الموسوعة الفقهية الكويتية- وزارة الأوقاف الكويتية- (23/ 284: 287)
من تلزمه الزكاة في حال اختلاف مالك الغلة عن مالك الأرض:
107- إن كان مالك الزرع عند وجوب الزكاة فيه هو مالك الأرض، فالأمر واضح، فتلزمه الزكاة، أما إن كان مالك الزرع غير مالك الأرض، فلذلك صور:
أ - الأرض الخراجية:
108- أرض الصلح التي أقرت بأيدي أصحابها على أنها لهم، ولنا عليها الخراج، متى أسلموا سقط خراجها، ووجب عليهم في غلتها الزكاة، فإن اشتراها من الذمي مسلم فعليه الزكاة فيها، وأرض العنوة التي ملكها المسلمون وحيزت لبيت المال فهذه عليها الخراج اتفاقًا، سواء بقي من هي بيده على دينه أو أسلم أو باعها لمسلم؛ لأنه خراج بمعنى الأجرة،
واختلف الفقهاء هل يجب في غلتها إن كان صاحبها مسلمًا الزكاة أيضًا، فذهب الجمهور إلى أن الخراج يؤدى أولًا، ثم يزكى ما بقي.
وذهب الحنفية إلى أنه لا زكاة في غلة الأرض الخراجية، وذلك؛ لأن الخراج مئونة الأرض، والعشر فيه معنى المئونة، فلا يجتمع عشر وخراج.
ب - الأرض المستعارة والمستأجرة:
109- ذهب جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية والحنابلة والصاحبان) إلى أن من استعار أرضًا، أو استأجرها فزرعها، فالزكاة على المستعير والمستأجر؛ لأن الغلة ملكه، والعبرة في الزكاة بملكية الثمرة لا بملكية الأرض أو الشجر.
وذهب أبو حنيفة إلى أن العشر على المؤجر؛ لأن الأرض كما تستنمى بالزراعة تستنمى بالإجارة.ج - الأرض التي تستغل بالمزارعة أو المساقاة:
110- ذهب الحنابلة والصاحبان من الحنفية إلى أن العشر في هاتين الحالتين على كل من المالك والعامل، كل بحسب نصيبه من الغلة، إن بلغ نصيبه نصابًا، ومن كان نصيبه منهما أقل من نصاب فلا عشر عليه، ما لم يكن له من أرض غيرها ما يكمل به النصاب. وهذا عند الحنابلة على الرواية التي لا تجعل الخلطة مؤثرة في زكاة الزروع.
أما على الرواية التي تجعل الخلطة مؤثرة فيها، فإذا بلغت غلة الأرض خمسة أوسق يكون فيها الزكاة فيؤخذ من كل من الشريكين عشر نصيبه، ما لم يكن أحدهما ممن لا عشر عليه، كالذمي.
وعند أبي حنيفة: العشر في المزارعة على رب الأرض؛ لأن المزارعة عنده فاسدة، فالخارج منها له، تحقيقًا أو تقديرًا.
ويرى المالكية أنه يجب إخراج زكاة الحائط (البستان) المساقى عليه من جملة الثمرة إن بلغت نصابًا، أو كان لرب الحائط ما إن ضمه نقصتها الزراعة عند أبي يوسف الخراج على رب الأرض قل النقصان أو كثر، كأنه آجرها من الغاصب بضمان النقصان. وعند محمد ينظر إلى الخراج والنقصان فأيهما كان أكثر كان ذلك على الغاصب إن كان النقصان أكثر من الخراج، فمقدار الخراج يؤديه الغاصب إلى السلطان ويدفع الفضل إلى صاحب الأرض، وإن كان الخراج أكثر يدفع الكل إلى السلطان، ومن نصهم هذا في الخراج يفهم مرادهم مما تقدم في العشر.
وذهب المالكية إلى أن النخل إذا غصبت ثم ردت بعد أعوام مع ثمرتها، فإنها تزكى لكل عام بلا خلاف إذا لم تكن زكيت، أي: يزكى ما يخرج منها إذا رد الغاصب جميعها.فإن رد بعض ثمارها وكان حصل في كل سنة نصاب ولم يرد جميعه، بل رد منه قدر نصاب فأكثر وكان بحيث لو قسم على سنين الغصب لم يبلغ كل سنة نصابًا ففي زكاته قولان.
وصرح الحنابلة بأن زكاة الزرع على مالك الأرض إن تملك الزرع قبل وقت الحصاد وبعد اشتداده؛ وذلك لأنه يتملكه بمثل بذره وعوض لواحقه، فيستند ملكه إلى أول زرعه.أما إن حصد الغاصب الزرع بأن لم يتملكه ربها قبل حصاده، فزكاة الزرع على الغاصب لاستقرار ملكه عليه، ولم نجد للشافعية نصًّا في هذه المسألة.
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
المبحث الأوَّل: زكاة الزروع والثِّمار في الأرض المستأجرة:
زكاةُ الزُّروعِ والثِّمارِ في الأرضِ المُستأجَرةَ على المُستأجِرِ، وهو مَذهَبُ الجُمهورِ: المالكيَّة، والشافعيَّة، والحَنابِلَة، وبه قال أبو يوسُفَ ومحمَّدُ بنُ الحَسَنِ مِنَ الحنفيَّة.
الأدلَّة:
أوَّلًا: مِنَ الكِتابِ1- قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ) [البقرة: 267].
وجه الدَّلالة:
أنَّ الزَّرعَ مُخرَجٌ للمستأجِر، فوجَبَ أن يتوجَّه حقُّ الإنفاقِ عليه.2- قولُ الله تعالى: (كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أثْمَرَ وَءَاتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) [الأنعام: 141].
وجه الدَّلالة:
أنَّه أمَر بإيتاءِ الحقِّ مَن أباح له الأكلَ، والأكلُ مُباحٌ للمُستأجِرِ، فوجب أن يكونَ الحقُّ واجبًا على المستأجِر دونَ المؤجِّرِ.ثانيًا: أنَّ العُشرَ يجِبُ في الخارِجِ، والخارِجُ مِلكُ المستأجِر، فكان العُشرُ عليه كالمُستعيرِ.
ثالثًا: أنَّه حقٌّ في مالٍ يَجِبُ أداؤه عن مالٍ، فوجب أن يكون على مالكِ المالِ كالخَراجِ.
رابعًا: أنَّ الزَّكاةَ متعلِّقةٌ بعَينِ الزَّرعِ؛ لاختلافِها باختلافِه بالكَثرةِ والقِلَّةِ والجِنسِ.
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
المبحث الثاني: زكاة الأرض التي تُستغلُّ بالمزارعة أو المساقاة
تجب الزَّكاةُ على المتعاقِدَينِ جميعًا: المالِكِ والعامِلِ، كلٌّ بحسَب حصَّتِه؛ نصَّ على هذا الحَنابِلَة، وبه قال أبو يوسفَ ومحمَّدُ بنُ الحَسَنِ مِنَ الحنفيَّة، واختاره ابنُ تيميَّة، وابنُ عُثيمين.
المغني لابن قدامة (4/ 201 )
ومن اسْتَأْجَرَ أرْضًا فزَرَعَها، فالعُشْرُ عليه دُونَ مَالِكِ الأرْضِ، وبهذا قال مَالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، وشَرِيكٌ، وابنُ المُبَارَكِ، والشَّافِعِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو حنيفةَ: هو على مالِكِ الأرْضِ؛ لأنه من مُؤْنَتِها، فأشْبَه الخَرَاجَ.
ولَنا: أنَّه واجِبٌ في الزَّرْعِ، فكان على مالِكِه، كزَكَاةِ القِيمَةِ فيما إذا أعَدَّهُ لِلتِّجَارَةِ، وكعُشْرِ زَرْعِه في مِلْكِه، ولا يَصِحُّ قَوْلُهم: إنَّه من مُؤْنَةِ الأَرْضِ؛ لأنه لو كان من مُؤْنَتِها لَوَجَبَ فيها وإن لم تُزْرَعْ، كالخَرَاجِ، ولَوَجَبَ على الذِّمِّيِّ كالخَرَاجِ، ولَتَقَدَّرَ بِقَدْرِ الأرْضِ لا بِقَدْرِ الزَّرْعِ، ولَوَجَبَ صَرْفُه إلى مَصارِف الفَيءِ دون مَصْرِفِ الزكاةِ.
ولو اسْتعارَ أرْضًا فزَرَعَها، فالزكاةُ على صاحِبِ الزَّرْعِ؛ لأنه مَالِكُه، وإن غَصَبَها فَزَرَعَها وأخَذَ الزَّرْعَ، فالعُشْرُ عليه أيضًا؛ لأنه ثَبَتَ على مِلْكِه، وإن أخَذَهُ مَالِكُها قبل اشْتِدَادِ حَبِّهِ، فالعُشْرُ عليه، وإن أخَذَهُ بعد ذلك، احْتَمَلَ أن يَجِبَ عليه أيْضًا؛ لأن أخْذَهُ إيَّاهُ اسْتَنَدَ إلى أوَّل زَرْعِه، فكأنَّه أخَذَهُ من تلك الحالِ، ويَحْتَمِلُ أن تكونَ زَكَاتُه على الغَاصِبِ؛ لأنه كان مِلْكًا له حِينَ وُجُوبِ عُشْرِه، وهو حين اشْتِدَادِ حَبِّهِ، وإنْ زَارَعَ رَجُلًا مُزَارَعَةً فَاسِدَةً، فالعُشْرُ على مَن يَجِبُ الزَّرْعُ له. وإن كانتْ صَحِيحَةً، فعلَى كُلِّ وَاحِدٍ منهما عُشْرُ حِصَّتِه، وإن بَلَغَتْ خَمْسَةَ أوْسُقٍ، أو كان له من الزَّرْعِ ما يَبْلُغُ بِضَمِّه إليها خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وإلَّا فلا عُشْرَ عليه، وإن بَلَغَتْ حِصَّةُ أحَدِهما دُونَ صَاحِبه النِّصَابَ، فعلَى مَن بَلَغَتْ حِصَّتُه النِّصَابَ عُشْرُها، ولا شيءَ على الآخَرِ؛ لأن الخُلْطَةَ لا تُؤَثِّرُ في غير السَّائِمَةِ، في الصَّحِيحِ، ونُقِلَ عن أحمدَ أنَّها تُؤَثِّرُ، فيَلْزَمُهما العُشْرُ إذا بَلَغَ الزَّرْعُ جَمِيعُه خَمْسَةَ أوْسُقٍ، ويُخْرِجُ كُلُّ وَاحِدٍ منهما عُشْرَ نَصِيبِه، إلَّا أن يكونَ أحَدُهما مِمَّنْ لا عُشْرَ عليه، كالمُكاتَبِ والذِّمِّيِّ؛ فلا يلْزَمُ شَرِيكَهُ عُشْرٌ إلَّا أن تَبْلُغَ حِصَّتُه نصابًا، وكذلك الحُكْمُ في المساقَاةِ.
المجموع شرح المهذب (5/ 533)
(وإن كان الزرع لواحد والأرض لآخر وجب العشر على مالك الزرع عند الوجوب؛ لأن الزكاة تجب في الزرع، فوجبت على مالكه كزكاة التجارة تجب على مالك المال دون مالك الدكان، وإن كان على الأرض خراج وجب الخراج في وقته، ويجب العشر في وقته، ولا يمنع وجوب أحدهما وجوب الآخر؛ لأن الخراج يجب للأرض والعشر يجب للزرع فلا يمنع أحدهما الآخر كأجرة المتجر وزكاة التجارة)
الشرح:
المتجر - بفتح الميم، والجيم -: هو الدكان.
أما الأحكام:
فقال الشافعي والأصحاب رحمهم الله تعالى: يجب العشر في الثمر والحب المستخرج من أرض مستأجرة أو من أرض عليها خراج، فيجب على المستأجر العشر مع الأجرة، وكذا مع الخراج في أرض الخراج.
الموسوعة الفقهية الكويتية- وزارة الأوقاف الكويتية- (23/ 281)
ما يضم بعضه إلى بعض لتكميل النصاب:
102- تضم أنواع الجنس الواحد لتكميل النصاب، كأنواع التمر، وإن اختلفت أسماؤها؛ لأنها كلها تمر، وصرح الشافعية بأنه يؤخذ من كل نوع بقسطه، فإن شق أخرج من الوسط، ويضم الجيد من الجنس الواحد إلى الرديء منه، ولا يكمل جنس من جنس آخر، فلا يضم التمر إلى الزبيب، ولا أي منهما إلى الحنطة أو الشعير.
إلا أنهم اختلفوا في بعض الأشياء أنها أجناس أو أنواع، كالعلس، وكان قوت صنعاء اليمن، فقد قيل: هو جنس مستقل، فلا بد أن يكمل نصابًا وحده، وهو قول ابن القاسم وأصبغ وابن وهب من المالكية، وقيل: هو نوع من الحنطة، فيضم إليها، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، وقول مالك وسائر أصحابه، والقمح والشعير والسلت أجناس ثلاثة لا يضم أحدها إلى الآخر عند الشافعية.ومذهب الحنابلة: أن القمح جنس، وأن الشعير والسلت نوعان من جنس واحد.
ومذهب المالكية: أن الثلاثة جنس واحد يكمل النصاب منها جميعًا، بخلاف الأرز والذرة والدخن، فهي أجناس مختلفة، وكذلك القطاني عند المالكية، وهي سبعة أصناف كلها جنس واحد يضم بعضه إلى بعض، وكذلك تضم القطاني بعضها إلى بعض في رواية عند الحنابلة.
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
المبحث الرابع: ضمُّ الجِنسِ إلى غَيرِ جِنسِه
لا يُضمُّ الجِنسُ إلى غيرِ جِنسِه لتَكميلِ النِّصابِ؛ فلا يُضمُّ التَّمرُ إلى الزَّبيبِ.
الدَّليلُ مِنَ الإجماعِ:
نقَلَ الإجماعَ على ذلك ابنُ المُنذِر، وابنُ عبدِ البَرِّ، وابن حجر الهيتمي.
المغني لابن قدامة (4/ 203 : 206)
مسألة: قال: (وتضم الحنطة إلى الشعير، وتزكى إذا كانت خمسة أوسق، وكذلك القطنيات، وكذلك الذهب والفضة).
وعن أبي عبد الله رواية أخرى: أنها لا تضم، وتخرج من كل صنف على انفراده إذا كان منصبًّا للزكاة.
القطنيات - بكسر القاف -: جمع قطنية؛ ويجمع أيضًا: قطاني.
قال أبو عبيد: هي صنوف الحبوب، من العدس، والحمص، والأرز، والجلبان، والجلجلان –يعني: السمسم- وزاد غيره: الدخن، واللوبيا، والفول، والماش. وسميت قطنية، فعلية، من قطن يقطن في البيت، أي: يمكث فيه.
ولا خلاف بين أهل العلم، في غير الحبوب والأثمان أنه لا يضم جنس إلى جنس آخر في تكميل النصاب.
فالماشية ثلاثة أجناس: الإبل، والبقر، والغنم، لا يضم جنس منها إلى آخر.
والثمار لا يضم جنس إلى غيره، فلا يضم التمر إلى الزبيب، ولا إلى اللوز، والفستق، ولا يضم شيء من هذه إلى غيره، ولا تضم الأثمان إلى شيء من السائمة، ولا من الحبوب والثمار.
ولا خلاف بينهم، في أن أنواع الأجناس يضم بعضها إلى بعض في إكمال النصاب.
ولا نعلم بينهم أيضًا خلافًا في أن العروض تضم إلى الأثمان، وتضم الأثمان إليها، إلا أن الشافعي لا يضمها إلا إلى جنس ما اشتريت به؛ لأن نصابها معتبر به.
واختلفوا في ضم الحبوب بعضها إلى بعض، وفى ضم أحد النقدين إلى الآخر، فروي عن أحمد في الحبوب ثلاث روايات؛ إحداهن، لا يضم جنس منها إلى غيره، ويعتبر النصاب في كل جنس منها منفردًا، هذا قول عطاء، ومكحول، وابن أبى ليلى، والأوزاعي والثوري، والحسن بن صالح، وشريك، والشافعي، وأبي عبيد، وأبي ثور، وأصحاب الرأي؛ لأنها أجناس، فاعتبر النصاب في كل جنس منها منفردًا، كالثمار والمواشي.
والرواية الثانية: أن الحبوب كلها تضم بعضها إلى بعض في إكمال النصاب، اختارها أبو بكر، وهذا قول عكرمة، وحكاه ابن المنذر عن طاوس.
وقال أبو عبيد: لا نعلم أحدًا من الماضين جمع بينهما إلا عكرمة؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا زكاة في حب ولا ثمر حتى يبلغ خمسة أوسق"، ومفهومه: وجوب الزكاة فيه إذا بلغ خمسة أوسق، ولأنها تتفق في النصاب وقدر المخرج، والمنبت والحصاد، فوجب ضم بعضها إلى بعض، كأنواع الجنس، وهذا الدليل منتقض بالثمار.
والثالثة: أن الحنطة تضم إلى الشعير، وتضم القطنيات بعضها إلى بعض، نقلها أبو الحارث عن أحمد، وحكاها الخرقي، قال القاضي: وهذا هو الصحيح، وهو مذهب مالك، والليث، إلا أنه زاد، فقال: السلت، والذرة، والدخن، والأرز، والقمح، والشعير، صنف واحد. ولعله يحتج بأن هذا كله مقتات، فيضم بعضه إلى بعض، كأنواع الحنطة.
وقال الحسن، والزهري: تضم الحنطة إلى الشعير؛ لأنها تتفق في الاقتيات والمنبت والحصاد والمنافع، فوجب ضمها، كما يضم العلس إلى الحنطة، وأنواع الجنس بعضها إلى بعض.
والرواية الأولى أولى، إن شاء الله تعالى؛ لأنها أجناس يجوز التفاضل فيها، فلم يضم بعضها إلى بعض كالثمار، ولا يصح القياس على العلس مع الحنطة؛ لأنه نوع منها، ولا على أنواع الجنس؛ لأن أنواع الجنس كلها جنس واحد يحرم التفاضل فيها، وثبت حكم الجنس في جميعها، بخلاف الأجناس، وإذا انقطع القياس، لم يجز إيجاب الزكاة بالتحكم، ولا بوصف غير معتبر، ثم هو باطل بالثمار، فإنها تتفق فيما ذكروه، ولا يضم بعضها إلى بعض، ولأن الأصل عدم الوجوب، فما لم يرد بالإيجاب نص أو إجماع أو معناهما، لا يثبت الإيجاب، والله أعلم.
ولا خلاف فيما نعلمه في ضم الحنطة إلى العلس؛ لأنه نوع منها، وعلى قياسه السلت يضم إلى الشعير؛ لأنه منه.
المجموع شرح المهذب (5/ 505: 510)
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وتضم الأنواع من جنس واحد بعضها إلى بعض في إكمال النصاب، فيضم العلس إلى الحنطة؛ لأنه صنف منها، ولا يضم السلت إلى الشعير وهو حب يشبه الحنطة في الملامسة، ويشبه الشعير في طوله وبرودته، وقال أبو علي الطبري: يضم السلت إلى الشعير، كما يضم العلس إلى الحنطة، والمنصوص في البويطي: أنه لا يضم؛ لأنهما جنسان بخلاف العلس والحنطة).
الشرح:
اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب - رحمهم الله تعالى - على أنه لا يضم جنس من الثمار والحبوب إلى جنس في إكمال النصاب، وعلى أنه يضم أنواع الجنس الواحد بعضها إلى بعض في إكمال النصاب.
وهذا ضابط الفصل.
قالوا: فلا يضم الشعير إلى الحنطة، ولا هي إليه، ولا التمر إلى الزبيب، ولا هو إليه، ولا الحمص إلى العدس، ولا الباقلا إلى الهرطمان، ولا اللوبيا إلى الماش، ولا غير ذلك.
قالوا: ويضم أنواع التمر بعضها إلى بعض، وإن اختلفت أنواعه في الجودة والرداءة واللون وغير ذلك، وكذا يضم أنواع الزبيب بعضها إلى بعض، وأنواع الحنطة بعضها إلى بعض، وكذا أنواع باقي الحبوب، ولا خلاف في شيء من هذا.
واتفقوا أيضًا على أن العلس يضم إلى الحنطة، فإذا كان له أربعة أوسق حنطة ووسقان من العلس قبل تنحية القشر، ضمها إلى الحنطة، ولزمه العُشر من كل نوع، ولو كانت الحنطة ثلاثة أوسق لم يتم النصاب إلا بأربعة أوسق علسًا، وعلى هذه النسبة إن كان قد ينحي العلس من قشره كان وسقه كوسق الحنطة، وقد سبق هذا كله واضحًا.
وأما السلت: فقال المصنف وسائر العراقيين والبغوي والسرخسي وغيرهم: هو حب يشبه الحنطة في اللون والملاسة والشعير في برودة الطبع، وعكس الصيدلاني وآخرون هذا، فقالوا: صورته صورة الشعير، وطبعه حار كالحنطة، والصواب ما قاله العراقيون، وهو المعروف عند أهل اللغة، وعليه جمهور الأصحاب.
وفي حكمه ثلاثة أوجه:
الصحيح المنصوص في الأم والبويطي، وبه قطع القفال والصيدلاني والجمهور: أنه أصل بنفسه، لا يضم إلى الحنطة ولا إلى الشعير، بل إن بلغ وحده نصابًا زكاه، وإلا فلا، ودليله: ما ذكره المصنف.
والثاني: أنه نوع من الشعير، فيضم إليه، وهو قول أبي علي الطبري، قال إمام الحرمين: وهو الذي كان يقطع به شيخي، ورجحه صاحب الحاوي والقاضي أبو الطيب في المجرد.
والثالث: أنه نوع من الحنطة، فيضم إليها، حكاه إمام الحرمين وآخرون، وعزاه السرخسي إلى صاحب التقريب، قال إمام الحرمين: قال الشيخ أبو علي - يعني: السنجي -: إن ضممنا السلت إلى الحنطة لم يجز بيعها به متفاضلًا، وإن ضممناه إلى الشعير لم يجز بيعه به متفاضلًا، وإن قلنا: هو جنس مستقل جاز بيعه بالحنطة وبالشعير متفاضلًا، قال الإمام: ولا شك فيما قاله أبو علي، وهو كما قالاه، والله تعالى أعلم.
المجموع شرح المهذب (5/ 511: 514)
فرع: في مذاهب العلماء في الضم
قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يضم الأنواع من الجنس بعضها إلى بعض، ولا تضم الأجناس، فلا تضم حنطة إلى شعير ونحو ذلك، ولا يضم أجناس القطنية بعضها إلى بعض، فلا يضم الحمص إلى الباقلاء والعدس ونحو ذلك، وبه قال عطاء بن أبي رباح ومكحول والأوزاعي والثوري والحسن بن صالح وشريك وأبو حنيفة وسائر أصحاب الرأي وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر وأحمد في إحدى الروايتين عنه، حكاه عنهم ابن المنذر.
وقالت طائفة: تضم الحنطة إلى الشعير والسلت إليهما، وتضم القطاني كلها بعضها إلى بعض، لكن لا تضم إلى الحنطة والشعير، وهذا مذهب مالك، ورواية عن أحمد، وحكى ابن المنذر عن الحسن البصري والزهري ضم القمح إلى الشعير، وحكى ابن المنذر عن طاوس وعكرمة ضم الحبوب مطلقًا، قال: ولا أعلم أحدًا، قاله يعني غيرهما إن صح عنهما.
قال: وأجمعوا على أنه لا تضم الإبل إلى البقر، ولا إلى الغنم، ولا البقر إلى الغنم، ولا التمر إلى الزبيب.
دليلنا: القياس على المجمع عليه، وليس لهم دليل صحيح صريح فيما قالوه، والله تعالى أعلم.
الموسوعة الفقهية الكويتية- وزارة الأوقاف الكويتية- (23/ 282)
ضم غلة العام الواحد بعضها إلى بعض:
103- لا تضم ثمرة عام إلى ثمرة عام آخر، ولا الحاصل من الحب كذلك.
وأما في العام الواحد: فقد فرق الشافعية في الأظهر بين الزرع والثمر، فأما الزرع فيضم ما زرع في العام الواحد بعضه إلى بعض، كالذرة تزرع في الربيع وفي الخريف، وأما الثمر إذا اختلف إدراكه فلا يضم بعضه إلى بعض في العام الواحد، وذلك كما لو اختلف إدراكه لاختلاف أنواعه واختلاف بلاده حرارة وبرودة، وكما لو أطلع النخل في العام الواحد مرتين فلا يضم.
وفي قول عندهم: إن أطلع الثاني بعد جداد الأول فلا يضم وإلا فيضم.
وقال المالكية: يشترط للضم أن يزرع أحدها قبل استحقاق حصاد الآخر، وهو وقت وجوب الزكاة فيه، ويشترط أيضًا أن يبقى من حب الأول إلى استحقاق حصاد الثاني، وإن لم يحصد ما يكمل به النصاب، أما لو أكل الأول قبل وقت وجوب الزكاة في الثاني، فلا يضم الثاني للأول، بل إن كان الثاني نصابًا زكي، وإلا فلا، وكذا يضم زرع ثان إلى أول، وثان إلى ثالث، إن كان فيه مع كل منهما خمسة أوسق، وهذا إن لم يخرج زكاة الأولين حتى يحصد الثالث. وحيث ضم أصنافًا بعضها إلى بعض، فإنه يخرج من كل صنف بحسبه.
وأطلق الحنابلة القول أن زرع العام الواحد يضم بعضه إلى بعض إذا اتفق الجنس، وكذا ثمرة العام، سواء كان الأصل مما يحمل مرتين في العام كالذرة، أو لا.104- والمعتبر في قدر النصاب: اتحاد المالك، فإن كان الزرع والثمر مشتركًا، أو مختلطًا فلا زكاة فيه ما لم يبلغ ما يملكه المزكي منه وحده نصابًا، وذهب الشافعية إلى أن المال المشترك والمختلط يزكى زكاة مال واحد، فإن بلغ مجموعه نصابًا زكي، وإلا فلا.
وينظر التفصيل في مصطلح: (خلطة).
ولا ترد هذه التفريعات كلها عند الحنفية؛ لأن النصاب هنا غير معتبر، بل تجب الزكاة عندهم في قليل الزروع وكثيرها، كما تقدم.
المغني لابن قدامة (4/ 207)
فصل: ويضم زرع العام الواحد بعضه إلى بعض في تكميل النصاب، سواء اتفق وقت زرعه وإدراكه، أو اختلف، ولو كان منه صيفي وربيعي، ضم الصيفي إلى الربيعي، ولو حصدت الذرة والدخن، ثم نبت أصولهما لضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب؛ لأن الجميع زرع عام واحد، فضم بعضه إلى بعض، كما لو تقارب زرعه وإدراكه.
فصل: وتضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض، سواء اتفق وقت إطلاعها وإدراكها، أو اختلف، فيقدم بعضها على بعض في ذلك. ولو أن الثمرة جذت ثم أطلعت الأخرى وجذت، ضمت إحداهما إلى الأخرى. فإن كان له نخل يحمل في السنة حملين، ضم أحدهما إلى الآخر.
وقال القاضي: لا يضم، وهو قول الشافعي؛ لأنه حمل ينفصل عن الأول، فكان حكمه حكم حمل عام آخر، وإن كان له نخل يحمل مرة، ونخل يحمل مرتين، ضممنا الحمل الأول إلى الحمل المنفرد، ولم يجب في الثاني شيء، إلا أن يبلغ بمفرده نصابًا، والصحيح أن أحد الحملين يضم إلى الآخر، ذكره أبو الخطاب، وابن عقيل؛ لأنهما ثمرة عام واحد، فيضم بعضها إلى بعض، كزرع العام الواحد، وكالذرة التي تنبت مرتين، ولأن الحمل الثاني يضم إلى الحمل المنفرد لو لم يكن حمل أول، فكذلك إذا كان، فإن وجود الحمل الأول لا يصلح أن يكون مانعًا، بدليل حمل الذرة الأول، وما ذكره من الانفصال يبطل بالذرة، والله أعلم بالصواب.
المجموع شرح المهذب (5/ 515 : 526)
(فإن اختلفت أوقات الزرع، ففي ضم بعضها إلى بعض أربعة أقوال: أحدها: أن الاعتبار بوقت الزراعة، فكل زرعين زُرعا في فصل واحد من صيف أو شتاء أو ربيع أو خريف ضم بعضه إلى بعض؛ لأن الزراعة هي الأصل والحصاد فرع، فكان اعتبار الأصل أولى، والثاني: أن الاعتبار بوقت الحصاد، فإذا اتفق حصادهما في فصل ضم أحدهما إلى الآخر؛ لأنه حالة الوجوب، فكان اعتباره أولى، والثالث: يعتبر أن تكون زراعتهما في فصل واحد وحصادهما في فصل؛ لأن في زكاة المواشي والأثمان يعتبر الطرفان فكذلك ههنا، والرابع: يعتبر أن يكون من زراعة عام واحد، كما قلنا في الثمار).
الشرح:
هذه الأقوال مشهورة، وقد اختصر المصنف المسألة جدًّا، وهي مبسوطة في كتب الأصحاب، وقد جمعها الرافعي - رحمه الله تعالى -، ولخص متفرق كلام الأصحاب فيها، فقال: لا يضم زرع عام إلى زرع عام آخر في إكمال النصاب بلا خلاف، واختلاف أوقات الزراعة لضرورة التدريج كمن يبتدئ الزراعة ويستمر فيها شهرًا أو شهرين لا يقدح، بل كله زرع واحد، ويضم بعضه إلى بعض بلا خلاف، ثم الشيء قد يزرع في السنة مرارًا، كالذرة تزرع في الخريف والربيع والصيف، ففي ضم بعضها إلى بعض عشرة أقوال، أكثرها منصوصة، أصحها عند الأكثرين: إن وقع الحصادان في سنة واحدة ضم، وإلا فلا، وممن صححه البندنيجي، (والثاني): إن وقع الزرعان والحصادان في سنة ضم، وإلا فلا، واجتماعهما في سنة أن يكون بين زرع الأول وحصد الثاني أقل من اثني عشر شهرًا عربية، كذا قاله إمام الحرمين والبغوي، (والرابع): إن وقع الزرعان والحصادان في سنة أو زرع الثاني وحصد الأول في سنة ضم، وإلا فلا، وهذا ضعيف عند الأصحاب، (والخامس): الاعتبار بجميع السنة أحد الطرفين إما الزرعين أو الحصادين، (والسادس): إن وقع الحصادان في فصل واحد ضم، وإلا فلا، (والسابع): إن وقع الزرعان في فصل واحد ضم، وإلا فلا، (والثامن): إن وقع الزرعان والحصادان في فصل واحد ضم، وإلا فلا، والمراد بالفصل أربعة أشهر، (التاسع): أن المزروع بعد حصد الأول لا يضم كحملي شجرة (والعاشر): خرجه أبو إسحق: أن ما بعد زرع سنة يضم، ولا أثر لاختلاف الزرع والحصاد، قال: ولا أعني بالسنة اثني عشر شهرًا، فإن الزرع لا يبقى هذه المدة، وإنما أعني بها ستة أشهر إلى ثمانية.
هذا كله إذا كان زرع الثاني بعد حصد الأول، فلو كان زرع الثاني بعد اشتداد حب الأول ففيه طريقان: أصحهما: أنه على هذا الخلاف، (والثاني): القطع بالضم لاجتماعهما في الحصول في الأرض، ولو وقع الزرعان معًا أو على التواصل المعتاد، ثم أدرك أحدهما والآخر بعل لم ينعقد حبه فطريقان، أصحهما: القطع بالضم، (والثاني): أنه على الخلاف لاختلافهما في وقت الوجوب، بخلاف ما لو تأخر بدو صلاح بعض الثمار، فإنه يضم إلى ما بدأ فيه الصلاح بلا خلاف؛ لأن الثمرة الحاصلة هي متعلق الزكاة بعينها، والمنتظر فيها صفة الثمرة، وهنا متعلق الزكاة الحب، ولم يخلق بعد، وإنما الموجود حشيش محض.
قال الشافعي رضي الله عنه: الذرة تزرع مرة، فتخرج فتحصد، ثم تستخلف في بعض المواضع، فتحصد أخرى، فهو زرع واحد وإن تأخرت حصدته الثانية.
واختلف الأصحاب في مراده على ثلاثة أوجه:
أحدها: مراده إذا سنبل واشتدت فانتثر بعض حباتها بنفسها، أو بنقر العصافير، أو بهبوب الرياح، فنبتت الحبات المنتثرة في تلك السنة مرة أخرى، وأدركت.
والثاني: مراده إذا نبتت والتفت وعلا بعض طاقاتها فغطى البعض وبقي المغطى أخضر تحت العالي، فإذا حصد العالي أصابت الشمس الأخضر فأدرك.
والثالث: مراده الذرة الهندية، فإنها تحصد سنابلها ويبقى سوقها فتخرج سنابل أخر، ثم اختلفوا في الصور الثلاث بحسب اختلافهم في المراد بالنص، واتفق الجمهور على أن هذا النص قطع منه بالضم، وليس تفريعًا على بعض الأقوال العشرة السابقة، فذكروا في الصورة الأولى طريقين: أحدها: القطع بالضم، والثاني: أنه على الأقوال في الزرعين المختلفين في الوقت، ومقتضى كلام الغزالي والبغوي ترجيح هذا، وفي الصورة الثانية أيضا طريقان: (أصحهما) القطع بالضم، (والثاني): على الخلاف، وفي الثالثة طرق، أصحها: القطع بالضم، والثاني: القطع بعدم الضم، والثالث: على الخلاف.
هذا آخر نقل الرافعي، وقد أحسن وأجاد في تلخيصها.
قال الدارمي وغيره: إذا قال المالك: هذان زرعا سنتين، فقال الساعي: بل سنة، فالقول قول المالك، فإن اتهمه الساعي حلفه استحبابًا قولًا واحدًا، وهو كما قالوه؛ لأن الأصل عدم الوجوب، والذي يدعيه ليس مخالفًا للظاهر، فكانت باليمين مستحبة، والله أعلم.
الموسوعة الفقهية الكويتية- وزارة الأوقاف الكويتية- (23/ 289)
ما يطرح من الخارج قبل أخذ العشر أو نصفه:
116- ذهب الحنفية إلى أن العشر أو نصفه على التفصيل المتقدم يؤخذ من كل الخارج، فلا يطرح منه البذر الذي بذره، ولا أجرة العمال أو كري الأنهار أو أجرة الحافظ ونحو ذلك، بل يجب العشر في الكل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بتفاوت الواجب لتفاوت المؤنة، ولو رفعت المؤنة لكان الواجب بنفس المقدار، واستظهر الصيرفي أن الواجب إن كان جزءًا من الخارج، فإنه يجعل كالهالك، وتجب الزكاة في الباقي.وذهب الحنابلة إلى أن النفقة على الزرع إن كانت دينًا: يسقطها مالكه منه قبل احتساب العشر.
قال أحمد: من استدان ما أنفق على زرعه واستدان ما أنفق على أهله، احتسب ما أنفق على زرعه دون ما أنفق على أهله.
قالوا: وذلك لأنه من مؤنة الزرع، فالحاصل في مقابلته يجب صرفه إلى غيره، فكأنه لم يحصل، وهذا بخلاف سائر الديون، فإنها لا تسقط من الحاصل؛ لأنه من الأموال الظاهرة على المشهور عند الحنابلة، كما تقدم.
وشبيه بمؤنة الزرع عند الحنابلة: خراج الأرض؛ فإنه يؤخذ من الغلة قبل احتساب الزكاة فيها.
ولم نجد للمالكية والشافعية كلامًا في هذه المسألة.
الموسوعة الفقهية الكويتية- وزارة الأوقاف الكويتية- (36/ 15)
المؤنة في الزكاة:
اختلف الفقهاء في احتساب المؤنة التي تتكلفها الزروع والثمار التي تجب فيها الزكاة، فذهب المالكية إلى أنه يحسب من نصاب الزكاة (خمسة أوسق فأكثر) ما استأجر المالك به من الزرع في حصاده أو دراسته، أو تذريته حال كونه قتًّا (أي: محزومًا)، ويحسب كذلك الكيل الذي استأجر به، ولقط اللقاط الذي مع الحصاد؛ لأنه من الأجرة، لا لقط ما تركه ربه، ولا يحسب أكل دابة في حال دوسها؛ لعسر الاحتراز منها، فنزل منزلة الآفات السماوية وأكل الوحوش، ويحسب ما تأكله حال استراحتها.
وقال الشافعية: مؤنة تجفيف التمر وجذاذ الثمار وحصاد الحب، وحمله ودياسه وتصفيته وحفظه، وغير ذلك من مؤن الثمر والزرع، تكون كلها على المالك، لا من مال الزكاة.
وحكى صاحب الحاوي عن عطاء بن أبي رباح أنه قال: تكون المؤنة من وسط المال، لا يختص بتحملها المالك دون الفقراء؛ لأن المال للجميع فوزعت المؤنة عليه.
وقال أحمد: من استدان ما أنفق على زرعه، واستدان ما أنفق على أهله، احتسب ما أنفق على زرعه دون ما أنفق على أهله؛ لأنه من مؤنة الزرع، وعندهم في ذلك تفصيل.
ويرى الحنفية وجوب إخراج زكاة الزرع بلا رفع مؤنة من أجرة العمال ونفقة البقر، وكري الأنهار وأجرة الحافظ وبلا رفع إخراج البذر.
المغني لابن قدامة (4/ 200)
الخراج من مؤنة الأرض، فيمنع وجوب الزكاة في قدره، كما قال أحمد: من استدان ما أنفق على زرعه، واستدان ما أنفق على أهله، يحتسب ما أنفق على زرعه دون ما أنفق على أهله، فاحتسب مما أنفق على زرعه؛ لأنه من مؤنة الزرع، وبهذا قال ابن عباس.
وقال عبد الله بن عمر: يحتسب بالدينين جميعًا، ثم يخرج مما بعدهما، وقد حكي عن أحمد، أن الدين كله يمنع الزكاة في الأموال الظاهرة، فعلى هذه الرواية يحسب كل دين عليه، ثم يخرج العشر مما بقى إن بلغ نصابًا، وإن لم يبلغ نصابًا فلا عشر فيه؛ وذلك لأن هذا الواجب زكاة، فمنع الدين وجوبها، كزكاة الأموال الباطنة، ولأنه دين، فمنع وجوب العشر، كالخراج، وما أنفقه على زرعه.
والفرق بينهما على الرواية الأولى: أن ما كان من مؤنة الزرع، فالحاصل في مقابلته يجب صرفه إلى غيره، فكأنه لم يحصل.
المجموع شرح المهذب (5/ 467)
قال أصحابنا: ومؤنة تجفيف التمر وجذاذه وحصاد الحب وحمله ودياسه وتصفيته وحفظه وغير ذلك من مؤنة تكون كلها من خالص مال المالك، لا يحسب منها شيء من مال الزكاة بلا خلاف، ولا تخرج من نفس مال الزكاة، فإن أخرجت منه لزم المالك زكاة ما أخرجه من خالص ماله، ولا خلاف في هذا عندنا.
وحكى صاحب الحاوي عن عطاء بن أبي رباح أنه قال: تكون المؤنة من وسط المال لا يختص بتحملها المالك دون الفقراء؛ لأن المال للجميع فوزعت المؤنة عليه.
قال صاحب الحاوي: وهذا غلط؛ لأن تأخير الأداء عن وقت الحصاد إنما كان لتكامل المنافع، وذلك واجب على المالك، والله تعالى أعلم.
الموسوعة الفقهية الكويتية- وزارة الأوقاف الكويتية- (19/ 102)
هل يترك الخارص شيئًا للمالك عند الخرص؟
9- ذهب الحنابلة إلى أنه يجب على الخارص أن يترك في الخرص الثلث، أو الربع على حسب الحاجة، توسعة على أرباب الأموال؛ لأنهم يحتاجون إلى الأكل، هم وضيوفهم، ويطعمون جيرانهم، ونحوه للشافعية بأنه يترك للمالك ثمر نخلة أو نخلات، وقال ابن حبيب من المالكية: يخفف عن أهل الشجر في الخرص.
واستدلوا بحديث: (إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع)، ولأنه صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالتخفيف للواطئة والساقطة واللاقطة، وما ينال العيال.ومذهب المالكية وهو المشهور عند الشافعية: عدم ترك شيء في الخرص؛ لعموم الأدلة المقتضية لوجوب العشر، أو نصفه من غير استثناء.
وذهب المالكية إلى أنه لا يجمع الخارص الحائط (البستان) في الحزر، ولا يجزئه أرباعًا أو أثلاثًا، وكذا لا يجمع ما زاد على شجرة كالثنتين والثلاث، ولو علم ما بها جملة، هذا إذا اختلفت في الجفاف ولو كانت من صنف واحد، فإن اتحدت في الجفاف جاز جمعها في الخرص.
وحملوا الحديث على الزكاة، فيترك للمالك منها ذلك ليفرقه على فقراء أهله، وجيرانه، لا من المخروص.
المغني لابن قدامة (4/ 177)
فصل: وعلى الخارص أن يترك في الخرص الثلث أو الربع، توسعة على أرباب الأموال؛ لأنهم يحتاجون إلى الأكل هم وأضيافهم، ويطعمون جيرانهم وأهلهم وأصدقاءهم وسؤالهم، ويكون في الثمرة السقاطة، وينتابها الطير، وتأكل منها المارة، فلو استوفى الكل منهم أضر بهم، وبهذا قال إسحاق، ونحوه قال الليث، وأبو عبيد.
والمرجع في تقدير المتروك إلى الساعي باجتهاده، فإن رأى الأكلة كثيرًا ترك الثلث، وإن كانوا قليلًا ترك الربع؛ لما روى سهل بن أبي حثمة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع" رواه أبو عبيد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي.
وروى أبو عبيد، بإسناده عن مكحول، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث الخراص قال: "خففوا على الناس، فإن في المال العرية والواطئة والأكلة".
قال أبو عبيد: الواطئة: السابلة، سموا بذلك؛ لوطئهم بلاد الثمار مجتازين. والأكلة: أرباب الثمار وأهلوهم، ومن لصق بهم، ومنه حديث سهل في مال سعد بن أبي سعد، حين قال: "لولا أني وجدت فيه أربعين عريشًا، لخرصته تسعمائة وسق، وكانت تلك العرش لهؤلاء الأكلة". والعرية: النخلة أو النخلات يهب إنسانًا ثمرتها، فجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ليس في العرايا صدقة"، وروى ابن المنذر، عن عمر، رضي الله عنه، أنه قال لسهل بن أبي حثمة: "إذا أتيت على نخل قد حضرها قوم، فدع لهم ما يأكلون".
والحكم في العنب كالحكم في النخيل سواء، فإن لم يترك لهم الخارص شيئًا، فلهم الأكل بقدر ذلك، ولا يحتسب عليهم به، نص عليه؛ لأنه حق لهم، فإن لم يخرج الإمام خارصًا، فاحتاج رب المال إلى التصرف في الثمرة، فأخرج خارصًا، جاز أن يأخذ بقدر ذلك، ذكره القاضي، وإن خرص هو وأخذ بقدر ذلك، جاز، ويحتاط في أن لا يأخذ أكثر مما له أخذه.
الموسوعة الفقهية الكويتية- وزارة الأوقاف الكويتية- (10/ 283 :285)
ذهب الحنفية إلى جواز التحول عن الواجب إلى البدل في الزكاة، وإليه ذهب الأوزاعي والثوري، وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز والحسن البصري، فيجوز للمالك أن يدفع العين أو القيمة من النقدين والعروض وغير ذلك، ولو مع وجود المنصوص عليه؛ لقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً).
نص على أن المراد بالمأخوذ (صدقة)، وكل جنس يأخذه فهو صدقة.
ولقول معاذ لأهل اليمن حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إليهم: (ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة، أهون عليكم وخير لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة)، وكان يأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ينكر عليه.
والفقه فيه: أن المقصود إيصال الرزق الموعود إلى الفقير، ودفع حاجة المسكين، وهو يحصل بالقيمة أيضًا.قال عليه الصلاة والسلام: إن الله تعالى فرض على الأغنياء قوت الفقراء، وسماه زكاة. وفي اعتبار القيمة هل تدفع القيمة يوم الأداء أم يوم الوجوب؟ خلاف يرجع فيه إلى موطنه.
وأما عند المالكية والحنابلة: فيجوز التحول عن الواجب إلى البدل في الدنانير والدراهم فقط، فيجوز للمزكي أن يخرج في زكاة الدنانير دراهم بقيمتها، ويخرج عن الفضة ذهبًا بقيمته، قلت القيمة أو كثرت؛ لأن ذلك معاوضة في حقه، فكانت بالقيمة كسائر المعاوضات، وهما كجنس واحد، ولم يجز ذلك الشافعية.
وأما في المواشي: فعند الحنفية جائز، بناء على قاعدتهم بجواز القيمة في كل شيء، وهو الصحيح عند الشافعية، ويكره عند المالكية التحول عن الواجب إلى البدل؛ لما في ذلك من معنى الرجوع في الصدقة، ولئلا تكون القيمة أقل مما عليه، فيكون قد بخس الفقراء حقهم، إلا إذا أجبر الساعي المزكي على أن يأخذ منه دراهم فيما وجب عليه من صدقته، فيجزئ عنه، إذا كان فيه وفاء بقيمة ما وجب عليه، وكان عند محلها.
وفي وجه عند الشافعية: لا يجزئ إن نقصت قيمته عن قيمة الشاة.
ووجه ثالث: أنه إن كانت الإبل مراضًا، أو قليلة القيمة لعيب أجزأ البعير الناقص عن قيمة الشاة، وإن كانت صحاحًا سليمة لم يجزئ الناقص.
وفي الموضوع تفصيل يرجع إليه في (الزكاة).وأما الحنابلة: فلا يجوز عندهم التحول في الماشية من جنس إلى آخر، ولا إلى القيمة.
المغني لابن قدامة (4/ 24)
المجموع شرح المهذب (5/ 377)
(وهل تجب الزكاة في العين أو في الذمة؟ فيه قولان، (قال في القديم): تجب في الذمة والعين مرتهنة بها، ووجهه: أنها لو كانت واجبة في العين لم يجز أن يعطى حق الفقراء من غيرها كحق المضارب والشريك، (وقال في الجديد): تجب في العين، وهو الصحيح؛ لأنه حق يتعلق بالمال يسقط بهلا كه، فتعلق بعينه كحق المضارب. فإن قلنا: إنها تجب في العين، وعنده نصاب وجبت فيه الزكاة، فلم يؤد حتى حال عليه حول آخر لم يجب في الحول الثاني زكاة؛ لأن الفقراء ملكوا من النصاب قدر الفرض، فلم يجب في الحول الثاني زكاة؛ لأن الباقي دون النصاب. وإن قلنا: تجب في الذمة وجبت في الحول الثاني، وفى كل حول؛ لأن النصاب باق علي ملكه).
الشرح:
قوله: (هل تجب الزكاة في الذمة أو في العين؟ فيه قولان، (الجديد): الصحيح في العين (والقديم): في الذمة.
المجموع شرح المهذب (5/ 429)
الشرح:
اتفقت نصوص الشافعي - رضي الله عنه - أنه لا يجوز إخراج القيمة في الزكاة وبه، كذا في الأصل، والصواب: عليهن، قطع المصنف وجماهير الأصحاب، وفيه وجه: أن القيمة تجزئ، حكاه وهو شاذ باطل، ودليل المذهب: ما ذكره المصنف، وأما إذا أخرج سنًّا أعلى من الواجب كبنت لبون عن بنت مخاض ونظائره، فتجزئه بلا خلاف؛ لحديث أبي السابق ولما ذكره المصنف.
وأما إذا أخرج تبيعين عن مسنة، فقد قطع المصنف بجوازه، وهو المذهب، وبه قطع الجماهير، وفيه وجه سبق في باب زكاة البقر، والله تعالى أعلم.
فرع:
قد ذكرنا أن مذهبنا: أنه لا يجوز إخراج القيمة في شيء من الزكوات، وبه قال مالك وأحمد وداود، إلا أن مالكًا جوز الدراهم عن الدنانير، وعكسه.
وقال أبو حنيفة: يجوز، فإذا لزمه شاة فأخرج عنها دراهم بقيمتها، أو أخرج عنها ما له قيمة عنده كالكلب والثياب.
وحاصل مذهبه: أن كل ما جازت الصدقة به جاز إخراجه في الزكاة، سواء كان من الجنس الذي وجبت فيه الزكاة أم من غيره إلا في مسألتين، (إحداهما): تجب عليه الزكاة فيخرج بقيمتها منفعة عين بأن يسلم إلى الفقراء دارا يسكنونها بقيمة الزكاة، (والثانية): أن يخرج نصف صاع جيد عن نصف صاع وسط لزمه فإنه لا يجزئه ووافق على أنه لا تجزئ القيمة في الأضحية، وكذا لو لزمه عتق رقبة في كفارة لا تجزئ قيمتها.
وقال أبو يوسف وأبو حنيفة: إذا أدى عن خمسة جياد دونها في الجودة أجزأه، وقال محمد يؤدي فضل ما بينهما، وقال زفر: عليه أن يتصدق بغيرها ولا يجزئه الأول، كذا حكاه أبو بكر الرازي، وقال سفيان الثوري: يجزئ إخراج العروض عن الزكاة إذا كانت بقيمتها، وهو الظاهر من مذهب البخاري في صحيحه، وهو وجه لنا، كما سبق.
واحتج المجوزون للقيمة بأن معاذًا رضي الله عنه قال لأهل اليمن، حيث بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأخذ زكاتهم وغيرها: "ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم، وخير لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة"، ذكره البخاري في صحيحه تعليقًا بصيغة جزم، وبالحديث الصحيح: "في خمس وعشرين بنت مخاض فإن لم تكن فابن لبون".
قالوا: وهذا نص على دفع القيمة، قالوا: ولأنه مال زكوي فجازت قيمته كعروض التجارة ولأن القيمة مال فأشبهت المنصوص عليه، ولأنه لما جاز العدول عن العين إلى الجنس بالإجماع بأن يخرج زكاة غنمه عن غنم غيرها جاز العدول من جنس إلى جنس، واستدل أصحابنا بأن الشرع نص على بنت مخاض وبنت لبون وحقة وجذعة وتبيع ومسنة وشاة وشياه وغير ذلك من الواجبات، فلا يجوز العدول كما لا يجوز في الأضحية ولا في المنفعة ولا في الكفارة وغيرها من الأصول التي وافقوا عليها، ولا في حقوق الآدميين.
الموسوعة الفقهية الكويتية- وزارة الأوقاف الكويتية- (23/ 288)
قدر المأخوذ في زكاة الزروع والثمار:
115- يؤخذ في زكاة الزروع والثمار عشر الخارج أو نصف عشره، فالعشر اتفاقًا فيما سقي بغير كلفة، كالذي يشرب بماء المطر أو بماء الأنهار سيحًا، أو بالسواقي دون أن يحتاج إلى رفعه غرفًا أو بآلة، أو يشرب بعروقه، وهو ما يزرع في الأرض التي ماؤها قريب من وجهها تصل إليه عروق الشجر، فيستغني عن السقي.
ويجب فيما يسقى بكلفة نصف العشر، سواء سقته النواضح أو سقي بالدوالي، أو السواني أو الدواليب أو النواعير أو غير ذلك. وكذا لو مد من النهر ساقية إلى أرضه فإذا بلغها الماء احتاج إلى رفعه بالغرف أو بآلة. والضابط لذلك: أن يحتاج في رفع الماء إلى وجه الأرض إلى آلة أو عمل.
واستدل لذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًّا العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر"، والحكمة في تقليل القدر الواجب فيما فيه عمل أن للكلفة أثرًا في تقليل النماء.
ولو احتاجت الأرض إلى ساق يسقيها بماء الأنهار أو الأمطار، ويحول الماء من جهة إلى جهة، أو احتاجت إلى عمل سواق أو حفر أنهار لم يؤثر ذلك في تقليل النصاب، وإن سقيت الأرض نصف الوقت بكلفة ونصفها بغير كلفة، فالزكاة ثلاثة أرباع العشر اتفاقًا، وإن سقيت بأحدهما أكثر من الآخر، فالجمهور على اعتبار الأكثر، ويسقط حكم الأقل، وقيل: يعتبر كل منهما بقسطه.
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
المبحث الثاني: المقدار الواجب إخراجه في زكاة الزُّروع والثِّمار
المطلب الثاني: ما سُقِيَ بعضَ العام بمؤونةٍ وبعضَه بغيرِ مؤونة
ما سُقِيَ بعضَ العامِ بمَؤونةٍ وبعضَه بلا مَؤُونةٍ، لا يخلو من حالينِ:
الحال الأولى: أن يُسقى نصفَ السَّنةِ بكُلفةٍ، ونِصفَها بغيرِ كُلفةٍ:
إذا سُقِيَ نصفَ السَّنةِ بكُلفةٍ، ونِصفَها بغيرِ كُلفةٍ، ففيه ثلاثةُ أرباعِ العُشرِ.
الأدلَّة:
أوَّلًا: مِنَ الإجماعِ
نقَلَ الإجماعَ على ذلك: ابنُ قُدامةَ، والشنقيطيُّ
ثانيًا: أنَّ كلَّ واحدٍ منهما لو وُجِدَ في جميعِ السَّنة لأوجَبَ مقتضاه، فإذا وُجِدَ في نصفِها أوجَبَ نِصفَه
الحال الثانية: أنْ يُسقى بأحدِهما أكثرَ مِنَ الآخَرِ:
إذا سُقِيَ بأحدِهما أكثَرَ مِنَ الآخَرِ؛ فإنَّه يُعتبَرُ فيه الغالِبُ، فإن كان الغالِبُ السَّقيَ بماءِ السَّماءِ أو السَّيحِ، وجَبَ العُشرُ، وإن كان الغالِبُ السَّقيَ بالنَّاضِحِ، وجب نِصفُ العُشر، وهذا مذهَبُ الحنفيَّة، والحَنابِلَة، وأحَدُ القَولينِ المشهورينِ للمالكيَّة، وهو قَولٌ للشافعيَّة، وبه قال بعضُ السَّلَفِ
وذلك للآتي:
أوَّلًا: أنَّ اعتبارَ مِقدارِ السَّقيِ وعددِ مرَّاتِه وقدْرِ ما يُشرَبُ في كلِّ سَقيةٍ؛ يشقُّ ويتعذَّرُ، فكان الحُكمُ للأغلَبِ منهما، كالسَّومِ في الماشِيَةِ.
ثانيًا: أنَّه اجتمَعَ الأمرانِ ولأحدِهما قوَّةٌ بالغَلَبة، فكان الحُكمُ له، كالماء إذا خالَطَه مائِعٌ.
ثالثًا: أنَّ غالِبَ أصلِ بابِ الزَّكاةِ أنَّ الأقلَّ تابعٌ للأكثَرِ كالضَّأنِ والمَعْزِ إذا اجتمعا في الزَّكاةِ.
المغني لابن قدامة (4/ 166 )
فإنْ سَقَى نِصْفَ السَّنَةِ بكُلْفَةٍ، ونِصْفَها بغَيْرِ كُلْفَةٍ، ففيه ثلاثةُ أرْبَاعِ العُشْرِ، وهذا قَوْلُ مَالِكٍ، والشَّافِعِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْيِ، ولا نَعْلَمُ فيه مُخَالِفًا؛ لأن كُلَّ وَاحِدٍ منهما لو وُجِدَ في جَمِيعِ السَّنَةِ لأوْجَبَ مُقْتَضاه، فإذا وُجِدَ في نِصْفِها أوْجَبَ نِصْفَه، وإنْ سَقَى بأحَدِهِما أكْثَرَ من الآخَرِ اعْتُبِرَ أكْثَرُهما، فوَجَبَ مُقْتَضَاهُ، وسَقَطَ حُكْمُ الآخَرِ، نَصَّ عليه أحمدُ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ، والثَّوْرِيِّ، وأبي حنيفةَ، وأحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وقال ابنُ حامِدٍ: يُؤْخَذُ بالقِسْطِ، وهو القولُ الثَّانِي للشَّافِعِيِّ؛ لأنهُما لو كانا نِصْفَيْنِ أُخِذَا بالحِصَّةِ، فكذلك إذا كان أحَدُهما أكْثَرَ، كما لو كانتِ الثَّمَرَةُ نَوْعَيْنِ، وَوَجْهُ الأوَّل أنَّ اعْتِبَارَ مِقْدَارِ السَّقْي، وعَدَدِ مَرَّاتِه، وقَدْرِ ما يُشْرَبُ في كُلِّ سَقْيَةٍ يَشُقُّ ويَتَعَذَّرُ، فكان الحُكْمُ للأغْلَبِ منهما كالسَّوْمِ في المَاشِيَةِ. وإن جُهِلَ المِقْدَارُ، غَلَّبْنَا إيجابَ العُشْرِ احْتِيَاطًا، نَصَّ عليه أحمدُ في رِوَايَةِ عبدِ اللهِ؛ لأن الأصْلَ وُجُوبُ العُشْرِ، وإنَّما يَسْقُطُ بِوُجُودِ الكُلْفَةِ، فما لم يَتَحَقَّق المُسْقِطُ يَبْقَى على الأَصْلِ، ولأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الكُلْفَةِ في الأكْثَرِ، فلا يَثْبُتُ وُجُودُها مع الشَّكِّ فيه، وإن اخْتَلَفَ السَّاعِي ورَبُّ المَالِ، في أيِّهما سُقِيَ به أكْثَرَ، فالقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ المَالِ بغيرِ يَمِينٍ، فإنَّ النَّاسَ لا يُسْتَحْلَفُونَ على صَدَقَاتِهم. اهـ.
فصل: وإذا كان لِرَجُلٍ حَائِطانِ، سَقَى أحَدَهُما بِمُؤْنَةٍ، والآخَرَ بغيرِ مُؤْنَةٍ، ضَمَّ غَلَّةَ أحَدِهما إلى الآخَرِ في تَكْمِيلِ النِّصَابِ، وأخْرَجَ مَن الذي سُقِيَ بغيرِ مُؤْنَةٍ عُشْرَه، ومن الآخَر نِصْفَ عُشْرِه، كما يَضُمُّ أحَدَ النَّوْعَيْنِ إلى الآخَرِ، ويُخْرِجُ من كلِّ وَاحِدٍ منهما ما وَجَبَ فيه.
المجموع شرح المهذب (5/ 461 : 464)
ولو كان يسقى نصفه بالنواضح ونصفه بالسيح، ففيه ثلاثة أرباع العشر؛ اعتبارًا بالسقيتين، وإن سقي بأحدهما أكثر ففيه قولان، (أحدهما): يعتبر فيه الغالب، فإن كان الغالب السقي بماء السماء أو السيح وجب العشر، وإن كان الغالب السقي بالناضح وجب نصف العشر؛ لأنه اجتمع الأمران، ولأحدهما قوة بالغلبة، فكان الحكم له كالماء إذا خالطه مائع، (والقول الثاني): يقسط على عدد السقيات؛ لأن ما وجب فيه الزكاة بالقسط عند التماثل وجب فيه بالقسط عند التفاضل كزكاة الفطر في العبد المشترى، فإن جهل القدر الذي سقي بكل واحد منهما جعلا نصفين؛ لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر فوجب التسوية بينهما كالدار في يد اثنين............
فصل:
إذا اجتمع في الشجر الواحد أو الزرع الواحد السقي بماء السماء والنواضح فله حالان
(أحدهما): أن يزرع عازمًا على السقي بهما، فينظر إن كان نصف السقي بهذا ونصفه بذلك فطريقان، (أصحهما) وبه قطع المصنف والجمهور من الطريقين: يجب ثلاثة أرباع العشر، (والثاني): حكاه إمام الحرمين وغيره أنه يجب العشر بكماله على قولنا فيما إذا تفاضلًا أنه يعتبر الأغلب، وعللوه بأنه أرفق للمساكين، والمذهب الأول، ودليله في الكتاب، فإن سقي بأحدهما أكثر فقولان مشهوران، ذكر المصنف دليلهما، (أصحهما) عند الأصحاب، ورجحه الشافعي رضي الله عنه أيضًا في المختصر: يقسط الواجب عليهما، (والثاني): يعتبر الأغلب، فإن قلنا بالتقسيط، وكان ثلثا السقي بماء السماء، والثلث بالنضح وجب خمسة أسداس العشر، وإن استويا فثلاثة أرباع العشر، وإن قلنا بالأغلب فزاد السقي بماء السماء أدنى زيادة وجب العشر، وإن زاد الآخر أدنى زيادة وجب نصف العشر فإن استويا فقد ذكرنا أن المذهب وجوب ثلاثة أرباع العشر، وفي وجه شاذ: يجب كل العشر.قال أصحابنا: وسواء قسطنا أم اعتبرنا الأغلب، فهل النظر إلى عدد السقيات أم غيرها؟ فيه وجهان مشهوران في كتب الخراسانيين، وفي كتب جماعة من العراقيين
(أحدهما): يقسط على عدد السقيات، وبهذا قطع المصنف والماوردي؛ لأن المؤنة تختلف بعدد السقيات، والمراد السقيات المقيدة، (والوجه الثاني) وهو الأصح، وبه قطع الشيخ أبو حامد، وهو ظاهر نص الشافعي رضي الله عنه، وصححه المحققون، ورجحه الرافعي في كتابيه أن الاعتبار بعيش الزرع والثمرة ونمائه.
قال إمام الحرمين وآخرون: وعبر بعضهم عن هذا الثاني بالنظر إلى النفع، قالوا: وقد تكون سقية أنفع من سقيات كثيرة.
قال إمام الحرمين: والعبارتان متقاربتان، إلا أن صاحب الثانية لا ينظر إلى المدة، بل يعتبر النفع الذي يحكم به أهل الخبرة، وصاحب العبارة الأولى يعتبر المدة.قال الرافعي رحمه الله: واعتبار المدة هو الذي ذكره الأكثرون؛ تفريعًا على هذا الوجه، قال: وذكروا في المثال أنه لو كانت المدة من يوم الزرع إلى يوم الإدراك ثمانية أشهر، واحتاج في ستة أشهر زمان الشتاء والربيع إلى سقيتين، فسقى فيهما بماء السماء، واحتاج في الصيف في الشهرين الباقيين إلى ثلاث سقيات فسقين بالنضح.
فإن اعتبرنا عدد السقيات، فعلى قول التقسيط يجب خمسًا العشر وثلاثة أخماس نصف العشر، وعلى اعتبار الأغلب يجب نصف العشر، وإن اعتبرنا المدة فعلى قول التقسيط يجب ثلاثة أرباع العشر وربع نصف العشر، وعلى قول اعتبار الأغلب يجب العشر؛ لأن مدة السقي بماء السماء أطول، ولو سقى بماء السماء والنضح جميعًا وجهل المقدار من كل واحد منهما أو علم أن أحدهما أكثر وجهل أيهما هو وجب ثلاثة أرباع العشر.هذا هو المذهب، وبه قطع المصنف وجماهير الأصحاب، ونقلوه عن ابن سريج، وأطبقوا عليه، إلا ابن كج والدارمي فحكيا وجهًا: أنه يجب نصف العشر؛ لأن الأصل البراءة مما زاداو، إلا صاحب الحاوي فقال: إن سقى بأحدهما أكثر وجهلت عينه، فإن اعتبرنا الأغلب وجب نصف العشر؛ لأنه اليقين وان قلنا بالتقسيط فالواجب ينقص عن العشر وينقص عن نصفه فيأخذ اليقين، ويقف عن الباقي حتى يتبين، قال: وإن شككنا هل استويا أو زاد أحدهما؟ فإن قلنا بالغالب وجب نصف العشر؛ لأنه اليقين، وإن قسطنا فوجهان،
(أحدهما): يجب ثلاثة أرباع العشر، (والثاني): يجب زيادة علي نصف العشر بشيء، وإن قل.هذا كلام صاحب الحاوي، والمذهب ما قدمناه.
(الحال الثاني): يزرع ناويًا السقي بأحدهما، ثم يقع الآخر، فهل يستصحب حكم ما نواه أو لا، أم يعتبر الحكم؟ فيه وجهان حكاهما الخراسانيون والدارمي وآخرون، (أصحهما) وأشهرهما: يعتبر الحكم، وصححه الرافعي وغيره، وهو مقتضى إطلاق العراقيين، قالوا: وعلى هذا ففي كيفية اعتبارهما الخلاف السابق، والله تعالى أعلم.
الموسوعة الفقهية الكويتية- وزارة الأوقاف الكويتية- (30/ 172)
ثانيًا: العفو في الزكاة
اختلف الفقهاء فيما بين النصابين من الأنعام، هل فيه زكاة أم لا؟
فذهب أبو حنيفة وأبو يوسف ومالك في الصحيح، والشافعية في الأصح عندهم وأحمد إلى أن الفرض في النصاب فقط، وما بينهما من الأوقاص عفو.
وذهب محمد وزفر ومالك في رواية أخرى عنه، والبويطي من الشافعية إلى أن الفرض يتعلق بالجميع.
أما ما عدا ذلك من الأموال الزكوية، فذهب المالكية والشافعية والحنابلة وصاحبا أبي حنيفة إلى أن العفو يختص في زكاة السائمة، بخلاف غيرها من أموال الزكاة كالنقدين والزروع والثمار، فإنه يجب فيما زاد على النصاب بحسابه.
وقال أبو حنيفة وزفر: إن العفو يجري في كل الأحوال حتى في النقدين، وما زاد على مائتي درهم عفو، ما لم يبلغ أربعين درهمًا ففيها درهم آخر.
الموسوعة الفقهية الكويتية- وزارة الأوقاف الكويتية- (19/ 228)
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
المبحث الأوَّل: نِصاب زكاة الزُّروع والثِّمار
الفرع الثاني: الزَّكاةُ فيما زاد على النِّصَابِ
تجِبُ الزَّكاة فيما زاد على النِّصابِ قلَّ أو كثُر.
الدَّليلُ مِنَ الإجماعِ:
نقل الإجماعَ على ذلك: الماوَرْديُّ والنوويُّ وابنُ حَجَرٍ.
المغني لابن قدامة (4/ 65)
والصحيح أن الخلطة لا تؤثر في غير الماشية؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "والخليطان ما اشتركا في الحوض والفحل والراعي"، فدل على أن ما لم يوجد فيه ذلك لا يكون خلطة مؤثرة، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يجمع بين متفرق، خشية الصدقة"، إنما يكون في الماشية؛ لأن الزكاة تقل بجمعها تارة، وتكثر أخرى، وسائر الأموال تجب فيها فيما زاد على النصاب بحسابه.
المجموع شرح المهذب (5/ 464 )
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإن زادت الثمرة على خمسة أوسق وجب الفرض فيه بحسابه؛ لأنه يتجزأ من غير ضرر، فوجب فيه بحساب كزكاة الأثمان).
الشرح:
قوله: (يتجزأ من غير ضرر) احتراز من الماشية، وتجب فيما زاد علي النصاب بحسابه بإجماع المسلمين، نقل الإجماع فيه صاحب الحاوي وآخرون، ودليله من السنة: قوله صلى الله عليه وسلم: "فيما سقت السماء العشر" الحديث، والله تعالى أعلم.
المغني لابن قدامة (4/ 169)
فصل: وإذا وجب عليه عشر مرة، لم يجب عليه عشر آخر، وإن حال عنده أحوالًا؛ لأن هذه الأموال غير مرصدة للنماء في المستقبل، بل هي إلى النقص أقرب، والزكاة إنما تجب في الأشياء النامية، ليخرج من النماء، فيكون أسهل، فإن اشترى شيئًا من ذلك للتجارة صار عرضًا، تجب فيه زكاة التجارة إذا حال عليه الحول، والله أعلم.
المغني لابن قدامة (4/ 207)
فصل: ويضم زرع العام الواحد بعضه إلى بعض في تكميل النصاب، سواء اتفق وقت زرعه وإدراكه، أو اختلف، ولو كان منه صيفي وربيعي، ضم الصيفي إلى الربيعي، ولو حصدت الذرة والدخن، ثم نبت أصولهما لضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب؛ لأن الجميع زرع عام واحد، فضم بعضه إلى بعض، كما لو تقارب زرعه وإدراكه.
فصل: وتضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض، سواء اتفق وقت إطلاعها وإدراكها، أو اختلف، فيقدم بعضها على بعض في ذلك، ولو أن الثمرة جذت ثم أطلعت الأخرى وجذت، ضمت إحداهما إلى الأخرى، فإن كان له نخل يحمل في السنة حملين، ضم أحدهما إلى الآخر، وقال القاضي: لا يضم، وهو قول الشافعي؛ لأنه حمل ينفصل عن الأول، فكان حكمه حكم حمل عام آخر، وإن كان له نخل يحمل مرة، ونخل يحمل مرتين، ضممنا الحمل الأول إلى الحمل المنفرد، ولم يجب في الثاني شيء، إلا أن يبلغ بمفرده نصابًا، والصحيح أن أحد الحملين يضم إلى الآخر، ذكره أبو الخطاب، وابن عقيل؛ لأنهما ثمرة عام واحد، فيضم بعضها إلى بعض، كزرع العام الواحد، وكالذرة التي تنبت مرتين، ولأن الحمل الثاني يضم إلى الحمل المنفرد لو لم يكن حمل أول، فكذلك إذا كان، فإن وجود الحمل الأول لا يصلح أن يكون مانعًا، بدليل حمل الذرة الأول، وما ذكره من الانفصال يبطل بالذرة، والله أعلم بالصواب.
الموسوعة الفقهية الكويتية- وزارة الأوقاف الكويتية- (23/ 288)
واستدل لذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًّا العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر)، والحكمة في تقليل القدر الواجب فيما فيه عمل أن للكلفة أثرًا في تقليل النماء.
ولو احتاجت الأرض إلى ساق يسقيها بماء الأنهار أو الأمطار، ويحول الماء من جهة إلى جهة، أو احتاجت إلى عمل سواق أو حفر أنهار لم يؤثر ذلك في تقليل النصاب.
المغني لابن قدامة (4/ 165)
ولا يؤثر حفر الأنهار والسواقي في نقصان الزكاة؛ لأن المؤنة تقل؛ لأنها تكون من جملة إحياء الأرض ولا تتكرر كل عام، وكذلك لا يؤثر احتياجها إلى ساق يسقيها، ويحول الماء في نواحيها؛ لأن ذلك لا بد منه في كل سقي بكلفة، فهو زيادة على المؤنة في التنقيص، فجرى مجرى حرث الأرض وتسميتها، وإن كان الماء يجري من النهر في ساقية إلى الأرض، ويستقر في مكان قريب من وجهها، لا يصعد إلا بغرف أو دولاب، فهو من الكلفة المسقطة لنصف الزكاة، على ما مر؛ لأن مقدار الكلفة وقرب الماء وبعده لا يعتبر، والضابط لذلك: هو أن يحتاج في ترقية الماء إلى الأرض بآلة من غرف أو نضح أو دالية ونحو ذلك، وقد وجد. اهـ
المجموع شرح المهذب (5/ 462)
وأما القنوات والسواقي المحفورة من نهر عظيم التي تكثر مؤنتها ففيها العشر كاملًا، هذا هو الصحيح المشهور المقطوع به في كتب العراقيين والخراسانيين، ونقل إمام الحرمين اتفاق الأئمة عليه، وعلله الأصحاب بأن مؤنة القنوات إنما تشق لإصلاح الضيعة، وكذا الأنهار إنما تشق لإحياء الأرض، وإذا تهيأت وصل الماء إلى الزرع بنفسه مرة بعد أخرى، بخلاف النواضح ونحوها، فإن المؤنة فيها لنفس الزرع.
ونقل الرافعي عن الشيخ أبي عاصم أنه نقل أن الشيخ أبا سهل الصعلوكي من أصحابنا أفتى أن ما سقي بنماء القناة وجب فيه نصف العشر، وقال صاحب التهذيب: إن كانت القناة أو العين كثيرة المؤنة لا تزال تنهار، وتحتاج إلى إحداث حفر وجب نصف العشر، وإن لم يكن لها مؤنة أكثر من مؤنة الحفر الأول وكسحها في بعض الأوقات وجب العشر.
قال الرافعي: والمذهب ما قدمناه عن الجمهور، قال الرافعي: قال ابن كج: ولو اشترى ماء وسقى به وجب نصف العشر، قال: وكذا لو سقاه بما مغصوب؛ لأن عليه ضمانه، قال الرافعي: وهذا حسن جار على كل مأخذ، فإنه لا يتعلق بصلاح الضيعة، بخلاف القناة.ثم حكى الرافعي عن ابن كج عن ابن القطان وجهين فيما لو وهب له الماء ورجح إلحاقه بالمغصوب لوجود المنة العظيمة وكما لو علف ماشيته بعلف موهوب.
(قلت): وهذان الوجهان تفريع على قولنا: لا تقتضي الهبة ثوابًا.
(فإن قلنا): تقتضيه، فنص العشر بلا خلاف، صرح بذلك كله الدارمي في الاستذكار، والله تعالى أعلم.
الموسوعة الفقهية الكويتية- وزارة الأوقاف الكويتية- (23/ 284)
وقال الحنابلة: يثبت الوجوب ببدو الصلاح في الثمر، واشتداد الحب في الزرع، ويستقر الوجوب بجعل الثمرة أو الزرع في الجرين أو البيدر، فلو تلف قبل استقرار الحبوب بجائحة فلا شيء عليه إجماعًا، على ما قال ابن المنذر، ونقله في شرح المنتهى عنه، أما قبل ثبوت الوجوب فلو بيع النخل أو الأرض فلا زكاة على البائع في الزرع والثمر، ولو مات المالك قبل الوجوب فالزكاة على الورثة إن بقي إلى وقت الوجوب، وبلغ نصيب الوارث نصابًا، وكذا إن أوصى بها ومات قبل الوجوب فلا زكاة فيها، ولو أكل من الثمرة قبل الوجوب لم يحتسب عليه ما أكل، ولو نقصت عن النصاب بما أكل فلا زكاة عليه.
وأما بعد الوجوب فتلزمه الزكاة، وإن باع أو أوصى بها، ولا شيء على من ملكها بعد أن ثبت الوجوب.
وذكر الحنابلة مما يتفرع على ذلك أنه لا زكاة على من حصل على نصاب من لقاط السنبل أو أجرة الحصاد، أو ما يأخذه من المباحات من الحب أو العفص والأشنان ونحوها؛ لأنه لم يملكها وقت الوجوب.
الموسوعة الفقهية الكويتية- وزارة الأوقاف الكويتية- (23/ 282)
ضم غلة العام الواحد بعضها إلى بعض:
103- لا تضم ثمرة عام إلى ثمرة عام آخر، ولا الحاصل من الحب كذلك.
وأما في العام الواحد: فقد فرق الشافعية في الأظهر بين الزرع والثمر، فأما الزرع فيضم ما زرع في العام الواحد بعضه إلى بعض، كالذرة تزرع في الربيع وفي الخريف، وأما الثمر إذا اختلف إدراكه فلا يضم بعضه إلى بعض في العام الواحد، وذلك كما لو اختلف إدراكه لاختلاف أنواعه واختلاف بلاده حرارة وبرودة، وكما لو أطلع النخل في العام الواحد مرتين فلا يضم.
وفي قول عندهم: إن أطلع الثاني بعد جداد الأول فلا يضم وإلا فيضم.
وقال المالكية: يشترط للضم أن يزرع أحدها قبل استحقاق حصاد الآخر، وهو وقت وجوب الزكاة فيه، ويشترط أيضًا أن يبقى من حب الأول إلى استحقاق حصاد الثاني، وإن لم يحصد ما يكمل به النصاب، أما لو أكل الأول قبل وقت وجوب الزكاة في الثاني، فلا يضم الثاني للأول، بل إن كان الثاني نصابًا زكي، وإلا فلا، وكذا يضم زرع ثان إلى أول، وثان إلى ثالث، إن كان فيه مع كل منهما خمسة أوسق، وهذا إن لم يخرج زكاة الأولين حتى يحصد الثالث. وحيث ضم أصنافًا بعضها إلى بعض، فإنه يخرج من كل صنف بحسبه.
وأطلق الحنابلة القول أن زرع العام الواحد يضم بعضه إلى بعض إذا اتفق الجنس، وكذا ثمرة العام، سواء كان الأصل مما يحمل مرتين في العام كالذرة، أو لا.
المغني لابن قدامة (4/ 171)
فصل: ويصح تصرف المالك في النصاب قبل الخرص، وبعده، بالبيع والهبة وغيرهما، فإن باعه أو وهبه بعد بدو صلاحه، فصدَقَتُه على البائع والواهب، وبهذا قال الحسن، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وبه قال الليث، إلا أن يشترطها على المبتاع، وإنما وجبت على البائع؛ لأنها كانت واجبة عليه قبل البيع فبقي على ما كان عليه، وعليه إخراج الزكاة من جنس المبيع والموهوب، وعن أحمد: أنه مخير بين أن يخرج ثمرًا أو من الثمن.
قال القاضي: والصحيح أن عليه عشر الثمرة؛ فإنه لا يجوز إخراج القيمة في الزكاة، على صحيح المذهب، ولأن عليه القيام بالثمرة حتى يؤدي الواجب منها ثمرًا، فلا يسقط ذلك عنه ببيعها ولا هبتها، ويتخرج أن تجب الزكاة على المشترى، على قول من قال: إن الزكاة إنما تجب يوم حصاده؛ لأن الوجوب إنما تعلق بها في ملك المشترى، فكان عليه، ولو اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها، ثم بدا صلاحها في يد المشتري على وجه صحيح، مثل أن يشتري شجرة مثمرة، ويشترط ثمرتها، أو وهبت له ثمرة قبل بدو صلاحها، فبدا صلاحها في يد المشتري أو المتهب، أو وصى له بثمرة فقبلها بعد موت الموصي، ثم بدا صلاحها، فالصدقة عليه؛ لأن سبب الوجوب وجد في ملكه، فكان عليه، كما لو اشترى سائمة أو اتهبها، فحال الحول عليها عنده. اهـ
فصل: وإذا اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها، فتركها حتى بدا صلاحها، فإن لم يكن شرط القطع، فالبيع باطل، وهي باقية على ملك البائع، وزكاتها عليه، وإن شرط القطع، فقد روي أن البيع يبطل أيضًا، ويكون الحكم فيها كما لو لم يشترط القطع، وروي أن البيع صحيح، ويشتركان في الزيادة، فعلى هذا يكون على المشتري زكاة حصته منها إن بلغت نصابًا، فإن لم يكن المشتري من أهل الزكاة، كالمكاتب والذمي، فلا زكاة فيها، وإن عاد البائع فاشتراها بعد بدو الصلاح أو غيره، فلا زكاة فيها، إلا أن يكون قصد ببيعها الفرار من الزكاة فلا تسقط.
المجموع شرح المهذب (5/ 471)
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فان أكل شيئًا من الثمار، أو استهلكه وهو عالم عزر وغرم، وإن كان جاهلًا غرم ولم يعزر).
الشرح:
لا يجوز للمالك أن يتصرف في الثمار قبل الخرص لا ببيع ولا أكل ولا إتلاف حتى يخرص، فلو تصرف قبل الخرص وبعد وجوب الزكاة غرم ما تصرف فيه بلا خلاف، فإن كان عالمًا تحريمه عزر، وإن كان جاهلا لم يعزر؛ لأنه معذور.
قال البغوي: ولا يجوز قبل الخرص أن يأكل منه شيئًا، ولا يتصرف في شيء، قال: فإن لم يبعث الحاكم خارصًا، أو لم يكن حاكم تحاكم إلى عدلين يخرصان عليه، ثم إذا غرم ما تصرف فيه ينظر إن أتلفه رطبًا فوجهان، (أحدهما): يضمن بقيمته؛ لأنه ليس مثليًّا، فأشبه ما لو أتلفه أجنبي، (والثاني): يضمنه بمثله رطبًا؛ لأنه رب المال إذا أتلف مال الزكاة ضمنه بجنسه، فإن لم يكن مثليًّا كما لو ملك أربعين شاة أو ثلاثين بقرة فأتلفها بعد استقرار الزكاة فإنه يلزمه شاة أو بقرة، ثم إن كانت الأنواع قليلة ضمن كل نوع بحصته من القيمة أو الرطب على اختلاف الأنواع، وإن كانت الأنواع كثيرة ضمن الوسط قيمة أو رطبًا.
المجموع شرح المهذب (5/ 467 : )
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فإن أراد ان يبيع الثمرة قبل بدو الصلاح نظرت، فإن كان لحاجة لم يكره، وإن كان يبيع لفرار من الزكاة كره؛ لأنه فرار من القربة ومواساة المساكين، وإن باع صح البيع؛ لأنه باع ولا حق لأحد فيه).
الشرح:
قال الشافعي رضي الله عنه في المختصر والأصحاب: إذا باع مال الزكاة قبل وقت وجوبها كالتمر قبل بدو صلاحه والحب قبل اشتداده والماشية والنقد وغيره قبل الحول، أو نوى بمال التجارة القنية، أو اشترى به شيئًا للقنية قبل الحول، فإن كان ذلك لحاجة إلى ثمنه لم يكره بلا خلاف؛ لأنه معذور لا ينسب إليه تقصير ولا يوصف بفرار.
وإن لم يكن به حاجة، وإنما باعه لمجرد الفرار فالبيع فإنها ترثه على قول، فالفرق من وجهين، (أحدهما): أن الحق في الإرث لمعين فاحتيط له، بخلاف الزكاة، (والثاني): أن الزكاة مبنية على الرفق والمساهلة، وتسقط بأشياء كثيرة للرفق كالعلف في بعض الحول والعمل عليها وغير ذلك، بخلاف الإرث، والله تعالى أعلم.قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإن باع بعد بدو الصلاح ففي البيع في قدر الفرض قولان (أحدهما): أنه باطل؛ لأن في أحد القولين تجب الزكاة في العين، وقدر الفرض للمساكين، فلا يجوز بيعه بغير إذنهم، وفى الآخر تجب في الذمة والعين مرهونة به، وبيع المرهون لا يجوز من غير إذن المرتهن، (والثاني): أنه يصح؛ لأنا إن قلنا: الزكاة تتعلق بالعين إلا أن أحكام الملك كلها ثابتة، والبيع من أحكام الملك، وإن قلنا: إنها تجب في الذمة والعين مرتهنة به إلا أنه رهن يثبت بغير اختياره، فلم يمنع البيع كالجناية في رقبة العيد. فإن قلنا: يصح في قدر الفرض ففيما سواه أولى، وإن قلنا: لا يصح في قدر الفرض ففيما سواه قولان، بناءً على تفريق الصفقة).
الشرح:
إذا باع مال الزكاة بعد وجوبها فيه سواء كان تمرًا أو حبًّا ماشية أو نقدًا أو غيره قبل إخراجها، فإن باع جميع المال، فهل يصح في قدر الزكاة؟ يبنى على الخلاف السابق في باب زكاة المواشي أن الزكاة هل تتعلق بالعين أو بالذمة؟ وقد سبق خلاف مختصره أربعة أقوال، (أصحها): تتعلق بالعين تعلق الشركة، (والثاني): تتعلق بالعين تعلق أرش الجناية.