهُ الْمَالِكُ وَذُو شُبْهَةٍ، وَلَا يُقْطَعُ مُكْرِهٌ بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْضًا؛ لِمَا مَرَّ مِنْ عَدَمِ قَطْعِ الْمُتَسَبِّبِ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ كَانَ الْمُكْرَهُ بِالْفَتْحِ غَيْرَ مُمَيِّزٍ أَوْ أَعْجَمِيًّا يَعْتَقِدُ الطَّاعَةَ كَانَ آلَةً لِلْمُكْرِهِ، فَيُقْطَعُ فَقَطْ، كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِلَا إكْرَاهٍ.