رد المحتار على الدر المختار (3/ 235) (المذهب الحنفي)
(ولو عبدًا أو مكرهًا) فإن طلاقه صحيح لا إقراره بالطلاق...
قوله: (فإن طلاقه صحيح) أي: طلاق المكره، وشمل ما إذا أكره على التوكيل بالطلاق، فوكل، فطلق الوكيل، فإنه يقع، بحر، قال محشيه الخير الرملي: مثله العتاق، كما صرحوا به، وأما التوكيل بالنكاح فلم أر من صرح به، والظاهر أنه لا يخالفهما في ذلك؛ لتصريحهم بأن الثلاث تصح مع الإكراه استحسانًا، وقد ذكر الزيلعي في مسألة الطلاق أن الوقوع استحسان، والقياس أن لا تصح الوكالة؛ لأن الوكالة تبطل بالهزل، فكذا مع الإكراه كالبيع وأمثاله، وجه الاستحسان: أن الإكراه لا يمنع انعقاد البيع، ولكن يوجب فساده، فكذا التوكيل ينعقد مع الإكراه، والشروط الفاسدة لا تؤثر في الوكالة؛ لكونها من الإسقاطات، فإذا لم تبطل فقد نفذ تصرف الوكيل اهـ، فانظر إلى علة الاستحسان في الطلاق تجدها في النكاح، فيكون حكمهما واحدًا، تأمل اهـ.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (2/ 367) (المذهب المالكي)
(أو) (أكره) على إيقاعه، فلا يلزمه شيء في فتوى ولا قضاء؛ لخبر مسلم: «لا طلاق في إغلاق» أي: إكراه، بل لو أكره على واحدة فأوقع أكثر فلا شيء عليه؛ لأن المكره لا يملك نفسه كالمجنون، أي: ولم يكن قاصدًا بطلاقه حل العصمة باطنًا، وإلا لوقع عليه، واعلم أن الإكراه إما شرعي أو غيره، ومذهب المدونة الذي به الفتوى: أن الإكراه الشرعي طوع يقع به الطلاق جزمًا خلافًا للمغيرة، كما لو حلف بالطلاق لا خرجت زوجته، فأخرجها قاض لتحلف عند المنبر، وكما لو حلف في نصف عبد يملكه لا باعه فأعتق شريكه نصفه، فقوم عليه نصيب الحالف، وكمل به عتق الشريك، أو حلف لا اشتراه فأعتق الحالف نصيبه، فقوم عليه نصيب شريكه؛ لتكميل عتقه، لزمه الطلاق على المذهب، والمصنف - رحمه الله - اختار مذهب المغيرة، ورد بلو مذهب المدونة الراجح بقوله: (ولو بـ كتقويم جزء العبد) الذي حلف لا باعه أو لا اشتراه، وكان الصواب العكس، وأدخلت الكاف كل ما كان الإكراه فيه شرعيًّا (أو في فعل) داخل في حيز المبالغة، أي: فلا يحنث، كحلفه بطلاق لا أدخل دارًا فأكره على دخولها، أو حُمل وأدخلها مكرهًا، خلافًا لابن حبيب القائل بالحنث في الإكراه الفعلي، وهو مقيد بما إذا كانت صيغة بر كما مثلنا، فإن كانت صيغة حِنْث نحو: إن لم أدخل الدار فهي طالق، فأكره على عدم الدخول، فإنه يحنث، كما قدمه في اليمين، حيث قال: ووجبت به إن لم يكره ببر، ومقيد بما إذا لم يأمر الحالف غيره أن يكرهه، وبما إذا لم يعلم أنه سيكره، وبما إذا لم يقل في يمينه: لا أدخلها طوعًا ولا كرهًا، وأن لا يفعله بعد زوال الإكراه، حيث كانت يمينه غير مقيدة بأجل (إلا أن يترك) المكره على التلفظ بالطلاق (التورية مع معرفتها) وعدم دهشته بالإكراه، والمراد بها الإتيان بلفظ فيه إيهام على السامع، كأن يقول: هي طالق، ويريد: مِن وثاق، أو وَجِعَة بالطَّلْق، فإن تركها مع معرفتها حَنِثَ، والمذهب عدم الحنث، ولو عرفها وترك، والإكراه الذي لا حنث معه يكون (بخوف مؤلم)، ويكفي غلبة الظن، ولا يشترط تيقنه، وبين المؤلم بقوله: (من قتل أو ضرب) وإن قل (أو سجن) ظلمًا (أو قيد) ولو لم يطل (أو صفع) بكف في قفا (لذي مروءة) بفتح الميم في الأفصح وضمها (بملأ) أي: جماعة من الناس، لا في خلوة، ولا غير ذي مروءة، أي: إن قل، فإن كثر فإكراه مطلقًا (أو قتل ولده) وإن سفل، وكذا بعقوبته إن كان بارًّا (أو) بأخذ (لماله)، أو بإتلافه.
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (6/ 445) (المذهب الشافعي)
(ولا يقع طلاق مكره) بغير حق، كما لا يصح إسلامه؛ لخبر: «لا طلاق في إغلاق» أي: إكراه، رواه أبو داود، والحاكم، وصحح إسناده على شرط مسلم، ولأنه قول لو صدر منه باختياره لحنث به، وصح إسلامه، فإذا أكره عليه بباطل لغا، كالردة، وحينئذ فلو كان الطلاق معلقًا على صفة، ووجدت بإكراه بغير حق لم تنحل بها كما لم يقع بها، أو بحق حنث وانحلت، كما يؤخذ من كلامهم، وأفتى به الوالد - رحمه الله تعالى – نعم، تقدم في شروط الصلاة أنه لو تكلم فيها مكرهًا بطلت؛ لندرة الإكراه فيها، ولو أكرهه على طلاق زوجة نفسه؛ لأنه أبلغ في الإذن، وكذا لو نوى المكره الإيقاع، لكنه الآن غير مكره، ومن الإكراه - كما هو ظاهر - ما لو حلف ليطأنها قبل نومه، فغلبه النوم بحيث لم يستطع رده، بشرط أن لا يتمكن منه قبل غلبته بوجه، (فإن ظهر قرينة اختيار بأن) هي بمعنى كأن، والمصنف يستعمل ذلك في كلامه كثيرًا (أكره) على طلاق إحدى امرأتيه مبهمًا فعين، أو معينًا فأبهم، أو (على ثلاث فوحد، أو صريح أو تعليق فكنى أو نجز، أو على) أن يقول: (طلقت فسرح، أو بالعكوس) أي: على واحدة فثلث، أو كناية فصرح، أو تنجيز فعلق، أو تسريح فطلق (وقع) لاختياره المأتي به.
واعلم أنه لا فرق بين الإكراه الحسي والشرعي، فلو حلف ليطأن زوجته الليلة فوجدها حائضًا أو لتصومن غدًا، فحاضت فيه، أو ليبيعن أمته اليوم فوجدها حاملًا منه لم يحنث، وكذا لو حلف ليقضين زيدًا حقه في هذا الشهر، فعجز عنه، كما يأتي، بخلاف من حلف ليعصين الله وقت كذا، فلم يعصه، حيث حنث؛ بدليل ما لو حلف لا يصلي الظهر مثلًا فصلاه حنث.
والحاصل أنه حيث خص يمينه بالمعصية، أو أتى بما يعمها، قاصدًا دخولها، ودلت عليه قرينة، كما يأتي في مسألة مفارقة الغريم، فإن ظاهر المخاصمة والمشاحة فيها أنه أراد لا يفارقه وإن أعسر حنث، بخلاف ما لو أطلق، ولا قرينة، فيحمل على الجائز؛ لأنه الممكن شرعًا، والسابق إلى الفهم.
شرح منتهى الإرادات (3/ 75) (المذهب الحنبلي)
(ولا) يقع الطلاق (ممن أكره على الطلاق ظلمًا)؛ للخبر، فإن أكره عليه بحق كحاكم يكره موليًا بعد التربص، وأبى الفيئة ونحوه وقع (بعقوبة) متعلق بإكراه كضرب، وخنق، وعصر ساق، ونحوه، ولا يرفع ذلك عنه حتى يطلق فما فات منه لا إكراه به؛ لانقضائه (أو تهديد له، أو ولده من قادر) على ما هدده به (بسلطنة أو تغلب كلص ونحوه) كقاطع طريق (بقتل) متعلق بتهديد (أو قطع طرف أو ضرب) كثير، قال الموفق والشارح: فإن كان يسيرًا في حق من لا يبالي به فليس بإكراه، وإن كان في ذوي المروآت على وجه يكون إخراقًا لصاحبه، وغضاضة وشهرة في حقه، فهو كالضرب الكثير في حق غيره (أو حبس أو أخذ مال يضره) أخذه منه ضررًا (كثيرًا)، فإن لم يضره كذلك فليس إكراهًا (وظن) المكره إيقاعه، أي: ما هدده به مما ذكر (فطلق تبعًا لقوله) أي: المكره بكسر الراء؛ لحديث عائشة مرفوعًا: «لا طلاق ولا عتق في إغلاق» رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والإغلاق: الإكراه؛ لأن المكره مغلق عليه في أمره مضيق عليه في تصرفه كمن أغلق عليه باب، ولأنه قول حمل عليه بلا حق أشبه كلمة الكفر، وتجب الإجابة مع التهديد بقتل أو قطع طرف من قادر تغلب على الظن إيقاعًا به إن لم يطلق؛ لئلا يلقي بيده إلى التهلكة المنهي عنه، وروى سعيد وأبو عبيد أن رجلًا على عهد عمر رضي الله عنه تدلى في حبل ليشتار عسلًا، فأقبلت امرأته، فجلست على الحبل، فقالت: لتطلقها ثلاثًا وإلا قطعت الحبل.، فذكرها الله سبحانه والإسلام، فأبت فطلقها ثلاثًا، ثم خرج إلى عمر رضي الله عنه، فذكر ذلك له، فقال له: "ارجع إلى أهلك، فليس هذا طلاقًا".