رد المحتار على الدر المختار - ابن عابدين - (6/ 338، 339) (المذهب الحنفي)
(الأكل) للغذاء والشرب للعطش، ولو من حرام أو ميتة أو مال غيره وإن ضمنه (فرض) يثاب عليه بحكم الحديث، ولكن (مقدار ما يدفع) الإنسان (الهلاك عن نفسه) ومأجور عليه (و) هو مقدار ما (يتمكن به من الصلاة قائمًا و) من (صومه) مفاده جواز تقليل الأكل، بحيث يضعف عن الفرض، لكنه لم يجز كما في الملتقى وغيره.
قلت: وفي "المبتغى" بالغين: الفرض بقدر ما يندفع به الهلاك، ويمكن معه الصلاة قائمًا. اهـ فتنبه.
قوله: (الأكل للغذاء) إلخ، وكذا ستر العورة وما يدفع الحر والبرد، الشرنبلالية، قوله: (ولو من حرام) فلو خاف الهلاك عطشًا وعنده خمر له شربه قدر ما يدفع العطش إن علم أنه يدفعه، بزازية، ويقدم الخمر على البول، تتارخانية، وسيأتي تمام الكلام فيه، قوله: (أو ميتة) عطف خاص على عام، قوله: (وإن ضمنه)؛ لأن الإباحة للاضطرار لا تنافي الضمان، وفي البزازية: خاف الموت جوعًا، ومع رفيقه طعام؛ أخذ بالقيمة منه قدر ما يسد جوعته، وكذا يأخذ قدر ما يدفع العطش، فإن امتنع قاتله بلا سلاح، فإن خاف الرفيق الموت جوعًا أو عطشًا ترك له البعض، وإن قال له آخر: اقطع يدي وكُلْها؛ لا يحل؛ لأن لحم الإنسان لا يباح في الاضطرار؛ لكرامته، قوله: (يثاب عليه) إلخ، قال في الشرنبلالية عن الاختيار: قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليؤجر في كل شيء، حتى اللقمة يرفعها العبد إلى فيه»، فإن ترك الأكل والشرب حتى هلك فقد عصى؛ لأن فيه إلقاء النفس إلى التهلكة، وإنه منهي عنه في محكم التنزيل. اهـ بخلاف من امتنع عن التداوي حتى مات؛ إذ لا يتيقن بأنه يشفيه، كما في الملتقى وشرحه.
قوله: (مفاده) إلخ، أي: مفاد قوله: ومأجور عليه، فإن ظاهره أنه مندوب، وبه صرح في متن الملتقى، فيفيد جواز الترك، قوله: (كما في الملتقى) هو ما يذكره قريبًا، حيث قال: ولا تجوز الرياضة بتقليل الأكل حتى يضعف عن أداء العبادة، قوله: (قلت) إلخ، تأييد لقوله: لم يجز، قوله: (فتنبه) إشارة إلى المؤاخذة على المصنف، وعلى ما ذكره في الملتقى أولًا، قوله: (ومباح) أي: لا أجر ولا وزر فيه، فيحاسب عليه حسابًا يسيرًا لو من حل؛ لما جاء: «أنه يحاسب على كل شيء إلا ثلاثًا: خرقة تستر عورتك، وكسرة تسد جوعتك، وحجر يقيك من الحر والقر»، وجاء: «حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، ولا يلام على كفاف»، در منتقى، قوله: (إلى الشبع) بكسر الشين وفتح الباء وسكونها: ما يغذيه ويقوي بدنه، قهستاني.
البحر الرائق شرح كنز الدقائق - ابن نجيم - (8/ 82) (المذهب الحنفي)
أكل لحم خنزير وميتة ودم وشرب خمر بحبس أو ضرب أو قيد مكرهًا:
قال رحمه الله: (وعلى أكل لحم خنزير وميتة ودم وشرب خمر بحبس أو ضرب أو قيد لم يحل، وحل بقتل وقطع) يعني: لو أكره على هذه الأشياء بما لا يخاف على نفسه أو عضوه كالضرب؛ لا يسعه أن يقدم عليه، وبما يخاف يسعه ذلك؛ لأن حرمة هذه الأشياء مقيدة بحالة الاختيار، وفي حالة الضرورة مبقاة على أصل الحل؛ لقوله تعالى { إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ } [الأنعام: 119]، فاستثنى حالة الاضطرار؛ لأنه فيها مباح، والاضطرار يحصل بالإكراه الملجئ، وهو أن يخاف على نفسه أو عضوه، ولا يحصل ذلك بالضرب بالسوط، ولا بالحبس، حتى لو خاف ذلك منه، وغلب على ظنه؛ يباح له ذلك.
أقول: في قوله: "يباح له ذلك" إشكال قوي؛ فإن المباح ما استوى طرفاه، فعله وتركه، كما تقرر في علم الأصول، وفيما نحن فيه إذا خيف على النفس أو على عضو كان طرف العقل راجحًا، بل فرضًا كما صرح به في "لب الأصول" من كون ذلك فرضًا، فتأمل، فلو قال بغير ما يخاف منه على تلف عضو أو نفسه لم يفترض، وإلا افترض إلى آخره لكان أولى، وقدره بعضهم بأدنى الحد، وهو أربعون سوطًا، فإن هدد به وسعه أن يقدم، وإن هدد بدونه لا يسعه؛ لأن ما دون ذلك مشروع بطريق التعزير.
قلنا: لا وجه للتعزير بالرأي، وأحوال الناس مختلفة، فمنهم من يتحمل الضرب الشديد، ومنهم من يموت بأدنى منه، فلا طريق سوى الرجوع إلى رأي المبتلى، فإن غلب على ظنه أن تلف النفس أو العضو يحصل به وسعه، وإلا فلا، وإذا قلنا: لا يسعه شرب الخمر هل يحد أم لا؟ قال في المحيط: وإذا شرب الخمر لا يحد؛ لأن بأغلظ الإكراهين تثبت حقيقة إباحة الشرب حالة الضرورة، وبأخفهما ثبت شبهة الإباحة، والشبهة كافية لدرء الحدود. اهـ.
رد المحتار على الدر المختار - ابن عابدين - (6/ 133) (المذهب الحنفي)
قوله: (فإن أكره على أكل ميتة) إلخ، الإكراه على المعاصي أنواع: نوع يرخص له فعله، ويثاب على تركه، كإجراء كلمة الكفر، وشتم النبي صلى الله عليه وسلم، وترك الصلاة، وكل ما ثبت بالكتاب، وقسم يحرم فعله ويأثم بإتيانه، كقتل مسلم أو قطع عضوه أو ضربه ضربًا متلفًا أو شتمه أو أذيته، والزنا، وقسم يباح فعله ويأثم بتركه، كالخمر وما ذكر معه، طوري عن المبسوط، وزاد في الخانية رابعًا وهو: ما يكون الفعل وعدمه سواء، كالإكراه على إتلاف مال الغير، لكنه مخالف لما سيأتي، كما سننبه عليه.
قوله: (أو شرب خمر) عبارة ابن الكمال: أو شرب دم أو خمر، وكتب في هامشه: الدم من المشروب، قال في المبسوط: ذكر عن مسروق قال: من اضطر إلى ميتة أو لحم خنزير أو دم ولم يأكل ولم يشرب فمات دخل النار.
قوله: (بحبس) قال بعض المشايخ: إن محمدًا أجاب هكذا بناء على ما كان من الحبس في زمانه، فأما الحبس الذي أحدثوه اليوم في زماننا فإنه يبيح التناول، كما في غاية البيان، شرنبلالية.
قوله: (أو ضرب) إلا على المذاكير والعين، كما مر؛ فإنه يخاف منه التلف.
قوله: (أو ضرب مبرح) قدره بعضهم بأدنى الحد، وهو أربعون سوطًا، ورد بأنه لا وجه للتقدير بالرأي، والناس مختلفة، فمنهم من يموت بأدنى منه، فلا طريق سوى الرجوع إلى رأي المبتلى، كما في التبيين.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (5/ 129)
ومنها: أنه إذا خاف الإمام الهلاك على أهل المصر أخذ الطعام من المحتكرين وفرقه عليهم، فإذا وجدوا ردوا عليهم مثله؛ لأنهم اضطروا إليه، ومن اضطر إلى مال الغير في مخمصة كان له أن يتناوله بالضمان؛ لقوله تعالى: { فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [المائدة: 3].
المبسوط - السرخسي - (24/ 139) (المذهب الحنفي)
وحالة الضرورة مستثناة من الحرمة شرعًا، وهنا بخلافه، فإن تناول مال الغير واستهلاكه بغير رضاه ظلم في حق صاحب المال، والظلم حرام، إلا أن بسبب الضرورة يباح له الإتلاف شرعًا، مع بقاء حق الملك في المال؛ فلهذا وجب الضمان له على المكره جبرانًا لحقه، فإذا امتنع من ذلك كان ممتنعًا من الظلم، فلا يأثم به.
ألا ترى أن المضطر إلى طعام الغير يسعه أن يأخذه بغير رضا صاحبه، فإن أبى صاحبه أن يعطيه، فلم يأخذ حتى مات لم يكن آثمًا في تركه لهذا المعنى، فكذلك المكره.
ألا ترى أنه لو قيل له: لنقتلنك أو لتدلنا على مالك، فلم يفعل حتى قتل لم يكن آثمًا، فإذا كان لو قتل في دفعه عن مال نفسه لم يكن آثمًا، فكذلك إذا امتنع عن استهلاك مال الغير حتى قتل، قال: ولو أثم في هذا في ماله، أو مال غيره ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قتل دون ماله فهو شهيد»، وهذا حديث مشهور أشار إلى الاستدلال به من حيث إنه لو قتل دفعًا عن مال نفسه أو عن مال غيره كان شهيدًا، فكيف لا يكون شهيدًا في دفع ما لا يسعه الإقدام عليه، فبهذا تبين أنه لا يأثم إذا امتنع من ذلك كله، وكذلك لو قال: لأقتلنك أو لتطلقن امرأتك، أو لتعتقن عبدك، فلم يفعل حتى قتل لم يأثم؛ لأنه بذل نفسه دفعًا عن ملك محترم له، فإن ملك النكاح محترم لملك المال، وربما يكون الاحترام لملك النكاح أظهر، فلا يكون هو آثمًا، وإن كان يسعه الإقدام على كل واحد منهما؛ لتحقق الضرورة.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير - الدردير - (2/ 115) (المذهب المالكي)
وإن كان قد يجب (للضرورة)، وهي الخوف على النفس من الهلاك علمًا أو ظنًّا (ما يسد) الرمق، وظاهره أنه لا يجوز له الشبع، والمعتمد أن له أن يشبع، ويتزود من الميتة، فإذا استغنى عنها طرحها، كما في الرسالة (غير آدمي) بالرفع بدل من "ما"، وبالنصب على الحال منها (و) غير (خمر) من الأشربة، ودخل في غيرهما الدم والعذرة وضالة الإبل، نعم تقدم الميتة عليها، وأما الآدمي فلا يجوز تناوله، وكذا الخمر (إلا لغصة) فيجوز إزالتها به عند عدم ما يسيغها به من غيره (وقدم) وجوبًا (الميت) من غير الخنزير (على خنزير) عند اجتماعهما؛ لأنه حرام لذاته، وحرمة الميتة عارضة.
قوله: (وللضرورة ما يسد الرمق) أي: ما يحفظ الحياة، فالمراد بالرمق: الحياة، وبسدها: حفظها، قال المواق: انظر هذا؛ فإنه مذهب أبي حنيفة والشافعي، ولم يعزه أبو محمد لأحد من أهل المذهب، ونص الموطأ، ومن أحسن ما سمعت في الرجل يضطر إلى الميتة أنه يأكل منها حتى يشبع، ويتزود منها، فإن وجد عنها غنى طرحها. اهـ. وبه تعلم أن عزو تت وخش ما ذكره المصنف لمالك فيه نظر. اهـ. بن لكن ابن ناجي في شرح الرسالة نقل عن عياض أن عبد الوهاب نقله رواية عن مالك وحينئذ فلا نظر، وتناول قوله: "وللضرورة ما يسد" المتلبس بالمعصية، كما هو مختار ابن يونس، وشهره القرافي، خلافًا لمن قال: لا يباح له تناول الميتة، وتمسك بظاهر قوله تعالى: { فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ } [البقرة: 173] { فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ } [المائدة: 3]، وأجاب المشهور بأن المراد غير باغ في نفس الضرورة بأن يتجانف، ويميل في الباطن لشهوته، ويتمسك في الظاهر بالضرورة، كأنه قيل: فمن اضطر اضطرارًا صادقًا، فإذا عصى في نفس السبب المبيح، كأن كذب في الضرورة وبغى وتعدى فيها وتجانف الإثم كانت كالعدم.
قوله: (وضالة الإبل) ودخل أيضًا جميع الحيوانات الميتة، قوله: (نعم تقدم الميتة عليها) أي: على ضالة الإبل عند اجتماعهما، ويعلم منه أن ضالة الإبل تتعين عند انفرادها، وتقدم عليها الميتة عند اجتماعهما، وهذا ما يفيده نقل المواق عن ابن القاسم، قوله: (وأما الآدمي فلا يجوز تناوله) أي: سواء كان حيًّا أو ميتًا، ولو مات المضطر، هذا هو المنصوص لأهل المذهب، وتقدم آخر الجنائز أن بعضهم صحح أكله للمضطر إذا كان ميتًا، ولا فرق بين المسلم والكافر فيما ذكر، قوله: (عند عدم ما يسيغها به)، ويصدق في أنه فعل ذلك للغصة إن كان مأمونًا، وإلا فلا إلا لقرينة فيعمل عليها. اهـ. خش.
قوله: (على خنزير) أي: سواء كان ذلك الخنزير حيًّا أو ميتًا، انظر بن.
حاشية الصاوي على الشرح الصغير (1/ 323) (المذهب المالكي)
(و) المباح (ما سد الرمق) أي: حفظ الحياة (من) كل (محرم) ميتة أو غيرها (للضرورة) وهي حفظ النفوس من الهلاك أو شدة الضرر؛ إذ الضرورات تبيح المحظورات (إلا الآدمي) فلا يجوز أكله للضرورة؛ لأن ميتته سم، فلا تزيل الضرورة، وكذا الخمر لا يجوز تناوله لضرورة عطش؛ لأنه مما يزيده، ويدل عليه قوله: (و) المباح (خمر تعين لغصة) أي: لإزالتها، لا إن لم يتعين، ولا لغير غصة.
(وجاز) للمضطر (الشبع) من الميتة ونحوها على الأصح (كالتزود) أي: كما يجوز له التزود منها (إلى أن يستغنى) عنها، فإن استغنى عنها وجب طرحها.
حاشية الصاوي على الشرح الصغير (1/ 323) (المذهب المالكي)
(و) إذا وجد من المحرم ميتة وخنزيرًا وصيدًا صاده محرم (قدم الميتة على خنزير وصيد محرم) حي؛ بدليل ما بعده، وأولى الاصطياد، (لا) يقدم (على لحمه) أي: لحم الصيد إذا وجده مقتولًا أو مذبوحًا، بل يقدم لحم الصيد على الميتة، أي: أن المضطر إذا وجد ميتة وصيد المحرم حيًّا قدم الميتة على ذبح الصيد، فإن وجده مذبوحًا قدمه على الميتة؛ لأن حرمته عارضة للمحرم، وحرمة الميتة أصلية.
شرح الزرقاني على مختصر خليل (3/ 48: 50) (المذهب المالكي)
(و) أبيح أي: إذن فلا ينافي أنه يجب (للضرورة) وهي خوف الهلاك على النفس علمًا أو ظنًّا (ما يسد) الرمق، ولا يشترط أن يصير إلى حال يشرف معها على الموت، فإن الأكل بعد ذلك لا يفيد، قال تت على الرسالة: وهل حدّ الاضطرار خوف الهلاك أو خوف المرض؟ قولان لمالك والشافعي اهـ.
وصواب قوله: "يسد": يشبع، كما في غ، وحمل "يسد" على يسد الجوع، لا الرمق فقط، موافق لتصويبه، وعلى كل بقي تمام القول الراجح، وهو "ويتزود"، ففي الرسالة: ولا بأس للمضطر أن يأكل الميتة ويشبع ويتزود، فإن استغنى عنها طرحها. اهـ.
وإذا تزود من خنزير لم يجد سواه ثم لقي ميتة؛ تقدم عليه عند الاجتماع، طرحه وأخذ الميتة، كما هو مقتضى قوله الآتي: وقدم الميت على خنزير، وتناول كلامه: المتلبس بمعصية، كما هو مختار ابن يونس، وشهره القرافي، والفرق بينه وبين القصر والفطر: أن منعه يفضي إلى القتل، وهو ليس عقوبة جناية، بخلافهما، المشذالي: أكل الميتة هل هو من باب الإباحة أو من باب المعفوّ عنه؟ ولعل فائدة ذلك أنها على الثاني باقية على النجاسة، وإنما عفي عنها للأكل، فيغسل فمه ويده للصلاة، وعلى الأول لا يغسل؛ لأنه صار من مفردات قوله: المباح طعام، قاله البدر القرافي، وإذا أبيحت للضرورة ساغ له الأكل بعد ذلك منها، وإن لم يضطر حتى يجد غيرها مما يحل له، ولو كان محرمًا على غيره، كما يفيده تشبيهه بمن أبيح له الفطر في رمضان لعذر مع العلم به (غير) بالرفع بدل من "ما" وبالنصب حال منها (آدمي) من الأطعمة، ولو كان ذلك الغير عذرة أو دمًا (و) (غير) (خمر) من الأشربة، وحقه أن يزيد: وغير ضالة إبل، كما تستثنى أيضًا من قوله: وللضرورة ما يسد، قاله عج، وعزاه الشيخ سالم لابن القاسم، وقد يجوز له أكلها حيث تعينت طريقًا لنجاته، وإنما يظهر التقييد بغيرها في تقديم الغير على الميتة، كما يأتي؛ لإمكان نجاته بالميتة دون ضالة الإبل، واستثناؤه الآدمي مسلمًا أو كافرًا موافق للمشهور الذي صدر به في الجنائز، ثم ذكر مقابله ونصه، والنص عدم جواز أكله لمضطر، وصحح أكله، وهل علة الحرمة التعبد، وهو المشهور، أو الإذاية؛ لما قيل: إنها إذا جافت صارت سمًّا، وهو لأبي عمران الجورائي؟ ثم قوله: وصحح أكله، وما قبله من المنع شامل لأكله من نفسه، كيده أو رجله، ولا يبعد القول بإباحة أكله من بعض أعضائه؛ حفظًا لنفسه، كما ذكروه فيمن لدغته الأفعى في يده مثلًا، وكان يرجو الحياة بقطعها قبل سريان السم فيه أو طولها، فإنه يجب.
فإن قلت: لا حاجة لقوله: "وخمر" مع قوله أوّلًا: طعام طاهر؛ لأنه نجس، ولا يقال: لم يدخل في الطعام؛ إذ هو شراب؛ لأنا نقول: قال الله تعالى: { وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي } [البقرة: 249]، والفرق بينهما في الأيمان: أنها مبنية على العرف.
فالجواب: أنه أتى به ليستثنى منه قوله: (إلا لغصة) بطعام أو شراب، فيجوز إزالتها بالخمر عند عدم ما يسيغها غيره، وهي بفتح الغين المعجمة وضمها، كما ضبطه البساطي والعلمي، ويصدق في شربه لغصة إن كان مأمونًا، وأولى مع قرينة صدقه، فإن قامت قرينة كذبه لم يصدق، كعدم قيام قرينة، وهو متهم.
شرح الزرقاني على مختصر خليل (3/ 50) (المذهب المالكي)
إذا تيسر للمضطر محرمات في الأصل، ما الذي يقدم منها ويؤخر، وأن الأخف تحريمًا مقدم على الأشد، فقال:
(وقدم) في التناول للضرورة وجوبًا الشيء (الميت) غير ميتة الآدمي اجتمع مع خنزير (على خنزير) أي: مذكى؛ لتحصل المغايرة بينه وبين الميت، وإن كانت الذكاة لا تعمل فيه؛ لأنه إذا لم يكن مذكى كان ميتة، فلا يغاير الميت؛ لأنه يصير المعنى: وقدّمت الميتة على الميتة، وفيه ركاكة، قاله شيخنا ق، قال تت في تعليل تقديم الميت: لأن لحم الخنزير حرام لذاته، والميتة لوصفها، أي: بالموت، وما أنيط الحكم بذاته أشد مما أنيط به لوصفه. اهـ.
وهذا التعليل يفيد قصر الميتة في المصنف على ميتة مباح الأكل، وقرره عج بشموله لغيرها، إلا أن يراد الوصف الحاصل عند الموت، ولو من غير مباح الأكل مأخوذ في مقابلة التحريم الذاتي، وعلله الشارح عن ابن العربي بقوله: لأنها تحل حية، أي: ولو على قول في المذهب أو غيره، والخنزير لا يحل مطلقًا، والتحريم المخفف أولى بالارتكاب من التحريم المثقل، كما لو أكره على الزنا بأخته أو بأجنبية، فإنه يزني بالأجنبية؛ لأنها تحل في حال التزويج، بخلاف الأخت. اهـ.
التاج والإكليل لمختصر خليل - العبدري - (3/ 233) (المذهب المالكي)
(وللضرورة ما يسد) انظر هذا؛ فإنه مذهب الشافعي وأبي حنيفة، ولم يعزه أبو عمر لأحد من أهل المذهب.
ونص الموطأ: قال مالك: من أحسن ما سمعت في الرجل يضطر إلى الميتة: أنه يأكل منها حتى يشبع ويتزود منها، فإن وجد عنها غنى طرحها.
قال أبو عمر: حجة مالك: أن المضطر ليس ممن حرمت عليه الميتة، فإذا كانت حلالًا له أكل منها ما شاء حتى يجد غيرها، فتحرم عليه، وعلى هذا اقتصر في الرسالة (غير آدمي) الباجي: لا يجوز للمضطر أكل لحم ابن آدم الميت، وإن خاف الموت، خلافًا للشافعي (وخمر إلا لغصة) الباجي: وهل لمن يجوز له أكل الميتة أن يشرب لجوعه أو عطشه الخمر فقال مالك: لا يشربها، ولن تزيده إلا عطشًا.
وقال ابن القاسم: يشرب المضطر الدم، ولا يشرب الخمر، ويأكل الميتة ولا يقرب ضوال الإبل، وقاله ابن وهب.
وقال ابن حبيب: من غص بطعام وخاف على نفسه إن له أن يجوزه بالخمر، وقاله أبو الفرج، وأما التداوي بها فمشهور المذهب أنه لا يجوز التداوي بها، ويجوز استعمالها للضرورة، فالفرق أن التداوي لا يتيقن البرء بها من الجوع والعطش.
انظر عند قوله: ورماد نجس (وقدم الميتة على خنزير) الباجي: إن وجد المضطر ميتة وخنزيرًا فالأظهر عندي أن يأكل الميتة؛ لأن الخنزير ميتة، وهو لا يستباح بوجه.
التاج والإكليل لمختصر خليل - العبدري - (3/ 234) (المذهب المالكي)
وإنما قال في الميتة: "يشبع ويتزود"، وقال في مال غيره: "يأكل ما يرد به جوعه ولا يتزود"؛ لأن مال غيره هو ممنوع منه لحق الله ولحق مالكه، فليس له أن يزيد منه، وأما الميتة فهي ممنوعة لحق الله وحده، فإذا استبيحت للضرورة تجاوزت الرخصة فيها مواضع الضرورة، وحقوق الآدميين لا تتجاوز مواضع الضرورة، وإذا بلغت الضرورة إلى استباحة الميتة فقد لزم صاحب التمر والزرع مواساته بثمن إن كان عنده، أو بغير ثمن إن لم يكن عنده، وأما إن لم يجد ما لا يؤكل كالثياب والعين فلا يجوز له أخذ شيء منه؛ لأنه لا يؤكل، وسواء وجد ميتة أم لا، وقد أحسن ابن حبيب إيراد هذه المسألة وقال: إن حضر صاحب المال فحق عليه أن يأذن له في الأكل، فإن منعه فجائز للذي خاف الموت أن يقاتله حتى يصل إلى أكل ما يرد نفسه، الباجي: يريد أنه يدعوه أولًا إلى أن يبيعه منه بثمن في ذمته، فإن أبى استطعمه، فإن أبى أعلمه أنه يقاتله عليه، وإذا أكل المضطر إلى الميتة مال غيره فقال ابن الجلاب: يضمن، أبو عمرو: قال الأكثر: إنه لا ضمان عليه.
التاج والإكليل لمختصر خليل - العبدري - (3/ 234) (المذهب المالكي)
وقال مالك في الرجل يجد التمر ساقطًا: لا يأكل منه، إلا إن علم أن صاحبه طيب النفس بذلك، أو يكون محتاجًا، قال: ولا يأخذ من مال الذمي شيئًا (والمحرم النجس) تقدم قبل قوله: "المباح طعام طاهر" (وخنزير) تقدم عند قوله: ووحش، وانظر خنزير الماء.
الباجي: أما كلب البحر وخنزيره فروى ابن شعبان أنه مكروه، وقاله ابن حبيب، وقال ابن القاسم في المدونة: لم يكن مالك يجيبنا في خنزير الماء بشيء، ويقول: أنتم تقولون: خنزير.
قال ابن القاسم: وأنا أتقيه، ولو أكله رجل لم أره حرامًا.
عقد الجواهر الثمينة - ابن شاس السعدي - (2/ 403) (المذهب المالكي))
في حال الاضطرار:
ولا خفاء بأن الميتة تباح في حال الضرورة، ولكن النظر في حد الضرورة وحد المستباح وجنسه، وحد الضرورة: أن يخاف على نفسه الهلاك.
ولا شك أنه لا يشترط أن يصبر حتى يشرف على الموت، فإن الأكل بعد ذلك لا ينعش، والظن كالعلم ها هنا كما في المكره على الإتلاف.
أما قدر المستباح فلا يتقدر بسد الرمق، بل يشبع ويتضلع، وإن خاف العدم فيما يستقبل تزود منها، فإن وجد عنها غنى طرحها.
وقال ابن حبيب وابن الماجشون: إن كانت المخمصة دائمة تزود وشبع، وإن كانت نادرة وقعت له اقتصر على سد الرمق.
وأما جنس المستباح فكل ما يرد عنه جوعًا أو عطشًا فيدفع الضرورة أو يخففها، كالأطعمة النجسة والميتة من كل حيوان، غير الآدمي، وكالدم وشر بالمياه النجسة وغيرها من المائعات سوى الخمر، فإنها لا تحل إلا لإساغة الغصة، على خلاف فيها، فأما الجوع والعطش فلا؛ إذ لا يفيد ذلك، بل ربما زادت العطش، وقيل: تباح، فإنها تفيد تخفيف ذلك على الجملة ولو لحظة.
وقال الشيخ أبو بكر: إن ردت الخمر عنه جوعًا أو عطشًا شربها، واختاره القاضي أبو بكر.
فأما التداوي بالخمر، فالمشهور من المذهب أنه لا يحل.
قال القاضي أبو بكر: (ولا يأكل ابن آدم، (وإن مات). (قاله علماؤنا).
عقد الجواهر الثمينة - ابن شاس السعدي- (2/ 403، 404) (المذهب المالكي)
فروع:
الأول: إذا ظفر بطعام من ليس مضطرًا، فيطلبه منه بثمن في ذمته، ويظهر له حاجته إليه، فإن أبى استطعمه، فإن أبى أعلمه أنه يقاتله عليه، فإن امتنع غصبه منه، فإن دفعه جاز له دفع المالك، ولو أدى إلى القتل، ويكون دمه حينئذ مهدرًا، ولو قتله المالك وجب القصاص، فإن بذله له بثمن المثل لزمه شراؤه.
وإن امتنع أن يبيع إلا بأكثر من ثمن المثل، فاشتراه للضرورة، فهو كالمجبر.
والمالك إذا أوجر المضطر طعامه قهرًا، استحق القيمة عليه، إن كان قصدها.
الثاني: إذا وجد ميتة وطعام الغير، أكل طعام الغير، إذا أمن أن يعد سارقًا.
ثم حيث قلنا: يأكل فإنه يضمن القيمة، وقيل: لا ضمان عليه.
الثالث: (لو وجد المحرم الصيد والميتة أكل الميتة، وقال محمد بن عبد الحكم: لو نابني ذلك لأكلت الصيد.
الرابع: لو وجد لحم الصيد فهو أولى من الميتة؛ لأن تحريمه خاص.
الخامس: إذا كان العصيان سبب الاضطرار، كالمتلبس بسفر المعصية يضطر فيه، هل يترخص بأكل الميتة، أم لا؟ قال القاضي أبو الوليد: (المشهور من المذهب: أنه يجوز له الأكل)، قال: (ففرق بينه وبين القصر والفطر).
وقال بعض علمائنا: لا نص فيها عن مالك، قال: وأصحابنا يقولون: يجوز له الأكل، قال: وقال القاضي أبو الحسن: (والأمر عندي محتمل)، وقال الشيخ ابن القاسم: (لا يؤكل منها حتى يفارق المعصية).
وقال القاضي أبو بكر: (الصحيح أنه لا يباح له مع التمادي على المعصية بحال، فإن أراد الأكل فليتب، ثم يأكل).
قال: (وعجبنا ممن يبيح ذلك له مع التمادي على المعصية، وما أظن أحدًا يقوله، فإن قاله أحد فهو مخطئ قطعًا).
السادس: إذا وجد ميتة وخنزيرًا، حكى القاضي أبو الوليد (أنه يأكل الميتة).
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج - شهاب الدين الرملي - (8/ 159) (المذهب الشافعي)
(ومن) (خاف على نفسه موتًا أو مرضًا مخوفًا) أو غير مخوف، أو نحوهما من كل محذور يبيح التيمم ولم يجد حلالًا، وهو معصوم غير عاص بسفره ونحوه (ووجد محرمًا) غير مسكر كميتة ولو مغلظة ودم (لزمه أكله)؛ لقوله تعالى: { فَمَنِ اضْطُرَّ } [البقرة: 173] الآية، مع قوله تعالى: { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } [النساء: 29]، وكذا لو خاف العجز عن نحو المشي، أو التخلف عن الرفقة، إن حصل له به ضرر، لا نحو وحشة، كما هو واضح، وكذا لو أجهده الجوع وعيل صبره وغلبة الظن في ذلك كافية، بل لو جوز السلامة والتلف على السواء حل له تناول المحرم، كما حكاه الإمام عن صريح كلامهم، واكتفي بالظن كالإكراه على أكل ذلك، فلا يشترط فيه التيقن، ولا الإشراف على الموت، بل لو انتهى إلى هذه الحالة لم يحل له أكله؛ إذ لا فائدة فيه.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج - شهاب الدين الرملي - (8/ 159) (المذهب الشافعي)
ولو امتنع مالك طعام من بذله إلا بعد وطئها زنى لم يجز لها تمكينه؛ بناء على الأصح أن الإكراه بالقتل لا يبيحه واللواط، ولأنه لما كان مظنة في الجملة؛ لاختلاط الأنساب شدد فيه أكثر (وقيل: يجوز) كما في الاستسلام للمسلم، وفرق الأول بأن في هذا إيثارًا في الجملة للشهادة، بخلاف ذاك، ولو وجد ميتة يحل مذبوحها، وأخرى لا يحل، أي: كآدمي غير محترم فيما يظهر تخير أو مغلظة وغيرها تعين غيرها، قاله في المجموع.
واعتراض الإسنوي له مردود، أما المسكر فلا يحل تناوله لجوع ولا عطش كما مر، وأما العاصي بسفره ونحوه فلا يجوز له تناول المحرم حتى يتوب، ومثله - كما قاله البلقيني - مرتد وحربي حتى يسلما.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج - شهاب الدين الرملي - (8/ 160) (المذهب الشافعي)
ولو وجد لقمة حلالًا لزمه تقديمها على الحرام (فإن توقع حلالًا) يجده (قريبًا) أي: على قرب بأن لم يخش محذورًا قبل وصوله (لم يجز غير سد) بالمهملة على المشهور أو المعجمة (الرمق) وهو بقية الروح على المشهور والقوة على مقابلة (وإلا) بأن لم يتوقعه (ففي قول يشبع)؛ لإطلاق الآية، أي: يكسر سورة الجوع، بحيث لا يسمى جائعًا، إلا أن لا يجد للطعام مساغًا، أما ما زاد على ذلك فحرام قطعًا، ولو شبع في حالة امتناعه ثم قدر على الحل لزمه ككل من تناول محرمًا التقيؤ إن أطاقه بأن لم يحصل له منه مشقة لا تحتمل عادة (والأظهر سد الرمق) فقط؛ لانتفاء الاضطرار بعد، نعم إن توقف قطعه لبادية مهلكة على الشبع وجب (إلا أن يخاف تلفًا) أو محذور تيمم (إن اقتصر) عليه، أي: على سد الرمق، فيشبع وجوبًا، أي: يكسر سورة الجوع قطعًا؛ لبقاء الروح، وعليه التزود إن لم يتوقع وصوله لحلال، وإلا جاز.
بل صرح القفال بعدم منعه من حمل ميتة لم تلوثه، وإن لم تدع ضرورة إلى ذلك.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج - شهاب الدين الرملي -(8/ 161) (المذهب الشافعي)
(ولو) (وجد) مضطر (طعام غائب) (ولم يجد سواه) (أكل) منه حتمًا ما يسد رمقه فقط أو ما يشبعه بشرطه، وإن كان معسرًا للضرورة، ولأن الذمم تقوم مقام الأعيان (وغرم) عند قدرته مثله إن كان مثليًّا وقيمته إن كان متقومًا؛ حفظًا لحق المالك، فإن كان مالكه الغائب مضطرًّا اتجه منع أكله إن كان قريبًا، بحيث يتمكن من زوال اضطراره به دون غيره، وغيبة ولي المحجور كغيبة المالك وحضوره كحضوره، ويجوز له بيع ماله نسيئة هنا وبلا رهن للضرورة، وإن امتنع في غير ذلك.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج - شهاب الدين الرملي - (8/ 161، 162) (المذهب الشافعي)
(أو) وجد وهو غير نبي طعام (حاضر مضطر لم يلزمه بذله) له (إن لم يفضل عنه) بل هو أولى؛ لخبر: «ابدأ بنفسك». أما النبي فيجب على غيره إيثاره على نفسه، وإن لم يطلب، ولو كان بيد إنسان ميتة قدم بها ذو اليد على غيره كسائر المباحات، خلافًا للقاضي، فإن فضل عن سد رمقه شيء لزمه بذله، كما بحثه الزركشي، وإن احتاج إليه مآلًا (فإن آثر) في هذه الحالة وهو ممن يصبر على الإضاقة على نفسه مضطرًّا (مسلمًا) معصومًا (جاز)، بل ندب قوله تعالى: { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسَهُمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } [الحشر: 9].
(أو) وجد طعام حاضر (غير مضطر لزمه) أي: مالك الطعام (إطعام) أي: سد رمق (مضطر) أو إشباعه على ما مر معصوم مسلم (أو ذمي) أو مؤمن، وإن احتاجه المالك مآلًا للضرورة الناجزة.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج - شهاب الدين الرملي -(8/ 163) (المذهب الشافعي)
(فإن منع) المالك من إطعامه ولا اضطرار به أو طلب منه زيادة على ثمن مثله بقدر لا يتغابن به (فله) أي: المضطر، ولا يلزمه وإن أمن (قهره) على أخذه (وإن قتله) ويكون مهدرًا، وإن قتل المالك المضطر في الدفع عن طعامه لزمه القصاص، وإن منع منه الطعام فمات جوعًا فلا ضمان؛ إذ لم يحدث فيه فعلًا مهلكًا.
أما إذا رضي ببذله له بثمن مثله، ولو بزيادة يتغابن بها، فيلزمه قبوله بها، ويمتنع عليه القهر (وإنما يلزمه) أي: المالك بذل ما ذكر للمضطر (بعوض ناجز) هو ثمن المثل زمانًا ومكانًا (إن حضر) معه (وإلا) بأن لم يحضر معه عوض بأن غاب ماله (ف) لا يلزمه بذله مجانًا، مع اتساع الوقت، بل بعوض (بنسيئة) ممتدة لزمن وصوله، ودعوى أنه يبيعه بحال، ولا يطالبه به إلا عند يساره مردودة؛ لأنه قد يطالبه به قبل وصوله لماله مع عجزه عن إثبات إعساره فيحبسه، أما إذا لم يكن له مال أصلًا فلا معنى لوجوب الأجل؛ لأنه لا حد لليسار يؤجل إليه.
أما مع الضيق للوقت عن تقدير عوض، بأن كان لو قدر مات فيلزمه إطعامه مجانًا، ولو اشتراه بأكثر من ثمن مثله ولو بأكثر مما يتغابن به، وهو قادر على قهره وأخذه منه لزمه ذلك، وكذا لو عجز عن قهره وأخذه، ولا أجرة لمن خلص مشرفًا على هلاك مع ضيق الوقت عن تقدير الأجرة؛ للزوم ذلك عليه مجانًا حينئذ، فإن اتسع لم يجب تخليصه إلا بها، كذا قاله ابن المقري في روضه (فلو أطعمه ولم يذكر عوضًا فالأصح لا عوض) حملًا له على المسامحة المعتادة في الطعام، لا سيما في حق المضطر، والثاني: يلزمه؛ لأنه خلصه من الهلاك بذلك، فيرجع عليه بالبدل، وقول الشارح كما في العفو عن القصاص يلزمه معه الدية مفرع على رأي مرجوح في ذلك، ومحل الخلاف ما لم يصرح بالإباحة، فإن صرح بها فلا عوض قطعًا.
قال البلقيني: وكذا لو ظهرت قرينتها، فإن اختلفا في ذكر العوض صدق المالك بيمينه؛ إذ لو لم يصدقه لرغب الناس عن إطعام المضطر، وأفضى ذلك إلى الضرر.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج - شهاب الدين الرملي - (8/ 163) (المذهب الشافعي)
(ولو) (وجد مضطر ميتة) غير آدمي محترم (وطعام غيره) الغائب لزمه أكلها على المذهب؛ لإباحتها له بالنص الذي هو أقوى من الاجتهاد المبيح له مال غيره بغير إذنه، أما الحاضر فإن بذله له ولو بثمن مثله أو بزيادة يتغابن الناس بها وهو معه ولو ببذل ساتر عورته، حيث لم يخف هلاكًا بنحو برد أو رضي بذمته لم تحل له الميتة، أو لا يتغابن بها حلت، ولا يقاتله هنا إن امتنع مطلقًا (أو) وجد مضطر (محرم) أو بالحرم (ميتة وصيدًا) حيًّا (فالمذهب) أنه يلزمه (أكلها)؛ لعدم ضمانها، وذبح الصيد حرام، ويصير به ميتة أيضًا، ويحرم أكله، ويجب فيه الجزاء، ففي الأول تحريم واحد فكانت أخف، أو ميتة ولحم صيد ذبحه محرم تخير بينهما، ولو لم يجد محرم أو من بالحرم إلا صيدًا ذبحه وأكله وافتدى، أو ميتة أكلها ولا فدية أو صيدًا وطعام الغير فالظاهر تعين الثاني؛ لأنهما وإن اشتركا في الضمان فطعام الغير حلال، والصيد يصير ميتة بذبح المحرم، ولو عم الحرام الأرض جاز له الاستعمال منه بقدر ما تمس حاجته إليه، دون ما سوى ذلك، ومحله إذا توقعنا معرفة أربابه، وإلا صار مالًا ضائعًا، فينتقل لبيت المال، ويأخذ منه بقدر ما يستحقه فيه (والأصح تحريم) (قطع بعضه) أي: بعض نفسه (لأكله) بلفظ المصدر؛ لتوقع الهلاك منه (قلت: الأصح جوازه)؛ لما يسد به رمقه، أو لما يشبعه على ما مر؛ إذ هو قطع بعض لاستبقاء كل، فأشبه قطع يد متآكلة (وشرطه) أي: حل قطع البعض (فقْد الميتة ونحوها) كطعام الغير، فمتى وجد ما يأكله حرم ذلك قطعًا، (وأن) لا يكون في قطعه خوف أصلًا، أو (يكون الخوف في قطعه أقل) منه في تركه، فإن كان مثله أو أكثر أو الخوف في القطع فقط حرم مطلقًا.
الحاوي - الماوردي - (7/ 194) (المذهب الشافعي)
فصل: ولو غصب المضطر شاة فذبحها وطبخها يغرم قيمتها استدلالًا برواية عاصم بن كليب الجرمي، عن أبي بردة بن أبي موسى رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم زار قومًا من الأنصار، فقدموا إليه شاة مصلية، فأكل منها لقمة فلم يسغها، فقال: مالي لا أسيغها، إن لها لشأنًا، أو قال: خبرًا، قالوا: يا رسول الله، إن أخذناها من بني فلان، وإنهم إذا وافوا راضيناهم، فقال صلى الله عليه وسلم: أطعموها الأسارى، فجعل لهم تملكها بالعمل؛ لأنه أمرهم بإطعامها للأسارى، ولو لم يملكوها لمنعهم.
ودليلنا: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يحل لأحد منكم من مال أخيه شيء إلا بطيب نفسه"، فقال له عمرو بن يثربي: يا رسول الله، أرأيت إن لقيت غنمًا لابن عمي أخذت منها شاة، قال: إن لقيتها نعجة تحمل شفرة وزنادًا بخبت الجميش فلا تهجها.
الجميش: صحراء بين مكة والحجاز، قليلة الساكن، يريد: إن لقيتها بهذا الموضع المهلك، ومعها شفرة وهي السكين، وزناد وهي المقدحة تعرض لها.
فأما الخبر الذي استدل به فيحمل على أن يكونوا قد أخذوا ذلك عن إذنهم من غير ثمن مقدر، ويحتمل أن يكون لتعذر مستحقيه عن استبقاء الطعام لهم، فأمرهم بذلك؛ حفظًا لقيمته على أربابه.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج - شهاب الدين الرملي -(8/ 164) (المذهب الشافعي)
دقائق أولي النهى لشرح المنتهى - البهوتي - (3/ 412) (المذهب الحنبلي)
فصل: اضطر بأن خاف التلف إن لم يأكل.
نقل حنبل: إذا علم أن النفس تكاد تتلف، وفي المنتخب: أو مرضًا أو انقطاعًا عن الرفقة، أي: بحيث ينقطع فيهلك، كما في الرعاية (أكل وجوبًا) نصًّا؛ لقوله تعالى: { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } [البقرة: 195]، قال مسروق: من اضطر فلم يأكل ولم يشرب فمات دخل النار (من غير سم ونحوه) مما يضر (من محرم ما يسد رمقه) أي: بقية روحه أو قوته؛ لقوله تعالى: { فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ } [البقرة: 173]، وقوله: { فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [المائدة: 3] (فقط) أي: لا يزيد على ما يسد رمقه فليس له الشبع؛ لأن الله حرم الميتة، واستثنى ما اضطر إليه، فإذا اندفعت الضرورة لم تحل كحالة الابتداء (إن لم يكن في سفر محرم) كسفر لقطع طريق أو زنا أو لواط ونحوه (فإن كان فيه) أي: السفر المحرم (ولم يتب فلا) أي: فلا يحل له أكل ميتة ونحوها؛ لأن أكلها رخصة، والعاصي ليس من أهلها، ولقوله تعالى: { غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ } [البقرة: 173].
(وله) أي: المضطر في غير سفر محرم (التزود إن خاف) الحاجة إن لم يتزود، كجواز التيمم مع وجود الماء إن خاف عطشًا باستعماله وأولى.
(ويجب) على مضطر (تقديم السؤال على أكله) المحرم نصًّا، وقال للسائل: قم قائمًا؛ ليكون لك عذر عند الله، ونقل الأثرم: إن اضطر إلى المسألة فهي مباحة، فإن توقف قال: ما أظن أحدًا يموت من الجوع الله يأتيه برزقه.
دقائق أولي النهى لشرح المنتهى - البهوتي - (3/ 413) (المذهب الحنبلي)
(وإن وجد) مضطر (ميتة وطعامًا ما يجهل مالكه) قدم الميتة؛ لأن تحريمها في غير حال الضرورة لحق الله.
وفي الاختيارات: إن تعذر رده إلى ربه بعينه كالمغصوب والأمانات لا يعرف أربابها قدم أكله على الميتة (أو) وجد مضطر محرمًا (ميتة وصيدًا حيًّا أو) وجد ميتة و (بيض صيد سليمًا) أي: البيض (وهو محرم قدم الميتة)؛ لأن فيها جناية واحدة، وهي منصوص عليها (ويقدم) مضطر (عليها) أي: الميتة (لحم صيد ذبحه محرم) خلافًا لأبي الخطاب؛ لأن كُلًّا منهما جناية واحدة، ويتميز ذبح المحرم بالاختلاف في كونه مذكى (ويقدم) مضطر محرمًا (على صيد حي طعامًا يجهل مالكه) إن لم يجد ميتة بشرط ضمانه، كما لو لم يجد غيره؛ لأنه قد يباح له في حال بيع مالكه له ونحوه، فهو أخف حكمًا من الصيد؛ إذ لا يباح للمحرم بحال.
(ويقدم مضطر مطلقًا) محرمًا كان أو غيره (ميتة مختلفًا فيها) كمتروكة التسمية عمدًا أو ثعلب ذبح (على) ميتة (مجمع عليها؛ لأن المختلف فيها مباحة، على قول بعض المسلمين) فهي أحق (ويتحرى) مضطر (في مذكاة اشتبهت بميتة)؛ لأنه غاية مقدوره، حيث لم يجد غيرها، ويكف عنهما قادر على غيرهما حتى يعلم المذكاة.
دقائق أولي النهى لشرح المنتهى - البهوتي - (3/ 413، 414) (المذهب الحنبلي)
(ومن لم يجد) ما يسد رمقه (إلا طعام غيره فربه المضطر أو الخائف أن يضطر أحق به)؛ لمساواته الآخر في الاضطرار وانفراده بالملك، أشبه غير حالة الاضطرار (وليس له) أي: رب الطعام إذا كان كذلك (إيثاره) أي: غيره به؛ لئلا يلقي بيده إلى التهلكة.
وفي "الهدي" في غزوة الطائف: يجوز، وإنه غاية الجود؛ لقوله تعالى: { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } [الحشر: 9]، ولقول جماعة من الصحابة في فتوح الشام، وعد ذلك في مناقبهم، ذكره في الفروع، ولعله لعلمهم من أنفسهم حسن التوكل والصبر (وإلا) يكن رب الطعام مضطرًّا ولا خائفًا أن يضطر (لزمه) أي: رب الطعام (بذل ما يسد رمقه) أي: المضطر (فقط)؛ لأنه إنقاذ لمعصوم من الهلكة كإنقاذ الغريق والحريق (بقيمته) أي: الطعام نصًّا لا مجانًا (ولو في ذمة معسر)؛ لوجود الضرورة (فإن أبى) رب الطعام بذل ما وجب عليه منه بقيمته (أخذه) مضطر (بالأسهل فالأسهل ثم) إن لم يقدر على أخذه بالأسهل أخذه منه (قهرًا)؛ لأنه أحق به من مالكه؛ لاضطراره إليه (ويعطيه عوضه) أي: مثله أو قيمته؛ لئلا يجتمع على رب المال فوات العين والبدل، وتعتبر قيمة متقوم (يوم أخذه)؛ لأنه وقت تلفه (فإن منعه) رب الطعام من أخذه بعوضه (فله) أي: المضطر (قتاله عليه)؛ لكونه صار أحق به منه؛ لاضطراره إليه وهو يمنعه (فإن قتل المضطر ضمنه رب الطعام)؛ لقتله بغير حق (بخلاف عكسه) بأن قتل رب الطعام فلا يضمنه المضطر، أشبه الصائل (وإن منعه) أي: الطعام من المضطر ربه (إلا بما فوق القيمة فاشتراه منه بذلك) الذي طلبه؛ لاضطراره إليه (كراهة أن يجري بينهما دم أو عجزا عن قتاله لم يلزمه) أي: المضطر (إلا القيمة)؛ لوجوبها عليه بالبدل والزائد أكره على التزامه فلا يلزمه، فإن أخذ منه رجع به.
دقائق أولي النهى لشرح المنتهى - البهوتي - (3/ 414) (المذهب الحنبلي)
ومتى وجد مضطر من يطعمه ويسقيه لم يبح له الامتناع ولا العدول إلى الميتة، إلا أن يخاف أن يسم فيه، أو كان الطعام مما يضر أكله.
وإذا اشتدت المخمصة في سنة مجاعة وعند بعض الناس قدر كفايته وكفاية عياله فقط لم يلزمه بذل شيء منه للمضطرين، وليس لهم أخذه منه كرهًا؛ لأنه يفضي إلى وقوع الضرورة به، من غير أن تندفع عن المضطرين، وكذا إن كان في سفر ومعه قدر كفايته فقط، كما لو أمكنه إنجاء غريق بتغريق نفسه.
دقائق أولي النهى لشرح المنتهى - البهوتي -(3/ 414) (المذهب الحنبلي)
(ومن اضطر إلى نفع مال الغير مع بقاء عينه) أي: المال كثياب لدفع برد ومقدحة ونحوها ودلو وحبل لاستقاء ماء (وجب) على رب المال (بذله) لمن اضطر لنفعه (مجانًا) بلا عوض؛ لأنه تعالى ذم على منعه بقوله: { وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ } [الماعون: 7] وما لا يجب بذله لا يذم على منعه، وما وجب فعله لا يقف على بذل العوض، بخلاف الأعيان فلربها منعها بدون عوض، ولا يذم على ذلك، ومحل وجوب بذل نحو ماعون (مع عدم حاجته) أي: ربه (إليه)، فإن احتاج إليه فهو أحق به من غيره؛ لتميزه بالملك.
دقائق أولي النهى لشرح المنتهى - البهوتي - (3/ 415) (المذهب الحنبلي)
فصل: مر بثمرة بستان لا حائط عليه ولا ناظر له
فصل: ومن مر بثمرة بستان لا حائط عليه ولا ناظر له، أي: حارس (فله أكل) منها، ساقطة كانت أو بشجرها (ولو بلا حاجة) إلى أكلها (مجانًا) بلا عوض عما يأكله؛ لما روى ابن أبي زينب التميمي قال: "سافرت مع أنس بن مالك وعبد الرحمن بن سمرة وأبي برزة، فكانوا يمرون بالثمار فيأكلون في أفواههم"، وهو قول عمر وابن عباس، قال عمر: يأكل ولا يتخذ خبنة" وهو بضم الخاء المعجمة وسكون الموحدة التحتية وبعدها نون: ما يحمله في حضنه، وكون سعد أبى الأكل لا يدل على تحريمه؛ لأن الإنسان قد يترك المباح غنًى عنه أو تورعًا، فإن كان البستان محوطًا لم يجز الدخول إليه؛ لقول ابن عباس: إن كان عليها حائط فهو حرز فلا تأكل، وإن لم يكن عليها حائط فلا بأس، وكذا إن كان ثم حارس؛ لدلالة ذلك على شح صاحبه به وعدم المسامحة.
و(لا) يجوز (صعود شجره) أي: الثمر (ولا ضربه أو رميه بشيء) نصًّا، ولو كان البستان غير محوط ولا حارس؛ لحديث الأثرم: «وكل ما وقع أشبعك الله وأرواك» رواه الترمذي، وقال: "حسن صحيح"، ولأن الضرب والرمي يفسد الثمر (ولا يحمل) من الثمر مطلقًا كغيره؛ لقول عمر: "ولا تتخذ خبنة".
(ولا يأكل) أحد (من) ثمر (مجني مجموع إلا لضرورة) بأن كان مضطرًّا، كسائر أنواع الطعام (وكذا) أي: كثمرة الشجر (زرع قائم)؛ لجريان العادة بأكل الفريك.
دقائق أولي النهى لشرح المنتهى - البهوتي - (3/ 415) (المذهب الحنبلي)
(و) كذا (شرب لبن ماشية)؛ لحديث الحسن عن سمرة رضي الله عنه مرفوعًا: «إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه، وإن لم يجد أحدًا فليستحلب ويشرب ولا يحمل» رواه الترمذي، وقال: "حسن صحيح، والعمل عليه عند بعض أهل العلم"، (وألحق جماعة) وهو الموفق ومن تابعه (بذلك) الزرع القائم (باقلَّا وحمصًا أخضرين) وشبههما مما يؤكل رطبًا.
قال (المنقح: وهو قوي) قال الزركشي: وهو حسن، بخلاف شعير ونحوه مما لم تجر عادة بأكله.