الموسوعة الفقهية الكويتية (13/ 58)
تغسيل الزوج زوجته والزوجة زوجها:
13 - ذهب الحنفية في الأصح، وهو رواية عن أحمد إلى أنه ليس للزوج غسلها، وإليه ذهب الثوري؛ لأن الموت فرقة تبيح أختها وأربعًا سواها، فحرمت الفرقة النظر واللمس كالطلاق.
ويرى المالكية والشافعية، وهو المشهور عند الحنابلة أن للزوج غسل امرأته، وهو قول علقمة وعبد الرحمن وقتادة وحماد وإسحاق؛ لأن عليًّا رضي الله تعالى عنه غسل فاطمة رضي الله عنها، واشتهر ذلك في الصحابة فلم ينكروه، فكان إجماعًا.
ولأن النبي عليه الصلاة والسلام قال لعائشة رضي الله تعالى عنها: (ما ضرك لو مت قبلي فقمت عليك، فغسلتك وكفنتك، وصليت عليك، ودفنتك)، إلا أنه يكره مع وجود من يغسلها؛ لما فيه من الخلاف والشبهة.قال ابن قدامة: وقول الخرقي: وإن دعت الضرورة إلى أن يغسل الرجل زوجته فلا بأس،
يعني به: أنه يكره له غسلها مع وجود من يغسلها سواه؛ لما فيه من الخلاف والشبهة.وأما المالكية والشافعية فقد أطلقوا الجواز.
ولا يتأتى ذلك عند الحنفية؛ لأنه ليس للزوج غسلها عندهم.
المجموع شرح المهذب (5/ 129)
تغسيل الزوج زوجته والزوجة زوجها:
(فان كان الميت رجلًا لا زوجة له فأولى الناس بغسله الأب ثم الجد ثم الابن ثم ابن الابن ثم الأخ ثم ابن الأخ ثم العم ثم ابن العم؛ لأنهم أحق بالصلاة عليه فكانوا أحق بغسله.
فإن كان له زوجة جاز لها غسله؛ لما روت عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر رضي الله عنه أوصى أسماء بنت عميس لتغسله.
وهل يقدم على العصبات؟
فيه وجهان: (أحدهما): أنها تقدم؛ لأنها تنظر منه إلى ما لا ينظر العصبات، وهو ما بين السرة والركبة. (والثاني): يقدم العصبات؛ لأنهم أحق بالصلاة عليه)
الشرح:
حديث عائشة هذا ضعيف، رواه البيهقي من رواية محمد بن عمر الواقدي، وهو ضعيف باتفاقهم، قال البيهقي: ورواية الواقدي وإن كان ضعيفًا فله شواهد مراسيل.
قلت: ورواه مالك في الموطأ عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أسماء بنت عميس أنها غسلت أبا بكر حين توفي، فسألت من حضرها من المهاجرين فقالت: إني صائمة، وإن هذا يوم شديد البرد، فهل علي من غسل؟ فقالوا: لا، وهذا الإسناد منقطع.
وعُمَيْس: بعين مهملة مضمومة، ثم ميم مفتوحة، ثم مثناة من تحت ساكنة، ثم سين مهملة.
وكانت أسماء من السابقات إلى الإسلام أسلمت قديمًا بمكة قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم.
المغني لابن قدامة (2/ 390)
تغسيل الزوج زوجته والزوجة زوجها:
مسألة: قال: وإن دعت الضرورة إلى أن يغسل الرجل زوجته فلا بأس.
المشهور عن أحمد أن للزوج غسل امرأته، وهو قول علقمة، وعبد الرحمن بن يزيد بن الأسود، وجابر بن زيد، وسليمان بن يسار، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وقتادة، وحماد، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وعن أحمد رواية ثانية، ليس للزوج غسلها، وهو قول أبي حنيفة، والثوري؛ لأن الموت فرقة تبيح أختها، وأربعًا سواها، فحرمت النظر واللمس، كالطلاق.
ولنا: ما روى ابن المنذر أن عليًّا - رضي الله عنه - غسل فاطمة - رضي الله عنها -، واشتهر ذلك في الصحابة فلم ينكروه، فكان إجماعًا؛ ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة - رضي الله عنها -: «لو مت قبلي لغسلتك وكفنتك» رواه ابن ماجه، والأصل في إضافة الفعل إلى الشخص أن يكون للمباشرة، وحمله على الأمر يبطل فائدة التخصيص. ولأنه أحد الزوجين، فأبيح له غسل صاحبه كالآخر، والمعنى فيه أن كل واحد من الزوجين يسهل عليه اطلاع الآخر على عورته دون غيره؛ لما كان بينهما في الحياة، ويأتي بالغسل على أكمل ما يمكنه، لما بينهما من المودة والرحمة.
وما قاسوا عليه لا يصح، لأنه يمنع الزوجة من النظر، وهذا بخلافه، ولأنه لا فرق بين الزوجين إلا بقاء العدة، ولا أثر لها، بدليل، ما لو مات المطلق ثلاثًا، فإنه لا يجوز لها غسله مع العدة، ولأن المرأة لو وضعت حملها عقب موته كان لها غسله، ولا عدة عليها.وقول الخرقي: وإن دعت الضرورة إلى أن يغسل الرجل زوجته فلا بأس: يعني به: أنه يكره له غسلها مع وجود من يغسلها سواه؛ لما فيه من الخلاف والشبهة، ولم يرد أنه محرم، فإن غسلها لو كان محرمًا لم تبحه الضرورة، كغسل ذوات محارمه والأجنبيات.
الموسوعة الفقهية الكويتية (13/ 59)
تغسيل الرجل والمرأة الطفل دون السبع سنين:
تغسيل الرجال والنساء للأطفال الصغار:
16 - قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المرأة تغسل الصبي الصغير.
وقيده الحنفية والشافعية بالذي لا يشتهى، والمالكية بثماني سنين فما دونها، والحنابلة بما دون سبع سنين، ثم اختلفوا في تحديد السن على أقوال كثيرة فصلها الفقهاء في (كتاب الجنائز).
أما تغسيل الرجال للصغيرة: فذهب الحنفية والشافعية إلى أنه لا بأس للرجل أن يغسل الصبية التي لا تشتهى إذا ماتت؛ لأن حكم العورة غير ثابت في حقها، وإليه ذهب الثوري وأبو الخطاب.
ويرى جمهور المالكية أنه يجوز غسل صبية رضيعة وما قاربها كزيادة شهر على مدة الرضاع، لا بنت ثلاث سنين. ويرى ابن القاسم منهم أنه لا يغسل الرجل الصبية وإن صغرت جدًّا.
وقال عيسى: إذا صغرت جدًّا فلا بأس، وصرح أحمد أن الرجل لا يغسل الصبية إلا ابنته الصغيرة، فإنه يروى عن ابن قلابة أنه غسل بنتًا له صغيرة، وهو قول الحسن أيضًا.قال ابن قدامة: الصحيح ما عليه السلف من أن الرجل لا يغسل الجارية، والتفرقة بين عورة الغلام والجارية؛ لأن عورة الجارية أفحش، ولأن العادة معاناة المرأة للغلام الصغير، ومباشرة عورته في حال تربيته، ولم تجر العادة بمباشرة الرجل عورة الجارية في الحياة، فكذلك حال الموت
المجموع شرح المهذب (5/ 152)
تغسيل الرجل والمرأة الطفل دون السبع سنين:
(فرع): في مذاهبهم في غسل المرأة الصبي، وغسل الرجل الصبية، وقدر سنه:
قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن للمرأة أن تغسل الصبي الصغير، ثم قال الحسن: تغسله إذا كان فطيمًا أو فوقه بقليل، وقال مالك وأحمد: ابن سبع سنين، وقال الأوزاعي: ابن اربع أو خمس، وقال إسحاق: ثلاث إلى خمس، قال: وضبطه أصحاب الرأي بالكلام، فقالوا: تغسله ما لم يتكلم، ويغسلها ما لم تتكلم.
قلت: ومذهبنا يغسلان ما لم يبلغا حدًّا يشتهيان، كما سبق.
الموسوعة الفقهية الكويتية (25/ 323)
تغسيل المُحرم:
إذا مات المحرم بحج أو عمرة فلا يؤخذ من شاربه ولا من شعره شيء؛ مراعاة لإحرامه، لأنه يظل عليه، ويبعث يوم القيامة ملبيًا، كما جاء في حديث الأعرابي الذي وقصته ناقته فمات وهو محرم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا).
المجموع شرح المهذب (5/ 207)
المغني لابن قدامة (3/ 280)
تغسيل المُحرم:
ولنا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في المحرم الذي وقصه بعيره: «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا» متفق عليه.
فأمر بغسله بالسدر، مع إثبات حكم الإحرام في حقه، والخطمي كالسدر. ولأنه ليس بطيب، فلم تجب الفدية باستعماله كالتراب.
الموسوعة الفقهية الكويتية (13/ 61)
لا يغسَّل شهيد المعركة:
تغسيل الشهيد:
20 - اتفق الفقهاء على أن الشهيد لا يغسل؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في شهداء أحد: (ادفنوهم بدمائهم).
ويرى الحسن البصري وسعيد بن المسيب تغسيل الشهيد.
وإن كان الشهيد جنبًا: فذهب أبو حنيفة والحنابلة، وهو رواية عن الشافعية، وقول سحنون من المالكية إلى أنه يغسل، ويرى جمهور المالكية وأبو يوسف ومحمد من الحنفية، والشافعية في الأصح أنه لا يغسل؛ لعموم الخبر.
وكذلك الحكم فيمن وجب عليه الغسل بسبب سابق على الموت، كالمرأة التي تطهر من حيض أو نفاس ثم تستشهد فهي كالجنب.
وأما قبل الطهارة من الحيض أو النفاس فلا يجب الغسل، وعن أبي حنيفة في هذه الحالة روايتان: إحداهما: يجب الغسل كالجنب، والأخرى: لا يجب.
وذهب جمهور الفقهاء - ما عدا أبا حنيفة - إلى أن الشهيد البالغ وغيره سواء، وإليه ذهب أبو ثور وابن المنذر.والخلاف في هذه المسألة - وكذلك في تغسيل من كان به رمق، والمرتث (وهو من حمل من المعركة جريحًا وبه رمق)، ومن عاد عليه سلاحه فقتله، ومن يقتل من أهل العدل في المعركة، ومن قتل ظلمًا، أو دون ماله أو دون نفسه وأهله - مبني على خلاف آخر، وهو أن هؤلاء وأمثالهم هل يعتبرون من الشهداء أم لا؟
فيرجع للتفصيل إلى مصطلح (شهيد) .
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (6/ 144)
لا يغسَّل شهيد المعركة:
والشهيد في اصطلاح الفقهاء: من مات بسبب القتال مع الكفار وقت قيام القتال.
• المراد بالمسألة: أن من وجد من المسلمين مقتولًا في أرض المعركة مع الكفار سواء قتله الكفار، أو قتله المسلمون خطأً، أو وطأته الدواب فإنه يُعد شهيدًا في الأحكام الدنيوية، فتجري عليه أحكام الشهيد فلا يُغسَّل، ولا يُكفن ولا يُصلَّى عليه، وقد نُقل الإجماع على ذلك.
• من نقل الإجماع: الغزالي (505 هـ) حيث يقول: (والشهيد من مات بسبب القتال مع الكفار في وقت قيام القتال، ولا خلاف أن من أصابه في القتال سلاح مسلم، أو وطأته دواب المسلمين فمات، فهو شهيد).
والدمشقي (780 هـ) حيث يقول: (واتفقوا على أن الشهيد وهو من مات في قتال الكفار لا يُغسَّل).
والشوكاني (1255 هـ) حيث يقول: (فعند الشافعي أن المراد بالشهيد قتيل المعركة في حرب الكفار، وخرج بقوله: (في المعركة) من جرح في المعركة وعاش بعد ذلك حياة مستقرة، وخرج بحرب الكفار من مات في قتال المسلمين كأهل البغي، وخرج بجميع ذلك من يسمى شهيدًا بسبب غير السبب المذكور، ولا خلاف أن من جمع هذه القيود شهيد).• الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية.
الموسوعة الفقهية الكويتية (16/ 122)
هل السقط يُغسل؟
تغسيل الجنين، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه:
22 - ذهب الحنفية إلى أنه إذا انفصل الجنين ميتًا ولم يستهل بعد الولادة، فإنه يغسل، ويسمى، ويدرج في خرقة، ويدفن، ولا يصلى عليه.
يقول ابن عابدين: وهذا الكلام يشمل ما تم خلقه، وما لم يتم خلقه.
أما ما تم خلقه فلا خلاف في تغسيله، وأما ما لم يتم، ففيه خلاف.
والمختار أنه يغسل، ويلف في خرقة، ولا يصلى عليه.
وجزم صاحب الهداية في هذا المقام بأن من استهل بعد الولادة سمي، وغسل، وصلي عليه.
واستدل بما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استهل الصبي صلي عليه، وورث)، وبأن الاستهلال دلالة الحياة، فيتحقق في حقه سنة الموتى، ثم يقول: وإن لم يستهل أدرج في خرقة كرامة لبني آدم، ولم يصل عليه، لما رويناه، ويغسل في غير الظاهر من الرواية؛ لأنه نفس من وجه وهو المختار.
وأورد الكاساني تفصيل الخلاف في هذا بين أئمة المذهب.
المجموع شرح المهذب (5/ 255)
هل السقط يُغسل؟
إذا استهل السقط أو تحرك ثم مات غسل وصلي عليه؛ لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا استهل السقط غسل وصلي عليه وورث وورث"، ولأنه قد ثبت له حكم الدنيا في الإسلام والميراث والدية فغسل وصلي عليه كغيره، وإن لم يستهل ولم يتحرك، فإن لم يكن له أربعة أشهر كفن بخرقة، ودفن.
وإن تم له أربعة أشهر ففيه قولان: قال في القديم: يصلى عليه؛ لأنه نفخ فيه الروح فصار كمن استهل، وقال في الأم: لا يصلى عليه، وهو الأصح؛ لأنه لم يثبت له حكم الدنيا في الإرث وغيره فلم يصل عليه.
فإن قلنا: يصلى عليه غسل كغير السقط، وإن قلنا: لا يصلى عليه ففي غسله قولان: قال في البويطي: لا يغسل؛ لأنه لا يصلى عليه فلا يغسل كالشهيد، وقال في الأم: يغسل؛ لأن الغسل قد ينفرد عن الصلاة كما نقول في الكافر.
الشرح:
حديث ابن عباس من رواية ابن عباس غريب، وإنما هو معروف من رواية جابر، رواه من رواية جابر: الترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم والبيهقي، وإسناده ضعيف، وفي بعض رواياته موقوف على جابر، قال الترمذي رحمه الله: كأن الموقوف أصح، وقال النسائي: الموقوف أولى بالصواب، رواه الترمذي في الجنائز، والنسائي في الفرائض، وابن ماجه فيهما.
وفي رواية البيهقي: (صلي عليه وورث وورث)، ورواية المهذب: ورث - بفتح الواو وكسر الراء –
وقوله: (استهل) أي: صرخ، وأصل الإهلال: رفع الصوت.
وفي السقط ثلاث لغات: كسر السين، وضمها، وفتحها.
أما حكم المسألة: فللسقط أحوال:
(أحدها): أن يستهل، فيجب غسله والصلاة عليه بلا خلاف عندنا؛ لما ذكره المصنف ويكون كفنه ككفن البالغ ثلاثة أثواب.
(الثاني): أن يتحرك حركة تدل على الحياة ولا يستهل أو يختلج، ففيه طريقان: (المذهب) وبه قطع المصنف والعراقيون: يغسل ويصلى عليه قولًا واحدًا.
(والثاني): حكاه الخراسانيون: فيه قولان، وبعضهم يقول: وجهان، (أصحهما) هذا، (والثاني)
حكاه الخراسانيون: لا يصلى عليه، وعلى هذا: هل يغسل فيه طريقان عندهم (المذهب): يغسل، (والثاني): على قولين (أحدهما): يغسل، (والثاني): لا يغسل.(الثالث): أن لا تكون فيه حركة ولا اختلاج ولا غيرهما من أمارات الحياة فله حالان:
(أحدهما): أن لا يبلغ أربعة أشهر فلا يصلى عليه بلا خلاف، وفي غسله طريقان: (المذهب) وبه قطع المصنف والجمهور: لا يغسل، (والثاني) حكاه بعض الخراسانيين كالقاضي حسين والرافعي وآخرين: فيه قولان، وذكرهما المحاملي في التجريد، لكن قال: يشترط أن يكون ظَهَرَ فيه خلقة آدمي.
(والحال الثاني): أن يبلغ أربعة أشهر، ففيه ثلاثة أقوال، ذكرها المصنف والأصحاب، (الصحيح) المنصوص في الأم ومعظم كتب الشافعي: يجب غسله، ولا تجب الصلاة عليه ولا تجوز أيضًا؛ لأن باب الغسل أوسع، ولهذا يغسل الذمي، ولا يصلى عليه.
(والثاني) نص عليه في البويطي من الكتب الجديدة: لا يصلى عليه، ولا يغسل، (والثالث) حكاه المصنف والجمهور عن نصه في القديم: أنه يغسل، ويصلى عليه، وقال الشيخ أبو حامد: المنصوص للشافعي رحمه الله في جميع كتبه أنه لا يصلى عليه، قال: وحكى أصحابنا عن القديم: أنه يصلى عليه، وقال صاحب الحاوي: (الصحيح) الذي نص عليه الشافعي في القديم والجديد: أنه لا يصلى عليه، قال: (والثاني) حكاه ابن أبي هريرة تخريجًا عن الشافعي رحمه الله في القديم: أنه يصلى عليه، وقال البندنيجي رحمه الله: حكى أصحابنا عن القديم: أنه يصلى عليه.وقد قرأت القديم كله فلم أجده، فقد اتفق هؤلاء على إنكار كونه في القديم.
قال إمام الحرمين والغزالي في البسيط: إن أوجبنا في هذه الأحوال الصلاة، فالكفن التام واجب كما سبق، يعني: يكفن كفن البالغ في ثلاثة أثواب، وإن لم نوجب الصلاة وجب دفنه بالاتفاق، والخرقة التي تواريه وهي لفافة، قالا: والدفن واجب حينئذ قولًا واحدًا، قالا: ثم تمام الكفن يتبع وجوب الصلاة، قالا: وإذا ألقت المرأة مضغة لا يثبت بها حكم الاستيلاد ووجوب الغرة ولا غسل ولا تكفين ولا صلاة ولا يجب الدفن، والأولى أن توارى، هذا كلامهما.
وكذا قال البغوي: إذا ألقت علقة أو مضغة لم يظهر فيها شيء من خلق الآدمي فليس لها غسل ولا تكفين وتوارى كما يوارى دم الرجل إذا افتصد أو احتجم.
وأما الرافعي رحمه الله فقال: ما يظهر فيه خلقة آدمي يكفي فيه المواراة كيف كانت، فبعد ظهور خلقة الآدمي حكم التكفين حكم الغسل، فجعله تابعًا للغسل، وجعله الإمام والغزالي تابعًا للصلاة، وما ذكره الرافعي رحمه الله أنسب.
وأما المحاملي فذكر مسألة السقط في التجريد خلاف الأصحاب وخلاف ما ذكره هو أيضًا في كتابه المجموع فقال: إن سقط بعد نفخ الروح ولم يستهل بأن سقط لفوق أربعة أشهر فقولان: قال في القديم والجديد: لا يصلى عليه. وفي البويطي: يصلى عليه، قال: ولا خلاف على القولين أنه يغسل ويكفن ويدفن، وإن سقط قبل أربعة أشهر فلا خلاف أنه لا يصلى عليه، نص عليه في جميع كتبه.
ثم إن لم يكن فيه خلق آدمي كظفر وغيره فلا حكم له فلا يغسل ولا يكفن، وإن كان قد تخلق كفن ودفن، وفي غسله قولان، هذا آخر كلامه.
وفي البيان عن الشيخ أبي حامد نحوه، ولم أر في تعليق أبي حامد، لكن نسخ التعليق تخلف، والله أعلم.
المغني لابن قدامة (2/ 389)
هل السقط يُغسل؟
مسألة: قال: والسقط إذا ولد لأكثر من أربعة أشهر، غسل، وصلي عليه.
السقط: الولد تضعه المرأة ميتًا، أو لغير تمام، فأما إن خرج حيًّا واستهل، فإنه يغسل ويصلى عليه، بغير خلاف.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الطفل إذا عرفت حياته واستهل صلي عليه. وإن لم يستهل، فقال أحمد: إذا أتى له أربعة أشهر غسل وصلي عليه.
وهذا قول سعيد بن المسيب، وابن سيرين، وإسحاق، وصلى ابن عمر على ابن لابنته ولد ميتًا.وقال الحسن، وإبراهيم، والحكم وحماد، ومالك، والأوزاعي وأصحاب الرأي: لا يصلى عليه حتى يستهل.
وللشافعي قولان كالمذهبين؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الطفل لا يصلى عليه، ولا يرث، ولا يورث، حتى يستهل» رواه الترمذي، ولأنه لم يثبت له حكم الحياة ولا يرث ولا يورث، فلا يصلى عليه، كمن دون أربعة أشهر.
ولنا: ما روى المغيرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «والسقط يصلى عليه» رواه أبو داود والترمذي وفي لفظ رواية الترمذي: (والطفل يصلى عليه) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وذكره أحمد واحتج به، وبحديث أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - قال: ما أحد أحق أن يصلى عليه من الطفل، ولأنه نسمة نفخ فيه الروح فيصلى عليه كالمستهل، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر في حديثه الصادق المصدوق، أنه ينفخ فيه الروح لأربعة أشهر.وحديثهم قال الترمذي: قد اضطرب الناس فيه، فرواه بعضهم موقوفًا. قال الترمذي: كأن هذا أصح من المرفوع.
الموسوعة الفقهية الكويتية (13/ 54)
تقليم أظفار الميت، وحلق إبطه وعانته:
وأما تسريح الشعر، وتقليم الأظفار، وحلق العانة، ونتف الإبط، فلا يفعل شيء من ذلك عند الحنفية، وهو أيضًا قول الحنابلة في العانة، ورواية عندهم في تقليم الأظفار، وهو مذهب المالكية والشافعية في القديم أيضًا، إلا في تسريح الشعر واللحية؛ لأن ذلك يفعل لحق الزينة، والميت ليس بمحل الزينة، فلا يزال عنه شيء مما ذكرنا، وأما إن كان ظفره منكسرًا فلا بأس بأخذه.
وذهب الشافعية في الجديد إلى أنه يفعل كل ذلك، وإليه ذهب الحنابلة في قص الشارب، وهو رواية عندهم في تقليم الظفر إن كان فاحشًا، ورواية عن أحمد في حلق العانة.
ودليل الجواز: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا بموتاكم كما تصنعون بعرائسكم)، ولأن ترك تقليم الأظفار ونحوها يقبح منظر الميت، فشرعت إزالته.
وأما الختان: فلا يشرع عند جمهور الفقهاء؛ لأنه إبانة جزء من أعضائه، كما أنه لا يحلق رأس الميت، وحكى أحمد عن بعض الناس أنه يختن.
المجموع شرح المهذب (5/ 178)
تقليم أظفار الميت، وحلق إبطه وعانته:
قال المصنف رحمه الله: وفي تقليم أظفاره وحف شاربه وحلق عانته قولان: (أحدهما): يفعل ذلك؛ لأنه تنظيف فشرع في حقه كإزالة الوسخ (والثاني): يكره، وهو قول المزني لأنه قطع جزء منه فهو كالختان.
قال الشافعي: ولا يحلق شعر رأسه.
قال أبو إسحق: إن لم يكن له جمة حلق رأسه؛ لأنه تنظيف، فهو كتقليم الأظفار، والمذهب الأول؛ لأن حلق الرأس يراد للزينة لا للتنظيف.
الشرح:
في قلم أظفار الميت وأخذ شعر شاربه وإبطه وعانته قولان: (الجديد): أنها تفعل، (والقديم): لا تفعل، وللأصحاب طريقان: (أحدهما): أن القولين في الاستحباب والكراهة
(أحدهما): يستحب، (والثاني): يكره، وهذه طريقة المصنف هنا، وشيخه القاضي أبي الطيب في تعليقه وصاحب الحاوي والغزالي في الوسيط والخلاصة وصاحب التهذيب والروياني في الحلية وآخرين من الأصحاب، قال صاحب الحاوي: القول الجديد أنه مستحب، وتركه مكروه، وقطع المصنف في التنبيه والجرجاني في التحرير باستحبابه، (والطريق الثاني): أن القولين في الكراهة وعدمها (أحدهما): يكره، (والثاني): لا يكره، ولا يستحب قطعًا، وبهذا الطريق قال الشيخ أبو حامد والمحاملي والبندنيجي وابن الصباغ والشاشي وآخرون، وهو ظاهر نص الشافعي في الأم، فإنه قال: من الناس من كره أخذه، ومنهم من رخص فيه، وأما قول الرافعي -: لا خلاف أن هذه الأمور لا تستحب، وإنما القولان في الكراهة - فمردود بما قدمته من إثبات الخلاف في الاستحباب، مع جزم من جزم، وعجيب قوله هذا مع شهرة هذه الكتب لا سيما الوسبط والمهذب والتنبيه، وأما الأصح من القولين فصصح المحاملي أنه لا يكره، وقطع به في كتابه المقنع وصحح غيره الكراهة، وهو المختار، ونقله البندنيجي عن نص الشافعي في عامة كتبه منها الأم ومختصر الجنائز والقديم، وقد قال الشافعي في مختصر المزني من أصحابنا: من رأى حلق الشعر وتقليم الأظفار، ومنهم من لم يره، قال الشافعي: وتركه أعجب إلي، هذا نصه، وهو صريح في ترجيح تركه، ولم بصرح الشافعي في شيء من كتبه باستحبابه جزمًا، إنما حكى اختلاف شيوخه في استحبابه وتركه، واختار هو تركه، فمذهبه تركه، وما سواه ليس مذهبًا له فيتعين ترجيح تركه.ويؤيده أيضًا أن الشافعي قال في المختصر والأم: ويتتبع الغاسل ما تحت أظافير الميت بعود حتى يخرج الوسخ.
قال القاضي أبو الطيب في تعليقه: قال أصحابنا: هذا تفريع من الشافعي على أنه يترك أظافيره، وأما إذا قلنا: تزال، فلا حاجة إلى العود، فحصل أن المذهب أو الصواب ترك هذه الشعور والأظفار؛ لأن أجزاء الميت محترمة، فلا تنهتك بهذا، ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم في هذا شيء، فكره فعله، وإذا جمع الطريقان حصل ثلاثة أقوال: (المختار): يكره، (والثاني): لا يكره ولا يستحب، (والثالث): يستحب، وممن استحبه سعيد بن المسيب وابن جبير والحسن البصري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وممن كرهه مالك وأبو حنيفة والثوري والمزني وابن المنذر والجمهور، ونقله العبدري عن جمهور العلماء، قال أصحابنا: وإذا قلنا: تزال هذه الشعور فللغاسل أن يأخذ شعر الإبط والعانة بالمقص أو الموسى أو النَّوْرة، فإن نوَّرَهُ غسل موضع النورة، هذا هو المذهب والمنصوص في الأم، وبه قطع الجمهور، وفيه وجه أنه تتعين النورة في العانة؛ لئلا ينظر إلى عورته، وبهذا قطع البندنيجي والمحاملي في المجموع، ووجه ثالث أنه يستحب النورة في العانة والإبط جميعًا، وبه جزم صاحب الحاوي، والمذهب: التخيير، كما سبق، لكن لا يمس ولا ينظر من العورة إلا قدر الضرورة.
وأما الشارب: فاتفق الأصحاب على أنه إذا قلنا: يزال، أزاله بالمقص، كما يزيله في الحياة، قال المحاملي وغيره: يكره حف الشارب في حق الحي والميت جميعًا، ولكن يقصه بحيث لا تنكشف شفته.
وأما قول المصنف: (حف شاربه) فمراده: قَصُّه، لا حقيقة الحف، كما قاله أصحابنا.
وإذا قلنا: يزيل هذه الشعور والأظفار استحب إزالتها قبل الغسل، صرح به المحاملي وابن الصباغ وغيرهما، قال ابن الصباغ في أول باب غسل: الميت يفعلها قبل غسله، قال: وقد أخل المزني بالترتيب، فذكره بعد الغسل، وكان ينبغي أن يذكره قبله.
قلت: وكذا عمل المصنف وجمهور الأصحاب ذكروه بعد الغسل، وكأنهم تأسوا بالمزني رحمه الله، ولا يلزم من هذا أنهم يخالفون في استحباب تقديمه، وقد أشار المصنف إلى تقديمه بقوله قبل هذا: (ويتتبع ما تحت أظفاره إن لم يكن قلمها).
وأما شعر الرأس: فقال الشافعي رحمه الله: لا يحلقه، قال أصحابنا رحمهم الله: إن كان لا يعتاد حلق رأسه بأن كان ذا جمة، وهي الشعر المسترسل الذي نزل إلى المنكبين، لم يحلق بلا خلاف، وإن كان عادته حلقه فطريقان: المذهب وبه قطع الجمهور: لا يحلق، (والثاني): على القولين في الأظفار والشارب والإبط والعانة، وهذا التفصيل الذي ذكرته بين المعتاد وغيره هو المعروف في المذهب، وكلام المصنف محمول عليه.
وأما ختان من مات قبل أن يختن: ففيه ثلاث طرق: (المذهب): وبه قطع المصنف والجمهور: لا يختن، (والطريق الثاني): فيه قولان، كالشعر والظفر، حكاه الدارمي، (والثالث): فيه ثلاثة أوجه حكاها صاحب البيان، (الصحيح): لا يختن، (والثاني): يختن، (والثالث): يختن البالغ دون الصبي؛ لأنه وجب على البالغ دون الصبي، (والصحيح): الجزم بأنه لا يختن مطلقًا؛ لأنه جزء فلم يقطع كيده المستحقة في قطع سرقة أو قصاص، فقد أجمعوا أنها لا تقطع، ويخالف الشعر والظفر فإنهما يزالان في الحياة للزينة، والميت يشارك الحي في ذلك، والختان يفعل للتكليف به، وقد زال بالموت، والله أعلم.
المغني لابن قدامة (2/ 403)
تقليم أظفار الميت، وحلق إبطه وعانته:
مسألة: قال: (وإن كان شاربه طويلًا أخذ، وجعل معه).
وجملته: أن شارب الميت إن كان طويلًا استحب قصه، وهذا قول الحسن، وبكر بن عبد الله، وسعيد بن جبير، وإسحاق. وقال أبو حنيفة، ومالك: لا يؤخذ من الميت شيء؛ لأنه قطْعُ شيء منه، فلم يستحب كالختان.
واختلف أصحاب الشافعي كالقولين.
ولنا: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اصنعوا بموتاكم كما تصنعون بعرائسكم» .
والعروس يحسن ويزال عنه ما يستقبح من الشارب وغيره، ولأن تركه يقبح منظره، فشرعت إزالته، كفتح عينيه وفمه شرع ما يزيله، ولأنه فعل مسنون في الحياة لا مضرة فيه، فشرع بعد الموت، كالاغتسال. ويخرج على هذا الختان؛ لما فيه من المضرة. فإذا أخذ الشعر جعل معه في أكفانه؛ لأنه من الميت، فيستحب جعله في أكفانه كأعضائه؛ وكذلك كل ما أخذ من الميت من شعر أو ظفر أو غيرهما، فإنه يغسل ويجعل معه في أكفانه كذلك.(1646) فصل:
فأما الأظفار إذا طالت ففيها روايتان: إحداهما، لا تقلم.
قال أحمد: لا تقلم أظفاره، وينقى وسخها.
وهو ظاهر كلام الخرقي؛ لقوله: والخِلَالُ يستعمل إن احتيج إليه.
والخِلَالُ يزال به ما تحت الأظفار؛ لأن الظفر لا يظهر كظهور الشارب، فلا حاجة إلى قصه. والثانية: يقص إذا كان فاحشًا، نص عليه؛ لأنه من السنة، ولا مضرة فيه، فيشرع أخذه كالشارب.
ويمكن أن تحمل الرواية الأولى على ما إذا لم تكن فاحشة.
وأما العانة: فظاهر كلام الخرقي أنها لا تؤخذ؛ لتركه ذكرها، وهو قول ابن سيرين، ومالك، وأبي حنيفة؛ لأنه يحتاج في أخذها إلى كشف العورة، ولمسها، وهتك الميت، وذلك محرم لا يفعل لغير واجب، ولأن العورة مستورة يستغنى بسترها عن إزالتها.
وروي عن أحمد أن أخذها مسنون، وهو قول الحسن، وبكر بن عبد الله، وسعيد بن جبير، وإسحاق؛ لأن سعد بن أبي وقاص جَزَّ عانةَ ميت، ولأنه شعر إزالته من السنة، فأشبه الشارب، والأول أولى.
ويفارق الشارب العانة؛ لأنه ظاهر يتفاحش لرؤيته، ولا يحتاج في أخذه إلى كشف العورة ولا مسها.
فإذا قلنا بأخذها، فإن حنبلًا روى أن أحمد سئل: ترى أن تستعمل النَّوْرة؟ قال: الموسى، أو مقراض يؤخذ به الشعر من عانته.
وقال القاضي: تزال بالنورة؛ لأنه أسهل، ولا يمسها.
ووجه قول أحمد: أنه فعلُ سعدٍ، والنَّوْرة لا يؤمن أن تتلف جلد الميت.
(1647) فصل:
فأما الختان: فلا يشرع؛ لأنه إبانة جزء من أعضائه، وهذا قول أكثر أهل العلم، وحكي عن بعض الناس أنه يختن، حكاه الإمام أحمد، والأول أولى؛ لما ذكرناه.
ولا يحلق رأس الميت؛ لأنه ليس من السنة في الحياة، وإنما يراد لزينة أو نسك، ولا يطلب شيء من ذلك هاهنا.