رد المحتار على الدر المختار (4/ 208) فقه حنفي
وفي شرح الوهبانية للشرنبلالي: ويمنعون من استيطان مكة والمدينة لأنهما من أرض العرب قال عليه الصلاة والسلام «لا يجتمع في أرض العرب دينان» ولو دخل لتجارة جاز ولا يطيل. وأما دخوله المسجد الحرام فذكر في السير الكبير المنع، وفي الجامع الصغير عدمه والسير الكبير آخر تصنيف محمد - رحمه الله تعالى - فالظاهر أنه أورد فيه ما استقر عليه الحال انتهى
[رد المحتار]
(قوله لأنهما من أرض العرب) أفاد أن الحكم غير مقصور على مكة والمدينة، بل جزيرة العرب كلها كذلك كما عبر به في الفتح وغيره وقدمنا تحديدها، والحديث المذكور قاله عليه الصلاة والسلام في مرضه الذي مات فيه كما أخرجه في الموطأ وغيره وبسطه في الفتح (قوله ولا يطيل) فيمنع أن يطيل فيها المكث حتى يتخذ فيها مسكنا لأن حالهم في المقام في أرض العرب مع التزام الجزية كحالهم في غيرها بلا جزية وهناك لا يمنعون من التجارة، بل من إطالة المقام فكذلك في أرض العرب شرح السير وظاهره أن حد الطول سنة تأمل (قوله فالظاهر أنه أورد فيه ما استقر عليه الحال) أي فيكون المنع هو المتعمد في المذهب.
قلت: لكن الذي ذكره أصحاب المتون في كتاب الحظر والإباحة أن الذمي لا يمنع من دخول المسجد الحرام وغيره وذكر الشارح هناك أن قول محمد والشافعي وأحمد المنع من المسجد الحرام فالظاهر أن ما في السير الكبير هو قول محمد وحده دون الإمام، وأن أصحاب المتون على قول الإمام، ومعلوم أن المتون موضوعة لنقل ما هو المذهب، فلا يعدل عما فيها على أن الإمام السرخسي ذكر في شرح السير الكبير أن أبا سفيان جاء إلى المدينة، ودخل المسجد، ولذلك قصة قال فهذا دليل لنا على مالك - رحمه الله تعالى - بمنعه المشرك، من أن يدخل شيئا من المساجد ثم قال: إن الشافعي قال يمنعون من دخول المسجد الحرام خاصة للآية - { إنما المشركون نجس } [التوبة: 28]- فأما عندنا لا يمنعون كما لا يمنعون عن دخول سائر المساجد ويستوي في ذلك الحربي والذمي إلخ
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (2/ 201) فقه مالكي
(سكنى) معمول أذن أي أذن الإمام في سكنى (غير مكة والمدينة) ، وما في حكمهما من أرض الحجاز (واليمن) ؛ لأنه من جزيرة العرب المشار إليها بقوله صلى الله عليه وسلم «لا يبقين دينان بجزيرة العرب» (ولهم الاجتياز) بجزيرة العرب غير مقيمين وكذا لهم إقامة ثلاثة أيام لمصالحهم إن دخلوا لمصلحة كجلب طعام (بمال) متعلق بسكنى أي أذن الإمام لكافر أن يسكن في غير جزيرة العرب على ما يبذلونه له بل في الحقيقة الجزية نفس المال المضروب عليهم لاستقرارهم تحت حكم الإسلام
[حاشية الدسوقي]
(قوله: وأخذت منه) أي وأما لو أعتقه مسلم ببلد الإسلام فلا تضرب عليه إلا إذا حارب وأسر (قوله: لأنه) أي اليمن (قوله: ولهم الاجتياز) أي المرور وظاهره: ولو لغير حاجة ككون طريقه من غيرها أقرب.
قوله: (وكذا لهم إقامة ثلاثة أيام) ليس هذا تحديدا بل لهم إقامة الأيام القلائل بنظر الإمام إن احتاجوا لذلك وكان دخولهم لمصلحة كما لو دخلوا بطعام واحتاجوا لإقامة الأيام لاستيفاء ثمنه وقضاء حوائجهم
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (8/ 90 : 92) فقه شافعي
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج
(ويمنع كل كافر من استيطان الحجاز) يعني الإقامة به، ولو بلا استيطان كما أفهمه قوله الآتي، وقيل له الإقامة إلى آخره. وأفهم كلامه جواز شراء أرض فيه لم يقم بها، وهو الأوجه لكن الصواب منعه؛ لأن ما حرم استعماله حرم اتخاذه كالأواني وآلات اللهو، وإليه يشير قول الشافعي ولا يتخذ الذمي شيئا من الحجاز دارا وإن رد بأن هذا ليس من ذاك، وإنما منع من الحجاز لقوله صلى الله عليه وسلم عند موته «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب» وفي رواية «آخر ما تكلم به صلى الله عليه وسلم: أخرجوا اليهود من الحجاز» وفي أخرى «أخرجوا يهود الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب» وليس المراد جميعها بل الحجاز منها؛ لأن عمر أجلاهم منه وأقرهم باليمن مع أنه منها، إذ هي طولا من عدن إلى ريف العراق، وعرضا من جدة وما والاها من ساحل البحر إلى الشام.
سميت بذلك لإحاطته بحر الحبشة وبحر فارس ودجلة والفرات بها (وهو) أي الحجاز، سمي بذلك؛ لأنه حجز بين نجد وتهامة (مكة والمدينة واليمامة) مدينة على أربع مراحل من مكة ومرحلتين من الطائف، وقال بعض شراح البخاري بينها وبين الطائف مرحلة واحدة.
سميت باسم الزرقاء التي كانت تبصر من مسيرة ثلاثة أيام (وقراها) أي الثلاثة كالطائف وجدة وخيبر والينبع (وقيل له الإقامة في طرقه الممتدة) بين هذه البلاد؛ لأنها لم تعتد فيها، نعم التي بحرم مكة يمنعون منها قطعا كما يعلم من كلامه الآتي، ولا يمنعون ركوب بحر خارج الحرم، بخلاف جزائره المسكونة أو غيرها، وإنما قيدوا بها للغالب.
قال القاضي: ولا يمكنون من المقام في المركب أكثر من ثلاثة أيام كالبر، ولعل مراده كما قاله ابن الرفعة إذا أذن الإمام وأقام بموضع واحد
(ولو) (دخل) كافر أي الحجاز (بغير إذن الإمام) أو نائبه (أخرجه وعزره إن علم أنه ممنوع) منه لتعديه، بخلاف ما لو جهل ذلك فيخرجه ولا يعزره (فإن استأذن) في دخوله (أذن له) حتما كما اقتضاه صنيعه لكن صرح غيره بأنه جائز فقط، والمعتمد الأول (إن كان دخوله مصلحة للمسلمين كرسالة وحمل ما يحتاج إليه) كثيرا من طعام وغيره وكإرادة عقد جزية أو هدنة لمصلحة، وهنا لا يؤخذ منه شيء في مقابلة دخوله.
أما مع عدم المصلحة فيمتنع الإذن كما لا يخفى (فإن كان) دخوله ولو امرأة (لتجارة ليس فيها كبير حاجة) كعطر (لم يأذن) أي لم يجز له الإذن في دخوله (إلا) إن كان ذميا كما نقله البلقيني عن الأصحاب (بشرط أخذ شيء منها) أي من متاعها: أي أو من ثمنه فيمهلهم للبيع نظير قولهم في داخل دارنا لتجارة لم يضطر إليها، وشرط عليه شيء منها جاز، فإن شرط عليهم عشر الثمن أمهلوا إلى البيع اهـ.
وظاهر أنهم لا يكلفونه بدون ثمن المثل، وحينئذ فيؤخذ منهم بدله إن رضوا، وإلا فبعض أمتعتهم عوضا عنه، ويجتهد في قدره، ولا يؤخذ في السنة سوى مرة كالجزية (ولا يقيم) بالحجاز حيث دخله ولو بتجارته ولو المضطر إليها في موضع واحد بعد الإذن في دخوله (إلا ثلاثة أيام فأقل) غير يومي دخوله وخروجه اقتداء بعمر رضي الله عنه فإن أقام بمحل ثلاثة أيام، ثم بآخر مثلها وهكذا لم يمنع إن كان بين كل محلين مسافة القصر
(ويمنع) كل كافر (دخول حرم مكة) ولو لمصلحة عامة لقوله تعالى { فلا يقربوا المسجد الحرام } [التوبة: 28] أي الحرم بالإجماع (فإن كان رسولا) لمن بالحرم من إمام أو نائبه (خرج إليه الإمام أو نائبه ليسمعه) ويخبر الإمام، فإن قال لا أؤديها إلا مشافهة تعين خروج الإمام إليه لذلك، أو مناظر خرج إليه من يناظره، وحكمة ذلك أنهم لما أخرجوا النبي صلى الله عليه وسلم بكفرهم عوقب جميع الكفار بمنعهم منه مطلقا وإن دعت لذلك ضرورة كما في الأم، وبه يرد قول ابن كج: يجوز للضرورة كطبيب احتيج إليه، وحمل بعضهم له على ما إذا مست الحاجة إليه، ولم يمكن إخراج المريض له غير ظاهر (فإن) (مرض فيه) أي الحرم (نقل وإن خيف موته) بالنقل لظلمه بدخوله ولو بإذن الإمام (فإن) (مات) وهو ذمي (لم يدفن فيه) تطهيرا للحرم عنه (فإن دفن نبش وأخرج) ؛ لأن بقاء جيفته فيه أشد من دخوله حيا، نعم لو تقطع ترك ولا يلحق حرم المدينة بحرم مكة في ذلك وجوبا بل ندبا لأفضليته وتميزه بما لم يشارك فيه، وصح أنه صلى الله عليه وسلم أنزلهم مسجده سنة عشر بعد نزول براءة سنة تسع، وناظر فيه أهل نجران منهم في أمر المسيح وغيره (وإن) (مرض في غيره) أي الحرم (من الحجاز وعظمت المشقة في نقله) أو خيف نحو زيادة مرضه (ترك) تقديما لأعظم الضررين (وإلا) بأن لم تعظم (نقل) حتما لحرمة المحل، وهذا هو المعتمد وإن ذكر في الروضة كأصلها عن الإمام أنه ينقل مطلقا، وعن الجمهور عدم ذلك مطلقا (فإن) (مات) فيه (وتعذر نقله) منه لنحو خوف تغير (دفن هناك) للضرورة فإن لم يتعذر نقل.
أما الحربي أو المرتد فلا يجري ذلك فيه لجواز إغراء الكلاب على جيفته، فإن آذى ريحه غيبت جيفته
شرح منتهى اإرادات للبهوتي (1/ 666) فقه حنبلي
(ويمنعون) أي الكفار ذميين أو مستأمنين (دخول حرم مكة) لقوله تعالى: { إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا } [التوبة: 28] والمراد به الحرم. وإنما منعوا من الحرم دون الحجاز لأنه أفضل أماكن العبادات وأعظمها.
وهذه الآية نزلت واليهود بالمدينة وخيبر ونحوهما من أرض الحجاز. ولم يمنعوا الإقامة به. وأول من أجلاهم من الحجاز عمر (ولو بذلوا مالا) صلحا لدخول الحرم لم يصح الصلح ولم يمكنوا (وما استوفى من الدخول ملك ما يقابله من المال) المصالح عليه. فإن دخلوا إلى انتهاء ما صولحوا عليه ملك عليهم جميع العوض لأنهم استوفوا ما صولحوا عليه.
و (لا) يمنعون دخول (المدينة) لأن الآية نزلت واليهود بالمدينة. ولم يمنعهم صلى الله عليه وسلم ولم يأمرهم بالخروج (حتى غير مكلف) كصغير ومجنون.
(و) حتى (رسولهم) أي الكفار فيمنعون دخول حرم مكة لعموم الآية (ويخرج) إمام (إليه) أي الرسول (إن أبى أداء) الرسالة (إلا له، ويعزر من دخل) منهم حرم مكة مع علمه بالمنع.
و (لا) يعزر إن دخل (جهلا) لعذره بالجهل (ويخرج) ويهدد (ولو) مريضا أو (ميتا وينبش إن دفن به) أي بالحرم ويخرج منه (ما لم يبل) لأنه إذا وجب إخراجه حيا فجيفته أولى. وإخراجه إلى الحل سهل ممكن لقربه من الحرم بخلاف إخراجه من أرض الحجاز إلى غيرها، وهو مريض أو ميت لصعوبته لبعد المسافة (و) يمنعون (من إقامة بالحجاز كالمدينة واليمامة وخيبر والينبع وفدك) بفتح الفاء والدال المهملة قرية بينها وبين المدينة يومان (ومخاليفها) أي قراها المجتمعة كالرستاق واحدها مخلاف، وسمي حجازا لأنه حجز بين تهامة ونجد. لحديث عمر " أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب فلا أترك فيها إلا مسلما» قال الترمذي: حسن صحيح.
وعن ابن عباس قال «أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشياء. قال أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزه وسكت عن الثالثة» رواه أبو داود. والمراد بجزيرة العرب الحجاز ; لأنهم لم يجلوا من تيماء ولا من اليمن ولا من فدك بفتح الفاء. وهي قرية بشرقي سلمى أحد جبلي طيئ (ولا يدخلونها) أي بلاد الحجاز (إلا بإذن الإمام) كما لا يدخل أهل حرب دار الإسلام إلا بإذنه فيأذن لهم إن رأى المصلحة. وقد كان الكفار يتجرون إلى المدن زمن عمر (ولا يقيمون لتجارة بموضع واحد أكثر من ثلاثة أيام) لأنه المروي عن عمر (ويوكلون في) دين (مؤجل) من يقبضه لهم