موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٢٧/١١٧:١١٩)
الكلام:
١٠٧ - اتفق الفقهاء على أن الصلاة تبطل بالكلام؛ لما روى زيد بن أرقم -رضي الله تعالى عنه- قال: كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام وعن معاوية بن الحكم السلمي -رضي الله تعالى عنه- قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله. فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت، فلما صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه. فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، وذهب جمهور الفقهاء -الحنفية والشافعية والحنابلة- إلى أن الكلام المبطل للصلاة ما انتظم منه حرفان فصاعدا؛ لأن الحرفين يكونان كلمة كأب وأخ، وكذلك الأفعال والحروف، ولا تنتظم كلمة في أقل من حرفين، قال الخطيب الشربيني: الحرفان من جنس الكلام؛ لأن أقل ما يبنى عليه الكلام حرفان للابتداء والوقف، أو حرف مفهم نحو "ق" من الوقاية، و"ع" من الوعي و"ف" من الوفاء، وزاد الشافعية مدة بعد حرف وإن لم يفهم نحو "آ"؛ لأن الممدود في الحقيقة حرفان وهذا على الأصح عندهم. ومقابل الأصح أنها لا تبطل؛ لأن المدة قد تتفق لإشباع الحركة ولا تعد حرفا. وذهب المالكية إلى أن الكلام المبطل للصلاة هو حرف أو صوت ساذج، سواء صدر من المصلي بالاختيار أم بالإكراه، وسواء وجب عليه هذا الصوت كإنقاذ أعمى أو لم يجب، واستثنوا من ذلك الكلام لإصلاح الصلاة فلا تبطل به إلا إذا كان كثيرا، وكذا استثنوا الكلام حالة السهو إذا كان كثيرا فإنه تبطل به الصلاة أيضا. ولم يفرق الحنفية ببطلان الصلاة بالكلام بين أن يكون المصلي ناسيا أو نائما أو جاهلا، أو مخطئا أو مكرها، فتبطل الصلاة بكلام هؤلاء جميعا. قالوا: وأما حديث: إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. فمحمول على رفع الإثم. واستثنوا من ذلك السلام ساهيا للتحليل قبل إتمامها على ظن إكمالها فلا يفسد، وأما إن كان عمدا فإنه مفسد. وكذا نصوا على بطلان الصلاة بالسلام على إنسان للتحية، وإن لم يقل: عليكم، ولو كان ساهيا. وبرد السلام بلسانه أيضا. وذهب الشافعية إلى عدم بطلان الصلاة بكلام الناسي، والجاهل بالتحريم إن قرب عهده بالإسلام أو نشأ بعيدا عن العلماء، ومن سبق لسانه، إن كان الكلام يسيرا عرفا، فيعذر به، واستدلوا للناسي بما روى أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: صلى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الظهر أو العصر فسلم من ركعتين، ثم أتى خشبة المسجد واتكأ عليها كأنه غضبان، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال لأصحابه: أحق ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: نعم. فصلى ركعتين أخريين ثم سجد سجدتين. ووجه الدلالة: أنه تكلم معتقدا أنه ليس في الصلاة، وهم تكلموا مجوزين النسخ ثم بنى هو وهم عليها. ولا يعذر في كثير الكلام؛ لأنه يقطع نظم الصلاة وهيئتها، والقليل يحتمل لقلته ولأن السبق والنسيان في كثير نادر. قال الخطيب الشربيني: ومرجع القليل والكثير إلى العرف على الأصح. وأما المكره على الكلام فإنه تبطل صلاته على الأظهر ولو كان كلامه يسيرا، ومقابل الأظهر لا تبطل كالناسي. وأما إن كان كلامه كثيرا فتبطل به جزما. وذهب الحنابلة إلى بطلان الصلاة بكلام الساهي والمكره، وبالكلام لمصلحة الصلاة، والكلام لتحذير نحو ضرير. ولا تبطل عندهم بكلام النائم إذا كان النوم يسيرا، فإذا نام المصلي قائما أو جالسا، فتكلم فلا تبطل صلاته، وكذا إذا سبق الكلام على لسانه حال القراءة فلا تبطل صلاته، لأنه مغلوب عليه فأشبه ما لو غلط في القراءة فأتى بكلمة من غيره، وقال ابن قدامة: إن تكلم ظانا أن صلاته تمت، فإن كان سلاما لم تبطل الصلاة رواية واحدة، أما إن تكلم بشيء مما تكمل به الصلاة أو شيء من شأن الصلاة مثل كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- ذا اليدين لم تفسد صلاته.
المغني -ابن قدامة- (٢/٤٤٤:٤٤٩)
مسألة؛ قال: (ومن تكلم عامدا أو ساهيا بطلت صلاته)، أما الكلام عمدا، وهو أن يتكلم عالما أنه في الصلاة، مع علمه بتحريم ذلك لغير مصلحة الصلاة، ولا لأمر يوجب الكلام، فتبطل الصلاة إجماعا. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من تكلم في صلاته عامدا وهو [لا يريد إصلاح] صلاته، أن صلاته فاسدة. وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" رواه مسلم، وعن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم في الصلاة، يكلم أحدنا صاحبه وهو إلى جنبه، حتى نزلت فأمرنا بالسكوت. متفق عليه ولمسلم: ونهينا عن الكلام. وعن ابن مسعود قال: كنا نسلم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم، وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه، فلم يرد علينا، فقلنا: يا رسول الله، كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا. قال: "إن في الصلاة لشغلا". متفق عليه. ورواهما أبو داود، ولفظه في حديث ابن مسعود: فلما قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصلاة، قال: "إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن الله قد أحدث أن لا تكلموا في الصلاة". فأما الكلام غير ذلك، فيقسم خمسة أقسام: أحدها، أن يتكلم جاهلا بتحريم الكلام في الصلاة. قال القاضي في "الجامع": لا أعرف عن أحمد نصا في ذلك. ويحتمل أن لا تبطل صلاته؛ لأن الكلام كان مباحا في الصلاة، بدليل حديث ابن مسعود، وزيد بن أرقم، ولا يثبت حكم النسخ في حق من لم يعلمه، بدليل أن أهل قباء لم يثبت في حقهم حكم نسخ القبلة قبل علمهم، فبنوا على صلاتهم، بخلاف الناسي، فإن الحكم قد ثبت في حقه، وبخلاف الأكل في الصوم جاهلا بتحريمه، فإنه لم يكن مباحا، وقد دل على صحة هذا حديث معاوية بن الحكم السلمي، قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله. فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أبياه، ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتوني، لكنى سكت، فلما صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، ثم قال؛ "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن". أو كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم. [رواه مسلم] فلم يأمره بالإعادة، فدل على صحتها. وهذا مذهب الشافعي. والأولى أن يخرج هذا على الروايتين في كلام الناسي؛ لأنه معذور مثله. القسم الثاني، أن يتكلم ناسيا، وذلك نوعان؛ أحدهما، أن ينسي أنه في صلاة، ففيه روايتان. إحداهما: لا تبطل الصلاة. وهو قول مالك، والشافعي؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- تكلم في حديث ذي اليدين، ولم يأمر معاوية بن الحكم بالإعادة إذ تكلم جاهلا، وما عذر فيه بالجهل عذر فيه بالنسيان. والثانية، تفسد صلاته. وهو قول النخعي، وقتادة، وحماد بن أبي سليمان، وأصحاب الرأي؛ لعموم أحاديث المنع من الكلام، ولأنه ليس من جنس ما هو مشروع في الصلاة، فلم يسامح فيه بالنسيان، كالعمل الكثير من غير جنس الصلاة. النوع الثاني، أن يظن أن صلاته تمت، فيتكلم، فهذا إن كان سلاما لم تبطل الصلاة، رواية واحدة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه فعلوه، وبنوا على صلاتهم، ولأن جنسه مشروع في الصلاة، فأشبه الزيادة فيها من جنسها. وإن لم يكن سلاما، فالمنصوص عن أحمد، في رواية جماعة من أصحابه، أنه إذا تكلم بشيء مما تكمل به الصلاة، أو شيء من شأن الصلاة، مثل كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- ذا اليدين، لم تفسد صلاته. وإن تكلم بشيء من غير أمر الصلاة، كقوله: يا غلام اسقني ماء. فصلاته باطلة. وقال، في رواية يوسف بن موسى: من تكلم ناسيا في صلاته فظن أن صلاته قد تمت، إن كان كلامه فيما تتم به الصلاة، بنى على صلاته، كما كلم النبي -صلى الله عليه وسلم- ذا اليدين. وإذا قال: يا غلام اسقني ماء. أو شبهه، أعاد. وممن تكلم بعد أن سلم، وأتم صلاته، الزبير، وابناه عبد الله وعروة، وصوبه ابن عباس. ولا نعلم عن غيرهم في عصرهم خلافه. وفيه رواية ثانية، أن الصلاة تفسد بكل حال. قال في رواية حرب: أما من تكلم اليوم [وأجابه أحد] أعاد الصلاة. وهذه الرواية اختيار الخلال. وقال: على هذا استقرت الروايات عن أبي عبد الله بعد توقفه. وهذا مذهب أصحاب الرأي؛ لعموم الأخبار في منع الكلام. وفيه رواية ثالثة، أن الصلاة لا تفسد بالكلام في تلك الحال بحال، سواء كان من شأن الصلاة، أو لم يكن؛ إماما كان أو مأموما. وهذا مذهب مالك، والشافعي؛ لأنه نوع من النسيان، فأشبه المتكلم جاهلا، ولذلك تكلم النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، وبنوا على صلاتهم. وتخرج فيه رواية رابعة، وهو أن المتكلم إن كان إماما تكلم لمصلحة الصلاة لم تفسد صلاته، وإن تكلم غيره فسدت صلاته. ويأتي الكلام على الفرق بينهما فيما بعد، إن شاء الله تعالى. القسم الثالث، أن يتكلم مغلوبا على الكلام، وهو ثلاثة أنواع: أحدها، أن تخرج الحروف من فيه بغير اختياره، مثل أن يتثاءب، فيقول: هاه، أو يتنفس، فيقول: آه. أو يسعل، فينطق في السعلة بحرفين، وما أشبه هذا، أو يغلط في القراءة، فيعدل إلى كلمة من غير القرآن، أو يجيئه البكاء، فيبكى ولا يقدر على رده، فهذا لا تفسد صلاته. نص عليه أحمد في الرجل يكون في الصلاة فيجيئه البكاء فيبكى، فقال: إذا كان لا يقدر على رده لا تفسد صلاته. وقال: قد كان عمر يبكي، حتى يسمع له نشيج. وقال مهنا: صليت إلى جنب أحمد، فتثاءب خمس مرات، وسمعت لتثاؤبه: هاه هاه. وهذا؛ لأن الكلام ههنا لا ينسب إليه، ولا يتعلق به حكم من أحكام الكلام. وقال القاضي في من تثاءب، فقال آه آه: تفسد صلاته. وهذا محمول على من فعل ذلك غير مغلوب عليه؛ لما ذكرنا من فعل أحمد خلافه. النوع الثاني، أن ينام فيتكلم، فقد توقف أحمد عن الجواب فيه. وينبغي أن لا تبطل صلاته؛ لأن القلم مرفوع عنه. ولا حكم لكلامه، فإنه لو طلق أو أقر أو أعتق، لم يلزمه حكم ذلك. النوع الثالث، أن يكره على الكلام، فيحتمل أن يخرج على كلام الناسي؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- جمع بينهما في العفو، بقوله -صلى الله عليه وسلم-: "عفي لأمتي عن الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه". وقال القاضي؛ هذا أولى بالعفو، وصحت الصلاة؛ لأن الفعل غير منسوب إليه، ولهذا لو أكره على إتلاف مال لم يضمنه، ولو أتلفه ناسيا ضمنه. والصحيح، إن شاء الله، أن هذا تفسد صلاته؛ لأنه أتى بما يفسد الصلاة عمدا، فأشبه ما لو أكره على صلاة الفجر أربعا، أو على أن يركع في كل ركعة ركوعين. ولا يصح قياسه على الناسي لوجهين: أحدهما، أن النسيان يكثر، ولا يمكن التحرز منه، بخلاف الإكراه. والثاني، أنه لو نسى فزاد في الصلاة، أو نسي من كل ركعة سجدة، لم تفسد صلاته، ولم يثبت مثل هذا في الإكراه. القسم الرابع، أن يتكلم بكلام واجب، مثل أن يخشى على صبي أو ضرير الوقوع في هلكة، أو يرى حية ونحوها تقصد غافلا أو نائما، أو يرى نارا يخاف أن تشتعل في شيء، ونحو هذا، ولا يمكن التنبيه بالتسبيح. فقال أصحابنا: تبطل الصلاة بهذا. وهو قول بعض أصحاب الشافعي؛ لما ذكرنا في كلام المكره. ويحتمل أن لا تبطل الصلاة به. وهو ظاهر قول أحمد، رحمه الله؛ فإنه قال في قصة ذي اليدين: إنما كلم القوم النبي -صلى الله عليه وسلم- حين كلمهم، لأنه كان عليهم أن يجيبوه. فعلل صحة صلاتهم بوجوب الإجابة عليهم. وهذا متحقق ههنا، وهذا ظاهر مذهب الشافعي. والصحيح عند أصحابه، أن الصلاة لا تبطل بالكلام في جميع هذه الأقسام. ووجه صحة الصلاة ههنا، أنه تكلم بكلام واجب عليه، أشبه كلام المجيب للنبي -صلى الله عليه وسلم. القسم الخامس، أن يتكلم لإصلاح الصلاة، ونذكره فيما بعد، إن شاء الله تعالى.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٤/٧٨:٨١)
أحكام الفصل فقال أصحابنا -رحمهم الله- للمتكلم في الصلاة حالان (إحداهما) أن يكون غير معذور، فينظر إن نطق بحرف واحد لم تبطل صلاته؛ لأنه ليس بكلام إلا أن يكون الحرف مفهما كقوله ق أوش أوع بكسرهن، فإنه تبطل صلاته بلا خلاف؛ لأنه نطق بمفهم فأشبه الحروف، وإن نطق بحرفين بطلت بلا خلاف سواء أفهم أم لا؛ لأن الكلام يقع على الفهم وغيره، هذا مذهب اللغويين والفقهاء والأصوليين، وإن كان النحويون يقولون لا يكون إلا مفهما ولو نطق بحرف ومدة بعده، فثلاثة أوجه حكاها الرافعي؛ (أصحها) تبطل لأنه كحرفين. (والثاني) لا لأنه حرف .(والثالث) قاله إمام الحرمين: إن أتبعه بصوت غفل وهو الذي لا نقصع فيه بحيث لا يقع على صورة المد لم تبطل، وإن أتبعه بحقيقة المد بطلت قال: لأن المد يكون ألفا أو واوا أو ياء وهي، وإن كانت إشباعا للحركات الثلاث فهي معدودة حروفا، وأما الضحك والبكاء والأنين والتأوه والنفخ ونحوها، فإن بان منه حرفان بطلت صلاته، وإلا فلا، وسواء بكى للدنيا أو للآخرة: وأما التنحنح فحاصل المنقول فيه ثلاثة أوجه الصحيح الذي قطع به المصنف والأكثرون إن بان منه حرفان بطلت صلاته، وإلا فلا والثاني لا تبطل وإن بان حرفان، قال الرافعي: وحكي هذا عن نص الشافعي. والثالث: إن كان فمه مطبقا لم تبطل مطلقا، وإلا فإن بان حرفان بطلت وإلا فلا وبهذا قطع المتولي، وحيث أبطلنا بالتنحنح فهو إن كان مختارا بلا حاجة، فإن كان مغلوبا لم تبطل قطعا ولو تعذرت قراءة الفاتحة إلا بالتنحنح، فيتنحنح ولا يضره؛ لأنه معذور وإن أمكنته القراءة، وتعذر الجهر إلا بالتنحنح فليس بعذر على أصح الوجهين؛ لأنه ليس بواجب ولو تنحنح إمامه وظهر منه حرفان فوجهان حكاهما القاضي حسين والمتولي والبغوي وغيرهم أحدهما يلزمه مفارقته؛ لأنه فعل ما يبطل الصلاة ظاهرا وأصحهما أن له الدوام على متابعته؛ لأن الأصل بقاء صلاته والظاهر أنه معذور، والله أعلم.
* وقد روي عن علي -رضي الله عنه- قال: "كانت لي ساعة من النبي -صلى الله عليه وسلم- آتيه فيها فإن وجدته يصلي تنحنح فدخلت". رواه النسائي وابن ماجه والبيهقي، وهو حديث ضعيف لضعف راويه واضطراب إسناده ومتنه ضعفه البيهقي وغيره وضعفه ظاهر، والله أعلم. (الحال الثاني) في الكلام بعذر فمن سبق لسانه إلى الكلام بغير قصد أو غلبه الضحك أو العطاس أو السعال وبان منه حرفان أو تكلم ناسيا؟ في الصلاة أو جاهلا تحريم الكلام فيها؛ فإن كان ذلك يسيرا لم تبطل صلاته بلا خلاف عندنا، وإن كان كثيرا فوجهان مشهوران الصحيح منهما باتفاق الأصحاب تبطل صلاته، وهو المنصوص في البويطي كما ذكر المصنف وهو ظاهر نصه أيضا في غير البويطي، والثاني لا تبطل وهو قول أبي إسحاق المروزي والرجوع في القلة والكثرة إلى العرف هذا هو الصحيح المنصوص في الأم، وبه قطع الجمهور وحكى القاضي أبو الطيب فيه قولا آخر عن نصه في الإملاء أن حد طول الفصل هنا أن يمضي قدر ركعة، ووجهان عن ابن أبي هريرة أنه قدر الصلاة .
* وأما قياس المصنف عدم البطلان على أكل الصائم كثيرا فهو جار على طريقته وطريقة غيره من العراقيين في أن أكل الناسي لا يفطره، وإن كثر وجها واحدا وعند الخراسانيين وجهان سنوضحهما في كتاب الصيام -إن شاء الله تعالى- قال أصحابنا: وإنما يكون الجهل بتحريم الكلام عذرا في قريب العهد بالإسلام، فأما من طال عهده في الإسلام فتبطل به صلاته لتقصيره في التعلم ولو علم تحريم الكلام ولم يعلم كونه مبطلا للصلاة بطلت بلا خلاف لتقصيره وعصيانه كما لو علم تحريم القتل والزنا والشرب والسرقة والقذف وأشباهها وجهل العقوبة، فإنه يعاقب ولا يعذر بلا خلاف ولو جهل كون التنحنح مبطلا وهو طويل عهد بالإسلام، فهل يعذر وجهان أحدهما لا لتقصيره في التعلم وأصحهما يعذر؛ لأنه يخفى على العوام مع علمهم بتحريم الكلام ولو علم أن جنس الكلام محرم، ولم يعلم أن ما أتى به محرم، فوجهان؛ الأصح: يعذر ولا تبطل، أما إذا أكره على الكلام ففي بطلان صلاته قولان حكاهما الرافعي، أصحهما: وبه قطع البغوي تبطل لندوره، وكما لو أكره أن يصلي بلا وضوء أو قاعدا أو إلى غير القبلة، فإنه يجب الإعادة قطعا لندوره، قال البغوي: وكذا لو أكره على فعل يناقض الصلاة بطلت؛ لأنه قادر.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٤/٨٥:٨٨)
في مذاهب العلماء في كلام المصلي هو ثلاثة أقسام:
(أحدها): يتكلم عامدا لا لمصلحة الصلاة فتبطل صلاته بالإجماع، نقل الإجماع فيه ابن المنذر وغيره؛ لحديث معاوية بن الحكم السابق، وحديث ابن مسعود، وحديث جابر، وحديث زيد بن أرقم، وغيرها من الأحاديث التي سنذكرها إن شاء الله تعالى. (الثاني): أن يتكلم لمصلحة الصلاة، بأن يقوم الإمام إلى خامسة فيقول قد صليت أربعا أو نحو ذلك، فمذهبنا ومذهب جمهور العلماء أنه تبطل الصلاة، وقال الأوزاعي: لا تبطل، وهي رواية عن مالك وأحمد، لحديث ذي اليدين، ودليل الجمهور عموم الأحاديث الصحيحة في النهي عن الكلام، ولقوله -صلى الله عليه وسلم-: "من نابه شيء في صلاته فليسبح الرجال وليصفق النساء". ولو كان الكلام مباحا لمصلحتها لكان أسهل وأبين، وحديث ذي اليدين جوابه ما سنذكره إن شاء الله تعالى. (الثالث) أن يتكلم ناسيا ولا يطول كلامه فمذهبنا أنه لا تبطل صلاته، وبه قال جمهور العلماء منهم ابن مسعود وابن عباس وابن الزبير وأنس وعروة وعطاء والحسن البصري والشعبي وقتادة وجميع المحدثين ومالك والأوزاعي وأحمد في رواية وإسحاق وأبو ثور وغيرهم -رضي الله عنهم.
* وقال النخعي وحماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة وأحمد في رواية: تبطل. ووافق أبو حنيفة أن سلام الناسي لا يبطلها.
* واحتج لمن قال: تبطل بحديث ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: «كنا نسلم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمت عليه فلم يرد علي، فقلت: يا رسول الله، كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا، فقال: إن في الصلاة شغلا». رواه البخاري ومسلم، وفي رواية أبي داود وغيره زيادة: «وإن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإنه قد أحدث أن لا تكلموا في الصلاة»، وعن جابر -رضي الله عنه- قال: "بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حاجة فانطلقت ثم رجعت فأتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فسلمت عليه فلم يرد علي، فوقع في قلبي ما الله أعلم به، ثم سلمت فلم يرد علي، فوقع في قلبي أشد من المرة الأولى، ثم سلمت عليه فقال: «إنما منعني أن أرد عليك أني كنت أصلي، وكان على راحلته متوجها إلى غير القبلة» رواه البخاري ومسلم. وعن زيد بن أرقم -رضي الله عنه- قال: «إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يكلم أحدنا صاحبه بحاجته حتى نزلت { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين } فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام». رواه البخاري ومسلم، وليس في رواية البخاري ونهينا عن الكلام، وفي رواية الترمذي كنا نتكلم خلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبحديث معاوية بن الحكم،" إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس". رواه مسلم كما بيناه وبحديث جابر المذكور في المهذب "الكلام ينقض الصلاة" ولكنه ضعيف كما بيناه، وبحديث "من قاء في صلاته أو قلس فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته ما لم يتكلم". وهو أيضا ضعيف كما بيناه، وبالقياس على الحديث.
* واحتج أصحابنا بحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "صلى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الظهر والعصر، فسلم فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لم تقصر ولم أنس». فقال: بلى قد نسيت يا رسول الله. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أحق ما يقول»؟ قالوا: نعم. فصلى ركعتين أخرتين ثم سجد سجدتين. رواه البخاري ومسلم من طرق كثيرة جدا. وهكذا هو في مسلم وفي مواضع من البخاري "صلى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم" وفي رواية لمسلم "صلى لنا" وعن عمران بن حصين أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلى العصر فسلم في ثلاث، ثم دخل منزله فقام إليه رجل يقال له: الخرياق، وكان في يده طول، فقال: يا رسول الله، فذكر له صنيعه وخرج غضبان يجر رداءه حتى انتهى إلى الناس، فقال: أصدق هذا؟ قالوا: نعم. فصلى ركعة ثم سلم ثم سجد سجدتين ثم سلم. رواه مسلم قال أصحابنا: ومن الدليل لنا أيضا حديث معاوية بن الحكم؛ فإنه تكلم جاهلا بالحكم، ولم يأمره النبي -صلى الله عليه وسلم- بالإعادة قالوا: وقياسا على اللام سهوا. وعمدة المذهب حديث ذي اليدين، واعترض القائلون بالبطلان عليه، هذا الحديث منسوخ بحديث ابن مسعود وزيد بن أرقم؛ قالوا: لأن ذا اليدين قتل يوم بدر، ونقلوا عن الزهري أن ذا اليدين قتل يوم بدر، وأن قصته في الصلاة كانت قبل بدر، ولا يمنع من هذا كون أبي هريرة رواه وهو متأخر الإسلام عن بدر؛ لأن الصحابي قد يروي ما لا يحضره بأن يسمعه من النبي -صلى الله عليه وسلم- أو صحابي. وأجاب أصحابنا وغيرهم من العلماء عن هذا بأجوبة صحيحة حسنة مشهورة، أحسنها وأتقنها: ما ذكره الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر في التمهيد قال: أما دعواهم أن حديث أبي هريرة منسوخ بحديث ابن مسعود فغلط؛ لأنه لا خلاف بين أهل الحديث والسير أن حديث ابن مسعود كان بمكة حين رجع من الحبشة قبل الهجرة، وأن حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين كان بالمدينة، وإنما أسلم أبو هريرة عام خيبر سنة سبع من الهجرة بلا خلاف، وأما حديث زيد بن أرقم فليس فيه بيان أنه قبل حديث أبي هريرة أو بعده، والنظر يشهد أنه قبله. قال: وأما قولهم: إن أبا هريرة لم يشهد ذلك فغلط، بل شهوده له محفوظ من روايات الثقاة الحفاظ، ثم ذكر بأسانيده الروايات الثابتة في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما أن أبا هريرة قال: "صلى لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "وفي رواية" صلى بنا" وفي رواية صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة قال: "بينا أنا أصلي مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاة الظهر سلم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين الركعتين فقام رجل من بني سليم: وذكر الحديث "قال ابن عبد البر: وقد روى قصة ذي اليدين مع أبي هريرة ابنُ عمر وعمران بن الحصين ومعاوية بن حريح بضم الحاء المهملة وابن مسعدة رجل من الصحابة وكلهم لم يحفظ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا صحبه إلا بالمدينة متأخرا، ثم ذكر أحاديثهم بطرقها. قال: وابن مسعدة هذا يقال له: صاحب الجيوش اسمه عبد الله، معروف في الصحابة، له رواية. قال: وأما قولهم: إن ذا اليدين قتل يوم بدر فغلط، وإنما المقتول يوم بدر ذو الشمالين، ولا ننازعهم في أن ذا الشمالين قتل يوم بدر؛ لأن ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي ذكروه فيمن قتل ببدر، قال ابن إسحاق: ذو الشمالين هو عمير بن عمرو بن غبشان من خزاعة، فذو اليدين غير ذي الشمالين المقتول ببدر؛ لأن ذا اليدين اسمه الخرباق بن عمر، وذكره مسلم في رواية، وهو من بني سليم كما ذكره مسلم في صحيحه، قال غير ابن عبد البر: وقد عاش ذو اليدين الخرباق بن عمرو بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- زمانا. قال ابن عبد البر: فذو اليدين المذكور في حديث السهو غير المقتول ببدر. هذا قول أهل الحذق والفهم من أهل الحديث والفقه، قال: وأما قول الزهري إن المتكلم في حديث السهو ذو الشمالين فلم يتابع عليه. قال: وقد اضطرب الزهري في حديث ذي اليدين اضطرابا أوجب عند أهل العلم بالنقل تركه من روايته خاصة، ثم ذكر طرقه وبين اضطرابها في المتن والإسناد، وذكر عن مسلم بن الحجاج تغليطه الزهري في هذا الحديث. قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدا من أهل العلم بالحديث المصنفين فيه عول على حديث الزهري في قصة ذي اليدين، وكلهم تركه لاضطرابه، وإن كان إماما عظيما في هذا الشأن، فالغلط لا يسلم منه بشر، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي
-صلى الله عليه وسلم- فقول الزهري: إنه قتل يوم بدر متروك لتحقق غلطه فيه. هذا مختصر قول عبد البر، وقد بسط -رحمه الله- شرح هذا الحديث بسطا لم يبسطه غيره مشتملا على التحقيق والاتفاق والفوائد الجمة -رحمه الله ورضي عنه- وذكر البيهقي -رحمه الله- بعض هذا مختصرا، فمما قال: إنه لا يجوز أن يكون حديث أبي هريرة منسوخا بحديث ابن مسعود، لتقدم حديث ابن مسعود؛ فإنه كان حين رجع من الحبشة ورجوعه منها كان قبل هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة ثم هاجر إلى المدينة، وشهد بدرا فحديثه في التسليم كان قبل الهجرة، ثم روى البيهقي ذلك بأسانيده، ثم نقل اتفاق أهل المغازي على أن ابن مسعود قدم مكة من هجرة الحبشة قبل هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة، وأنه شهد بدرا بعد ذلك ثم روى البيهقي بإسناده عن الحميدي شيخ البخاري أنه حمل حديث ابن مسعود على النهي عن الكلام عامدا، قال: لأنه قدم من الحبشة قبل بدر وإسلام أبي هريرة سنة سبع من الهجرة وإسلام عمران بن الحصين بعد بدر وقد حضرا قصة ذي اليدين وحضرها معاوية ابن حديج وكان إسلامه قبل وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- بشهرين، وذكر حديث ابن عمر أيضا قال فعلمنا أن حديث ابن مسعود في العمد لو كان في العمد والسهو لكانت صلوات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذه ناسخة له؛ لأنها بعده ثم روى البيهقي عن الاوزاعي قال كان إسلام معاوية بن الحكم في آخر الأمر، فلم يأمره النبي -صلى الله عليه وسلم- بإعادة الصلاة، وقد تكلم جاهلا، وذكر الشافعي في كتاب اختلاف الأحاديث نحو ما سبق من كلام الأئمة، قال: ذو الشمالين المقتول ببدر غير ذي اليدين. قال البيهقي: ذو اليدين بقي حيا بعد وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإن قيل: كيف تكلم ذو اليدين والقوم وهم بعد في الصلاة؟ فجوابه من وجهين :أحدهما: أنهم لم يكونوا على يقين من البقاء في صلاة؛ لأنهم كانوا مجوزين لنسخ الصلاة من أربع إلى ركعتين. ولهذا قال: قصرت الصلاة أم نسيت؟ (والثاني): أن هذا خطاب وجواب للنبي -صلى الله عليه وسلم- وذلك لا يبطل الصلاة، وفي رواية لأبي داود وغيره أن القوم لم يتكلموا وتحمل رواية "نعم" عليها، والله أعلم.