البحر الرائق شرح كنز الدقائق (8/ 345) (المذهب الحنفي)
مشروعية القصاص في الأطراف:
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ؛ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ؛ لِأَنَّ الْجُزْءَ يَتْبَعُ الْكُلَّ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (يُقْتَصُّ بِقَطْعِ الْيَدِ مِنَ الْمَفْصِلِ، وَإِنْ كَانَتْ يَدُ الْقَاطِعِ أَكْبَرُ، وَكَذَا الرِّجْلُ وَمَارِنُ الْأَنْفِ وَالْأُذُنُ)؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } [المائدة: 45] أَيْ: ذُو قِصَاصٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ } [المائدة: 45].
الحاوي الكبير (12/ 148) (المذهب الشافعي)
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَى الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ، وَهُوَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ وَاجِبٌ كَوُجُوبِهِ فِي النَّفْسِ؛ لِقَوْلِ اللَّهُ تَعَالَى: { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ } [البقرة: 179]، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } [البقرة: 194]، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } [المائدة: 45]، فَجَمَعَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عُمُومَ الْقِصَاصِ فِيمَا اسْتُحِقَّ مِنَ الوُجُوهِ الثَّلَاثِ، وَهِيَ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ، وَالْقِصَاصُ فِي الْأَطْرَافِ، وَالْقِصَاصُ في الجروح، ولا قصاص فيما عداهما، وَهِيَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا أَوْجَبَ الْأَرْشَ دُونَ الْقِصَاصِ، إِمَّا بِمُقَدَّرٍ كَالْجَائِفَةِ، أَوْ بِغَيْرِ مُقَدَّرٍ كَالْحَارِضَةِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا لَا يُوجِبُ أَرْشًا وَلَا قِصَاصًا، كَالضَّرْبِ الَّذِي لَا أَثَرَ لَهُ فِي الْجَسَدِ، فَصَارَتِ الْجِنَايَاتُ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ، يَجِبُ الْقِصَاصُ مِنْهَا فِي ثَلَاثَةٍ، وَالْأَرْشُ فِي أَرْبَعٍ، وَالْعَفْوُ عَنْهُ فِي الْخَامِسِ، وَفِيهِ يَسْتَحِقُّ التَّعْزِيرَ أَدَبًا.
شرح منتهى الإرادات (10/ 282) (المذهب الحنبلي)
هذا (باب ما يوجب القصاص فيما دون النفس)، وهو معقود لأحكام القود فيما ليس بقتل من الجراح وقطع الأعضاء ونحو ذلك، وذلك هو المذكور في قوله سبحانه وتعالى: { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } [المائدة: 45]، فدل ذلك على أن كل واحد من هذه الأعضاء يؤخذ بمثله، وقد بينه صلى الله عليه وسلم منصوصًا عليه، فروى أنس رضي الله عنه، أن الربيع عمته كسرت ثنية جارية، فطلبوا لها العفو، فأبوا، فعرضوا الأرش، فأبوا، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبوا إلا القصاص، فأمر رسول صلى الله عليه وسلم بالقصاص، فقال أنس بن النضر: يا رسول الله، تكسر ثنية الربيع؟ لا والذي بعثك نبيًّا لا تكسر ثنيتها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أنس، كتاب الله القصاص"، فرضي القوم فعفوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره"، رواه الجماعة إلا مسلمًا والترمذي، فنص رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كتاب الله في كسر السن القصاص؛ لأن حرمة النفس أقوى من حرمة الطرف؛ بدليل أن الكفارة تجب في النفس دون الطرف، وإذا جرى القصاص في النفس مع تأكد حرمتها فلأن يجري في الطرف أولى.