الموسوعة الفقهية الكويتية (17/ 152)
آثار الحد:
52 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الحد إن كان رجمًا يدفع المرجوم بعد قتله إلى أهله، فيصنعون به ما يصنع بسائر الموتى، فيغسلونه، ويكفنونه، ويصلون عليه، ويدفنونه؛ لما روي أن ماعزًا لما رجم قال عليه الصلاة والسلام: (اصنعوا به ما تصنعون بموتاكم).وصلى عليٌّ - رضي الله عنه - على شراحة.
ولأنه مسلم لو مات قبل الحد صلي عليه، فيصلى عليه بعده كالسارق.
ويرى المالكية أن من قتله الإمام في حد لا يصلي الإمام عليه؛ لأن جابرًا قال في حديث ماعز: فرجم حتى مات، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم خيرًا، ولم يصل عليه.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (9/ 136 -141)
يصلى على كل من مات بسبب الحد، إلا المرتد.
• المراد بالمسألة: إذا مات شخص بسبب حد من الحدود، كزان محصن مات بسبب رجمه، أو محارب قتل بسبب حرابته، أو سارق قُطعت يده فمات بسبب القطع، ونحو ذلك فإنه يصلى على كل من مات بموجب الحد، كغيره من المسلمين، ولا يستثنى من ذلك إلا من مات بموجب حد الردة.
ومما سبق ينبه إلى أمرين:
الأول: من مات بسبب حد الردة، فذلك لا يُصلى عليه لكفره، وغير داخل في المسألة.
الثاني: أن الإمام أو أهل الفضل إن تركوا الصلاة على أحد ممن مات بسبب الحد من باب التغليظ، فإن ذلك غير داخل في مسألة الباب وإنما المراد ترك الصلاة عليه مطلقًا.• من نقل الإجماع: قال ابن سيرين (110 هـ): "ما أعلم أن أحدًا من أهل العلم من الصحابة -رضي اللَّه عنهم- ولا التابعين ترك الصلاة على أحد من أهل القبلة تأثمًا". وقال قتادة (117 هـ): "لا أعلم أحدًا من أهل العلم اجتنب الصلاة على من قال: لا إله إلا اللَّه".
وقال ابن عبد البر (463 هـ): "أجمع المسلمون على أنه لا يجوز ترك الصلاة على المسلمين المذنبين من أجل ذنوبهم وإن كانوا أصحاب كبائر".
وقال القاضي عياض (544 هـ): "لم يختلف العلماء في الصلاة على أهل الفسوق والمعاصي المقتولين في الحدود"، ونقله عنه ابن حجر .
ويمكن أن يضاف إليها نقولات أهل العلم في أن مرتكب الحدود مسلم لا يَكفر بمجرد المعصية الموجبة للحد، كما سبق بيانه في مسألة: "مرتكب الحدود لا يكفر، إلا بالردة".• الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك الحنابلة، والظاهرية .
• مستند الإجماع: الدليل الأول: عن جابر -رضي اللَّه عنه-: "أن رجلًا من أسلم جاء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فاعترف بالزنا، فأعرض عنه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، حتى شهد على نفسه أربع مرات، قال له النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: (أبك جنون؟ )، قال: لا، قال: (آحصنت؟ ) قال: نعم، فأمر به فرجم بالمصلى، فلما أذلقته الحجارة فر، فأدرك، فرُجم حتى مات، فقال له النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- خيرًا، وصلى عليه".
الدليل الثاني: ما جاء في قصة الغامدية التي رُجمت وفيه: "فيقبل خالد بن الوليد بحجر، فرمى رأسها، فتنضح الدم على وجه خالد، فسبها، فسمع نبي اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سبه إياها، فقال: (مهلًا يا خالد؛ فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له) ثم أمر بها، فصلى عليها، ودفنت".
الدليل الثالث: عن عمران بن حصين: أن امرأة من جهينة أتت نبي اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وهي حبلى من الزنا فقالت يا نبي اللَّه أصبت حدا فأقمه علي فدعا نبي اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وليها فقال (أحسن إليها فإذا وضعت فائتني بها)، ففعل، فأمر بها نبي اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فشكت عليها ثيابها، ثم أمر بها، فرجمت، ثم صلى عليها، فقال له عمر: تصلي عليها يا نبي اللَّه وقد زنت؟ فقال: (لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها للَّه تعالى).• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- شرع الصلاة على الذين رُجموا بسبب حد الزنا، وفي روايات لا خلاف فيها، إلا في الصلاة على ماعز فقد اختلفت الروايات هل صُلَّي عليه أو لا، ولذا قال ابن حزم بعد ذكره لهذه الأحاديث: "في هذه الآثار صلاة رسول اللَّه على الجهينية بنفسه بلا خلاف، وأمره بالصلاة على الغامدية بلا خلاف، وصلاته على ماعز -رضي اللَّه عنه- باختلاف".
الدليل الرابع: عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: (صلوا خلف كل بر وفاجر، وصلوا على كل بر وفاجر، وجاهدوا مع كل بر وفاجر.
الدليل الخامس: أن هؤلاء وإن كانوا أصحاب كبائر لكنهم من جملة المسلمين فهم داخلون في عموم الأحاديث الدالة على الصلاة على المسلم، وليس ثمة دليل يمنع من الصلاة عليهم، فنبقى على الأصل حتى يرد الدليل المانع من ذلك.
الدليل السادس: لأن من أقيم عليه الحد مسلم، لو مات قبل الحد صلي عليه فيصلى عليه بعده كذلك.• المخالفون للإجماع: القول الأول: ذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يصلى على البغاة وقطاع الطريق إذا قُتِلوا حال المحاربة والبغي. وهو قول الحنفية.
القول الثاني: ذهب الزهري إلى أنه لا يُصلى على المرجوم.
تنبيه: حكى ابن قدامة عن مالك القول بترك الصلاة على من قُتل في حد، حيث قال: "قال مالك: لا يصلى على من قتل في حد"، وهذا النقل فيه توسع في العبارة، فإن مذهب المالكية الصلاة على من قتل في حد أو قصاص، أو مظهر لكبيرة، لكن لا يصلي عليه الإمام وأهل الفضل من باب الردع، أما عموم الناس فيصلون عليهم.
وجاء في المدونة: "فهل يُصلَّى على المرجوم ويغسل ويكفن ويدفن؟ قال: قال مالك: نعم، إلا إن الإمام لا يصلي عليه".
ولذا كان الخطابي أدقَّ في العبارة حيث قال: "وقال مالك: من قتله الإمام في حد من الحدود فلا يصلي عليه الإمام، ويصلي عليه أهله إن شاؤوا أو غيرهم".• دليل المخالف: استدل الحنفية على ترك الصلاة على البغاة وقطاع الطريق بأن عليًا -رضي اللَّه عنه- لم يغسل أهل النهروان ولم يصل عليهم، وكان ذلك بمحضر الصحابة -رضي اللَّه عنهم- ولم ينكر عليه أحد، فكان كالإجماع، وإذا ثبت هذا في البغاة الذين أفسدوا بتأويل فيلحق بهم قطاع الطريق من باب أولى، لأنهم أفسدوا بلا تأويل.
النتيجة: يظهر -واللَّه أعلم- أن المسألة على ثلاثة أحوال:
الحال الأولى: الصلاة على من مات في حد الحرابة والبغي، فهذه المسألة على قسمين:
الأول: إن ماتوا في حال الحرابة أو البغي: فهذه ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم فيما إذا ماتوا حال الحرابة أو حال البغي؛ للخلاف فيه عن الحنفية.
الثاني: إن ماتوا في غير حال الحرابة والبغي فالصلاة عليهم مشروعة بالإجماع؛ لعدم المخالف.
الحال الثانية: الصلاة على من مات بسبب الرجم في حد الزنا، فهذه المسألة عليها عامة العلماء، ولم يخالف فيه إلا الزهري، ولعلَّه خلاف شاذ، لمخالفته للأحاديث الصحيحة.
الحال الثالثة: سائر الحدود، فهذا فيما يظهر هو محل إجماع بين أهل العلم على الصلاة على من مات في غيرها من الحدود؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم.
المجموع شرح المهذب (5/ 268)
إذا قتلنا تارك الصلاة غسل وكفن وصلي عليه ودفن في مقابر المسلمين، ورفع قبره كغيره كما يفعل بسائر أصحاب الكبائر، هذا هو المذهب، وبه قطع الجمهور، وفيه وجه حكاه الخراسانيون عن أبي العباس بن القاص صاحب التلخيص: أنه لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ويطمس قبره تغليظًا عليه وتحذيرًا من حاله، وهذا ضعيف، والله أعلم.
وأما قاطع الطريق: فيبنى أمره على صفة قتله وصلبه وفيه قولان مشهوران في باب حد قاطع الطريق (الصحيح): أنه يقتل ثم يغسل ويصلى عليه ثم يصلب مكفنًا، (والثاني): يصلب حيًّا ثم يقتل، وهل ينزل بعد ثلاثة أيام أم يبقى حتى يتهرى؟ فيه وجهان إن قلنا بالأول أنزل فغسل وصلي عليه، وإن قلنا بالثاني لم يغسل ولم يصل عليه.
قال إمام الحرمين: وكان لا يمتنع أن يقتل مصلوبًا وينزل ويغسل ويصلى عليه ثم يرد ولكن لم يذهب إليه أحد. وقال بعض أصحابنا: لا يغسل ولا يصلى عليه على كل قول.
المغني لابن قدامة (2/ 417)
فصل: ويصلى على سائر المسلمين من أهل الكبائر، والمرجوم في الزنا، وغيرهم. قال أحمد: من استقبل قبلتنا، وصلى بصلاتنا، نصلي عليه وندفنه. ويصلى على ولد الزنا، والزانية، والذي يقاد منه بالقصاص، أو يقتل في حد. وسئل عمن لا يعطي زكاة ماله، فقال: يصلى عليه، ما يعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك الصلاة على أحد، إلا على قاتل نفسه والغال.
وهذا قول عطاء، والنخعي، والشافعي، وأصحاب الرأي، إلا أن أبا حنيفة، قال: لا يصلى على البغاة، ولا المحاربين؛ لأنهم باينوا أهل الإسلام، وأشبهوا أهل دار الحرب.وقال مالك: لا يصلى على من قتل في حد؛ لأن أبا برزة الأسلمي قال: «لم يصل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ماعز بن مالك، ولم ينه عن الصلاة عليه» . رواه أبو داود.
ولنا: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صلوا على من قال: لا إله إلا الله» رواه الخلال بإسناده، وروى الخلال بإسناده، عن أبي شميلة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى قباء، فاستقبله رهط من الأنصار، يحملون جنازة على باب، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما هذا؟ قالوا: مملوك لآل فلان. قال: أكان يشهد أن لا إله إلا الله؟ قالوا: نعم، ولكنه كان وكان. فقال: أكان يصلي؟ قالوا: قد كان يصلي ويدع. فقال لهم: ارجعوا به، فغسلوه، وكفنوه، وصلوا عليه، وادفنوه، والذي نفسي بيده لقد كادت الملائكة تحول بيني وبينه».
وأما أهل الحرب فلا يصلى عليهم؛ لأنهم كفار، ولا يقبل فيهم شفاعة، ولا يستجاب فيهم دعاء، وقد نهينا عن الاستغفار لهم، وقال الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: [التوبة: 84] وقال: [التوبة: 80].
وأما ترك الصلاة على ماعز: فيحتمل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر من يصلي عليه لعذر، بدليل أنه - صلى الله عليه وسلم - «رجم الغامدية، وصلى عليها. فقال له عمر: ترجمها، وتصلي عليها؟ فقال: لقد تابت توبة لو قسمت على أهل المدينة لوسعتهم»، كذلك رواه الأوزاعي.
وروى معمر، وهشام، عن أبان، أنه أمرهم بالصلاة عليها. قال ابن عبد البر: وهو الصحيح.