تطهير الاناء إذا ولغ فيه الكلب من كتاب البحر الرائق شرح كنز الدقائق (1/ 134) (المذهب الحنفي)
تطهير الإناء من ولوغ الكلب:
أما سؤر الكلب فهو طاهر عند مالك ومن تبعه، ولكن يغسل الإناء منه سبعًا تَعبُّدًا. وقال الشافعي: إنه نجس ويغسل الإناء منه سبعًا إحداهن بالتراب؛ لما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «يغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات أولاهن وأخراهن بالتراب». رواه الأئمة الستة في كتبهم وفي لفظ لمسلم وأبي داود «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات». ورواه أيضًا مسلم من حديث أبي هريرة «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات». روى مالك في الموطأ عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات». قال ابن عبد البر: إن حديث أبي هريرة تواترت طرقه وكثرت عنه والأمر بالإراقة دليلٌ التنجس وكذا الطهور؛ لأنه مصدر بمعنى الطهارة فيستدعي سابقيه الحدث أو الخبث ولا حدث في الإناء فتعين الثاني؛ ولأنه متى دار الحكم بين كونه تعبديًّا ومعقولَ المعنى كان جعله معقول المعنى هو الوجه لندرة التعبد وكثرة التعقل ولنا قوله -صلى الله عليه وسلم-: «يغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثًا». وروي عن أبي هريرة فعلًا وقولًا مرفوعًا وموقوفًا من طريقتين: الأول: أخرجه الدارقطني بإسناد صحيح عن عطاء عن أبي هريرة: «إذا ولغ الكلب في الإناء فأهرقه ثم اغسله ثلاث مرات». وأخرجه بهذا الإسناد عن أبي هريرة أنه قال: «إذا ولغ الكلب في الإناء أهرقه وغسل ثلاث مرات». قال الشيخ تقي الدين في الإلمام: هذا إسناد صحح الطريق الثاني أخرجه ابن عدي في الكامل عن الحسين بن علي الكرابيسي بسنده إلى عطاء عن أبي هريرة قال: قال: رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه وليغسله ثلاث مرات». ولم يرفعه غير الكرابيسي قال ابن عدي: قال لنا أحمد الحسين الكرابيسي يسأل عنه وله كتب مصنفة ذكر فيها اختلاف الناس من المسائل، وذكر فيها أخبارًا كثيرة وكان حافظًا لها، ولم أجد له منكرًا غير هذا الحديث، والذي حمل أحمد بن حنبل عليه إنما هو من أجل اللفظ بالقرآن، فأما في الحديث فلم أر به بأسا اهـ. ومن المعلوم أن الحكم بالضعف والصحة إنما هو في الظاهر، أما في نفس الأمر فيجوز صحة ما حكم بضعفه ظاهرًا، وثبوت كون مذهب أبي هريرة ذلك كما تقدم بالسند الصحيح قرينة تفيد أن هذا مما أجاده الراوي المضعف وحينئذ يعارض حديث السبع ويقدم عليه؛ لأن مع حديث السبع دلالة التقدم للعلم بما كان من التشديد في أمر الكلاب أول الأمر حتى أمر بقتلها والتشديد في سؤرها، يناسب كونه إذ ذاك وقد ثبت نسخ ذلك، فإذا عارض قرينه معارضٌ كانت التقدمة له، ولو طرحنا الحديث بالكلية كان في عمل أبي هريرة على خلاف حديث السبع، وهو رواية كفاية لاستحالة أن يترك القطعي بالرأي منه، وهذا؛ لأن ظنية خبر الواحد إنما هو بالنسبة إلى غير راويه، فأما بالنسبة إلى راويه الذي سمعه من في النبي -صلى الله عليه وسلم- فقطعي حتى ينسخ به الكتاب إذا كان قطعي الدلالة في معناه؛ فلزم أنه لا يتركه إلا لقطعه بالناسخ، إذ القطعي لا يترك إلا لقطعي، فبطل تجويزهم تركه بناء على ثبوت ناسخ في اجتهاده المحتمل للخطأ، وإذا علمت ذلك كان تركه بمنزلة روايته للناسخ بلا شبهة، فيكون الآخر منسوخًا بالضرورة كذا في فتح القدير، وقال الطحاوي: ولو وجب العمل برواية السبع ولا يجعل منسوخًا؛ لكان ما روى عبد الله بن المغفل في ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أولى مما روى أبو هريرة، لأنه زاد عليه «وعفروا الثامنة بالتراب». والزائد أولى من الناقص، فكان ينبغي للمخالف أن يعمل بهذه الزيادة، فإن تركها لزمه ما لزم خصمه في ترك السبع، ومالك لم يأخذ بالتعفير الثابت في الصحيح مطلقًا فثبت أنه منسوخ اهـ. وحديث عبد الله بن المغفل مجمع على صحته ورواه مسلم وأبو داود فكان الأخذ بروايته أحوط، وقد روي عن أبي هريرة: «إذا ولغ السنور في الإناء يغسل سبع مرات». ولم يعملوا به، وكل جواب لهم عن ذلك فهو جوابنا عما زاد على الثلاث، أو يحمل ما زاد على الثلاث على الاستحباب، ويؤيده ما روى الدارقطني عن أبي هريرة عنه -صلى الله عليه وسلم- في «الكلب يلغ في الإناء أنه يغسل ثلاثا أو خمسًا أو سبعًا» فخيره، ولو كان التسبيع واجبًا لما خيره. ثم اعلم أن الطحاوي والوبري نقلا أن أصحابنا لم يحدوا لغسل الإناء منه حدًّا، بل العبرة لأكبر الرأي، ولو بمرة كما هو الحكم في غسل غيره من النجاسات ذكره الطحاوي في كتاب اختلاف العلماء، وهو مخالف لما في الهداية وغيرها؛ أنه يغسل الإناء من ولوغه ثلاثًا، وهو ظاهر الحديث الذي استدلوا به، وسيأتي بيان أن الثلاث هل هي شرط في إزالة الأنجاس أو لا -إن شاء الله تعالى- وفي النهاية الولوغ حقيقة شرب الكلب المائعات بأطراف لسانه، وفي شرح المهذب أن الماضي والمضارع بفتح العين تقول: ولَغ يلَغ. وقد قدمنا أن سؤر الكلب نجس عند أصحابنا جميعًا أما على القول بنجاسة عينه فظاهر، وأما على القول المصحح بطهارة عينه؛ فلأن لحمه نجس ولعابه متولد من لحمه ولا يلزم من طهارة عينه طهارة سؤره لنجاسة لحمه، ولا يلزم من نجاسة سؤره نجاسة عينه، وإنما يلزم من نجاسة سؤره نجاسة لحمه المتولد منه اللعاب كما صرح به في التجنيس وفتح القدير وغيرهما، وسيأتي إيضاحه في الكلام على سؤر السباع والمذكور في كتب الشافعية كالمهذب أنه لا فرق بين الولوغ ووضع بعض عضو في الإناء، ولم أرَ هذا في كتبنا والذي يقتضيه كلامهم على القول بنجاسة عينه تنجس الماء، وعلى القول بطهارة عينه عدمُ تنجسه أخذًا من قولهم: إذا ولغ الكلب في البئر كما قدمناه؛ لأن ماء البئر في حكم الماء القليل كماء الآنية كما قدمناه، ولا فرق بين ولوغ كلب أو كلبين في الاكتفاء بالثلاث؛ لأنَّ الثاني لم يوجب تنجسًا كما لا يخفى، وإذا ولغ الكلب في طعام فالذي يقتضيه كلامهم أنه إن كان جامدًا قور ما حوله وأكل الباقي، وإن كان مائعًا انتفع به في غير الأبدان كما قدمناه، وأما سؤر الخنزير؛ فلأنه نجس العين لقوله تعالى: { أو لحم خنزير فإنه رجس } [الأنعام: 145]، والرجس: النجس، والضمير عائدٌ إليه لقربه، وقد بسطنا الكلام فيه في الكلام على جلده.
تطهير الاناء من ولوغ الكلب من كتاب حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (1/ 118) (المذهب المالكي)
تطهيرُ الإناء من ولوغ الكلب:
وندب غسل إناء ماء ويراق لا طعام وحوض تعبدًا سبعًا بولوغ كلبٍ مطلقًا لا غيره.
(ش) يعني أن الكلب سواء كان منهيًّا عن اتخاذه أو مأذونًا فيه واحدًا أو متعدِّدًا إذا ولغ في إناء ماء؛ أي شرب منه، فإنه يستحب أن يراق الماء المولوغ فيه، ويستحب أن يغسل الإناء سبع مرات تعبدًا على المشهور؛ لطهارة الكلب. وقيل: لقذارته. وقيل: لنجاسته. فلو كان المولوغ فيه طعامًا أو حوض ماء فلا تستحب الإراقة، ولا الغسل؛ لأنَّ الغسل إنما جاء في الإناء فبقي غيره على الأصل؛ لأن أواني الطعام مصانة في العادة بخلاف أواني الماء تبتذل أوانيه غالبًا، ولأن الولوغ مختص بالماء؛ فقوله: لا طعام وحوض بالجر عطف على ماء، وهما مفهوما إناء ماء على النشر المعكوس، ونصب تعبُّدًا على أنه مفعولٌ لأجله، وسبعًا على أنه مفعول مطلق لغسل، وهو صفة لمصدر محذوف والتقدير غسلا سبعًا، أي ذا سبع أي ذا مرات سبع، وقوله بولوغ كلب لا خنزير أو سبع فلا يستحب الغسل ولو نشأ ولد من كلب وغيره؛ فالأحوط الغسل، ولا يبعد تبعيته للأم؛ لقوله: وكل ذات رحم فولدها بمنزلتها. ولو لعق الكلب في الإناء من غير ماء لا يستحب غسله.
(ص) عند قصد الاستعمال بلا نية ولا تتريب ولا يتعدد بولوغ كلب أو كلاب.
(ش) أي إن الأمر بالغسل لا يكون إلا عند قصد استعمال ذلك الإناء على المشهور، وعزاه ابن عرفة للأكثر ولرواية عبد الحق، وقيل: يؤمر بالغسل بفور الولوغ، ويكفي الغسل المذكور بلا نية ولا تتريب؛ لأنه لم يثبت في كل الروايات أو لاضطراب رواياته ولا يتعدد الغسل المذكور بولوغ كلب مرات في الإناء أو جماعة كلاب؛ لأن الأسباب إذا تساوت موجباتها اكتفي بواحد، كتعدد نواقض الوضوء، ولو قال بولوغ كلب فأكثر لاستغنى عن قوله بعد، ولا يتعدد بولوغ كلب أو كلاب، ولو أدخل يده أو غيرها من الأعضاء أو لسانه من غير تحريك أو سقط لعابه فلا يغسل.
تطهير الاناء من ولوغ الكلب من كتاب نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (1/ 235) (المذهب الشافعي)
تطهير الإناء من ولوغ الكلب:
(وكلب) ولو معلَّمًا؛ لخبر الصحيحين: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات». وخبر مسلم: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب».
وجه الدلالة: أن الماء لو لم يكن نجسًا لما أمرنا بإراقته؛ لما فيه من إتلاف المال المنهي عن إضاعته، والأصل عدم التعبد إلا لدليل، وأن الطهارة تستعمل إما عن حدث أو خبث، ولا حدث على الإناء فتعين طهارة الخبث فثبتت نجاسة فمه، وهو أطيب أجزائه، بل هو أطيب الحيوان نكهة لكثرة ما يلهث، فبقيتها أولى وإراقة ما ولغ فيه واجبة إن أريد استعمال الإناء، وإلا فمستحبة كسائر النجاسات إلا الخمرة غير المحترمة فتجب إراقتها فورًا لطلب النفس تناولها.
الاناء إذا ولغ فيه الكلب من كتاب شرح منتهى الإرادات (1/ 103) (المذهب الحنبلي)
تطهير الإناء من ولوغ الكلب:
(و) يشترط (كون إحداها)؛ أي: السبع غسلات (في متنجس بكلب أو) متنجس بـ(خنزير أو متولد) منهما أو (من أحدهما)؛ أي: الكلب والخنزير، (بترابٍ طهور)؛ لحديث مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا أولاهن بالتراب». ولا يكفي تراب نجس، ولا مستعمل (يستوعب)؛ أي يعم التراب (المحل) المتنجس. لأنه إنْ لم يعمه لم تكن غسلة (إلا فيما) أي محل (يضره) التراب (فيكفي مسماه) أي ما يسمى ترابًا؛ دفعًا للضرر (ويعتبر مائعًا يوصله) أي التراب (إليه) أي المحل النجس، فلا يكفي أن يذره عليه ويتبعه الماء.
تطهير النعل إذا أصابته نجاسة من كتاب رد المحتار على الدر المختار (1/ 309) (المذهب الحنفي)
تطهير النعل إذا أصابته نجاسة:
(ويطهر خف ونحوه) كنعل (تنجس بذي جرم) هو كل ما يرى بعد الجفاف، ولو من غيرها كخمر وبول أصابه تراب به، يفتى بدلك يزول به أثرها؛ (وإلا) جرم لها كبول فيغسل... قوله: (ويطهر خف ونحوه): احتراز عن الثوب والبدن؛ فلا يطهران بالدلك إلا في المني؛ وتمامه في البحر؛ وأطلقه فشمل ما إذا أصاب النجس موضع الوطء وما فوقه؛ وهو الصحيح كما في حاشية الحموي. قوله: (كنعل) ومثله الفرو. اهـ. ح عن القهستاني والحموي: أي: من غير جانب الشعر؛ وقيد النعل في النهر بغير الرقيق، ولم أره لغيره. وأما قول البحر: قيده أبو يوسف بغير الرقيق؛ فالمراد به النجس ذو الجرم؛ ومثل له في المعراج بالخمر والبول، فالضمير في عبارة البحر للنجس لا للنعل. قوله: (بذي جرم)، أي: وإن كان رطبًا على قول الثاني؛ وعليه أكثر المشايخ؛ وهو الأصح المختار؛ وعليه الفتوى لعموم البلوى؛ ولإطلاق حديث أبي داود: «إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر، فإن رأى في نعله أذًى أو قذرًا فليمسحه وليصل فيهما». كما في البحر وغيره. قوله: (هو كل ما يرى بعد الجفاف)، أي: على ظاهر الخف كالعذرة والدم، وما لا يرى بعد الجفاف فليس بذي جرم بحر. ويأتي تمامه قريبًا. قوله: (ولو من غيرها)؛ أي: ولو كان الجرم المرئي من غير النجاسة. قوله: (كخمر وبول إلخ)، أي: بأن ابتل الخف بخمر فمشى به على رمل أو رماد فاستجسد فمسحه بالأرض حتى تناثر طهر، وهو الصحيح بحر عن الزيلعي. أقول: ومفاده أن الخمر والبول ليس بذي جرم مع أنه قد يرى أثره بعد الجفاف، فالمراد بذي الجرم ما تكون ذاته مشاهدة بحس البصر، وبغيره ما لا تكون كذلك كما سنذكره مع ما فيه من البحث عند قوله: "وكذا يطهر محل نجاسة مرئية". قوله: (بدلك) أي: بأن يمسحه مسحًا قويًّا. ط ومثل الدلك الحك والحت على ما في الجامع الصغير. وفي المغرب: الحت القشر باليد أو العود. قوله: (يزول به أثرها) أي: إلا أن يشق زواله نهر. قوله: (وإلا جرم لها) أي: وإن كانت النجاسة المفهومة من المقام لا جرم لها. قوله: (فيغسل) أي: الخف. قال في الذخيرة: والمختار أن يغسل ثلاث مرات ويترك في كل مرة حتى ينقطع التقاطر وتذهب النداوة، ولا يشترط اللبس.
النعل إذا أصابته النجاسة من كتاب حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (1/ 75) (المذهب المالكي)
تطهير النعل إذا أصابته نجاسة:
(و) عفي عن مصيب (خف ونعل من روث دواب) حمار وفرس وبغل (وبولها) بموضع يطرقه الدواب كثيرًا (إن دلكا) بتراب أو حجر أو نحوه؛ حتى زالت العين، وكذا إن جفت بحيث لم يبق شيء يخرجه الغسل سوى الحكم، (لا) من (غيره) أي غير ما ذكر من روث وبول كالدم وكفضلة آدمي أو كلب ونحوها فلا عفو، وإذا كان لا عفو، وقد كان فرضه المسح على خفه (فيخلعه الماسح)؛ أي: من حكمه المسح الذي أصاب خفه ما لم يعف عنه؛ حيث يجد من الماء ما يكفيه لوضوئه وإزالة النجاسة، (ويتيمم)، ولا يكفيه الدلك فينتقل من الطهارة المائية للترابية، (واختار) اللخمي من نفسه (إلحاق الرجل الفقير) الذي لا قدرة له على تحصيل خف أو نعل بالخف والنعل في العفو عما أصاب رجله من روث دواب وبولها ودلكها، ومثله غني لم يجد ما ذكر أو لم يقدر على اللبس لمرض، (وفي) إلحاق رجل (غيره) أي غير الفقير وهو غني يقدر على لبسه ووجده وتركه حتى أصيبت رجله بذلك، ودلكها (للمتأخرين قولان) في العفو وعدمه، ويتعين الغسل ولو قال: وفي غيره تردد. لكان أخصر مع الإتيان باصطلاحه... قوله: (وعفي عن مصيب خف) أي عما أصاب الخف والنعل من أرواث الدواب وأبوالها، لا عما أصاب الثياب من ذلك أو الأبدان. قوله: (بموضع يطرقه الدواب كثيرًا) أي كالطرق لمشقة الاحتراز فيها عما ذكر، قال بن: وهذا القيد نقله في التوضيح عن سحنون، والظاهر اعتباره، وفي كلام ابن الحاجب إشارةٌ إليه لتعليله بالمشقة؛ والمشقة إنما هي مع ذلك، وإنما سكت المصنف عنه هنا؛ لأنه قدم أن العفو إنما هو لعسر الاحتراز، وعلى هذا فلا يعفى عما أصاب الخف والنعل من أرواث الدواب بموضع لا تطرقه الدواب كثيرًا، ولو دلكا. قوله: (أو نحوه) أي كالخرقة، ولا يشترط زوال الريح. قوله: (وكذا إن جفت) أي، وكذا يعفى عن الخف والنعل إذا جفت النجاسة المذكورة. قوله: (لا من غيره) أي لا إن كان المصيب للخف والنعل من غيره. قوله: (فلا عفو) أي ولا بد من غسله. قال ح نقلًا عن ابن العربي: والعلة ندور ذلك في الطرقات، فإن كثر ذلك فيها صار كروث الدواب اهـ بن. قوله: (وإذا كان لا عفو إلخ) حاصله أن الخف إذا أصابه شيء من النجاسات غير أرواث الدواب وأبوالها كخراء الكلاب أو فضلة الآدمي أو أصابه دم، فإنه لا يعفى عنه كما مر ولا بد من غسله، وإذا قلنا بعدم العفو وقد كان ذلك الشخص حكمه المسح على الخف وليس معه من الماء ما يتوضأ به ويزيل به النجاسة؛ بأن كان لا ماء معه أصلًا إلا أنه متطهر قد مسح على خفه وأصابته نجاسة، أو كان انتقض وضوءه وليس عنده من الماء ما يكفي إلا الوضوء والمسح دون إزالة النجاسة، ولا يمكنه جمع ماء أعضائه من غير تغيره ليزيل به النجاسة، فإنه ينزعه وينتقض وضوءه بمجرد النزع في المسألة الأولى وينتقل للتيمم ويبطل حكم المسح في حقه ولا يكفيه دلكه؛ لأن الوضوء له بدل وغسل النجاسة لا بدل له وأخذ من هذا تقديم غسل النجاسة على الوضوء في حق من لم يجد من الماء إلا ما يكفيه لإحدى الطهارتين، وبه صرح ابن رشد وابن العربي وروي عن أبي عمران أنه يتوضأ به ويصلي بالنجاسة، ثم إن كلام المصنف مبني على القول بوجوب إزالة النجاسة أما على القول بالسُّنِّيَّة، فإنه يبقى خفه من غير نزع ويصلي بالنجاسة محافظة على الطهارة المائية.
تطهير النعل إذا أصابته نجاسة من كتاب شرح منتهى الإرادات (102) (المذهب الحنبلي)
تطهير النعل إذا أصابته نجاسة:
(يشترط لـ) تطهير (كل متنجس -حتى أسفل خف، و) أسفل (حذاء) بالمد وكسر المهملة أوله، أي نعل (و) حتى (ذيل امرأة- سبع غسلات)؛ لعموم حديث ابن عمر: «أمرنا بغسل الأنجاس سبعًا». فينصرف إلى أمره -صلى الله عليه وسلم- وقياسًا على نجاسة الكلب والخنزير. وقيس أسفل الخف والحذاء على الرجل.
ذيل المرأة إذا أصابته نجاسة من كتاب حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (1/ 74) (المذهب المالكي)
تطهير ذيل المرأة إذا أصابته نجاسة:
(و) عفي عن متعلق (ذيل) ثوب (امرأة) يابسٍ (مطال للستر) لا للزينة ولا غير اليابس فلا عفو، (و) عفي عن (رجل بلت يمران) أي الذيل، والرجل المبلولة (بنجس) أي عليه (يبس) بفتح الباء وكسرها، وقوله: (يطهران) طهارة لغوية (بما) يمران عليه (بعده) من موضع طاهر يابس أرضًا أو غيره، استئناف لا محل له من الإعراب كالتعليل لما قبله ولو حذفه ما ضر... قوله: (عن متعلق ذيل) أي عما تعلق بذيل ثوب المرأة اليابس من الغبار النجس، وظاهره عدم الفرق بين الحرة والأمة خلافًا لابن عبد السلام؛ حيث خصه بالحرة، وحاصله أن ابن عبد السلام راعى تعليل الستر بكون الساق عورة فخصه بالحرة، وغيره راعى جواز الستر فعمه؛ لأن الجواز للحرة والأمة. قوله: (يابس) صفة لذيل أي ناشف لا مبتل. قوله: (مطال للستر)، ومن المعلوم أنه لا تطيله للستر إلا إذا كانت غير لابسة لخف أو جورب، فعلى هذا لو كانت لابسة لهما فلا عفو كان ذلك من زيها أم لا وهو كذلك كما نقله ح عن الباجي. قوله: (يمران بنجس يبس)، أي ثم يمران على طاهر يابس بعد ذلك رفعت الرجل عن النجس اليبس بالحضرة أو بعد مهلة على تأويل ابن اللباد وهو المعتمد، وقال غيره: محل العفو إذا كان الرفع بالحضرة. قوله: (بنجس يبس) إن قلت: إذا كان الذيل يابسًا والنجس كذلك فلا يتعلق بالذيل شيء، فلا محل للعفو. قلت: قد يتعلق به غباره وهو غير معفو عنه في غير هاتين الصورتين. قوله: (بفتح الباء)، أي على أنه مصدر بمعنى اسم الفاعل، وقوله: وكسرها؛ أي على أنه صفة مشبهة. قوله: (طهارة لغوية) هذا جواب عما يقال إذا كانا يطهران بما يمران عليه بعد من طاهر يابس فلا محل للعفو، وحاصل الجواب أن المراد يطهران طهارة لغوية لا شرعية؛ لأن الطهارة الشرعية لهما إنما تكون بالمطلق. قوله: (من موضع) بيان لما قوله: (كالتعليل لما قبله) أي فكأن قائلًا قال له: لأي شيء عفي عنهما؟ فقال: لأنهما يطهران بما يمران عليه بعد من طاهر يابس. قوله: (ولو حذفه ما ضر) أي ولو حذف قوله يطهران، وقال: يمران بنجس يبس ثم يمران بطاهر بعده ما ضر؛ لأن العفو حاصل بدون ذلك.
تطهيرُ ذيل المرأة إذا أصابته نجاسة من كتاب شرح منتهى الإرادات (1/ 102) (المذهب الحنبلي)
تطهيرُ ذيل المرأة إذا أصابته نجاسة:
(يشترط لـ) تطهير (كل متنجس حتى أسفل خف، و) أسفل (حذاء) بالمد وكسر المهملة أوله، أي نعل، (و) حتى (ذيل امرأة سبع غسلات)؛ لعموم حديث ابن عمر: «أمرنا بغسل الأنجاس سبعًا». فينصرف إلى أمره -صلى الله عليه وسلم- وقياسًا على نجاسة الكلب والخنزير. وقيس أسفل الخف والحذاء على الرجل، وذيل المرأة على بقية ثوبها ويعتبر في كل غسلة، أن تستوعب المحل. فيجب العدد من أول غسلة، ولو مع بقاء العين فلا يضر بقاؤها. فيجزئ (إن أنقت) السبع غسلات النجاسة (وإلا) بأن لم تنق بها (فـ) يزيد على السبع (حتى تنقى) النجاسة (بماء طهور) أي يشترط أن تكون كل غسلة من السبع بماء طهور؛ لحديث أسماء قالت: «جاءت امرأة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة. كيف تصنع؟ قال: تحته، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه». متفق عليه.
تطهير الأرض من النجاسة من كتاب رد المحتار على الدر المختار (1/ 311) (المذهب الحنفي)
تطهير الأرض:
(و) تطهر (أرض) بخلاف نحو بساط (بيبسها)؛ أي: جفافها ولو بريح (وذهاب أثرها كلون) وريح (لـ) أجل (صلاة) عليها (لا لتيمم) بها؛ لأن المشروط لها الطهارة وله الطهورية... قوله: (بيبسها)؛ لما في سنن أبي داود باب طهور الأرض إذا يبست وساق بسنده عن «ابن عمر قال: كنت أبيتُ في المسجد في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكنت شابًّا عزبًا، وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد ولم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك». اهـ. ولو أريد تطهيرها عاجلًا يصب عليها الماء ثلاث مرات وتجفف في كل مرة بخرقة طاهرة، وكذا لو صب عليها الماء بكثرة حتى لا يظهر أثر النجاسة شرح المنية وفتح. وهل الماء في الصورة الثانية نجسٌ أم طاهر؟ يفهم من قول البحر: "صب عليها الماء كثيرًا ثم تركها حتى نشفت طهرت أنه نجس؛ لأنه علق طهارتها بنشافها؛ أي: يبسها وبه صرح في التتارخانية عن الحجة؛ حيث قال: ويتنجس الموضع الذي انتقل الماء إليه. وفي البدائع ما يدل عليه. والظاهر أن هذا حيث لم يصر الماء جاريًا عرفًا، أما لو جرى بعد انفصاله عن محلها ولم يظهر فيه أثرها؛ فينبغي أن يكون طاهرًا؛ لأن الجاري لا يتنجس وإن لم يكن له مددٌ ما لم يظهر فيه الأثر، يدلُّ عليه ما في الذخيرة. وعن الحسن بن أبي مطيع: إذا صب عليها الماء فجرَى قدر ذراع طهرت الأرض، والماء طاهر بمنزلة الماء الجاري. وفي المنتقى أصابها المطر غالبًا، وجرى عليها فذلك مطهر لها، ولو قليلًا لم يجر عليها لم تطهر، فيغسل قدميه وخفيه يريد به إذا كان المطر قليلًا، ومشى عليها. اهـ. فهذا نص في المقصود -ولله الحمد- وسنذكر آخر الفصل تمام ذلك. قوله: (أي: جفافها) المراد به ذهاب الندوة، وفسر الشارح به؛ لأنه المشروط دون اليبس كما دلت عليه عبارات الفقهاء قهستاني. وصرح به ابن الكمال عن الذخيرة. قوله: (ولو بريح) أشارَ إلى أن تقييد الهداية وغيرها بالشمس اتفاقي؛ فإنه لا فرق بين الجفاف بالشمس أو النار أو الريح كما في الفتح وغيره. قوله: (كلون وريح) أدخلت الكاف الطعم، وبه صرح في البحر والذخيرة وغيرهما. قوله: (وله الطهورية)؛ لأنَّ الصعيد علم قبل التنجس طاهرًا وطهورًا، وبالتنجس علم زوال الوصفين ثم ثبت بالجفاف شرعًا أحدهما أعني التطهير فيبقى الآخر على ما علم من زواله، وإذا لم يكن طهورًا لا يتيمم به. اهـ. فتح.
تطهير الأرض من النجاسة من كتاب شرح منتهى الإرادات (1/ 104) (المذهب الحنبلي)
تطهير الأرض: (و) يجزئ (في صخر وأجرنة صغار) مبنية أو كبيرة مطلقًا، قاله في الرعاية، (وأحواض ونحوها) كحيطان (وأرض تنجست بمائع؛ ولو من كلب أو خنزير: مكاثرتها بالماء، حتى يذهب لون نجاسة وريحها)؛ لحديث أنس قال: «جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس. فنهاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- فلما قضى بوله أمر بذنوب من ماء، فأهريق عليه». متفق عليه. فإن بقيا أو أحدهما لم تطهر؛ لأنه دليل بقائها (ما لم يعجز) عن إذهابهما أو إذهاب أحدهما. فتطهر كغير الأرض (ولو لم يزل) الماء (فيهما) أي في مسألة المنضوح من بول الغلام، ومسألة الأرض ونحوها. فيطهران مع بقاء الماء عليهما. لظاهر ما تقدم.
تطهير البئر إذا مات فيه حيوان من كتاب حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (1/ 45) (المذهب المالكي)
إذا مات حيوان في بئر:
(وإذا) (مات) حيوان (بري ذو نفس) أي دم (سائلة) أي جارية (بـ) ماء (راكد) غير مستبحر جدًّا، ولو كان له مادة كبئر (ولم يتغير) الماء (ندب نزح) منه لتزول الرطوبات التي خرجت من فيه عند فتحه وقت خروج روحه، وينقص النازح الدلو لئلَّا تطفو الدهنية فتعود للماء ويكون النزح (بقدرهما)؛ أي بقدر الحيوان والماء من قلة الماء وكثرته وصغر الحيوان وكبره، فيقل النزح مع صغر الحيوان وكثرة الماء، ويكثر مع كبره وقلة الماء، ويتوسط في عظمهما وصغرهما والتحقيق أن المدار على ظن زوال الرطوبات، وكلما كثر النزح كان أحسن واحترز بالبري عن البحري وبذي النفس عن غيره كالعقرب وبالراكد عن الجاري، فلا يندب النزح في شيء من ذلك. ثم صرح بمفهوم الشرط لخفائه وللرد على من يقول فيه بندب النزح فقال: (لا إن) (وقع) البري في الماء (ميتًا) أو حيًّا، وأخرج حيًّا فلا يندب النزح (وإن زال تغير) الماء الكثير ولا مادة له (النجس) بكسر الجيم أي المتنجس (لا بكثرة مطلق) صب عليه ولا بإلقاء شيء من تراب أو طين بل بنفسه أو بنزح بعضه (فاستحسن الطهورية) لذلك الماء؛ لأن تنجسه إنما كان لأجل التغير، وقد زال والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا كالخمر يتخلل (وعدمها) أي الطهورية، يعني والطاهرية، وكأنه اتكل على استصحاب الأصل (أرجح) وهو المعتمد والأول ضعيف؛ إلا أنه اعترض بأنه ليس لابن يونس هنا ترجيح، ومفهوم الماء الكثير أن القليل باق على تنجيسه بلا خلاف، ومفهوم لا بكثرة مطلق أنه يطهر إذا زال تغيره بكثرة المطلق، وكذا بقليله أو بمضاف طاهر خلافًا لظاهر المصنف، وكذا لو زال التغير بإلقاء طين أو تراب إن زال أثرهما، فلو قال لا بصب طاهر كان أولى، ومفهوم النجس أنه لو زال تغير الطاهر بنفسه أو بطاهر فهو طهور (و)إذا شك في مغير الماء (قبل خبر الواحد) العدل الرواية ولو أنثى أو عبدًا المخبر بنجاسته (إن بين) المخبر (وجهها)، كأن يقول: تغير بدم أو بول (أو) لم يبين المخبر وجهها، ولكن (اتفقا) أي المخبر والمخبر (مذهبًا) والمخبر بالكسر عالم بما ينجس وما لا ينجس (وإلا) بأن اختلف المذهب مع عدم بيان الوجه (فقال) المازري من عند نفسه (يستحسن) أي يستحب (تركه) لتعارض الأصل وهو الطهورية وإخبار المخبر بتنجيسه، وهذا عند وجود غيره وإلا تعين (وورود الماء على) ذي (النجاسة) كثوب مثلًا متنجس يصب عليه المطلق وينفصل عنه غير متغير (كعكسه) أي كورود النجاسة على الماء في التطهير؛ أي لا فرق عندنا في ورود المطلق على النجاسة ولا في ورود النجاسة على الماء؛ كأنْ يغمس الثوب في إناء ماء ويخرج غير متغير سواء كان الماءُ قليلًا أو كثيرًا، وخالف الشافعي في الثاني فقال: إن وردت عليه وهو دون قلتين تنجس بمجرد الملاقاة ولا يمكن تطهير الثوب إلا بصب الماء عليه أو يغمس في ماء قدر قلتين فأكثر.