رد المحتار على الدر المختار (5/ 549-550) (المذهب الحنفي).
(وقضى) القاضي (عليه بنكوله مرة) لو نكوله (في مجلس القاضي) حقيقة (بقوله: لا أحلف) أو حكمًا كأن (سكت) وعلم أنه (من غير آفة) كخرس وطرش في الصحيح سراج وعرض اليمين ثلاثًا، ثم القضاء أحوط، (وهل يشترط القضاء على فور النكول، خلاف) درر، ولم أر فيه ترجيحًا، قاله المصنف.
قلت: قدمنا أنه يفترض القضاء فورًا إلا في ثلاث.
(قضي عليه بالنكول، ثم أراد أن يحلف لا يلتفت إليه، والقضاء على حاله) ماض، درر...
قوله: (في الصحيح) أي: على قول الثاني الذي عليه الفتوى، كما تقدم.
قوله: (وعرض اليمين) هو مبتدأ، وقوله: "أحوط" خبر عنه، قوله: (أحوط) أي: ندبًا، وعن أبي يوسف ومحمد: أن التكرار حتم حتى لو قضى القاضي بالنكول مرة لا ينفذ، والصحيح أنه ينفذ، س.
قوله: (وهل يشترط) الأولى: يفترض، قوله: (قاله المصنف) قال الرملي في حاشية المنح: تقدم أنه ينزل منكرًا على قولهما، وعلى قول أبي يوسف إلى أن يجيب، ولكن الأول فيما إذا لزم السكوت ابتداء، ولم يجب عند الدعوى بجواب، وهذا فيما إذا أجاب بالإنكار ثم لزم السكوت، تأمل.
قوله: (قدمنا) أي: في كتاب القضاء. ح.
قوله: (لا يلتفت إليه) أما لو أقام بينة بعده فتقبل، كما يأتي قريبًا.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (4/ 332-333) (المذهب المالكي).
(وإن) (نكل) المدعى عليه حيث توجهت عليه اليمين (في مال وحقه) أي: المال، أي: ما يؤول إليه كخيار وأجل (استحق) الطالب (به) أي: بالنكول بيمين من الطالب، أي: معه، لا بمجرد النكول، هذا (إن حقق) المدعي ما ادعى به، فالتحقق قيد في يمينه، فإن لم يحلف سقط حقه، وأما لو كان موجب توجه اليمين التهمة لاستحق المدعي بمجرد النكول؛ لأن يمين التهمة لا ترد (وليبين الحاكم) للمدعى عليه (حكمه) أي: حكم النكول، أي: ما يترتب عليه في دعوى التحقيق أو التهمة، بأن يقول له في التحقيق: إن نكلت حلف المدعي، واستحق، وفي الاتهام إن نكلت استحق بمجرد نكولك، والبيان شرط في صحة الحكم كالأعذار في محله للمدعى عليه (ولا يمكن) من توجهت عليه يمين (منها: إن نكل) أولًا بأن قال: لا أحلف، أو قال لخصمه: احلف أنت وخذ (بخلاف مدع التزمها) مع شاهد أو مدعى عليه التزمها حيث توجهت عليه بأن قال: لا أحلف (ثم رجع) وقال: لا أحلف، فله الرجوع، وتحليف خصمه، ولا يكون التزامه لها موجبًا لعدم رجوعه.
(وإن) (ردت) يمين (علي مدع) أو مدعى عليه من مقيم شاهد في مال (وسكت) من ردت عليه (زمنًا) لم يقض العرف بأنه نكول فيما يظهر (فله الحلف) ولا يعد سكوته نكولًا، وهذا مفهوم إن نكل، فلو قال: وإن سكت من توجهت عليه زمنًا فله الحلف لكان أظهر وأشمل؛ لشموله للمدعي والمدعى عليه ومن ردت عليه وغيره...
قوله: (هذا) أي: حلف الطالب اليمين، قوله: (وأما لو كان موجب توجه اليمين) أي: التي نكل عنها المدعى عليه، وقوله: "التهمة" أي: بناء على أن يمين التهمة تتوجه، وهو المعتمد، والحاصل: أنه اختلف في توجه يمين التهمة، فمذهب المدونة في تضمين الصناع والسرقة أنها تتوجه، وهو قول ابن القاسم، وقال أشهب: لا تتوجه، وعلى الأول فالمشهور أنها لا تنقلب، بل يغرم المطلوب بمجرد النكول، وفي سماع عيسى من كتاب الشركة أنها تنقلب، ثم إنه على توجه يمين التهمة تتوجه، ولو كان المدعى عليه ليس من أهل الاتهام؛ لأن المراد بالتهمة ما قابل التحقيق، انظر بن.
قوله: (وليبين الحاكم) أي: وكذلك المحكم، قوله: (شرط في صحة الحكم) أي: خلافًا لمن قال باستحبابه كابن شاس وابن الحاجب، ومحل طلب القاضي بالبيان المذكور إذا كان القاضي لا يعرف المدعى عليه أو يعرفه ويعرف منه الجهل، وأما إذا كان يعرفه ويعرف منه العلم فلا يطالب بالبيان له، قوله: (من توجهت عليه يمين) أي: سواء كان مدعيًا أو مدعى عليه كما في التوضيح، فالأول: كما لو وجد المدعي شاهدًا وامتنع من الحلف معه وطلب تحليف المدعى عليه، والثاني: كما لو عجز المدعي عن البينة وطلبت اليمين من المدعى عليه فنكل، وقال: لا أحلف، قوله: (إن نكل) أي: عند السلطان أو القاضي أو المحكم فقط، قوله: (أو مدعى عليه) أشار الشارح إلى أن قول المصنف: "مدع" لا مفهوم له، ولو قال المصنف: بخلاف من التزمها ثم رجع، كان أخصر وأشمل، وصورة المدعي: أن يدعي زيد على عمرو بحق وأقام شاهدًا واحدًا فقيل له: احلف مع شاهدكن فرضي والتزم بالحلف، ثم رجع عن الحلف، وقال: لي شاهد ثان، أو يحلف المدعى عليه فإنه يمكن من الرجوع، وصورة المدعى عليه: أن يدعي زيد على عمرو بحق ولا بينة لذلك المدعي فطلبت اليمين من عمرو والمدعى عليه فقال: احلف ورضي باليمين والتزمها، ثم إنه رجع عنها وقال: أنا لي بينة بالدفع، أو قال: لا أحلف يحلف المدعي وأنا أغرم له فإنه يمكن من الرجوع عن اليمين؛ وذلك لأن التزامه لا يكون أشد من إلزام الله له، فإذا كان له أن يرد اليمين ابتداء على المدعي مع إلزام الله له باليمين، فأحرى أن يردها عليه مع التزامه هو لها، قوله: (فله الرجوع) الأنسب: فيمكن من الرجوع، أي: عن التزامه اليمين، وحينئذ فله تحليف خصمه.
قوله: (وسكت زمنًا) إلخ، وأولى لو طلب المهلة ليتروى في الإقدام عليها والإحجام، ثم طلب الحلف بعد ذلك.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (8/ 357-358) (المذهب الشافعي).
(وإذا) (أنكر) مدعى عليه فأمر بالحلف فامتنع (ونكل) عن اليمين (حلف المدعي) بعد أمر القاضي له اليمين المردودة إن كان مدعيًا عن نفسه؛ لتحول اليمين إليه (وقضى له) بالمدعى به، أي: مكن منه فقد صرح في الروضة بأنه لا يحتاج بعد اليمين إلى القضاء له به (ولا يقضي) له (بنكوله) أي: الخصم وحده وما ذهب إليه أبو حنيفة وأحمد من القضاء به وحده رد بنقل مالك - رضي الله عنه - في موطئه الإجماع قبلهما على خلاف قولهما، وصح أنه - صلى الله عليه وسلم - رد اليمين على صاحب الحق.
(والنكول) يحصل بأمور، منها: (أن يقول) بعد عرض اليمين عليه: (أنا ناكل، أو يقول له القاضي: احلف، فيقول: لا أحلف)؛ لصراحتهما فيه، ومن ثم لو طلب العود إلى الحلف ولم يرض المدعي لم يجب كما اعتمده، وإن نازع فيه جمع، ورجح البلقيني اعتبار الحكم؛ لكونه مجتهدًا فيه، ومن النكول أيضًا: أن يقول له: قل بالله، فيقول: بالرحمن، كما أطلقوه، نعم يتجه تقييده؛ أخذًا مما يأتي فيمن توسم فيه الجهل بإصراره على ذلك بعد علمه بوجوب امتثال أمر الحاكم، وكلامهم هنا صريح في الاكتفاء بالحلف بالرحمن، وهو ظاهر، خلافًا للبلقيني، ولو قال له: قل بالله، فقال: والله، أو تالله، ففيه وجهان، أرجحهما: أنه غير ناكل كعكسه؛ لوجود الاسم، والتفاوت إنما هو في مجرد الصلة فلم يؤثر، ولو امتنع من التغليظ في شيء مما مر كان ناكلًا، خلافًا للبلقيني (فإن) (سكت) بعد عرض اليمين عليه لا لنحو دهشة (حكم القاضي بنكوله) بأن يقول له: جعلتك ناكلًا، أو نكَّلتك بالتشديد؛ لامتناعه، ولا يصير هنا ناكلًا من غير حكم؛ لأن ما صدر منه ليس صريح نكول، ويندب أن يعرضها الحاكم عليه ثلاثًا، وهو في الساكت آكد، ولو توسم منه جهل حكم النكول وجب عليه تعريفه، بأن يقول له: إن نكولك يوجب حلف المدعِي وأنه لا تسمع بينتك بعده بإبراء أو نحوه، فلو حكم عليه ولم يعرفه نفذ؛ إذ هو المقصر بعدم تعلمه حكم النكول (وقوله) أي: القاضي (للمدعي) بعد امتناع المدعى عليه أو سكوته: (احلف) وإقباله عليه ليحلفه وإن لم يقل: احلف (حكم) منه (بنكوله) أي: منزل منزلة حكمه به، فليس للمدعى عليه أن يحلف إلا إن رضي المدعي، وبما تقرر هنا وفيما مر علم أن للخصم بعد نكوله العود إلى الحلف وإن كان قد هرب وعاد ما لم يحكم بنكوله حقيقة أو تنزيلًا وإلا لم يعد له إلا برضا المدعي، فإن لم يحلف لم يكن للمدعي الحلف في يمين مردودة لتقصيره برضاه بحلفه، ولو هرب الخصم من مجلس الحكم بعد نكوله وقبل عرض الحاكم اليمين على المدعي امتنع على المدعي حلف المردودة، على ما قاله الرافعي عن البغوي، وله طلب حلف غريمه بعد إقامة شاهد واحد، وحينئذ فلا تنفعه إلا البينة الكاملة؛ لتقصيره، ولو نكل في جواب وكيل المدعين ثم حضر الموكل فله تحليفه من غير تجديد دعوى.