رد المحتار على الدر المختار (6/ 556) (المذهب الحنفي)
مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (5/ 284) (المذهب الشافعي).
رد المحتار على الدر المختار (6/ 540) (المذهب الحنفي)
هل تجب الدية بموت الجاني؟
(ولو قتل القاتل أجنبي وجب القصاص عليه في) القتل (العمد)، وظاهره أن حق الولي يسقط رأسًا كما لو مات القاتل حتف أنفه....
قوله: (وظاهره) إلخ، أي: ظاهر قول المتن: ولو قتل القاتل أجنبي وجب القصاص... إلخ: أن ولي المقتول الأول يسقط حقه رأسًا، أي: يسقط من الدية كما سقط من القصاص، مثل لو مات القاتل بلا قتل أحد.
ووجه الظهور: أن المصنف لم يتعرض لشيء من ذلك، وهو ظاهر؛ لما تقدم من أن موجب العمد القود عينًا فلا يصير مالًا إلا بالتراضي، ولم يوجد هنا، ثم رأيته في التتارخانية حيث قال في هذه المسألة: وإذا قتل القاتل بحق أو بغير حق سقط عنه القصاص بغير مال، وكذا إذا مات.
مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (5/ 284) (المذهب الشافعي).
رد المحتار على الدر المختار (6/ 556) (المذهب الحنفي)
ثانيًا: العفو
ويعفو الأولياء ويصالحهم على مال ولو قليلًا، ويجب حالًّا) عند الإطلاق...
قوله: (ولو قليلًا) بخلاف الخطأ؛ فإن الدية مقدرة شرعًا، والصلح على أكثر منها ربا، وأما القصاص فليس بمال، فكان التقويم بالعقد، فيقوم بقدر ما أوجبه الصلح، قل أو كثر، معراج، وبه ظهر أن الظاهر أن يقول: "ولو كثيرًا"؛ ليكون إشارة إلى الفرق بين الخطأ والعمد، تدبر.
قوله: (ويجب حالًّا عند الإطلاق)؛ لأنه ثبت بعقد، والأصل في مثله الحلول كثمن ومهر، حموي، وأشار بقوله: "عند الإطلاق" إلى أنه لا يتأجل إلا بالشرط، أفاده البدر العيني آخر فصل الشجاج. ط.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (4/ 261-262)
ثانيًا: العفو
ولما كان القائم بالدم إما رجال فقط أو نساء فقط، أو هما؛ تكلم على هذه الثلاثة على هذا الترتيب، فقال: (وسقط) القصاص (إن عفا رجل) من المستحقين (كالباقي) نعت لـ "رجل"، أي: مماثل للباقي في الدرجة، والاستحقاق كابنين، أو أخوين، أو عمين فأكثر، وأولى إن كان العافي أعلى كعفو ابن مع أخ، أو أخ مع عم، فإن كان أنزل درجة لم يعتبر عفوه؛ إذ لا كلام له كعفو أخ مع وجود ابن، وكذا إذا كان العافي لم يساو الباقي في الاستحقاق، كالإخوة للأم مع وجود الإخوة للأب؛ إذ لا استحقاق للإخوة للأم، وأشار للمرتبة الثانية بقوله: (والبنت) أو بنت الابن (أولى) أي: أحق (من الأخت في عفو وضده)؛ إذ لا كلام للأخت معها، ولا يلزم من مساواتها لها في الإرث مساواتها في العفو وعدمه عند ابن القاسم، وهذا إذا ثبت القتل ببينة أو إقرار، وأما لو احتاج القصاص لقسامة فليس لهما أن يقسما؛ لأن النساء لا يقسمن في العمد، وإنما يقسم العصبة، فإن أقسموا وأرادوا القتل وعفت البنت فلا عفو لها، وإن عفوا وأرادت القتل فلا عفو لهم إلا باجتماع الجميع، أو بعض من البنات وبعض منهم على ما تقدم، وسيأتي أيضًا (وإن عفت بنت من بنات)، أو بنت ابن من بنات ابن، أو أخت من أخوات ولم يكن عاصب، أو عاصب لا كلام له (نظر الحاكم) في العفو وضده إن كان عدلًا، وإلا فجماعة المسلمين.
وأشار للمرتبة الثالثة بقوله: (وفي) اجتماع (رجال ونساء) أعلى درجة منهم، وكان للرجال كلام، بأن ثبت القتل بقسامة (لم يسقط) القصاص (إلا بهما) أي: بعفو الفريقين، ومن أراد القتل من الفريقين، فالقول له (أو ببعضهما) أي: بعض كل من الفريقين، وقولنا: "ونساء أعلى درجة من الرجال" احترازًا عما لو كان الرجال مساوين للنساء فلا كلام لهن، والاستيفاء للعاصب وحده...
قوله: (وسقط القصاص) أي: المفهوم من قوله: ويقتص من يعرف، قوله: (إن عفا رجل) إلخ، حاصله: أنه إذا كان القائم بالدم رجالًا فقط مستوين في الدرجة والاستحقاق، فإن اجتمعوا كلهم على القصاص اقتصوا، وإن طلب بعضهم القصاص وبعضهم العفو فالقول لمن طلب العفو، ومتى حصل العفو من أحدهم سقط القصاص، ولمن لم يعف نصيبه من دية عمد، قوله: (والاستحقاق) أي: استحقاق الدم، قوله: (إذ لا استحقاق للإخوة للأم) أي: في الدم؛ لما تقدم أن الاستيفاء للعاصب، وهم غير عصبة، قوله: (وأشار للمرتبة الثانية) أي: وهي ما إذا كان القائم بالدم نساء فقط؛ وذلك لعدم مساواة عاصب لهن في الدرجة، بأن لم يوجد عاصب أصلًا، أو وجد وكان أنزل منهن درجة، وقد حُزْنَ الميراث، وثبت القتل بغير قسامة.
قوله: (ولا يلزم من مساواتها لها في الإرث) أي: إذا لم يكن وارث إلا هما، قوله: (عند ابن القاسم) راجع لقول المصنف: والبنت أولى من الأخت في عفو وضده، قوله: (فلا عفو لها) أي: والقول للعصبة في القصاص، قوله: (فلا عفو لهم) أي: والقول قولها في طلب القصاص، قوله: (على ما تقدم) أي: من أن البنات إذا حزن الميراث، وثبت القتل بقسامة، فالقول لمن طلب القتل من الرجال أو النساء، ولا عفو إلا باجتماعهم، وأما إذا ثبت بغيرها فلا حق للعصبة معهن، لا في عفو، ولا في قود، والحق للنساء، قوله: (أو عاصب لا كلام له) أي: لكون القتل ثبت ببينة أو إقرار.
قوله: (نظر الحاكم في العفو وضده) أي: أيهما أصلح فعله؛ وذلك لأنه كالعصبة عند فقدها لإرثه، لبيت المال ما بقي من مال المقتول، وإذا أمضى الإمام بنظره عفو بعض البنات فلمن بقي منهن نصيبه من الدية، ومفهوم بنت من بنات أنهن لو عفون كلهن، أو أردن القتل لم يكن للإمام نظر، قوله: (وفي اجتماع رجال) أي: مطلقًا، سواء كانوا وارثين كبنات وعصبات توقف الثبوت عليهم أم لا، أو غير وارثين، وتوقف الثبوت عليهم لأجل القسامة كبنت وأخت وعصبة، انظر بن، وشارحنا قصر كلام المصنف على الثاني؛ حيث قال: وكان للرجال كلام بأن ثبت القتل بقسامة، ولو قال الشارح: وكان للرجال كلام؛ لكونهم وارثين ثبت القتل ببينة أو إقرار أو قسامة، أو كانوا غير وارثين ولكن ثبت القتل بقسامة لكان ذلك أولى، وعليه يظهر ما ذكره من التكرار، تأمل.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (7/ 309-310) (المذهب الشافعي)
شرح منتهى الإرادات (3/ 278) (المذهب الحنبلي)
ثانيًا: العفو
باب العفو عن القصاص:
العفو: المحو والتجاوز والإسقاط (وأجمعوا على جوازه، ويجب بعمد) عدوان (القود أو الدية، فيخير الولي) أي: ولي الجناية (بينهما؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا): «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يودى، وإما أن يقاد» رواه الجماعة إلا الترمذي.
وعن أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه، مرفوعًا: «من أصيب بدم أو خبل - والخبل بالخاء المعجمة والباء الموحدة: الجراح - فهو بالخيار بين إحدى ثلاث: إما أن يقتص، أو يأخذ العقل، أو يعفو، فإن أراد أربعة فخذوا على يديه» رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه.
شرح منتهى الإرادات (3/ 278) (المذهب الحنبلي)
البحر الرائق شرح كنز الدقائق (8/ 341-342) (المذهب الحنفي).
(1) من يصح منه العفو؟
قال رحمه الله: (ولأبي المعتوه القود والصلح، لا العفو بقتل وليه) يعني: إذا قتل رجل قريبًا للمعتوه فلولي المعتوه استيفاء القصاص، وله أن يصالح؛ لأن له تمام الشفقة والرأفة، وله ولاية على المعتوه فقام مقامه، ولأن في الصلح منفعة المعتوه، قال جمهور الشراح: هذا إذا صالحا على مثل الدية، أما إذا صالحا على أقل من الدية لم يجز، ويجب كمال الدية.
ولنا فيه نظر؛ لأن لفظ محمد في الجامع الصغير مطلق؛ حيث جوز صلح أبي المعتوه، وعن دم قريبه مطلقًا؛ لأنه قال: وله أن يصالح من غير قيد بقدر الدية، فينبغي أن يجوز الصلح على أقل من الدية؛ عملًا بإطلاقه، وإنما جاز صلحه على المال؛ لأنه أنفع للمعتوه من القصاص، فإذا جاز استيفاء القصاص فالصلح أولى، والنفع يحصل بالقليل والكثير.
ألا ترى أن الكرخي قال في مختصره: وإذا وجب لرجل على رجل قصاص في نفس أو فيما دونها فصالح صاحب الحق من ذلك على مال، فذلك جائز، قليلًا كان المال أو كثيرًا، كان ذلك دون دية النفس أو أرش الجراحة أو أكثر إلى هنا لفظ صاحب العناية، أقول: نظره ساقط جدًّا؛ فإن لأصحاب التخريج من المشايخ صرف إطلاق كلام المجتهد إلى التقييد إذا اقتضاه الفقه، كما صرحوا به، وله نظائر كثيرة في مسائل الفقه، والله تعالى أعلم.
أما القتل فلأن القصاص شرع للتشفي ودرك الثأر، وكل ذلك راجع إلى النفس بولايته ولاية على نفسه فيليه كالإنكاح، بخلاف الأخ وأمثاله، حيث لا يكون لهم استيفاء قصاص وجب للمعتوه؛ لأن الأب لوفور شفقته جعل التشفي الحاصل للابن؛ ولهذا يعد ضرر ولده ضرًّا على نفسه، وأما العفو فلا يصح؛ لأنه إبطال لحقه بلا عوض ولا مصلحة فلا يجوز، وكذلك إن قطعت يد المعتوه عمدًا؛ لما بينا، والوصي كالأب في جميع ما ذكرنا إلا في القتل، فإنه لا يقتل؛ لأن القتل من باب الولاية على النفس حتى لا يملك تزويجه، ويدخل تحت هذا الإطلاق الصلح عن النفس واستيفاء القصاص في الطرف إذا لم يسر القود في النفس، وذكر في كتاب الصلح أن الوصي لا يملك الصلح في النفس؛ لأنه فيها بمنزلة الاستيفاء، وهو لا يملك الاستيفاء وجه المذكور هنا.
وهو المذكور في الجامع الصغير أن المقصود من الصلح المال، والوصي يتولى التصرف فيه، كما يتولى الأب، بخلاف القصاص؛ لأن القصد التشفي، وهو مختص بالأب، ولا يملك العفو؛ لأن الأب لا يملكه في النفس؛ لأن المقصود متحد، وهو التشفي، وفي الاستحسان يملكه؛ لأن الأطراف يسلك فيها مسلك الأموال؛ لأنها خلقت وقاية للأنفس كالمال، فكان استيفاؤه بمنزلة التصرف فيه، والقاضي بمنزلة الأب فيه في الصحيح، ألا ترى أن من قتل ولا ولي له يستوفيه السلطان والقاضي بمنزلته فيه، وهذا أولى والصبي كالمعتوه؛ لما عرف في موضعه.
قال رحمه الله: (والقاضي كالأب، والوصي يصالح فقط، والصبي كالمعتوه) يعني: أن القاضي يملك استيفاء القصاص في الصغير الذي لا ولي له، وهو قول المتأخرين من أصحابنا، وذكر الناطفي أنه لا يملك، والوصي يملك الصلح، ولا يملك استيفاء القصاص، هذا الكلام فيما إذا كان المجني عليه مولى الصغير أو المعتوه، فلو جنى صغير أو مجنون على نفس أو طرف، وأراد الأب أن يصالح عن ذلك فله ذلك، وقوله: "والوصي يصالح فقط" هذا إذا كان القصاص في النفس، وأما إذا كان في الأطراف ففي رواية الأصل: ليس له ذلك، وعلى رواية الجامع الصغير: له ذلك وذكر شيخ الإسلام أنه يملك ذلك على وجه الاستحسان، وقوله: "والصبي كالمعتوه" يعني: ولي الصبي يملك ما قدمناه في أن ولي المعتوه يملكه، وفي العيون: إذا ثبت القتل عليه ثم جنى القاتل قال محمد: في القياس يقتل، وفي الاستحسان تؤخذ منه الدية.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (4/ 258) (المذهب المالكي).
(1) من يصح منه العفو؟
(ولكل) من النساء الوارثات، والعاصب غير المساوي (القتل) أي: من طلبه من الفريقين أجيب له، ولا عبرة بمن عفا من الفريقين (ولا عفو إلا باجتماعهم) حقيقة، أو حكمًا كواحد من هذا الفريق، وواحد من الآخر؛ ولذا عبر باجتماع دون جميع، وشبه في الحكمين، قوله: (كأن حزن الميراث) كبنت وأخت شقيقة، أو لأب وثبت قتل مورثهن (بقسامة) من أعمام مثلًا فلكل القتل، ولا عفو إلا باجتماعهم، وأما لو ثبت القتل ببينة أو إقرار فإنه لا كلام للعصبة غير الوارثين، والحق في القتل للنساء، وأما إذا لم يحزن الميراث كالبنات مع الإخوة فلكل القتل، ولا عفو لاجتماعهم، سواء ثبت ببينة أو قسامة، وهو داخل في قوله: وللنساء إن ورثن ولم يساوهن عاصب (والوارث كمورثه) أي: ينتقل له من الكلام في الاستيفاء وعدمه ما كان لمورثه....
قوله: (فلكل القتل) أي: فلكل من النساء، والعصبة القتل، فكل من طلبه من الفريقين أجيب له، قوله: (سواء ثبت ببينة أو قسامة) أي: أو إقرار، قوله: (وهو داخل في قوله) إلخ، الأولى أن يقول: هذا مراده بقوله: ولكل القتل ولا عفو إلا باجتماعهم، قوله: (والوارث) أي: لمن له ولاية الاستيفاء، ومراده بالوارث: من كان عاصبًا بالفعل، ومن لو ذكر عصب، فلا يدخل الزوج والزوجة في كلامه، قوله: (ينتقل له من الكلام في الاستيفاء وعدمه ما كان لمورثه) سواء كان ذلك الوارث الذي ورث من له الاستيفاء ذكرًا أو أنثى، حتى لو كان الوارث المذكور ذكرًا أو أنثى كان الكلام لهما معًا، وإن استوت درجتهما كموت ابن المقتول عن ابن وبنت فلها الكلام مع أخيها، ولا يراعى في وارث ولي المقتول الأنثى عدم مساواة عاصب لها، كما روعي ذلك في أولياء المقتول، وإذا كان الكلام لبنت المقتول وعمها وماتت عن بنت كان لها الكلام مع العم.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (7/ 298-299) (المذهب الشافعي).
(1) من يصح منه العفو؟
واختلفوا في قودها –أي: النفس- هل يثبت لكل وارث أو لا، كما أشار إليه بقوله: (الصحيح ثبوته لكل وارث) بفرض أو تعصيب بحسب إرثهم المال، سواء أورث بنسب وإن بعد كذي رحم إن ورثناه، أم بسبب كالزوجين والمعتق، والإمام فيمن لا وارث له مستغرق، ومر أن وارث المرتد لولا الردة يستوفي قود طرفه، ويأتي في قاطع الطريق أن قتله يتعلق بالإمام دون الورثة حيث تحتم قتله، فلا يرد ذلك على المصنف، كما لا يرد عليه ما قيل: إنه يفهم ثبوت كله لكل وارث؛ لما سيصرح به أنه يسقط بعفو بعضهم، وقيل: للعصبة خاصة؛ لأنه لدفع العار فاختص بهم، وقيل: للوارث بالنسب دون السبب؛ لأنه للتشفي، والسبب ينقطع بالموت.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (7/ 301) (المذهب الشافعي)
(2) إذا عفا ولي الدم، ثم قتل الوليُّ القاتلَ عمدًا:
(وإن بادر بعد) عفو نفسه أو بعد (عفو غيره لزمه القصاص) وإن لم يعلم بالعفو لتبين أن لا حق له، ولا يشكل عليه ما يأتي أن الوكيل لو قتل بعد العزل جاهلًا به لم يقتل؛ لأنه مقصر بعدم مراجعته لغيره المستحق، بخلاف الوكيل (وقيل: لا) قصاص، إلا إذا علم وحكم حاكم بمنعه، بخلاف ما إذا انتفيا أو أحدهما، كما أفاده قوله: (إن لم يعلم) بالعفو (و) لم (يحكم قاض به) أي: بنفيه؛ لشبهة الخلاف.
رد المحتار على الدر المختار (6/ 556) (المذهب الحنفي)
(3) إذا حصل العفو انتقل إلى الدية:
(ويعفو الأولياء، ويصالحهم على مال، ولو قليلًا، ويجب حالًا) عند الإطلاق (وبصلح أحدهم وعفوه، ولمن بقي) من الورثة (حصته من الدية) في ثلاث سنين على القاتل هو الصحيح، وقيل: على العاقل، ملتقى....
قوله: (ولو قليلًا) بخلاف الخطأ؛ فإن الدية مقدرة شرعًا، والصلح على أكثر منها ربا، وأما القصاص فليس بمال، فكان التقويم بالعقد، فيقوم بقدر ما أوجبه الصلح، قل أو كثر، معراج، وبه ظهر أن الظاهر أن يقول: ولو كثيرًا ليكون إشارة إلى الفرق بين الخطأ والعمد، تدبر.
قوله: (ويجب حالًا عند الإطلاق)؛ لأنه ثبت بعقد، والأصل في مثله الحلول كثمن ومهر، حموي، وأشار بقوله: "عند الإطلاق" إلى أنه لا يتأجل إلا بالشرط، أفاده البدر العيني آخر فصل الشجاج ط.
قوله: (وقيل: على العاقلة) جرى عليه في الاختيار، وشرح المجمع، ورده محشيه العلامة قاسم بما في الأصل، والجامع الصغير، والمبسوط، والهداية، والكافي، وسائر الكتب أنه على القاتل في ماله، قال: وهو الثابت رواية ودراية، وتمامه في ط، وكذا رده في تصحيحه بأنه ليس قولًا لأحد مطلقًا.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (4/ 262) (المذهب المالكي).
(3) إذا حصل العفو انتقل إلى الدية:
(ومهما أسقط) أي: عفا (البعض) أي: بعض مستحقي الدم مع تساوي درجتهم بعد ثبوت الدم ببينة، أو إقرار، أو قسامة سقط القود، وإذا سقط (فلمن بقي) ممن لم يعف وله التكلم، أو هو مع غيره (نصيبه من الدية) أي: دية عمد، وكذا إذا عفا جميع من له التكلم مترتبًا فلمن بقي ممن لا تكلم له نصيبه من دية عمد كولدين وزوج، أو زوجة؛ لأنه مال ثبت بعفو الأول، بخلاف ما لو عفوا في فور واحد، فلا شيء لمن لا تكلم له، كما إذا كان من له التكلم واحدًا وعفا، وشبه في سقوط القصاص...
قوله: (ومهما أسقط) إلخ، هذا راجع لجميع ما قدمه من قوله: وسقط إن عفا رجل كالباقي إلى هنا، خلافًا لما يوهمه ظاهر الشارح من قصره على قوله: وسقط إن عفا رجل كالباقي، ثم جواب الشرط محذوف قدره الشارح بقوله: سقط القود؛ لأن هذا هو الذي يترتب على الإسقاط يعني: العفو، وأما قوله: فلمن بقي... إلخ، فلا يترتب إلا على السقوط، وحينئذ فهو جواب لشرط مقدر، كما أشار له الشارح.
قوله: (وله التكلم، أو هو مع غيره) إلخ، يعني: أن من عفا سقط حقه من الدم ومن الدية وما بقي منها يكون لمن بقي ممن له التكلم ولغيره من بقية الورثة كالزوج، أو الزوجة، والإخوة للأم.
قال في المدونة: وإن عفا أحد ابنين سقط حظه من الدية وبقيتها لمن بقي تدخل فيه الزوجة وغيرها، قوله: (وكذا إذا عفا) إلخ، كما لو كان للمقتول بنون وبنات وزوج، أو زوجة، فعفا بعض البنين، ثم بلغ من بقي ممن له التكلم فعفا، فلا يضر ذلك من معهم من أخواتهم، والزوج، أو الزوجة.
قوله: (كولدين وزوج) أي: فعفا أحد الوالدين، ثم عفا أخوه فلا يضر ذلك من معهما من الزوجة، أو الزوج قوله: (بخلاف ما لو عفوا) أي: جميع من له التكلم، قوله: (كما إذا كان من له التكلم واحدًا) إلخ، وكما لو كان للمقتول بنون وبنات وزوج، أو زوجة، فعفا البنون في فور واحد، فيسقط حق البنات، والزوج، أو الزوجة من الدية.
واعلم أن ما ذكره الشارح من التفصيل محمول على ما إذا وقع الإسقاط مجانًا، أما إذا وقع على مال فلمن بقي من الورثة نصيبه من الدية، وإن لم يكن له تكلم، سواء وقع الإسقاط من بعضهم، أو من كلهم مترتبًا أم لا.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (7/ 309-310) (المذهب الشافعي)
(3) إذا حصل العفو انتقل إلى الدية:
فصل: في موجب العمد، وفي العفو (موجَب) بفتح الجيم (العمد) المضمون في نفس أو غيرها (القود) بعينه، وهو بفتح الواو القصاص، سمي به؛ لأنهم يقودون الجاني بحبل أو نحوه (والدية) في النفس، وأرش غيرها (بدل) عنه، وما اعترض به من أن قضية كلام الإمام الشافعي والأصحاب، وصرح به الماوردي في قود النفس أنها بدل ما جني عليه، وإلا لزم المرأة بقتلها الرجل دية امرأة، وليس كذلك رد بأن الخلاف في ذلك لفظي؛ لاتفاقهم على أن الواجب هو دية المقتول، فلم يبق لذلك الخلاف كبير فائدة، ويمكن توجيه الأول بأن القود لما وجب عينًا كان كحياة نفس القتيل، فكان أخذ الدية في الحقيقة بدلًا عنه لا عنها، ولا يلزم عليه ما ذكر؛ لما تقرر أنه كحياة القتيل (عند سقوطه) بنحو موت أو عفو عنه عليها (وفي قول) موجبه (أحدهما مبهمًا) هو مراده بقول: أصله لا بعينه الظاهر في أن الواجب هو القدر المشترك في ضمن أي معين منهما، ويدل له خبر الصحيحين: «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يودى، وإما أن يقاد»، وقد يتعين القود ولا دية، كما مر في قتل مرتد مرتدًّا آخر، وفيما لو استوفى ما يقابل الدية، ولم يبق إلا حز الرقبة، وقد تتعين الدية كما لو قتل الوالد ولده أو المسلم ذميًّا، وقد لا يجب إلا التعزير والكفارة، كما في قتل السيد قنه (وعلى القولين للولي) يعني: المستحق (عفو) عن القود في نفس أو طرف (على الدية) أو نصفها مثلًا (بغير رضا الجاني)؛ لأنه مستوفى منه كالمحال عليه والمضمون عنه.
ولأحد المستحقين العفو بغير رضا الباقين؛ لعدم تجزي القود؛ ولذا لو عفا عن بعض أعضاء الجاني سقط عن كله، كما أن تطليق بعض المرأة تطليق لكلها، ومنه يؤخذ أن كل ما وقع الطلاق بربطه به من غير الأعضاء يقع العفو بربطه به، وما لا فلا، وقياس قولهم: لو قال له الجاني: خذ الدية عوضًا عن اليمين، فأخذها ولو ساكتًا سقط القود، وجعل الأخذ عفوًا كما مر يأتي نظيره هنا (وعلى الأول) الأظهر (لو أطلق العفو) عن القود، ولم يتعرض للدية، ولا اختارها بعده فورًا (فالمذهب: لا دية)؛ لأن القتل لم يوجبها، والعفو إسقاط ثابت، لا إثبات معدوم، وأما قوله تعالى: { فَاتِّبَاعٌ } أي: للمال، فمحمول على العفو عليها، فإن اختارها بعده على الفور وجبت تنزيلًا لاختيارها عقبه منزلته عليها بقرينة المبادرة إليها، والأوجه ضبط الفورية هنا بما مر في البيع، ولو عفا بعض المستحقين وأطلق سقطت حصته ووجب حصة الباقين من الدية وإن لم يختاروها؛ لأن السقوط حصل قهرًا كقتل الأصل فرعه، ولو تعذر ثبوت المال كقتل أحد قنيه الآخر، فعفا عن القود أو عن حقه أو موجب جنايته، ولو بعد العتق لم يثبت له عليه مال جزمًا، وفي قول أو وجه من طريق: تجب؛ لأنها بدله.
والأول يمنع البدلية في هذه الصورة (و) على الأول أيضًا (لو عفا عن الدية لغا)؛ لأنه عفو عما ليس مستحقًّا، فهو فيها لغو كالمعدوم (وله العفو) عن القود (بعده) وإن تراخى (عليها)؛ لأن حقه لم يتغير بالعفو؛ إذ اللاغي عدم، ولو اختار القود ثم الدية وجبت مطلقًا (ولو عفا على غير جنس الدية ثبت) ذلك الغير على القولين، ولو أكثر من الدية (إن قبل الجاني) ذلك وسقط القود (وإلا فلا) يثبت؛ لأنه اعتياض واعتبر رضاهما (ولا يسقط القود في الأصح)؛ لما تقرر، وليس كالصلح على عوض فاسد؛ لأن الجاني فيه قبل والتزم، والثاني: يسقط لرضاه بالصلح عنه.
شرح منتهى الإرادات (3/ 279) (المذهب الحنبلي)
(3) إذا حصل العفو انتقل إلى الدية:
(وإن عفا مطلقًا) فلم يقيد بقصاص ولا دية فله الدية (أو) عفا (على غير مال) كخمر وخنزير فله الدية (أو) عفا (عن القود مطلقًا) فقال: عفوت عن القود، ولم يقل: على مال أو بلا مال (ولو) كان العفو (عن يده) أي: العافي (فله الدية)؛ لانصراف العفو إلى القصاص دون الدية؛ لأن العفو عن القصاص هو المطلوب الأعظم في باب القود؛ إذ المقصود منه التشفي فانصرف العفو المطلق إليه؛ لأنه في مقابلة الانتقام، وهو إنما يكون بالقتل لا بالمال، فتبقى الدية على أصلها؛ لأنها تثبت في كل موضع امتنع فيه القتل.
البحر الرائق شرح كنز الدقائق (8/ 353) (المذهب الحنفي).
(4) إذا تعدد الأولياء، وعفا أحدهم؛ عُصِم دم القاتل، وأخذ الآخرون حصصهم من الدية:
(إن صالح أحد الأولياء من حظه على عوض أو عفا فلمن بقي حظه من الدية)؛ لأن كل واحد منهم متمكن من التصرف في نصيبه استيفاءً وإسقاطًا بالعفو وبالصلح؛ لأنه يتصرف في خالص حقه، فينفذ عفوه وصلحه فسقط به حقه من القصاص، ومن ضرورية سقوط حقه سقوط حق الباقين أيضًا فيه؛ لأنه لا يتجزأ، ألا ترى أنه لا يتجزأ ثبوتًا فكذا سقوطًا، وفي عبارة المصنف قصور من وجهين، الأول: أنه يقال: صالح عن كذا، وذكر في الكتاب كلمة من الثاني، قوله: "من نصيبه" يوهم تجزؤ القصاص، وقد قدمنا أنه لا يتجزأ، قال الشارح: بخلاف ما لو قتل رجلين فعفا أولياءُ أحدِهما، حيث يكون لأولياء الآخر قتله؛ لأن الواجب فيه قصاصان؛ لاختلاف القاتل والمقتول، فسقوط أحدهما لا يسقط الآخر، ألا ترى أنهما يفترقان ثبوتًا، وكذا بقاءً، بخلاف ما نحن فيه.
فإذا سقط انقلب نصيب من لم يعف مالًا؛ لأنه تعذر استيفاؤه، فيجب المال، كما في الخطأ، فإن سقوط القصاص فيه لمعنى في القتل، وهو كونه مخطئًا، ولا يجب للعافي شيء؛ لأنه أسقط حقه المتعين بفعله ورضاه بلا عوض، بخلاف شركائه؛ لعدم ذلك منهم، فينقلب نصيبهم مالًا.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (4/ 261-263) (المذهب المالكي).
(4) إذا تعدد الأولياء، وعفا أحدهم؛ عُصِم دم القاتل، وأخذ الآخرون حصصهم من الدية:
ولما كان القائم بالدم إما رجال فقط، أو نساء فقط، أو هما؛ تكلم على هذه الثلاثة على هذا الترتيب، فقال: (وسقط) القصاص (إن عفا رجل) من المستحقين (كالباقي) نعت لـ "رجل"، أي: مماثل للباقي في الدرجة، والاستحقاق، كابنين، أو أخوين، أو عمين فأكثر، وأولى إن كان العافي أعلى كعفو ابن مع أخ، أو أخ مع عم، فإن كان أنزل درجة لم يعتبر عفوه؛ إذ لا كلام له، كعفو أخ مع وجود ابن، وكذا إذا كان العافي لم يساو الباقي في الاستحقاق، كالإخوة للأم مع وجود الإخوة للأب؛ إذ لا استحقاق للإخوة للأم.
وأشار للمرتبة الثانية بقوله: (والبنت)، أو بنت الابن (أولى) أي: أحق (من الأخت في عفو وضده)؛ إذ لا كلام للأخت معها، ولا يلزم من مساواتها لها في الإرث مساواتها في العفو وعدمه عند ابن القاسم، وهذا إذا ثبت القتل ببينة أو إقرار، وأما لو احتاج القصاص لقسامة فليس لهما أن يقسما؛ لأن النساء لا يقسمن في العمد، وإنما يقسم العصبة، فإن أقسموا وأرادوا القتل وعفت البنت فلا عفو لها، وإن عفوا وأرادت القتل فلا عفو لهم إلا باجتماع الجميع، أو بعض من البنات وبعض منهم، على ما تقدم، وسيأتي أيضًا.
(وإن عفت بنت من بنات)، أو بنت ابن من بنات ابن، أو أخت من أخوات ولم يكن عاصب، أو عاصب لا كلام له (نظر الحاكم) في العفو وضده إن كان عدلًا، وإلا فجماعة المسلمين.
وأشار للمرتبة الثالثة بقوله: (وفي) اجتماع (رجال ونساء) أعلى درجة منهم وكان للرجال كلام بأن ثبت القتل بقسامة (لم يسقط) القصاص (إلا بهما) أي: بعفو الفريقين، ومن أراد القتل من الفريقين فالقول له (أو ببعضهما) أي: بعض كل من الفريقين، وقولنا: ونساء أعلى درجة من الرجال؛ احترازًا عما لو كان الرجال مساوين للنساء فلا كلام لهن، والاستيفاء للعاصب وحده كما مر، وهذه المسألة مكررة مع قوله فيما سبق: وللنساء إن ورثن ولم يساوهن عاصب ولكل القتل... إلخ، كررها لأجل قوله: أو ببعضها المقيد؛ لما مر، كما تقدم، ولأجل جمْع المراتب الثلاثة.
(ومهما أسقط) أي: عفا (البعض) أي: بعض مستحقي الدم مع تساوي درجتهم بعد ثبوت الدم ببينة، أو إقرار، أو قسامة؛ سقط القود، وإذا سقط (فلمن بقي) ممن لم يعف وله التكلم، أو هو مع غيره (نصيبه من الدية) أي: دية عمد، وكذا إذا عفا جميع من له التكلم مترتبًا فلمن بقي ممن لا تكلم له نصيبه من دية عمد كولدين وزوج، أو زوجة؛ لأنه مال ثبت بعفو الأول، بخلاف ما لو عفوا في فور واحد، فلا شيء لمن لا تكلم له، كما إذا كان من له التكلم واحدًا وعفا، وشبَّه في سقوط القصاص قوله: (كإرثه) أي: الدم (ولو قسطًا من نفسه) فيسقط القصاص؛ لأن إرثه له كُلًّا أو بعضًا كالعفو.
مثال ما قبل المبالغة: ما لو قتل أحد ولدين أباه، فمات غير القاتل، ولا إرث له سواه، فقد ورث القاتل جميع دم نفسه.
ومثال ما بعدها: ما لو كان غير القاتل أكثر من واحد مات أحدهم، فقد ورث القاتل بعض دم نفسه، فيسقط القصاص، ولمن بقي نصيبه من الدية (وارثه) أي: القصاص (كالمال) أي: كإرث المال، لا كالاستيفاء، فإذا مات ولي الدم فينزل ورثته منزلته من غير خصوصية للعصبة منهم على ذوي الفروض فيرثه البنات والأمهات، ويكون لهم العفو والقصاص، كما لو كانوا كلهم عصبة؛ لأنهم ورثوه عمن كان ذلك له، هذا مذهب ابن القاسم، نعم لا دخل في ذلك لزوجة ولي الدم ولا لزوج من لها كلام، فقوله: كالمال، أي: في الجملة، بخلاف المال المأخوذ عن دية عمد فيدخلان فيه كما مر....
قوله: (وسقط القصاص) أي: المفهوم من قوله: "ويقتص من يعرف"، قوله: (إن عفا رجل) إلخ، حاصله: أنه إذا كان القائم بالدم رجالًا فقط مستوين في الدرجة والاستحقاق، فإن اجتمعوا كلهم على القصاص اقتصوا، وإن طلب بعضهم القصاص وبعضهم العفو، فالقول لمن طلب العفو، ومتى حصل العفو من أحدهم سقط القصاص، ولمن لم يعف نصيبه من دية عمد.
قوله: (والاستحقاق) أي: استحقاق الدم، قوله: (إذ لا استحقاق للإخوة للأم) أي: في الدم؛ لما تقدم أن الاستيفاء للعاصب، وهم غير عصبة.
قوله: (وأشار للمرتبة الثانية) أي: وهي ما إذا كان القائم بالدم نساء فقط؛ وذلك لعدم مساواة عاصب لهن في الدرجة، بأن لم يوجد عاصب أصلًا، أو وجد وكان أنزل منهن درجة وقد حزن الميراث وثبت القتل بغير قسامة.
قوله: (ولا يلزم من مساواتها لها في الإرث) أي: إذا لم يكن وارث إلا هما، قوله: (عند ابن القاسم) راجع لقول المصنف: والبنت أولى من الأخت في عفو وضده، قوله: (فلا عفو لها) أي: والقول للعصبة في القصاص، قوله: (فلا عفو لهم) أي: والقول قولها في طلب القصاص، قوله: (على ما تقدم) أي: من أن البنات إذا حزن الميراث، وثبت القتل بقسامة، فالقول لمن طلب القتل من الرجال أو النساء، ولا عفو إلا باجتماعهم، وأما إذا ثبت بغيرها فلا حق للعصبة معهن، لا في عفو، ولا في قود، والحق للنساء، قوله: (أو عاصب لا كلام له) أي: لكون القتل ثبت ببينة أو إقرار.
قوله: (نظر الحاكم في العفو وضده) أي: أيهما أصلح فعله؛ وذلك لأنه كالعصبة عند فقدها لإرثه لبيت المال ما بقي من مال المقتول، وإذا أمضى الإمام بنظره عفو بعض البنات فلمن بقي منهن نصيبه من الدية، ومفهوم بنت من بنات أنهن لو عفون كلهن، أو أردن القتل لم يكن للإمام نظر، قوله: (وفي اجتماع رجال) أي: مطلقًا، سواء كانوا وارثين كبنات وعصبات توقف الثبوت عليهم أم لا، أو غير وارثين وتوقف الثبوت عليهم لأجل القسامة كبنت وأخت وعصبة، انظر بن، وشارحنا قصر كلام المصنف على الثاني، حيث قال: وكان للرجال كلام بأن ثبت القتل بقسامة، ولو قال الشارح: وكان للرجال كلام؛ لكونهم وارثين ثبت القتل ببينة، أو إقرار، أو قسامة، أو كانوا غير وارثين، ولكن ثبت القتل بقسامة لكان ذلك أولى، وعليه يظهر ما ذكره من التكرار، تأمل.
قوله: (مكررة مع قوله فيما سبق: وللنساء إن ورثن) الأولى أن يقول مع قوله: ولكل القتل ولا عفو إلا باجتماعهم، كأن حزن الميراث، وثبت القتل بقسامة؛ إذ قوله: وللنساء إن ورثن لا تكرار فيه.
قوله: (ومهما أسقط) إلخ، هذا راجع لجميع ما قدمه من قوله: وسقط إن عفا رجل كالباقي إلى هنا، خلافًا لما يوهمه ظاهر الشارح من قصره على قوله: وسقط إن عفا رجل كالباقي، ثم جواب الشرط محذوف قدره الشارح بقوله: سقط القود؛ لأن هذا هو الذي يترتب على الإسقاط، يعني: العفو، وأما قوله: "فلمن بقي..." إلخ، فلا يترتب إلا على السقوط، وحينئذ فهو جواب لشرط مقدر، كما أشار له الشارح.
قوله: (وله التكلم، أو هو مع غيره...) إلخ، يعني: أن من عفا سقط حقه من الدم ومن الدية وما بقي منها يكون لمن بقي ممن له التكلم ولغيره من بقية الورثة كالزوج، أو الزوجة، والإخوة للأم.
قال في المدونة: وإن عفا أحد ابنين سقط حظه من الدية وبقيتها لمن بقي تدخل فيه الزوجة وغيرها.
قوله: (وكذا إذا عفا) إلخ، كما لو كان للمقتول بنون وبنات وزوج، أو زوجة فعفا بعض البنين، ثم بلغ من بقي ممن له التكلم فعفا فلا يضر ذلك من معهم من أخواتهم، والزوج، أو الزوجة.
قوله: (كولدين وزوج) أي: فعفا أحد الوالدين، ثم عفا أخوه فلا يضر ذلك من معهما من الزوجة، أو الزوج قوله: (بخلاف ما لو عفوا) أي: جميع من له التكلم، قوله: (كما إذا كان من له التكلم واحدًا) إلخ، وكما لو كان للمقتول بنون وبنات وزوج، أو زوجة فعفا البنون في فور واحد فيسقط حق البنات، والزوج، أو الزوجة من الدية.
واعلم أن ما ذكره الشارح من التفصيل محمول على ما إذا وقع الإسقاط مجانًا، أما إذا وقع على مال فلمن بقي من الورثة نصيبه من الدية، وإن لم يكن له تكلم، سواء وقع الإسقاط من بعضهم، أو من كلهم مترتبًا أم لا.
قوله: (ولو قسطًا) أي: هذا إذا ورث دم نفسه كله، بل ولو ورث قسطًا، أي: جزءًا منه.
قال في المدونة: إن ورث القاتل أحد ورثة القتيل بطل قوده؛ لأنه ملك من دمه حصة.
وقال أشهب: لا يسقط القود عن الجاني إذا ورث جزءًا من دم نفسه، إلا إذا كان من بقي يستقل الواحد منهم بالعفو، كما في المثال الذي ذكره الشارح.
وأما إذا كان الباقي لا يستقل الواحد منهم بالعفو، ولا بد من العفو من اجتماعهم عليه، وكل من طلب القتل فإنه يجاب فلا يسقط القود عن الجاني الوارث لجزء من دمه، كمن قتل أخاه شقيقه وترك المقتول بنتين وثلاثة إخوة أشقاء غير القاتل فمات أحدهم ولا وارث له إلا إخوته الثلاثة القاتل، والأخوين فقد ورث القاتل قسطًا من نفسه، ولا يسقط القصاص عنه حتى يعفو البنات، والإخوة الباقون، أو البعض من كل.
وقد رد المصنف على أشهب بلو، ومقتضى رده عليه أن كلام أشهب خلاف لابن القاسم، وأن كلامه باق على إطلاقه، لا أنه وفاق له كما قال بعضهم، قوله: (مات أحدهم) أي: ولا وارث له إلا إخوته، قوله: (فإذا مات ولي الدم) أي: كابن المقتول، أو أخيها وعمه.
قوله: (ويكون لهن العفو) إلخ، أي: ولو كان معهم ذكور في درجتهن فليس بنات ولي الدم كبنات القتيل، قوله: (هذا مذهب ابن القاسم) الإشارة راجعة لإرث القصاص كإرث المال.
وقال أشهب: إرث القصاص كالاستيفاء، فإذا مات ولي الدم فالذي ينزل منزلته إنما هو عصبته فيكون لهم العفو والقصاص، وأما بناته وأمهاته فلا كلام لهن في ذلك، قوله: (لزوجة ولي الدم) أي: فإذا مات ولي الدم قام ورثته مقامه إلا زوجته.
قوله: (ولا لزوج) إلخ، فإذا ماتت بنت القتيل قام ورثتها مقامها إلا لزوجها، قوله: (فيدخلان) أي: الزوج والزوجة فيه.
شرح منتهى الإرادات (3/ 272-273) (المذهب الحنبلي).
(4) إذا تعدد الأولياء، وعفا أحدهم؛ عُصِم دم القاتل، وأخذ الآخرون حصصهم من الدية:
(وإن عفا بعضهم) أي: مستحقي القصاص (ولو) كان العافي (زوجًا أو زوجة أو شهد بعضهم) أي: بعض مستحقي القصاص (ولو مع فسقه بعفو شريكه سقط القود) أما السقوط بعفو البعض فلأنه لا يتبعض كما تقدم، وأحد الزوجين من جملة الورثة.
ودخل في قوله صلى الله عليه وسلم: «فأهله بين خيرتين»؛ بدليل قوله: «من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، وما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي»، يريد: عائشة، وقال له أسامة: "أهلُكَ، ولا نعلم إلا خيرًا".
وعن زيد بن وهب أن عمر رضي الله عنه، أتي برجل قتل قتيلًا، فجاء ورثة المقتول ليقتلوه، فقالت امرأة المقتول، وهي أخت القاتل: "قد عفوت عن حقي"، فقال عمر: "الله أكبر، قد عتق القتيل"، رواه أبو داود.
وأما سقوطه بشهادة بعضهم بعفو شريكه ولو مع فسقه؛ فلإقراره بسقوط نصيبه، وإذا أسقط بعضهم حقه سرى إلى الباقي كالعتق (ولمن لم يعف) من الورثة (حقه من الدية على جان) سواء عفا شريكه مطلقًا أو إلى الدية؛ لأنها بدل عما فاته من القصاص، كما لو ورث القاتل بعض دمه.
رد المحتار على الدر المختار (6/ 540-541) (المذهب الحنفي)
(5) إذا عفا أحد الأولياء عن القاتل، فقتله آخر:
دم بين اثنين فعفا أحدهما، وقتله الآخر، إن علم أن عفو بعضهم يسقط حقه يقاد، وإلا فلا، والدية في ماله...
قوله: (دم بين اثنين) أي: وجب لهما على آخر، وعبارة الدرر من هنا إلى قوله: وإلا فلا.
وأما عبارة المجتبى فنصها: ولو كان الدم بين اثنين، فعفا أحدهما، وقتله الآخر، فإن لم يعلم بعفو شريكه؛ يقتل قياسًا لا استحسانًا، وإن علم بعفوه فإن لم يعلم بحرمته وقال: ظننت أنه يحل لي قتله لا يقتل، والدية في ماله، وإن علم بالحرمة يقتل، سواء قضى القاضي بسقوط القصاص في نصيب الساكت أو لم يقض، وهذا كمن أمسك رجلًا حتى قتله الآخر عمدًا فقتل ولي القتيل الممسك فعليه القصاص، قضى القاضي بسقوط القصاص عن الممسك أو لم يقض. ا هـ.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (7/ 301) (المذهب الشافعي)
(5) إذا عفا أحد الأولياء عن القاتل، فقتله آخر:
(وإن بادر بعد) عفو نفسه أو بعد (عفو غيره؛ لزمه القصاص) وإن لم يعلم بالعفو لتبين أن لا حق له، ولا يشكل عليه ما يأتي أن الوكيل لو قتل بعد العزل جاهلًا به لم يقتل؛ لأنه مقصر بعدم مراجعته لغيره المستحق بخلاف الوكيل (وقيل: لا) قصاص إلا إذا علم وحكم حاكم بمنعه، بخلاف ما إذا انتفيا أو أحدهما، كما أفاده قوله: (إن لم يعلم) بالعفو (و) لم (يحكم قاض به) أي: بنفيه؛ لشبهة الخلاف.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (4/ 287) (المذهب المالكي).
(6) إذا عفي عن القاتل، فلا يُلزم بعقوبة أخرى:
(وعليه) أي: على القاتل عمدًا البالغ إذا لم يقتل لعفو، أو لزيادة حرية، أو إسلام (مطلقًا) كان القاتل حرًّا أو رقيقًا، مسلمًا أو كافرًا، ذكرًا أو أنثى (جلد مائة وحبس سنة)...
قوله: (جلد مائة وحبس سنة) أي: من غير تغريب، كما في الزنا، واختلف في المقدم منهما، فقيل: الجلد، وقيل: الحبس، ولم يشطروها بالرق؛ لأنها عقوبة، والرق والحر فيها سواء، ا هـ بن.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (4/ 240) (المذهب المالكي).
(7) إذا عفا المقتول نفسه عن القاتل قبل موته:
(ولو) (قال) المقتول لقاتله: (إن قتلتني أبرأتك) فقتله، وكذا إن قال له بعد جرحه قبل إنفاذ مقتله: "أبرأتك من دمي" فلا يبرأ القاتل بذلك، بل للولي القود؛ لأنه أسقط حقًّا قبل وجوبه؛ ولذا لو أبرأه بعد إنفاذ مقتله، أو قال له: "إن مت فقد أبرأتك" برئ؛ لأنه أسقط شيئًا بعد وجوبه، وكذا إن قال له: "اقطع يدي ولا شيء عليك" فله القصاص إن لم يستمر على البراءة بعد القطع، ما لم يترام به القطع حتى مات منه، فلوليه القسامة والقصاص، أو الدية....
قوله: (ولو قال المقتول لقاتله) أي: قبل ضربه له، قوله: (وكذا إن قال له بعد جرحه) أي: أو بعد ضربه قبل إنفاذ مقتله: "أبرأتك من دمي"، أي: فقتله بعد ذلك، قوله: (لأنه) أي: الميت أسقط حقًّا قبل وجوبه، أي: قبل ثبوته؛ لعدم حصول السبب، وهو إنفاذ المقاتل، قوله: (أو قال له: إن مت) إلخ، أي: وكان ذلك القول بعد إنفاذ مقاتله، قوله: (إن لم يستمر) إلخ، أي: بأن رجع عنها، وأما لو استمر على البراءة فليس على القاطع إلا الأدب، والذي يفيده كلام التوضيح وابن عرفة وغيرهما أنه ليس على القاطع إلا الأدب، من غير تفصيل بين استمرار المقطوع على البراءة، والرجوع عنها، انظر بن، وكل هذا إذا لم يترام به القطع حتى مات به، وإلا كان لوليه القسامة والقتل، كما قال الشارح.
تنبيه:
لو قال له: "اقتل عبدي ولا شيء عليك، أو ولك كذا"، فقتله؛ ضرب كل منهما مائة، وحبس عامًا، وهل للسيد قيمته، أو لا؟ قولان، الأول: لأشهب، والثاني: لابن أبي زيد، وصوب كقوله: "أحرق ثوبي، أو ألقه في البحر" فلا قيمة عليه إن لم يكن المأذون مودعًا بالفتح للآمر، وإلا ضمن؛ لكونه في أمانته.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (4/ 263-264) (المذهب المالكي).
(7) إذا عفا المقتول نفسه عن القاتل قبل موته:
(فإن) (عفا) المجني عليه خطأ قبل موته (فوصية) أي: فالعفو كالوصية بالدية للعاقلة والجاني، فتكون في ثلثه، وإن كان له مال ضمت لماله ودخلت في ثلث الجميع (وتدخل الوصايا) التي أوصى بها المجني عليه (فيه) أي: فيما وجب من ثلث الدية (وإن) أوصى (بعد سببها) أي: الدية، وسببها الجرح، أو إنفاذ المقاتل، يعني: أن المجني عليه إذا أوصى بوصايا غير العفو المذكور أو معه، فإن الوصايا تدخل في ثلثه، ومنه ثلث الدية، ولا فرق في الوصايا بين أن يوصي بها قبل سبب الدية، أو بعده، إلا أن المتوهم إنما هي الوصايا قبل السبب، فكان على المصنف أن يبالغ عليه بأن يقول: وإن قبل سببها (أو) أوصى لرجل مثلًا (بثلثه) قبل السبب، فتدخل الوصية في ثلث الدية؛ لأنها مال موروث عنه (أو) أوصى (بشيء) كدار، أو عشرة دنانير، أو عشرة أثواب ولم يعين ثلثًا ولا غيره، ثم جني عليه، فتدخل الوصية في الدية، ومحل دخول الوصية من حيث هي في الدية حيث أوصى قبل السبب (إذا عاش) المجني عليه (بعدها) أي: بعد الجناية (ما) أي: زمنًا (يمكنه) فيه (التغيير) بأن كان صحيح الذهن (فلم يغير) في وصيته، فإن رفع مغمورًا بعد الجرح، أو مات مكانه؛ لم تدخل الوصية في الدية (بخلاف) دية (العمد) لا تدخل فيها الوصايا، وإن عاش بعد الجرح ما يمكنه في التغيير؛ لأنها مال طرأ للوارث بعد الموت بالصلح عليها فلا دخل للوصية فيها (إلا أن ينفذ مقتله، ويقبل وارثه الدية، وعلم) بقبول وارثه لها ولم يغير؛ فتدخل الوصايا فيها؛ لأن علمه بقبول وارثه الدية مع عدم تغيرها كإحداثها بعده، وهذا بخلاف ما لو قال: "إن قبل وارثي الدية فوصيت فيها، أو فقد أوصيت بثلثها" فلا يعمل بقوله، ولا يدخل منها في ثلثه شيء، وكذا لو قال: "تدخل وصيتي فيما علمت وما لم أعلم" فلا تدخل وصيته في دية العمد، كما في النقل...
قوله: (فإن عفا المجني عليه خطأ) أي: عن دية الخطأ، وأما لو قال: "لا تعفوا عن قاتلي عمدًا"، فإن ثبت القتل بقسامة فلأوليائه العفو ولهم القصاص، وإن ثبت ببينة أو إقرار فلا عفو لهم، قاله أصبغ، ولو وكل المقتول وكيلًا على أن يعفو، فإن ثبت القتل بقسامة فالأمر للأولياء، وإن ثبت ببينة أو إقرار فالأمر للوكيل في العفو، كذا في البدر، نقلًا عن الغرياني على المدونة.
قوله: (فتكون في ثلثه) أي: فإذا لم يكن له مال أصلًا حط عن الجاني، وعن عاقلته ثلثها، ودفعوا لورثة المجني عليه ثلثيها، قوله: (ضمت لماله) فإذا كان ماله ألفي دينار ضمت لهما، وحطت عن العاقلة والجاني؛ لأن ثلث الجميع يحتملها، وإن كان وماله ألفًا حط عنهم منها ثلث الألفين، وهو ستمائة وستة وستون وثلثان، ولزمهم ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث، قوله: (وتدخل الوصايا فيه) أي: وتدخل الوصايا في دية الخطأ، أي: في ثلثها مضافًا لثلث ماله إن كان له مال، فضمير "فيه" عائد على دية الخطأ على حذف مضاف كما علمت، وإنما ذكر الضمير؛ نظرًا لكونها أمرًا واجبًا، كما أشار له الشارح، أو نظرًا لكونها مالًا، قوله: (فيما وجب من ثلث الدية) أي: دية الخطأ، قوله: (ومنه ثلث الدية) أي: لأن الدية تضم لماله، وتصير مالًا، وينظر لثلث الجميع، فإن حمل الدية الموصى بها فقط نفذت الوصية بها، وإن كان هناك وصايا أخر اشترك الجميع في الثلث، فإن حمل الجميع فلا إشكال، وإن ضاق عن الجميع وجب المصير لقول المصنف: وقدم لضيق الثلث... إلخ.
قوله: (فكان على المصنف...) إلخ، أصل هذا الاعتراض لابن غازي، وهو مبني على أن "بعْد" في كلام المصنف يضبط بسكون العين ظرفًا، وأما إن ضبط بضم العين بصيغة الماضي فلا يتوجه هذا الاعتراض على المصنف، قوله: (قبل السبب) أي: أو بعده أيضًا، قوله: (فتدخل الوصية في ثلث الدية) أي: فإذا لم يكن له مال أصلًا دفع له ثلثها، وإن كان له مال ضم للدية ودفع ثلث الجميع للموصى له، قوله: (أو أوصى بشيء) أي: معين كدار، أو دابة معينة، وأما غير المعين فهو قوله: "وتدخل الوصايا فيه" فقول الشارح: "كدار..." إلخ، ينبغي حمل ذلك على المعين، قوله: (ومحل دخول الوصية) أي: في ثلث الدية، وقوله: "من حيث هي، أي: سواء كانت بثلثه، أو بشيء معين، أو غير معين، كالوصية لزيد بعشرة ولعمرو بمائة، وأشار الشارح بذلك إلى أن قول المصنف: "إذا عاش..." إلخ شرط في قوله: "وتدخل الوصايا فيه وفيما بعده بالنظر لما قبل المبالغة، قوله: (حيث أوصى بها قبل السبب) أي: وأما إذا أوصى بعده فإنها تدخل في ثلث الدية من غير شرط، قوله: (يمكنه فيه التغيير) أي: لوصيته، قوله: (فلم يغير) أي: الوصية الحاصلة منه قبل الجناية مع تمكنه من تغييرها، فلما عاش بعد السبب مدة يمكنه فيها التغيير، ولم يغير نزل ذلك منزلة إحداثها بعده، قوله: (بخلاف العمد) مخرج من قوله: "وتدخل وصاياه فيه"، كما أشار له الشارح.
وحاصله: أن من قتل عمدًا ولم يعف عن قاتله وله وصايا، ثم بعد موته قبل ورثته الدية فإن وصاياه لا تدخل في الدية؛ لأنها مال لم يعلم به الميت قبل موته، والوصايا لا تدخل إلا فيما علم للميت حين موته، قال في كتاب محمد: ولو أن الموصي قال: إن قبل أولادي الدية فوصيتي فيها، أو أوصي بثلثها لم يجز، ولا يدخل شيء من وصاياه في ثلثها؛ لعدم علمه بها حين موته، وقال ابن رشد: ولو قال: يخرج ثلثي مما علمت ومما لم أعلم لم يدخل في ذلك الدية؛ لأنها مال لم يكن، بل طرأ للوارث بعد الموت. ا هـ، فظهر لك من هذا أن دية العمد، قيل: إنها مال من أموال الميت وعدم دخول الوصايا فيها؛ لعدم علمه بها حين الموت، وقيل: إنها ليست مالًا له، وإنما هي إذا قبلت مال طرأ للورثة بعد الموت، قال بن: وفي الثاني نظر؛ لاقتضائه أنه لا يقضى بها دينه، وليس كذلك، بل يقضى بها دينه، كما في ح والمواق، فالصواب القول الأول، وشارحنا قد جنح لما قاله ابن رشد، حيث قال: لأنها مال طرأ للوارث إلخ، قوله: (وإن عاش بعد الجرح ما يمكنه) أي: مدة يمكنه فيها التعبير لوصيته ولم يغيرها، قوله: (فلا دخل للوصية فيها) أي: لأنها ليست بمال للميت، قوله: (إلا أن ينفذ مقتله) أي: بقطع نخاع، أو ثقب مصران.
وحاصله: أن الجاني عمدًا إذا أنفذ مقتلًا من مقاتل المجني عليه الموصي بوصايا قبل الجناية، ثم إن أولياءه قبلوا الدية من الجاني وعلم المجني عليه بذلك القبول، ولم يغير وصاياه الحاصلة منه مع تمكنه من ذلك، فإنها تدخل في ثلث تلك الدية؛ لأنها مال له علم به قبل موته، وسكوته عن تغييرها مع تمكنه بمنزلة إحداثها بعد العلم، قوله: (كإحداثها) أي: الوصايا بعده، أي: بعد العلم، قوله: (فلا يعمل بقوله) أي: لا عند محمد ولا عند ابن رشد، أما عند ابن رشد فلأنها مال طرأ للوارث إذا قبلها، وأما عند محمد فلأن الموصي لم يعلم بكونها مالًا له حين الموت، قوله: (ولا يدخل منها) أي: من الدية شيء في ثلثه، ولو قال: "ولا تدخل وصيته في شيء منها" كان أحسن، قوله: (فلا تدخل وصيته في دية العمد) أي: بغير الشرط المذكور في المصنف، وهو قوله: "إلا أن ينفذ" إلخ؛ وذلك لأن الدية ليست من ماله، وهو إنما أراد ما لم أعلم من مالي، ثم إن عدم الدخول مبني على ما لابن رشد، وأما على كلام محمد فتدخل الوصية فيها، فقول الشارح: "كما في النقل" أي: عن ابن رشد، تأمل.
شرح منتهى الإرادات (3/ 280) (المذهب الحنبلي)
(7) إذا عفا المقتول نفسه عن القاتل قبل موته:
(ويصح قول مجروح: أبرأتك) من دمي أو قتلي معلقًا بموته.
(و) قوله: (أحللتك من دمي أو قتلي، أو وهبتك ذلك) أي: دمي أو قتلي (ونحوه) كـ: جعلت لك دمي أو قتلي، أو تصدقت به عليك (معلقًا بموته)؛ لأنه وصية، فإن مات من الجراحة برئ منه (فلو عوفي بقي حقه) من قصاص أو دية؛ لأن لفظه لم يتضمن الجراح، ولم يتعرض له، وإنما اقتضى موجب القتل فبقي موجب الجرح بحاله (بخلافك عفوت عنك ونحوه) كـ: عفوت عن جنايتك؛ لتضمنه الجناية وسرايتها.
رد المحتار على الدر المختار (6/ 556) (المذهب الحنفي)
ثالثًا: الصلح
(ويعفو الأولياء، ويصالحهم على مال، ولو قليلًا، ويجب حالًّا) عند الإطلاق...
قوله: (ولو قليلًا) بخلاف الخطأ؛ فإن الدية مقدرة شرعًا، والصلح على أكثر منها ربًا، وأما القصاص فليس بمال، فكان التقويم بالعقد، فيقوم بقدر ما أوجبه الصلح، قل أو كثر، معراج، وبه ظهر أن الظاهر أن يقول: "ولو كثيرًا"؛ ليكون إشارة إلى الفرق بين الخطأ والعمد، تدبر.
قوله: (ويجب حالًّا عند الإطلاق)؛ لأنه ثبت بعقد، والأصل في مثله الحلول، كثمن ومهر، حموي، وأشار بقوله: "عند الإطلاق" إلى أنه لا يتأجل إلا بالشرط، أفاده البدر العيني آخر فصل الشجاج.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (3/ 320) (المذهب المالكي).
ثالثًا: الصلح
(وإن صالح أحد وليين) عما فيه قصاص بقدر الدية أو أكثر أو أقل عن جميع الدم أو عن حصته فقط بأكثر مما ينوبه من الدية أو أقل (فللآخر الدخول معه) جبرًا، فيأخذ ما ينوبه، ولو صالح بقليل (وسقط القتل) وله عدم الدخول معه، فله نصيبه من دية عمد، كما يأتي في الجراح، فلا دخول للمصالح معه، وله العفو فلا دخول له مع المصالح وشبهه في سقوط القتل...
قوله: (وسقط القتل) لو قدم المصنف: "وسقط القتل" على قوله: "وللآخر الدخول معه" كان أولى؛ ليفيد سقوط القتل، وإن لم يدخل معه. ا هـ بن، وقد يقال: إنه أخره لأجل أن يشبه به.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (4/ 263) (المذهب المالكي).
ثالثًا: الصلح
ولما قدم أن العمد لا عقل فيه مسمى، وإنما يتعين فيه القود على الوجه المتقدم؛ نبه هنا على أنه يجوز الصلح فيه بما شاء الولي بقوله: (وجاز صلحه) أي: الجاني (في) جناية (عمد) قتلًا كان مع ولي الدم، أو جرحًا مع المجني عليه (بأقل) من دية المجني عليه (أو أكثر) منها حالًّا، ولأجل قريب أو بعيد، وبعين وعرض وغيرهما، وقد قدم هذا في الصلح بقوله: وعن العمد بأقل أو أكثر (والخطأ كبيع الدين) مبتدأ وخبر، أي: أن الصلح في الخطأ في النفس، أو الجرح حكمه حكم بيع الدية؛ إذ دية الخطأ مال في الذمة، وما صولح به عنها مال مأخوذ عنها، فيجب مراعاة بيع الدين فيه فلا يجوز أخذ ذهب عن ورق وعكسه؛ لأنه صرف مستأخر، ولا أحدهما عن إبل وعكسه؛ لأنه فسخ دين في دين، ويدخل في الصلح بأقل من الدية "ضع وتعجل"، وبأكثر لأبعد من أجلها سلف بزيادة، وجاز بما حل معجلًا في جميع الأقسام (ولا يمضي) الصلح من الجاني خطأ (على عاقلته) بغير رضاها (كعكسه) أي: لا يمضي صلح العاقلة على الجاني بغير رضاه، ويلزم كلا الصلح فيما ينوبه...
قوله: (ولما قدم) إلخ، أشار بهذا الدخول إلى عدم معارضة، قوله: "وجاز صلحه..." إلخ؛ لقوله فيما مر: "فالقود عينًا؛ وذلك لأن ما هنا مع تراضيهما، أي: الجاني وولي الدم، وتعين القود فيما مر عند عدم التراضي، قوله: (أن العمد لا عقل فيه) أي: سواء كان قتلًا أو جرحًا، وإنما يتعين فيه القود أي: إذا لم يكن الجرح من المتالف، وإلا فلا قود فيه، بل في الدية كالآمة، والدامغة ومنقلة الرأس كما مر، قوله: (وجاز صلحه) من إضافة المصدر لفاعله، أي: جاز أن يصالح الجاني ولي الدم، أو المجروح في جناية العمد بأقل... إلخ، قوله: (وقد قدم هذا) إلخ، أي: وحينئذ فما هنا تكرار مع ما تقدم له في باب الصلح.
تنبيه:
لو صالح الجاني ولي الدم على شيء، بشرط أن يرحل من البلد، ولا يعود إليها أصلًا، أو بعد مدة، فأقوال، ابن كنانة: الشرط باطل، والصلح جائز، وقال ابن القاسم: لا يجوز الصلح وينقض ويرجع الدية كاملة، وقال ابن نافع: ينقض الصلح ويقتص، وقال المغيرة: الشرط جائز، والصلح لازم، وكان سحنون يعجبه، قول المغيرة: ويراه حسنًا، فإن التزم القاتل أنه إن عاد للبلد فلهم القود أو الدية كان لهم ذلك، انظر البدر القرافي، قوله: (مال في الذمة) أي: فهو دين، قوله: (فلا يجوز أخذ ذهب) أي: مؤجل عن ورق، وكذا يقال في العكس، قوله: (ولا أحدهما) أي: ولا يجوز أخذ أحدهما، أي: الذهب، أو الورق حال كونه مؤجلًا عن إبل، ومثل أخذ أحدهما مؤجلًا أخذ عرض مؤجل عن إبل، قوله: (ويدخل في الصلح بأقل من الدية: ضع وتعجل) أي: إذا عجل الأقل، قوله: (وجاز بما حل معجلًا) إلخ، أي: وجاز الصلح عن دية الخطأ بحال معجل في جميع الأقسام المذكورة، فيجوز أخذ ذهب معجل عن ورق وعكسه، وكذا أخذ أحدهما معجلًا عن إبل، والمراد بالتعجيل الدفع بالفعل، وإنما يشترط ذلك لأن الحلول من غير تعجيل لا يخرجه عن كونه دينًا، فيلزم المحذور، قوله: (ولا يمضي على عاقلته) أي: بالنسبة لما يلزم العاقلة من الدية؛ لأنه فضولي، وقوله: "كعكسه" أي: بالنسبة لما يلزمه منها.
والحاصل: أن صلحه عنهم فيما يلزمه من دية الخطأ لا يمضي، وصلحهم عن الجاني فيما يلزمه منها لا يمضي ويمضي صلحهم بالنسبة لما ينوبهم، وكذا صلحه يمضي بالنسبة لما ينوبه.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (7/ 311) (المذهب الشافعي)
ثالثًا: الصلح
(ولو) (تصالحا عن القود على) أكثر من الدية، لكنه من جنسها نحو (مائتي بعير) من جنس الواجب وصفته (لغا) الصلح (إن أوجبنا، أحدهما)؛ لأنه زيادة على الواجب، فهو كالصلح من مائة على مائتين (وإلا) بأن أوجبنا القود عينًا (فالأصح الصحة) ويثبت المال، وكذا لو عفا من غير تصالح على ذلك إن قبل الجاني، وإلا فلا، ويبقى القود لما مر أنه اعتياض فتوقف على رضاهما، أما غير الجنس الواجب فقد مر، والثاني: يقول الدية خلفه فلا يزاد عليها.
شرح منتهى الإرادات (3/ 278- 279) (المذهب الحنبلي)
ثالثًا: الصلح
(فإن اختار الولي القود) فله أخذها، والصلح على أكثر منها؛ لأن القصاص أعلى فلا يمتنع عليه الانتقال إلى الأدنى، وتكون الدية بدلًا عن القصاص.
(أو عفا) الولي (عن الدية فقط) أي: دون القصاص (فله أخذها، والصلح على أكثر منها)؛ لأنه لم يعف مطلقًا، وليست هذه الدية هي الواجبة بالقتل، بل بدل عن القصاص (وإن اختارها) ابتداء (تعينت) وسقط القصاص.