حاشية رد المحتار، على الدر المختار: شرح تنوير الأبصار (4/ 89) (المذهب الحنفي)
سقوط حد السرقة:
(قَضَى بِالْقَطْعِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ، فَقَالَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ: هَذَا مَتَاعُهُ، لَمْ يَسْرِقْهُ مِنِّي) وَإِنَّمَا كُنْت أُوِدَعْتُهُ (أَوْ قَالَ: شَهِدَ شُهُودِي بِزُورٍ، أَوْ أَقَرَّ هُوَ بِبَاطِلٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَلَا قَطْعَ) وَنُدِبَ تَلْقِينُهُ كَيْ لَا يُقِرَّ بِالسَّرِقَةِ....
قَوْلُهُ: (لَمْ يَسْرِقْهُ مِنِّي) الْمُنَاسِبُ عَطْفُهُ بِـ "أَوْ"؛ لِأَنَّهُ مَسْأَلَةٌ ثَانِيَةٌ، فَفِي كَافِي الْحَاكِمِ: أَوْ قَالَ: لَمْ يَسْرِقْهُ مِنِّي، وَإِنَّمَا كُنْت أُوْدِعْتُهُ، قَوْلُهُ: (فَلَا قَطْعَ) أَمَّا لَوْ قَالَ: عَفَوْت عَنْهُ؛ لَمْ يَبْطُلِ الْقَطْعُ، كَافِي الْحَاكِمِ، أَيْ: لِأَنَّ الْقَطْعَ مَحْضُ حَقِّهِ تَعَالَى، فَلَا يَمْلِكُ إسْقَاطَهُ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي ضِمْنِ ثُبُوتِ حَقِّ الْعَبْدِ، وَقَدْ بَطَلَ بِإِقْرَارِهِ، فَبَطَلَ مَا فِي ضِمْنِهِ، تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَنُدِبَ تَلْقِينُهُ) الْمُنَاسِبُ ذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: "إنْ أَقَرَّ بِهَا" أَيْ: نُدِبَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُلَقِّنَهُ، كَافِي؛ لِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بِلِصٍّ قَدْ اعْتَرَفَ، وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: مَا إخَالُكَ سَرَقْت، قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَعَادَهَا عليه الصلاة والسلام مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَ».
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (4/ 336) (المذهب المالكي)
تكذيب صاحب المال للسارق:
(ولو) (كذبه ربه) المسروق منه إذا أقر السارق، أو ثبت ببينة، ويبقى المسروق بيد السارق ما لم يدعه ربه....
قوله: (ولو كذبه ربه) يعني: أن السارق إذا أقر بالسرقة من مال شخص، أو قامت عليه بينة بذلك، وكذبه ذلك الشخص فإنه يقطع، ولا يفيده تكذيبه ذلك الشخص للمقر أو للبينة. قوله: (ويبقى المسروق بيد السارق) أي: على وجه الحيازة، واستظهر بعضهم أنه يجعل في بيت المال؛ لأن كُلًّا من السارق، وربه ينفيه عن ملكه، ومن المعلوم أن المال المجهول أربابه محله بيت المال. ا هـ، تقرير شيخنا، عدوي.
قوله: (ما لم يدعه ربه) أي: بعد ذلك.
الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل (4/ 285) (المذهب الحنبلي)
حاشية رد المحتار، على الدر المختار: شرح تنوير الأبصار (4/ 109) ( المذهب الحنفي)
سقوط حد السرقة:
(سَرَقَ شَيْئًا، وَرَدَّهُ قَبْلَ الْخُصُومَةِ) عِنْدَ الْقَاضِي (إلَى مَالِكِهِ) وَلَوْ حُكْمًا كَأُصُولِهِ، وَلَوْ فِي غَيْرِ عِيَالِهِ (أَوْ مَلَكَهُ) أَي: الْمَسْرُوقَ (بَعْدَ الْقَضَاءِ) بِالْقَطْعِ، وَلَوْ بِهِبَةٍ مَعَ قَبْضٍ (أَوِ ادَّعَى أَنَّهُ مِلْكُهُ) وَإِنْ لَمْ يُبَرْهِنْ لِلشُّبْهَةِ (أَوْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ مِنَ النِّصَابِ) بِنُقْصَانِ السِّعْرِ فِي بَلَدِ الْخُصُومَةِ (لَمْ يُقْطَعْ) فِي الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ....
قَوْلُهُ: (وَرَدَّهُ قَبْلَ الْخُصُومَةِ) أَي: الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهَا أَوِ الْإِقْرَارِ، وَقَيَّدَ بِالرَّدِّ قَبْلَ الْخُصُومَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَدَّهُ بَعْدَهَا سَوَاءٌ قُضِيَ بِالْقَطْعِ أَوْ لَا فَإِنَّهُ يُقْطَعُ، نَهْرٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ حُكْمًا كَأُصُولِهِ، وَلَوْ فِي غَيْرِ عِيَالِهِ) أَيْ: كَوَالِدِهِ وَجَدِّهِ وَوَالِدَتِهِ وَجَدَّتِهِ؛ لِأَنَّ لِهَؤُلَاءِ شُبْهَةَ الْمِلْكِ، فَيَثْبُتُ بِهِ شُبْهَةُ الرَّدِّ، بِخِلَافِ مَا إذَا رَدَّهُ إلَى عِيَالِ أُصُولِهِ؛ لِأَنَّهُ شُبْهَةُ الشُّبْهَةِ، وَهِيَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ، وَمِنَ الرَّدِّ الْحُكْمِيِّ: الرَّدُّ إلَى فَرْعِهِ وَكُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ إنْ كَانُوا فِي عِيَالِهِ، وَالرَّدُّ إلَى مُكَاتَبِهِ وَعَبْدِهِ، بَحْرٌ، وَكَذَا إلَى زَوْجَتِهِ وَأَجِيرِهِ، مُشَاهَرَةً، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى غُلَامَهُ، أَوْ مُسَانَهَةً، فَتْحٌ، وَتَمَامُهُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ مَلَكَهُ بَعْدَ الْقَضَاءِ بِالْقَطْعِ)؛ لِأَنَّ الْإِمْضَاءَ مِنَ الْقَضَاءِ فِي الْحُدُودِ، أَيْ: فَالْمِلْكُ الْحَادِثُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَالْمِلْكِ الْحَادِثِ قَبْلَ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَمَّا لَمْ يُمْضِ صَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فَلَا يُسْتَوْفَى الْقَطْعُ كَمَا قَبْلَ الْقَضَاءِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ الْقَضَاءِ فِي بَابِ الْحُدُودِ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ: "قَضَيْت"، بَلْ بِالِاسْتِيفَاءِ جَلْدًا أَوْ رَجْمًا أَوْ قَطْعًا، فَلَا جَرَمَ كَانَ الْإِمْضَاءُ مِنَ الْقَضَاءِ، بِخِلَافِ حُقُوقِ الْعِبَادِ فَإِنَّهُ ثَمَّةَ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ: "قَضَيْت" يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ الْقَضَاءِ، وَأَنَّ السَّارِقَ لَوْ قُطِعَ بَعْدَ الْمِلْكِ قُطِعَ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ. ا هـ. ط عَنْ الشَّلَبِيِّ، قَوْلُهُ: (وَلَوْ بِهِبَةٍ مَعَ قَبْضٍ) هَكَذَا وَقَعَ التَّقْيِيدُ بِالْقَبْضِ فِي الْهِدَايَةِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ تَقْطَعُ الْخُصُومَةَ؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ يَهَبُ لِيُخَاصِمَ، فَلْيُتَأَمَّلْ، شُرُنْبُلَالِيَّةٌ.
قُلْت: وَهُوَ بَحْثٌ مُخَالِفٌ لِلْمَنْقُولِ، مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، فَهُوَ غَيْرُ مَقْبُولٍ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْخُصُومَةَ قَدْ وُجِدَتْ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا بَعْدَ الْقَضَاءِ بِالْقَطْعِ، لَكِنَّهُمْ عَدُّوا مِلْكَ الْمَسْرُوقِ بَعْدَ الْقَضَاءِ شُبْهَةً، وَالْهِبَةُ بِدُونِ قَبْضٍ لَا تُفِيدُ الْمِلْكَ، فَلَمْ تُوجَدِ الشُّبْهَةُ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِاشْتِرَاطِ خُصُومَةٍ أُخْرَى بَعْدَ الْقَضَاءِ بِالْقَطْعِ، بَلْ طَلَبُهُ الْقَطْعَ غَيْرُ شَرْطٍ عَلَى الظَّاهِرِ، كَمَا مَرَّ، نَعَمْ يُشْتَرَطُ حُضُورُهُ عِنْدَ الْقَطْعِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَافْهَمْ.
قَوْلُهُ: (أَوِ ادَّعَى أَنَّهُ مِلْكُهُ) أَيْ: بَعْدَمَا ثَبَتَتِ السَّرِقَةُ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِالْإِقْرَارِ، بَحْرٌ.
قَوْلُهُ: (لِلشُّبْهَةِ) هِيَ احْتِمَالُ صِدْقِهِ؛ وَلِذَا صَحَّ رُجُوعُهُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ، قَوْلُهُ: (أَوْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ) أَيْ: بَعْدَ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ كَمَالَ النِّصَابِ لَمَّا كَانَ شَرْطًا يُشْتَرَطُ قِيَامُهُ عِنْدَ الْإِمْضَاءِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
قَوْلُهُ: (بِنُقْصَانِ السِّعْرِ) أَيْ: لَا بِنُقْصَانِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ لَوْ نَقَصَتْ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ فَكَمُلَ النِّصَابُ عَيْنًا وَدَيْنًا، كَمَا إذَا اسْتَهْلَكَهُ كُلَّهُ، أَمَّا نُقْصَانُ السِّعْرِ فَغَيْرُ مَضْمُونٍ فَافْتَرَقَا، بَحْرٌ، وَالْمُرَادُ بِنُقْصَانِ الْعَيْنِ فَوَاتُ بَعْضِهَا، أَوْ حُدُوثُ عَيْبٍ فِيهَا، كَمَا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلَ كِتَابِ السَّرِقَةِ، قَوْلُهُ: (فِي بَلَدِ الْخُصُومَةِ) أَيْ: وَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ الَّتِي سَرَقَ فِيهَا لَمْ يَنْقُصْ؛ لِمَا قَدَّمَهُ أَوَّلَ السَّرِقَةِ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْقِيمَةُ وَقْتَ السَّرِقَةِ وَوَقْتَ الْقَطْعِ وَمَكَانَهُ.
حاشية رد المحتار، على الدر المختار: شرح تنوير الأبصار (4/ 86) (المذهب الحنفي)
ما لا يسقط الحد:
(فَإِنْ أَقَرَّ بِهَا ثُمَّ هَرَبَ، فَإِنْ فِي فَوْرِهِ لَا يُتَّبَعُ، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ) كَذَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ عَنِ الظَّهِيرِيَّةِ، وَنَقَلَهُ شَارِحُ الْوَهْبَانِيَّةِ بِلَا قَيْدِ الْفَوْرِيَّةِ....
قَوْلُهُ: (وَنَقَلَهُ شَارِحُ الْوَهْبَانِيَّةِ) إلَخْ، حَاصِلُ مَا نَقَلَهُ عَنِ الْمَبْسُوطِ: أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ ثُمَّ هَرَبَ لَمْ يُقْطَعْ، وَلَوْ فِي فَوْرِهِ؛ لِأَنَّ الْهَرَبَ دَلِيلُ الرُّجُوعِ، وَلَوْ رَجَعَ لَا يُقْطَعُ، فَكَذَا إذَا هَرَبَ، بَلْ يَضْمَنُ الْمَالَ، وَأَمَّا لَوْ هَرَبَ بَعْدَ الشَّهَادَةِ وَلَوْ قَبْلَ الْحُكْمِ، فَإِنْ أُخِذَ فِي فَوْرِهِ قُطِعَ، وَإِلَّا لَا، فَإِنَّ حَدَّ السَّرِقَةِ لَا يُقَامُ بِالْبَيِّنَةِ بَعْدَ التَّقَادُمِ، وَالْعَارِضُ فِي الْحُدُودِ بَعْدَ الْقَضَاءِ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ كَالْعَارِضِ قَبْلَ الْقَضَاءِ. اهـ، وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ تَبَعًا لِلظَّهِيرِيَّةِ: "فَإِنْ فِي فَوْرِهِ لَا يُقْطَعُ" صَوَابُهُ: وَلَوْ فِي فَوْرِهِ؛ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ بَعْدَ التَّقَادُمِ لَا يُقْطَعُ أَيْضًا.
وَأُجِيب: بِأَنَّهُ قَيَّدَ بِالْفَوْرِيَّةِ لِيَصِحَّ قَوْلُهُ، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ التَّقَادُمِ لَا يُخَالِفُ الْإِقْرَارُ الشَّهَادَةَ فِي عَدَمِ الْقَطْعِ، عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ لَا يُقْطَعُ بِالْهَرَبِ فِي فَوْرِ الْإِقْرَارِ لَا يُقْطَعُ بَعْدَ التَّقَادُمِ فِيهِ بِالْأَوْلَى كَمَا أَفَادَهُ ح، لَكِنْ لَا يَخْفَى مَا فِي الْعِبَارَةِ مِن الْإِيهَامِ، وَالْعِبَارَةُ الْمُحَرَّرَةُ عِبَارَةُ كَافِي الْحَاكِمِ، وَهِيَ: وَإِذَا أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ ثُمَّ هَرَبَ لَمْ يُطْلَبْ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِشُهُودٍ طُلِبَ مَا دَامَ فِي فَوْرِ ذَلِكَ.
حاشية رد المحتار، على الدر المختار: شرح تنوير الأبصار (4/ 89) (المذهب الحنفي)
(قَضَى بِالْقَطْعِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ، فَقَالَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ: هَذَا مَتَاعُهُ، لَمْ يَسْرِقْهُ مِنِّي) وَإِنَّمَا كُنْت أُوِدَعْتُهُ (أَوْ قَالَ: شَهِدَ شُهُودِي بِزُورٍ، أَوْ أَقَرَّ هُوَ بِبَاطِلٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَلَا قَطْعَ)....
قَوْلُهُ: (لَمْ يَسْرِقْهُ مِنِّي) الْمُنَاسِبُ عَطْفُهُ بِـ "أَوْ"؛ لِأَنَّهُ مَسْأَلَةٌ ثَانِيَةٌ، فَفِي كَافِي الْحَاكِمِ: أَوْ قَالَ: لَمْ يَسْرِقْهُ مِنِّي، وَإِنَّمَا كُنْت أُوْدِعْتُهُ، قَوْلُهُ: (فَلَا قَطْعَ) أَمَّا لَوْ قَالَ: عَفَوْت عَنْهُ لَمْ يَبْطُلْ الْقَطْعُ، كَافِي الْحَاكِمِ، أَيْ: لِأَنَّ الْقَطْعَ مَحْضُ حَقِّهِ تَعَالَى، فَلَا يَمْلِكُ إسْقَاطَهُ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي ضِمْنِ ثُبُوتِ حَقِّ الْعَبْدِ، وَقَدْ بَطَلَ بِإِقْرَارِهِ، فَبَطَلَ مَا فِي ضِمْنِهِ، تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَنُدِبَ تَلْقِينُهُ) الْمُنَاسِبُ ذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: "إنْ أَقَرَّ بِهَا" أَيْ: نُدِبَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُلَقِّنَهُ، كَافِي؛ لِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بِلِصٍّ قَد اعْتَرَفَ وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: مَا إخَالُكَ سَرَقْت، قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَعَادَهَا عليه الصلاة والسلام مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَ»، وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ، قَوْلُهُ: (فِي حَقِّهِمَا) مُتَعَلِّقٌ بِلَا قَطْعَ، ح. أَيْ: لَا قَطْعَ فِي حَقِّ الْكَافِرِ، وَلَا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهَا سَرِقَةٌ وَاحِدَةٌ، فَلَمَّا بَطَلَتْ الشَّهَادَةُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ بَطَلَتْ فِي حَقِّ الْكَافِرِ، وَأَمَّا الضَّمَانُ فَلَا شَكَّ فِي انْتِفَائِهِ عَن الْمُسْلِمِ، وَهَلْ يَضْمَنُ الْكَافِرُ حِصَّتَهُ مِنْهَا؟ الظَّاهِرُ: نَعَمْ.
قُلْت: وَفِي كَافِي الْحَاكِمِ: لَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلَيْنِ بِسَرِقَةٍ، وَأَحَدُ السَّارِقَيْنِ غَائِبٌ قُطِعَ الْحَاضِرُ، فَإِنْ جَاءَ الْغَائِبُ لَمْ يُقْطَعْ حَتَّى تُعَادَ عَلَيْهِ تِلْكَ الْبَيِّنَةُ أَوْ غَيْرُهَا فَيُقْطَعَ. اهـ، فَلْيُنْظَر الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ عَلَى الْمُسْلِمِ، بِخِلَافِ شَهَادَةِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْغَائِبِ فَإِنَّ الْمَانِعَ مِنْ قَبُولِهَا الْغَيْبَةُ، لَا عَدَمُ الْأَهْلِيَّةِ، قَوْلُهُ: (تَشَارَكَ جَمْعٌ) أَيْ: فِي دُخُولِ الْحِرْزِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: "وَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ بَعْضُهُمْ"، قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَإِنَّمَا وَضَعَهَا فِي دُخُولِ الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ دَخَلَ بَعْضُهُمْ، لَكِنَّهُمُ اشْتَرَكُوا بَعْدَ ذَلِكَ فِي فِعْلِ السَّرِقَةِ لَا يُقْطَعُ إلَّا الدَّاخِلُ إنْ عُرِفَ بِعَيْنِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ عُزِّرُوا كُلُّهُمْ، وَأُبِّدَ حَبْسُهُمْ إلَى أَنْ تَظْهَرَ تَوْبَتُهُمْ. اهـ، وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ: وَأَصَابَ كُلًّا نِصَابٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَصَابَهُ أَقَلُّ لَمْ يُقْطَعْ، بَلْ يَضْمَنُ مَا أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ، جَوْهَرَةٌ.
حاشية رد المحتار، على الدر المختار: شرح تنوير الأبصار (4/ 86- 87) (المذهب الحنفي)
(وَصَحَّ رُجُوعُهُ عَنْ إقْرَارِهِ بِهَا) وَإِنْ ضَمِنَ الْمَالَ، وَكَذَا لَوْ رَجَعَ أَحَدُهُمْ، أَوْ قَالَ: هُوَ مَالِي، أَوْ شَهِدَا عَلَى إقْرَارِهِ بِهَا، وَهُوَ يَجْحَدُ، أَوْ يَسْكُتُ فَلَا قَطْعَ، شَرْحُ وَهْبَانِيَّةٍ.
(فَإِنْ أَقَرَّ بِهَا ثُمَّ هَرَبَ، فَإِنْ فِي فَوْرِهِ لَا يُتَّبَعُ، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ) كَذَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ عَنِ الظَّهِيرِيَّةِ، وَنَقَلَهُ شَارِحُ الْوَهْبَانِيَّةِ بِلَا قَيْدِ الْفَوْرِيَّةِ....
قَوْلُهُ: (وَكَذَا لَوْ رَجَعَ أَحَدُهُمْ) أَيْ: أَحَدُ السَّارِقِينَ الْمُقِرِّينَ، قَوْلُهُ: (أَوْ قَالَ) أَيْ: أَحَدُ السَّارِقِينَ، قَوْلُهُ: (أَوْ شَهِدَا عَلَى إقْرَارِهِ) أَيْ: إقْرَارِ السَّارِقِ، قَوْلُهُ: (فَلَا قَطْعَ) أَيْ: فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ، أَمَّا فِي الْأُولَيَيْنِ فَلِأَنَّهُ إذَا سَقَطَ عَن الْبَعْضِ لِشُبْهَةٍ سَقَطَ عَن الْبَاقِينَ، كَمَا فِي الْكَافِي، وَالرُّجُوعُ وَدَعْوَى الْمِلْكِ شُبْهَةٌ.
وَأَمَّا فِي الثَّالِثَةِ فَلِأَنَّ جُحُودَ الْإِقْرَارِ بِمَنْزِلَةِ الرُّجُوعِ، وَهُوَ لَوْ أَقَرَّ صَرِيحًا يَصِحُّ رُجُوعُهُ، فَكَذَا لَوْ شَهِدَا عَلَى إقْرَارِهِ، وَالسُّكُوتُ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ جُعِلَ إنْكَارًا حُكْمًا، كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، قَوْلُهُ: (وَنَقَلَهُ شَارِحُ الْوَهْبَانِيَّةِ) إلَخْ، حَاصِلُ مَا نَقَلَهُ عَن الْمَبْسُوطِ: أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ ثُمَّ هَرَبَ لَمْ يُقْطَعْ، وَلَوْ فِي فَوْرِهِ؛ لِأَنَّ الْهَرَبَ دَلِيلُ الرُّجُوعِ، وَلَوْ رَجَعَ لَا يُقْطَعُ، فَكَذَا إذَا هَرَبَ، بَلْ يَضْمَنُ الْمَالَ، وَأَمَّا لَوْ هَرَبَ بَعْدَ الشَّهَادَةِ وَلَوْ قَبْلَ الْحُكْمِ، فَإِنْ أُخِذَ فِي فَوْرِهِ قُطِعَ، وَإِلَّا لَا، فَإِنَّ حَدَّ السَّرِقَةِ لَا يُقَامُ بِالْبَيِّنَةِ بَعْدَ التَّقَادُمِ، وَالْعَارِضُ فِي الْحُدُودِ بَعْدَ الْقَضَاءِ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ كَالْعَارِضِ قَبْلَ الْقَضَاءِ. اهـ، وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ تَبَعًا لِلظَّهِيرِيَّةِ: "فَإِنْ فِي فَوْرِهِ لَا يُقْطَعُ" صَوَابُهُ: وَلَوْ فِي فَوْرِهِ؛ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ بَعْدَ التَّقَادُمِ لَا يُقْطَعُ أَيْضًا.
وَأُجِيب: بِأَنَّهُ قَيَّدَ بِالْفَوْرِيَّةِ؛ لِيَصِحَّ قَوْلُهُ، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ التَّقَادُمِ لَا يُخَالِفُ الْإِقْرَارُ الشَّهَادَةَ فِي عَدَمِ الْقَطْعِ، عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ لَا يُقْطَعُ بِالْهَرَبِ فِي فَوْرِ الْإِقْرَارِ لَا يُقْطَعُ بَعْدَ التَّقَادُمِ فِيهِ بِالْأَوْلَى، كَمَا أَفَادَهُ ح، لَكِنْ لَا يَخْفَى مَا فِي الْعِبَارَةِ مِنَ الْإِيهَامِ، وَالْعِبَارَةُ الْمُحَرَّرَةُ عِبَارَةُ كَافِي الْحَاكِمِ، وَهِيَ: وَإِذَا أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ ثُمَّ هَرَبَ لَمْ يُطْلَبْ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِشُهُودٍ طُلِبَ مَا دَامَ فِي فَوْرِ ذَلِكَ.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (4/ 346) (المذهب المالكي)
(و) إذا أقر طائعًا، ورجع عن إقراره (قبل رجوعه) عنه فلا يحد...
(ولو) رجع (بلا شبهة) في إقراره، نحو: "كذبت في إقراري"، كما لو رجع لشبهة، نحو: "أخذت مالي المرهون أو المودع خفية"، فسميته سرقة، ويلزمه المال إن عين صاحبه، نحو: أخذت دابة زيد، بخلاف: سرقت، أو سرقت دابة، أي: وقع مني ذلك، ولو ادعى شخص بسرقة على متهم، أو مجهول حاله على أحد قولين، قدمهما في الغصب؛ إذ السرقة مثله، فاليمين على المدعى عليه، فإن حلف برئ....
قوله: (وقبل رجوعه، ولو بلا شبهة) قال ابن رشد في المقدمات: إن كان إقراره بعد الضرب والتهديد فلا يقطع بمجرد الإقرار، واختلف إذا عين على قولين قائمين من المدونة وغيرها فعلى القطع إن رجع عن إقراره يقبل قولًا واحدًا، وعلى القول بعدم القطع إن تمادى على إقراره بعد أن عين ففي المدونة: يقطع، وقال ابن الماجشون: لا يقطع، وأما إذا كان إقراره بعد الأخذ من غير ضرب ولا تهديد فقيل: يقطع بمجرد إقراره، وإن لم يعين السرقة، وهو ظاهر ما في السرقة من المدونة، وقيل: لا يقطع حتى يعينها، وهو قول ابن القاسم في سماع عيسى، وقول مالك في سماع أشهب، فعلى ما في المدونة: له أن يرجع عن إقراره، وإن لم يأت بوجه، وهو ظاهر ما في المدونة، ولا خلاف عندي في هذا الوجه، وعلى القول الثاني اختلف هل له أن يرجع عن إقراره لغير التعيين أم لا؟ على قولين عن مالك، والقولان إنما هما إذا قال: أقررت لوجه كذا، وأما إن رجع عن الإقرار بعد التعيين فلا يقبل، قولًا واحدًا. اهـ بن.
قوله: (في إقراره) لو قال: "في رجوعه" كان أوضح، قوله: (كما لو رجع) هذا بيان لما قبل المبالغة.
قوله: (ويلزمه المال) إلخ، أشار بهذا إلى أن رجوع السارق عن إقراره إنما يقبل بالنسبة لحق الله، فينتفي الحد عنه الذي هو حق لله، لا بالنسبة لغرم المال الذي هو حق لآدمي إذا عينه، ومثل السارق المحارب إذا أقر بها، ثم رجع عن إقراره فيقال فيه ما قيل في السارق.
قوله: (أخذت دابة زيد) أي: سرقة أو حرابة، ثم رجع عن إقراره، وقال: كذبت في إقراري...
قوله: (أي: وقع مني ذلك) أي: السرقة، أو سرقة دابة، ثم رجع عن إقراره، وقال: كذبت في إقراري، فلا يلزمه قطع ولا غرم.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (4/ 347) (المذهب المالكي)
سقوط الحد بتلف العضو:
(وسقط الحد) أي: القطع (إن سقط العضو) أي: الذي يجب قطعه (بسماوي) بعد السرقة، أو بقطع في قصاص أو بجناية أجنبي عليه بعد السرقة، وليس على الجاني إلا الأدب إن تعمد، فإن سقط شيء مما ذكر قبل السرقة انتقل القطع للعضو الذي بعده....
قوله: (أو) (سقط العضو بسماوي) أي: سقط بعد ثبوت السرقة بسماوي، أو جناية عليه عمدًا أو خطأً، وإنما حملنا السقوط على كونه بعد ثبوت السرقة؛ لأن سقوط العضو بسماوي أو جناية قبل السرقة لا يسقط القطع، قوله: (أو جناية) أي: على العضو عمدًا أو خطأ.
قوله: (أو تلف) أي: كان التلف باختياره، أو بغير اختياره.
قوله: (فلم يجتمع عليه عقوبتان) أي: وهما القطع، واتباع ذمته.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (7/ 463) (المذهب الشافعي)
رجوع المقر بالسرقة:
(وَالْمَذْهَبُ: قَبُولُ رُجُوعِهِ عَنِ الْإِقْرَارِ بِالسَّرِقَةِ كَالزِّنَى، لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ لِلْقَطْعِ دُونَ الْمَالِ، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: الْقَطْعُ بِقَبُولِ رُجُوعِهِ) فَلَا يُقْطَعُ، وَفِي الْغُرْمِ قَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا: وُجُوبُهُ، وَفِي طَرِيقٍ ثَالِثٍ: الْقَطْعُ بِوُجُوبِ الْغُرْمِ أَيْضًا.
الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل (4/ 284) (المذهب الحنبلي)
رجوع المقر بالسرقة:
ولا ينزع عن إقراره حتى يقطع، فإن رجع قُبِلَ ولا قطع، بخلاف ما لو ثبت ببينة تشهد على فعله، فإن إنكاره لا يقبل، فإن قال: أحلفوه لي أني سرقت منه، لم يحلف، وإن شهدت على إقراره بالسرقة، ثم جحد وقامت البينة بذلك لم يقطع، ولو أقر مرة واحدة، أو ثبت بشاهد ويمين، أو أقر ثم رجع لزمه غرامة المسروق ولا قطع.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (7/ 467-468) (المذهب الشافعي)
سَرَقَ فَسَقَطَتْ يَمِينُهُ:
(وَلَوْ سَرَقَ فَسَقَطَتْ يَمِينُهُ بِآفَةٍ) أَوْ قَوَدٍ أَوْ ظُلْمًا أَوْ شُلَّتْ وَخُشِيَ مِنْ قَطْعِهَا نَزْفُ الدَّمِ (سَقَطَ الْقَطْعُ) وَلَمْ تُقْطَعْ الرِّجْلُ؛ لِتَعَلُّقِ الْحَقِّ بِعَيْنِهَا، فَسَقَطَ بِفَوَاتِهَا (أَوْ) سَقَطَتْ (يَسَارُهُ) بِذَلِكَ مَعَ بَقَاءِ يَمِينِهِ (فَلَا) يَسْقُطُ الْقَطْعُ (عَلَى الْمَذْهَبِ)؛ لِبَقَاءِ مَحَلِّ الْقَطْعِ، وَقِيلَ: يَسْقُطُ فِي قَوْلٍ.
الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل (4/ 285) (المذهب الحنبلي)
أقر بسرقة، فقال المالك: لم تسرق مني.
وإن أقر بسرقة رجل، فقال المالك: لم تسرق مني، ولكن غصبتني، أو كان لي قبلك وديعة فجحدتني لم يقطع، وإن أقر أنه سرق من رجلين، فصدقه أحدهما، أو حضر أحدهما فطالب، ولم يطالب الآخر لم يقطع، فإن أقر أنه سرق من رجل شيئًا يبلغ نصابًا، فقال الرجل: فقد فقدته من مالي، فينبغي أن يقطع.