رد المحتار، على الدر المختار (5/ ٤٠٩) (المذهب الحنفي)
(ولا يقضي على غائب، ولا له) أي: لا يصح، بل ولا ينفذ، على المفتى به، بحر (إلا بحضور نائبه) أي: من يقوم مقام الغائب (حقيقة كوكيله ووصيه ومتولي الوقف) أفاد بالاستثناء أن القاضي إنما يحكم على الغائب والميت، لا على الوكيل والوصي، فيكتب في السجل أنه حكم على الميت، وعلى الغائب بحضرة وكيله وبحضرة وصيه، جامع الفصولين، وأفاد بالكاف عدم الحصر، فإن أحد الورثة كذلك ينتصب خصمًا عن الباقين، وكذا أحد شريكي الدين وأجنبي بيده مال اليتيم وبعض الموقوف عليهم أي: لو الوقف ثابتًا كما مر في بابه (أو) نائبه (شرعًا كوصي) نصبه (القاضي)...
قوله: (ولا يقضي على غائب) أي: بالبينة، سواء كان غائبًا وقت الشهادة أو بعدها، وبعد التزكية، وسواء كان غائبًا عن المجلس أو عن البلد، وأما إذا أقر عند القاضي، فيقضي عليه وهو غائب؛ لأن له أن يطعن في البينة، دون الإقرار، ولأن القضاء بالإقرار قضاء إعانة، وإذا أنفذ القاضي إقراره سلم إلى المدعي حقه عينًا كان أو دينًا أو عقارًا، إلا أنه في الدين يسلم إليه جنس حقه إذا وجد في يد من يكون مقرًّا بأنه مال الغائب المقر، ولا يبيع في ذلك العرض والعقار؛ لأن البيع قضاء على الغائب فلا يجوز، بحر عن شرح الزيادات للعتابي.
لكن في الخامس من جامع الفصولين عن الخانية: غاب المدعى عليه بعدما برهن عليه أو غاب الوكيل بعد قبول البينة قبل التعديل أو مات الوكيل ثم عدلت تلك البينة لا يحكم بها، وقال أبو يوسف: ويحكم وهذا أرفق بالناس، ولو برهن على الموكل فغاب ثم حضر وكيله أو على الوكيل، ثم حضر موكله يقضي بتلك البينة، وكذا يقضي على الوارث ببينة قامت على مورثه.
قوله: (أي: لا يصح)؛ لما في الفتح من أن حضرة الخصم؛ ليتحقق إنكاره شرط لصحة الحكم، بحر.
قوله: (بل ولا ينفذ) هذه العبارة غير محررة؛ لأن نفي الصحة يستلزم نفي النفاذ، وأيضًا فالحكم صحيح، وإنما الخلاف في نفاذه بدون تنفيذ قاض آخر، كما أفاده ح؛ ولذا فسر في البحر كلام الكنز بعدم الصحة ثم قال: والأولى أن يفسر بعدم النفاذ لقوله إذا نفذه قاض آخر يراه فإنه ينفذ، ثم ذكر اختلاف التصحيح، وسيأتي في كلام الشارح.
قوله: (كوكيله) أطلقه فشمل ما إذا كان وكيلًا في الخصومة والدعوى أو وكيلًا للقضاء، كما إذا أقيمت البينة عليه فوكل ليقضى عليه ثم غاب، كما في القنية، بحر.
قوله: (ووصيه) أي: وصي الميت، فإن الميت غائب ووصيه قائم مقامه حقيقة، ويجوز عود الضمير إلى الصغير المعلوم من المقام فإنه في حكم الغائب، وشمل وصي الوصي، ولو قال: كوليه لكان أولى؛ ليشمل الأب والجد.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (4/ ١٦٢) (المذهب المالكي)
ولما كان القاضي له الحكم على الغائب، وكانت الغيبة ثلاثة أقسام: قريبة، وبعيدة، ومتوسطة، ذكرها على هذا الترتيب، فقال: (و) الغائب (القريب) الغيبة كاليومين والثلاثة مع الأمن حكمه (كالحاضر) في سماع الدعوى عليه والبينة وتزكيتها، ثم يكتب إليه بالإعذار فيها، وأنه إما قدم أو وكل فإن لم يقدم ولا وكل حكم عليه في كل شيء، ويباع عقاره ونحوه في الدين ويعجزه إلا في دم وحبس إلى آخر ما تقدم.
وأشار للثانية بقوله: (و) الغيبة (البعيدة كإفريقية) من مكة ونحوها (قضي عليه) في كل شيء بعد سماع البينة وتزكيتها (بيمين القضاء) من المدعي أنه ما أبرأه، ولا أحاله الغائب به، ولا وكل من يقضيه عنه في الكل ولا البعض وهي واجبة لا يتم الحكم إلا بها على المذهب، وهذه اليمين تتوجه في الحكم على الغائب والميت واليتيم والمساكين والأحباس ونحو ذلك (وسمى) القاضي (الشهود) والمعدلين لهم حيث يعذر فيهم، أي: كتب ذلك عنده ليجد له مدفعًا عند قدومه؛ لأنه باق على حجته إذا قدم، والمتوسطة في هذا كالبعيدة (وإلا) بأن لم يسمهم، أو لم يحلف المدعي يمين القضاء وحكم (نقض) حكمه واستؤنف...
قوله: (وكانت الغيبة ثلاثة أقسام) اعلم أن محل كون القاضي يحكم على الغائب في تلك الأقسام الثلاثة إذا كان غائبًا عن محل ولاية الحكم، ولكنه له بها مال أو وكيل، أو حميل، وإلا لم يكن له سماع الدعوى عليه ولا حكم اهـ عبق.
قوله: (كاليومين والثلاثة) أي: وما قاربهما، قوله: (وأنه إما قدم) أي: إما إن يقدم لإبداء المطعن في البينة، أو يوكل وكيلًا عنه في ذلك، قوله: (ويعجزه) أي: يحكم عليه بعدم قبول بينته إذا قدم، وهذا هو ما في المواق والتوضيح، وأما قول خش: "إنه باق على حجته إذا قدم" فهو سهو منه. اهـ بن.
قوله: (في كل شيء) أي: من دين وعرض وعقار وحيوان، قوله: (إلى آخر ما تقدم) أي: وعتق ونسب وطلاق.
قوله: (وأشار للثانية) أي: للغيبة الثانية، قوله: (بيمين القضاء) سواء كانت بينة المدعي تشهد بدين له في ذمة الغائب من بيع، أو من قرض، أو كانت تشهد بأن الغائب أقر أن عنده لفلان كذا؛ لأنه قد يقضيه بعد إقراره، أو يبرئه، أو يحيل شخصًا عليه هذا هو الحق كما في بن، خلافًا لعبق، حيث قال بعدم الاحتياج ليمين القضاء في الصورة الثانية.
قوله: (أنه ما أبرأه) أي: ولا قبضه منه، قوله: (وهي واجبة لا يتم الحكم إلا بها على المذهب) أي: وقيل: إنها استظهار، أي: مقوية للحكم فقط، فلا ينقض الحكم بدونها على هذا، قوله: (وهذه اليمين تتوجه) أي: على المدعي في الحكم على الغائب، قوله: (والميت) أي: والحكم على الميت، كما إذا ادعى شخص عليه أن عنده كذا ديْنًا من بيع، أو من قرض، ولم يقر ورثته به أصلًا فلا يحكم القاضي لذلك الشخص المدعي بهذا الدين، إلا إذا حلف يمين القضاء بعد إقامة البينة، فإن أقر به ورثته الكبار فلا تتوجه عليه اليمين، وأما إذا حصل الرفع للحاكم ورضوا بعدم حلفه فهل كذلك لا تتوجه اليمين، أو لا؟ اختلاف لبعض الشيوخ.
مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (6/ ٣٠٨) (المذهب الشافعي)
باب القضاء على الغائب:
هو جائز إن كان بينة وادعى المدعي جحوده، فإن قال: هو مقر لم تسمع بينته، وإن أطلق فالأصح أنها تسمع، وأنه لا يلزم القاضي نصب مسخر ينكر على الغائب، ويجب أن يحلفه بعد البينة إن الحق ثابت في ذمته، وقيل: يستحب، ويجريان في دعوى على صبي أو مجنون، ولو ادعى وكيل على غائب فلا تحليف.
ولو حضر المدعى عليه، وقال لوكيل المدعي: أبرأني موكلك؛ أمر بالتسليم، وإذا ثبت مال على غائب وله مال قضاه الحاكم منه، وإلا فإن سأل المدعي إنهاء الحال إلى قاضي بلد الغائب أجابه فينهي سماع بينة ليحكم بها ثم يستوفي المال، أو حكمًا ليستوفي والإنهاء أن يشهد عدلين بذلك...
(باب القضاء على الغائب) عن البلد أو عن المجلس وتوارى أو تعزز مع ما يذكر معه والدعوى على الغائب، إما من صاحب الحق أو وكيله كما سيأتي، وبدأ المصنف بالأول، فقال: (هو جائز) بشرطه الآتي لعموم الأدلة، ولقول عمر في خطبته: "من كان له على الأسفع - بالفاء المكسورة - مال فليأتنا غدًا، فإنا بايعوا ماله وقاسموه بين غرمائه" وكان غائبًا، ولقوله صلى الله عليه وسلم لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف»، وهو قضاء منه على زوجها، ولو كان فتوى لقال: لك أن تأخذي، أو لا بأس عليك أو نحوه، ولم يقل: خذي؛ لأن المفتي لا يقطع، فلما قطع كان حكمًا، كذا استدلوا به.
وقال المصنف في شرح مسلم: لا يصح الاستدلال به؛ لأن أبا سفيان كان حاضرًا بمكة، فإن الواقعة كانت بمكة لما حضرت هند المبايعة، وذكر الرافعي في النفقات ما يدل على أن ذلك كان استفتاء، قال ابن شهبة: وهو الذي يظهر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يحلفها، ولم يقدر المحكوم به لها، ولم تجر دعوى على ما شرطوه. اهـ.
ويحتمل أن تكون الواقعة وقعت مرتين، وصح عن عمر رضي الله عنه أنه حكم في امرأة المفقود أنها تتربص أربع سنين وأربعة أشهر وعشرًا.
وقال ابن حزم: صح عن عثمان القضاء على الغائب، ولا مخالف لهما من الصحابة، ولأن البينة مسموعة بالاتفاق على الغائب، فليجب الحكم بها كالبينة المسموعة على الحاضر الساكت، وأيضًا فالحكم على الميت والصغير جائز، وهما أعجز عن الدفع من الغائب، ولأن في المنع منه إضاعة للحقوق التي ندب الحكام إلى حفظها فإنه لا يعجز الممتنع من الوفاء عن الغيبة، وألحق القاضي حسين بالغائب ما إذا أحضره المجلس فهرب قبل أن يسمع الحاكم البينة أو بعده وقبل الحكم فإنه يحكم عليه قطعًا، وإنما يسمع الدعوى ويقضي بها على الغائب (إن) بين المدعي ما يدعي به وقدره ونوعه ووصفه، وقال: إني طالب بحقي و (كان) للمدعي (بينة) ولو شاهدًا ويمينًا فيما يقضي فيه بهما؛ لأن الدعوى لقصد ثبوت الحق، وطريقه محصورة في إقرار أو يمين مردودة أو بينة، والأولان مفقودان عند غيبة المدعى عليه.
تنبيه:
كلامه يوهم جواز الدعوى على الغائب وإن لم يكن عليه بينة وليس مرادًا، فكان الأولى أن يعتبر ذلك في صحة الدعوى كما قدرته في كلامه، وإن نازع البلقيني في اشتراط البينة في صحة سماع الدعوى، وقال: الدعوى صحيحة بدونه، ولكن لا يحكم القاضي إلا أن يستند قضاؤه إلى الحجة المعتبرة، ولو عبر المصنف بالحجة بدل البينة ليشمل علم القاضي الواقعة إذا سوغنا الحكم لكان أولى.
وقوله: (وادعى المدعي) على الغائب (جحوده) أي: الحق المدعى به شرط لصحة الدعوى وسماع البينة على الغائب، ولا يكلف البينة بالجحود بالاتفاق كما حكاه الإمام، ثم استشكله بأنه إن كان يدعي جحوده في الحال فهو محال؛ لأنه لا يعلم وإن كان يدعي جحوده لما كان حاضرًا فالقضاء في الحال لا يرتبط بجحود ماض. اهـ.
وقد يجاب بأن الأصل استمرار الجحود.
شرح منتهى الإرادات (3/ ٥٣٠) (المذهب الحنبلي)
(فصل: من ادعى على غائب) عن البلد (مسافة قصر بغير عمله) القاضي المدعى عنده (أو) ادعى على (مستتر إما بالبلد أو دون مسافة قصر أو) على (ميت أو) على (غير مكلف وله بينة)، ولو شاهدًا ويمينًا فيما يقبل منه فيه (سمعت وحكم بها) بشرطه؛ لحديث هند قالت: «يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي، قال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف»، متفق عليه، فقضى لها، ولم يكن أبو سفيان حاضرًا.
وأما حديث علي: «إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر، فإنك لا تدري ما تقضي» حسنه الترمذي، فهو فيما إذا كانا حاضرين، والحاضر يفارق الغائب فلا تسمع عليه البينة إلا بحضرته، فإن كانت الغيبة دون مسافة القصر فهي في حكم المقيم واعتبر كونه بغير عمل القاضي؛ لأنه إذا كان بعمله أحضره ليكون الحكم عليه مع حضوره، هكذا في شرحه، وهو خلاف ما في الإقناع والاختيارات كما أوضحته في شرح الإقناع.
وأما سماع البينة على المستتر فلتعذر حضوره كالغائب، بل أولى، ولأن الغائب قد يكون له عذر، بخلاف المتواري.
وروى حرب بإسناده عن أبي موسى، قال: «كان الخصمان إذا اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنفذ الموعد فوفى أحدهما ولم يوف الآخر قضى للذي وفى».
ولئلا يجعل الاستتار وسيلة إلى تضييع الحقوق، وكذا الميت والصغير والمجنون؛ لأن كُلًّا منهم لا يعبر عن نفسه، فهو كالغائب.
و (لا) تسمع بينة ولا يحكم على غائب ونحوه (في حق من حقوق الله تعالى فيقضى في سرقة) ثبتت على غائب (بغرم) مال مسروق (فقط) دون قطع؛ لحديث: «ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم»، (ولا يجب عليه) أي: المحكوم له على غائب ونحوه (يمين على بقاء حق) في ذمة غائب أو على ميت أو مستتر؛ لحديث: «البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه» فحصر اليمين في جانب المدعى عليه، ولأنها بينة عادلة فلا يجب معها اليمين، كما لو كانت على حاضر (إلا على رواية) قال (المنقح: والعمل عليها في هذه الأزمنة ا. هـ)؛ لفساد أحوال غالب الناس؛ لاحتمال أن يكون استوفى ما شهدت له به البينة، أو ملكه العين التي شهدت له بها البينة، (ثم إذا كلف غير مكلف ورشد) بعد الحكم عليه فهو على حجته، (أو حضر الغائب أو ظهر المستتر ف) هو (على حجته) إن كانت لزوال المانع، والحكم بثبوت أصل الحق لا يبطل دعوى القضاء أو الإبراء ونحوه مما يسقط الحق، وإن حضر قبل الحكم وقف على حضوره، ولا تجب إعادة البينة، بل يخبره الحاكم بالحال، ويمكنه من الجرح.