الموسوعة الفقهية الكويتية- وزارة الأوقاف الكويتية- (3/ 117 : 119)
الأرض المفتوحة:
الأرض التي فتحت صلحًا:
24- كل أرض صولح أهلها عليها فهي على ما صولحوا عليه، فإن صولحوا على أن تكون الأرض لهم، ويؤدوا عنها خراجًا معلومًا، أو يؤدوا خراجًا غير موظف على الأرض، فهذه الأرض ملك لهم يتصرفون فيها كيفما شاءوا، ولا تقسم على المقاتلين، وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل العلم، وحكم هذا الخراج حكم الجزية يسقط بإسلامهم وإن صولحوا على أن الأرض للمسلمين، وأن يؤدوا الجزية عن رقابهم، فإن الأرض تكون وقفًا على المسلمين، ولا تقسم بينهم، وهذا أيضًا مما لا خلاف فيه بين الفقهاء.
الأرض التي فتحت عنوة:
25- إن فتحت الأرض عنوة: فقد اختلف الفقهاء في تقسيمها على المقاتلين، فقال مالك وهو رواية عن أحمد: لا تقسم الأرض، وتكون وقفًا على المسلمين، يصرف خراجها في مصالحهم، من أرزاق المقاتلة وبناء القناطر والمساجد وغير ذلك من سبل الخير، وهذا إذا لم ير الإمام في وقت من الأوقات أن المصلحة تقتضي القسمة، فله أن يقسمها على المقاتلين، والدليل عليه اتفاق الصحابة على ذلك، حينما امتنع عمر عن تقسيم أرض السواد، عندما طلب منه ذلك بلال، وسلمان.
وقال أبو حنيفة والثوري: الإمام مخير بين أن يقسمها على المسلمين المقاتلين، أو يضرب على أهلها الخراج، ويقرها بأيديهم؛ وذلك لأن كلا الأمرين قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ظهر على مكة عنوة، وفيها أموال فلم يقسمها، وظهر على قريظة والنضير وغيرهما، فلم يقسم شيئًا منها، وقسم نصف خيبر على المسلمين، ووقف النصف لنوائبه وحاجاته، كما في حديث سهل بن أبي حثمة، قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر نصفين: نصفًا لنوائبه وحوائجه، ونصفًا بين المسلمين، قسمها بينهم على ثمانية عشر سهمًا، رواه أبو داود، وسكت عنه، وما قاله أبو حنيفة والثوري هو رواية ثانية عن الإمام أحمد.
وقال الشافعي: إن الأرض تقسم بين المقاتلين، كما يقسم المنقول، إلا أن يتركوا حقهم منها بعوض، كما فعل عمر مع جرير البجلي، إذ إنه عوضه سهمه في أرض السواد، أو بغير عوض، وذلك لقوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) فإنها عامة في المنقول والأرض، ويفهم منها أن أربعة أخماسها للمقاتلين، وما قال الشافعي روي عن أحمد أيضًا.
26- أما إذا لم تقسم الأرض، وتركت بأيدي أهلها، ينتفع المسلمون بخراجها، فقد قال جمهور الصحابة والفقهاء: إنها أرض موقوفة، لا يجوز بيعها، ولا شراؤها، ولا هبتها، ولا تورث عمن وضع يده عليها من الكفار؛ وذلك لما روى الأوزاعي أن عمر والصحابة رضي الله عنهم لما ظهروا على الشام أقروا أهل القرى في قراهم على ما كان بأيديهم من أرضهم، يعمرونها ويؤدون خراجها للمسلمين، وكانوا يرون أنه لا يصح لأحد من المسلمين شراء ما في أيديهم من الأرض طوعًا أو كرهًا.
وقال أبو حنيفة وصاحباه: إنها ملك لهم، لهم التصرف فيها بالبيع والشراء والهبة، ويتوارثها عنهم أقاربهم؛ وذلك لما روى عبد الرحمن بن زيد أن ابن مسعود اشترى من دهقان أرضًا على أن يكفيه خراجها، وبهذا قال الثوري وابن سيرين الأرض التي أسلم أهلها عليها.
27- حكم هذه الأرض سواء كانت من أرض العرب أو أرض العجم، كأرض المدينة والطائف واليمن والبحرين، أنها تبقى ملكًا لأصحابها، واستدل لذلك بحديث: "من أسلم على شيء فهو له" أخرجه أبو داود.
أرض العشر:
28- كل أرض أسلم أهلها عليها، وهي من أرض العرب أو أرض العجم، فهي لهم، وهي أرض عشر، وكذلك كل أرض العرب، سواء فتحت صلحًا أو عنوة؛ لأن أهلها لا يقرون على الشرك، حتى لو دفعوا الجزية؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم فتح كثيرًا من أرض العرب عنوة، وأبقاها عشرية، وكذلك الأرض التي فتحها المسلمون عنوة، وقسمها الإمام بين الفاتحين.
أرض الخراج:
29- هي أرض العجم التي فتحها الإمام عنوة، وتركها في أيدي أهلها، أو كانت عشرية وتملكها ذمي، كما يرى أبو حنيفة وزفر، وقال أبو يوسف: يلتزم مالكها بعشرين؛ قياسًا على أرض تغلب، وعند محمد: تبقى على ما كانت عليه؛ لأنها وظيفة الأرض.
والأرض الخراجية لا تعود عشرية بحال؛ لأن الخراج كما يوضع على الذمي يوضع على المسلم.
الموسوعة الفقهية الكويتية- وزارة الأوقاف الكويتية- (19/ 60)
أنواع الأرض الخراجية:
18- النوع الأول: الأرض التي صالح المسلمون أهلها عليها، وهي نوعان:
الأول: أن يقع الصلح على أن الأرض لأهلها، وللمسلمين الخراج، فهي مملوكة لأهلها وتعتبر أرضًا خراجية.
والثاني: أن يقع الصلح على أن الأرض للمسلمين، ويقر أهلها عليها بخراج معلوم.19- النوع الثاني: الأرض التي جلا عنها أهلها خوفًا وفزعًا، وبدون قتال، فهي أرض خراجية، وتصير وقفًا على جميع المسلمين بمجرد الاستيلاء عليها عند جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية، وأحمد في رواية؛ وذلك لأنها فيء، وليست غنيمة.
وذهب أحمد في رواية ثانية إلى: أن حكمها حكم الأرض المفتوحة عنوة، فلا تصير وقفًا على المسلمين إلا بوقف الإمام لها؛ لأنها مال ظهر عليه المسلمون بقوتهم، فلا يكون وقفًا بنفس الاستيلاء كالمنقول.
أما أرض العرب فكلها أرض عشرية؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام والخلفاء الراشدين لم يأخذوا الخراج من أرض العرب، ولأنه بمنزلة الفيء فلا يثبت في أراضيهم، كما لا تثبت الجزية في رقابهم، وانظر مصطلح: (أرض، وأرض العرب).النوع الثالث: الأرض التي افتتحها المسلمون عنوة:
20- اختلف الفقهاء في تقسيم الأرض التي افتتحت عنوة بين الفاتحين، فيرى بعضهم وجوب تقسيمها، ويرى آخرون وقفها، ويرى بعضهم تخيير الإمام بين هذين الأمرين.
الموسوعة الفقهية الكويتية- وزارة الأوقاف الكويتية- (19/ 88)
اجتماع العشر والخراج على المسلم:
63- اختلف الفقهاء في هذه المسألة، فذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن المسلم الذي يملك الأرض الخراجية يطالب بالزكاة "العشر" والخراج معًا، إذا زرعها، أو انتفع بها.
واستدلوا لاجتماع العشر والخراج بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) فالآية عامة في كل أرض ينتفع بها وتزرع، سواء أكانت خراجية أو عشرية، كما استدلوا بعموم قوله: "فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًّا العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر"، ولأن العشر والخراج حقان مختلفان ذاتًا، وسببًا، ومصرفًا، ودليلًا.أما اختلافهما ذاتًا: فلأن العشر فيه معنى العبادة، والخراج فيه معنى العقوبة.
وأما اختلافهما سببًا: فلأن العشر يجب في الخارج من الأرض، والخراج يجب في الأرض النامية، سواء أكان النماء حقيقيًّا أم تقديريًّا بأن يتمكن من الانتفاع بالأرض.
وأما اختلافهما مصرفًا: فلأن مصرف العشر: الأصناف الثمانية، المحدد في آية الصدقات، ومصرف الخراج: المصالح العامة.
وأما اختلافهما دليلًا: فلأن دليل العشر: النص، ودليل الخراج: الاجتهاد المبني على مراعاة المصالح.
وإذا ثبت اختلافهما من هذه الوجوه، فلا مانع من اجتماعهما، ووجوب أحدهما لا يمنع وجوب الآخر، كاجتماع الجزاء والقيمة عند قتل المحرم للصيد المملوك.
وذهب الحنفية إلى عدم اجتماع العشر والخراج في الأرض الخراجية التي يملكها مسلم، ولا يجب في هذه الأرض سوى الخراج.
واستدلوا لذلك بما روى ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يجتمع على المسلم خراج وعشر".
وبما روى طارق بن شهاب، قال: كتب إلي عمر بن الخطاب في دهقانة نهر الملك - كورة واسعة من الأرض التي بنيت بها بغداد - أسلمت فكتب: أن ادفعوا إليها أرضها تؤدي عنها الخراج.فأمر عمر رضي الله عنه بأخذ الخراج، ولم يأمر بأخذ العشر، ولو كان واجبًا لأمر به.
ولأنه لم يأخذ أحد من أئمة العدل، وولاة الجور من أرض السواد عشرًا؛ ولأن سبب وجوبهما واحد وهو الأرض النامية، فلا يجتمعان في أرض واحدة كما لا يجتمع زكاتان في مال واحد كزكاة السائمة والتجارة في الحيوانات.
الموسوعة الفقهية الكويتية- وزارة الأوقاف الكويتية- (39/ 284)
الخراج والعشر:
54- قال الحنفية: لو أن أرضًا من أراضي الخراج مات ربها قبل أن يؤخذ منه الخراج، فإنه لا يؤخذ من تركته،؛ لأن الخراج في معنى الصلة، فيسقط بالموت قبل الاستيفاء، ولا يتحول إلى التركة كالزكاة، ثم إن خراج الأرض معتبر بخراج الرأس، ففي كل واحد منهما معنى الصغار، وكما أن خراج الرأس يسقط بموت من عليه قبل الاستيفاء، فكذلك خراج الأرض، ولا يمكن استيفاؤه من الورثة باعتبار ملكهم؛ لأنهم لم يتمكنوا من الانتفاع بها في السنة الماضية.
ولو مات رب الأرض العشرية، وفيها زرع، فإنه يؤخذ منه العشر على حاله، وفي رواية ابن المبارك عن أبي حنيفة أنه سوّى بين العشر والخراج، وقال: يسقط بموت رب الأرض، وأما في ظاهر الرواية، فالزرع القائم يصير مشتركًا بين الفقراء ورب الأرض، عشره حق الفقراء، وتسعة أعشاره حق رب الأرض، ولهذا لا يعتبر في إيجاب العشر المالك، حتى يجب في أرض المكاتب والعبد والمدين والصبي والمجنون، فبموت أحد الشريكين لا يبطل حق الآخر، ولكن يبقى محله، وهذا بخلاف الخراج، حيث إن محله الذمة، وبموته خرجت ذمته من أن تكون صالحة لالتزام الحقوق، والمال لا يقوم مقام الذمة فيما طريقه طريق الصلة.
المغني لابن قدامة (4/ 199)
444- مسألة: قال: (وما كان عنوة أدى عنها الخراج، وزكى ما بقى إذا كان خمسة أوسق، وكان لمسلم).
يعني: ما فتح عنوة ووقف على المسلمين، وضرب عليه خراج معلوم، فإنه يؤدى الخراج من غلته، وينظر في باقيها، فإن كان نصابًا ففيه الزكاة إذا كان لمسلم، وإن لم يبلغ نصابًا، أو بلغ نصابًا، ولم يكن لمسلم، فلا زكاة فيه، فإن الزكاة لا تجب على غير المسلمين. وكذلك الحكم في كل أرض خراجية، وهذا قول عمر بن عبد العزيز، والزهري، ويحيى الأنصاري، وربيعة، والأوزاعي، ومالك، والثوري، ومغيرة، والليث، والحسن بن صالح، وابن أبي ليلى، وابن المبارك، والشافعي، وإسحاق، وأبي عبيد.
وقال أصحاب الرأي: لا عشر في الأرض الخراجية؛ لقوله عليه السلام: "لا يجتمع العشر والخراج في أرض مسلم"، ولأنهما حقان سبباهما متنافيان، فلا يجتمعان، كزكاة السوم والتجارة، والعشر، وزكاة القيمة، وبيان تنافيهما: أن الخراج وجب عقوبة؛ لأنه جزية الأرض، والزكاة وجبت طهرة وشكرًا.
ولنا: قول الله تعالى: (وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "فيما سقت السماء العشر" وغيره من عمومات الأخبار.
قال ابن المبارك: يقول الله تعالى: (وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ)، ثم قال: نترك القرآن لقول أبى حنيفة؟!
ولأنهما حقان يجبان لمستحقين يجوز وجوب كل واحد منهما على المسلم، فجاز اجتماعهما كالكفارة والقيمة في الصيد الحرمي المملوك، وحديثهم يرويه يحيى بن عنبسة، وهو ضعيف، عن أبي حنيفة، ثم نحمله على الخراج الذي هو جزية.
وقول الخرقي: (وكان لمسلم) يعني: أن الزكاة لا تجب على صاحب الأرض إذا لم يكن مسلمًا، وليس عليه في أرضه سوى الخراج.
قال أحمد رحمه الله: ليس في أرض أهل الذمة صدقة، إنما قال الله تعالى: (صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) فأي طهرة للمشركين؟!
وقولهم: إن سببيهما يتنافيان: غير صحيح؛ فإن الخراج أجرة الأرض، والعشر زكاة الزرع، ولا يتنافيان، كما لو استأجر أرضًا فزرعها، ولو كان الخراج عقوبة لما وجب على مسلم، كالجزية.
المغني لابن قدامة (7/ 550)
فصل: وإن ساقاه على أرض خراجية، فالخراج على رب المال؛ لأنه يجب على الرقبة؛ بدليل أنه يجب سواء أثمرت الشجر أو لم تثمر، ولأن الخراج يجب أجرة للأرض، فكان على رب الأرض، كما لو استأجر أرضًا، وزارع غيره فيها، وبهذا قال الشافعي، وقد نقل عن أحمد، في الذي يتقبل الأرض البيضاء ليعمل عليها، وهى من أرض السواد يتقبلها من السلطان، فعلى من يقبلها أن يؤدى وظيفة عمر رضى الله عنه، ويؤدي العشر بعد وظيفة عمر. وهذا معناه - والله أعلم - إذا دفع السلطان أرض الخراج إلى رجل يعملها ويؤدي خراجها، فإنه يبدأ فيؤدي خراجها، ثم يزكي ما بقي، كما ذكره الخرقي في باب الزكاة، ولا تنافي بين ذلك وبين ما ذكرنا ههنا، إن شاء الله تعالى.
المجموع شرح المهذب (5/ 533 : 542)
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإن كان الزرع لواحد، والأرض لآخر وجب العشر على مالك الزرع عند الوجوب؛ لأن الزكاة تجب في الزرع فوجبت على مالكه كزكاة التجارة تجب على مالك المال دون مالك الدكان، وإن كان على الأرض خراج وجب الخراج في وقته، ويجب العشر في وقته، ولا يمنع وجوب أحدهما وجوب الآخر؛ لأن الخراج يجب للأرض، والعشر يجب للزرع، فلا يمنع أحدهما الآخر كأجرة المتجر وزكاة التجارة).
الشرح:
المتجر - بفتح الميم، والجيم -: هو الدكان.
أما الأحكام:
فقال الشافعي والأصحاب رحمهم الله تعالى: يجب العشر في الثمر والحب المستخرج من أرض مستأجرة أو من أرض عليها خراج، فيجب على المستأجر العشر مع الأجرة، وكذا مع الخراج في أرض الخراج.
قال الرافعي والأصحاب: وتكون الأرض خراجية في صورتين:
إحداهما: أن يفتح الإمام بلدة قهرًا، ويقسمها بين الغانمين، ثم يعوضهم عنها، ثم يقفها على المسلمين، ويضربه عليها خراجًا، كما فعل عمر رضي الله عنه بسواد العراق، على ما هو الصحيح فيه.
(الثانية): أن يفتح بلدة صلحًا على أن الأرض للمسلمين، ويسكنها الكفار بخراج معلوم، فالأرض تكون فيئًا للمسلمين، والخراج أجرة لا يسقط بإسلامهم، وكذا إذا انجلى الكفار عن بلدة، وقلنا: إن الأرض تصير وقفًا على مصالح المسلمين يضرب عليها خراج، يؤديه من سكنها، مسلمًا كان أو ذميًّا، فأما إذا فتحت صلحًا، ولم يشترط كون الأرض للمسلمين، ولكن سكنوا فيها بخراج، فهذا يسقط بالإسلام، فإنه جزية، وأما البلاد التي فتحت قهرًا، وقسمت بين الغانمين، وثبتت في أيديهم، وكذا التي أسلم أهلها عليها، والأرض التي أحياها المسلمون، فكلها عشرية، وأخذ الخراج منها ظلم، قال: وأما النواحي التي يؤخذ منها الخراج، ولا يعرف كيف حالها في الأصل، فحكى الشيخ أبو حامد عن نص الشافعي رضي الله عنه أنه يستدام الأخذ منها، فإنه يجوز أن يكون الذي فتحها صنع بها كما صنع عمر رضي الله عنه بسواد العراق، والظاهر أن ما جرى طول الدهر جرى بحق.
فإن قيل: هل يثبت حكم أرض السواد من امتناع البيع والرهن؟
قيل: يجوز أن يقال: الظاهر في الأخذ كونه حقًّا، وفي الأيدي الملك، فلا يترك واحدًا من الظاهرين إلا بيقين، واتفق الأصحاب على أن الخراج المأخوذ ظلمًا لا يقوم مقام العشر، فإن أخذه السلطان على أن يكون بدل العشر، فهو كأخذ القيمة بالاجتهاد، وفي سقوط الفرض به خلافٌ، سبق في آخر باب الخلطة، الصحيح السقوط، وبه قطع المتولي وآخرون، فعلى هذا: إن لم يبلغ قدر العشر أخرج الباقي، والله تعالى أعلم.
المجموع شرح المهذب (5/ 543 : 553)
في مذاهب العلماء في اجتماع العشر والخراج:
مذهبنا: اجتماعهما، ولا يمنع أحدهما وجوب الآخر، وبه قال جمهور العلماء، قال ابن المنذر: هو قول أكثر العلماء، وممن قال به عمر بن عبد العزيز وربيعة والزهري ويحيى الأنصاري ومالك والأوزاعي والثوري والحسن بن صالح وابن أبي ليلى والليث وابن المبارك وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وداود.
وقال أبو حنيفة: لا يجب العشر مع الخراج، واحتج بحديث يروى عن ابن مسعود مرفوع: "لا يجتمع عشر وخراج في أرض مسلم"، وبحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "منعت العراق قفيزها ودرهمها"، ولما روي أن دهقان بهر الملك لما أسلم قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "سلموا إليه الأرض، وخذوا منه الخراج"، فأمر بأخذ الخراج، ولم يأمر بأخذ العشر، ولو كان واجبًا لأمر به، ولأن الخراج يجب بالمعنى الذي يجب به العشر، وهو منفعة الأرض، ولهذا لو كانت الأرض سبخة لا منفعة لها لم يجب فيها خراج ولا عشر، فلم يجز إيجابهما معًا كما إذا ملك نصابًا من السائمة للتجارة سنة، فإنه لا يلزمه زكاتان، ولأن الخراج يجب بسبب الشرك والعشر بسبب الإسلام فلم يجتمعا، واحتج أصحابنا بقوله صلى الله عليه وسلم: "فيما سقت السماء العشر"، وهو صحيح، كما سبق بيانه في باب زكاة الثمار، وهو عام يتناول ما في أرض الخراج وغيره.
واحتجوا بالقياس الذي ذكره المصنف، وبالقياس على المعادن، ولأنهما حقان يجبان بسببين مختلفين لمستحقين، فلم يمنع أحدهما الآخر، كما لو قتل المحرم صيدًا مملوكًا، ولأن العشر وجب بالنص فلا يمنعه الخراج الواجب بالاجتهاد.
وأما الجواب عن حديث: "لا يجتمع عشر وخراج" فهو: أنه حديث باطل، مجمع على ضعفه، انفرد به يحيى بن عنبسة، عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال البيهقي رحمه الله تعالى في معرفة السنن والآثار: "هذا المذكور إنما يرويه أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم من قوله، فرواه يحيى بن عنبسة هكذا مرفوعًا، ويحيى بن عنبسة مكشوف الأمر في الضعف؛ لروايته عن الثقات الموضوعات، قاله أبو أحمد ابن عدي الحافظ".
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (5/ 483 : 489)
مسائل الإجماع في الخراج
[143/ 143] حكم أخذ الخراج
• المراد بالمسألة: الخراج عند الفقهاء نوعان:
الأول: خراج المقاسمة، كربع الخارج، وخمسه، ونحوهما.
الثاني: الخراج الموظف، وهو الوظيفة المعينة التي توضع على أرض، كما وضع عمر رضي الله عنه على سواد العراق.
وقد أطلق الفقهاء على الخراج: جزية الأرض، وأجرة الأرض.قال الماوردي: "أرض الخراج ضربان: خراج يكون جزية، وخراج يكون أجرة، فالخراج الذي يكون جزية: هو ما ضربه الأئمة على أرض أهل العهد مع إقرارها على ملكهم، فهذه الأرض إن زرعها أهل العهد وجب عليهم الخراج دون العشر، وإن أسلموا أو انتقلت عنهم إلى مسلم وجب العشر في زرعها وسقط الخراج، فإن استأجرها منهم مسلم وجب الخراج عليهم؛ لبقاء ملكهم عليها، ووجب العشر على المسلم؛ لملكه للزرع.
وأما الخراج الذي يكون أجرة -كأرض السواد التي ضرب عمر رضي الله عنه عليها خراجًا جعله إما ثمنًا وإما أجرةً على اختلاف الناس فيه- فلا يسقط عن رقاب الأرض بإسلام أهلها، فإن زرعها مسلم هي بيده لزمه الحقان: الخراج عن الرقبة، والعشر عن الزرع".
كما يطلق عليه -أيضًا-: الطسق، وأول من استعمل هذه اللفظة في الإسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث كتب إلى عثمان بن حنيف رضي الله عنه-في رجلين من أهل الذمة أسلما- كتابا جاء فيه: "ارفع الجزية عن رؤوسهما، وخذ الطسق عن أرضيهما".
وبوب أبو عبيد في "كتاب الأموال" بابًا، باسم: "أرض العنوة تقر في يد أهلها، ويوضع عليها الطسق وهو الخراج.الأرض الخراجية: هي الأرض التي صولح عليها أهلها، وكذا الأرض التي جلا عنها أهلها خوفًا وفزعًا من المسلمين، والأرض التي فتحت عنوة، وتركها الإمام في أيدي أهلها يزرعونها، وينتفعون بها بخراج معلوم.
وقد أجمع المسلمون على جواز أخذ الخراج على الأرض الخراجية.
• من نقل الإجماع: أبو المعالي الجويني (478 هـ) قال: "لما انتشرت الرعية، وكثرت المؤن المعنية، تسبب أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه إلى توظيف الخراج والإرفاق على أراضي العراق، بإطباق واتفاق". ابن حزم (456 هـ) قال: "إن الصحابة أجمعوا على أخذ الخراج". ابن قدامة (620 هـ) قال: "وقال الأوزاعي: أجمع رأي عمر وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما ظهروا على الشام على إقرار أهل القرى في قراهم على ما كان بأيديهم من أرضهم، يعمرونها، ويؤدون خراجها إلى المسلمين". نقله شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) البهوتي (1051 هـ) قال: "ضربه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه... ولم ينكره أحد من الصحابة مع شهرته، فكان كالإجماع".
• الموافقون على الإجماع: الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنابلة، والظاهرية.
• مستند الإجماع: يستدل على ذلك بالكتاب، والسنة، والآثار:• أولًا: الكتاب:
قول الله -تعالى-: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) إلى قوله -تعالى-: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ).
• وجه الدلالة: استدل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه بهذه الآيات على وقف أرض السواد على جميع المسلمين، وقال: "قد أشرك الله الذين يأتون من بعدكم في هذا الفيء، فلو قسمته لم يبق لمن بعدكم شيء، ولئن بقيت ليبلغن الراعي بصنعاء نصيبه من هذا الفيء ودمه في وجهه".• ثانيًا: السنة:
الدليل الأول: حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر إردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم".
• وجه الدلالة: هذا الحديث من أعلام النبوة، لإخباره صلى الله عليه وسلم بما سيكون من ملك المسلمين هذه الأقاليم، ووضعهم الجزية والخراج، ثم بطلان ذلك.
فقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أن الصحابة -رضوان الله عليهم- سيضعون الخراج على الأرض، ولم يرشدهم إلى خلاف ذلك، بل قرره وحكاه لهم.
الدليل الثاني: حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: كيف أنتم إذا لم تجتبوا دينارا ولا درهما؟ فقيل له: وكيف ترى ذلك كائنًا يا أبا هريرة؟ قال: إي والذي نفس أبي هريرة بيده، عن قول الصادق المصدوق، قالوا: عم ذاك؟ قال: "تنتهك ذمة الله، وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، فيشد الله عز وجل قلوب أهل الذمة، فيمنعون ما في أيديهم".
• وجه الدلالة: قال العيني: "قوله: (إذا لم تجتبوا) يعني: إذا لم تأخذوا من الجزية والخراج.• المخالفون للإجماع: اختلف الفقهاء في ضرب الخراج على أرض العنوة، وقالوا: إنما هي غنيمة تخمس وتقسم على الفاتحين، وهو حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيبر، وذلك أنه جعلها غنيمة فخمسها وقسمها، وبهذا الرأي أشار بلال رضي الله عنه على عمر رضي الله عنه في بلاد الشام، وأشار الزبير بن العوام رضي الله عنه على عمرو بن العاص رضي الله عنه في أرض مصر، وبهذا كان يأخذ مالك بن أنس.
قال ابن رشد: "واختلفوا فيما افتتح المسلمون من الأرض عنوة.
فقال مالك: لا تقسم الأرض، وتكون وقفا يصرف خراجها في مصالح المسلمين؛ من أرزاق المقاتلة، وبناء القناطر والمساجد، وغير ذلك من سبل الخير، إلا أن يرى الإمام في وقت من الأوقات أن المصلحة تقتضي القسمة، فإن له أن يقسم الأرض.
وقال الشافعي: الأرضون المفتتحة تقسم كما تقسم الغنائم، يعني: خمسة أقسام.
وقال أبو حنيفة: الإمام مخير بين أن يقسمها على المسلمين، أو يضرب على أهلها الكفارة فيها الخراج، ويقرها بأيديهم.
وسبب اختلافهم: ما يظن من التعارض بين آية سورة الأنفال، وآية سورة الحشر؛ وذلك أن آية الأنفال تقتضي بظاهرها أن كل ما غنم يخمس، وهو قوله -تعالى-: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ). وقوله -تعالى- في آية الحشر: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)، عطفًا على ذكر الذين أوجب لهم الفيء، يمكن أن يفهم منه أن جميع الناس الحاضرين والآتين شركاء في الفيء، كما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال -في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ) -: ما أرى هذه الآية إلا قد عمت الخلق، حتى الراعي بكداء". أو كلاما هذا معناه؛ ولذلك لم تقسم الأرض التي افتتحت في أيامه عنوة من أرض العراق ومصر.
فمن رأى أن الآيتين متواردتان على معنى واحد، وأن آية الحشر مخصصة لآية الأنفال، استثنى من ذلك الأرض، ومن رأى أن الآيتين ليستا متواردتين على معنى واحد، بل رأى أن آية الأنفال في الغنيمة، وآية الحشر في الفيء، على ما هو الظاهر من ذلك، قال: تخمس الأرض ولا بد، ولا سيما أنه قد ثبت أنه عليه الصلاة والسلام قسم خيبر بين الغزاة. قالوا: فالواجب أن تقسم الأرض؛ لعموم الكتاب، وفعله عليه الصلاة والسلام الذي يجري مجرى البيان للمجمل، فضلًا عن العام.
وأما أبو حنيفة: فإنما ذهب إلى التخيير بين القسمة، وبين أن يقر الكفار فيها على خراج يؤدونه؛ لأنه زعم أنه قد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى خيبر بالشطر، ثم أرسل ابن رواحة رضي الله عنه فقاسمهم. قالوا: فظهر من هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن قسم جميعها، ولكنه قسم طائفة من الأرض، وترك طائفة لم يقسمها، قالوا: فبان بهذا أن الإمام بالخيار بين القسمة، والإقرار بأيديهم، وهو الذي فعل عمر رضي الله عنه".
وزعم البعض أن عمر الفاروق رضي الله عنه كان مخالفًا لفعل النبي صلى الله عليه وسلم حين وقف أرض السواد على المسلمين ما تناسلوا، وفرض فيها الخراج.
وأجيب عن ذلك: بما قاله أبو عبيد: "وكلا الحكمين فيه قدوة ومتبع من الغنيمة والفيء، إلا أن الذي أختاره من ذلك: يكون النظر فيه إلى الإمام، وذلك أن الوجهين جميعًا داخلان فيه، وليس فعل النبي صلى الله عليه وسلم برادٍّ لفعل عمر رضي الله عنه، ولكنه اتبع آية من كتاب الله تبارك وتعالى فعمل بها، واتبع عمر آية أخرى فعمل بها، وهما آيتان محكمتان فيما ينال المسلمون من أموال المشركين، فيصير غنيمة أو فيئًا.
قال الله تبارك وتعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ)، فهذه آية الغنيمة، وهي لأهلها دون الناس، وبها عمل النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال الله -تعالى-: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) إلى قوله -تعالى-: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)، فهذه آية الفيء، وبها عمل عمر رضي الله عنه، وإياها تأول حين ذكر الأموال وأصنافها، فقال: "فاستوعبت هذه الآية الناس". وإلى هذه الآية ذهب علي ومعاذ رضي الله عنهما حين أشارا عليه بما أشارا فيما نرى والله أعلم وقد قال بعض الناس: إن عمر رضي الله عنه إنما فعل برضى من الذين افتتحوا الأرض، واستطابة لأنفسهم....النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود الخلاف.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي(5/ 514: 518)
[156/ 156] يجتمع العشر والخراج على أرض العنوة إذا أسلم صاحبها وبلغت غلتها النصاب
• المراد بالمسألة: ما فتح عنوة، ووقف على المسلمين، وضرب عليه خراج معلوم، فإنه يؤدى الخراج من غلته، وينظر في باقيها: فإن كان نصابًا ففيه الزكاة إذا كان لمسلم. وإن لم يبلغ نصابًا، أو بلغ نصابًا ولم يكن لمسلم، فلا زكاة فيه؛ فإن الزكاة لا تجب على غير المسلمين.
فيجتمع العشر مع الخراج في حق من أسلم وبيده أرض خراجية، وقد أجمع المسلمون على ذلك.
• من نقل الإجماع: أبو عبيد القاسم بن سلام (244 هـ) قال: "ولا نعلم أحدًا من الصحابة قال: لا يجتمع عليه العشر والخراج.•الموافقون على الإجماع: المالكية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية.
• مستند الإجماع: يستدل على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة والآثار:
• أولًا: الكتاب:
قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ).
• وجه الدلالة: قال البغوي: "قيل: هذا أمر بإخراج العشور من الثمار والحبوب، واتفق أهل العلم على إيجاب العشر في النخيل والكروم، وفيما يقتات من الحبوب، إن كان مسقيًّا بماء السماء، أو من نهر يجري الماء إليه من غير مؤنة، وإن كان مسقيًّا بساقية أو بنضح ففيه نصف العشر".• ثانيًا: السنة:
حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًّا العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر".
• وجه الدلالة: الحديث واضح الدلالة في وجوب العشر على ما يخرج في أراضي المسلمين.قال ابن قدامة -في اجتماع الخراج مع العشر-: "هما حقان يجبان لمستحقين يجوز وجوب كل واحد منهما على المسلم، فجاز اجتماعهما، كالكفارة والقيمة في الصيد الحرمي المملوك"
• المخالفون للإجماع: خالف الحنفية جمهور العلماء وذهبوا إلى عدم اجتماع الخراج والعشر على المسلمواستدلوا بما يلي.......
النتيجة: عدم صحة الإجماع؛ لوجود الخلاف.
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
زكاة الأرض الخراجية:
المطلب الأوَّل: تعريفُ الأرض الخَراجيَّة:
الخراج لُغةً: ما يحصُلُ مِن غلَّة.
والأرضُ الخَراجيَّة: هي أرضُ العَنوةِ التي فتَحَها الإمامُ قهرًا، وضرب عليها خَراجًا، أو ما جلَا عنها أهلُها خوفًا من المسلمين، أو ما صُولِحَ عليه الكفَّارُ.
المطلب الثاني: اجتماعُ العُشر والخَراج في أرض واحدة
يجتمِعُ العُشرُ والخَراجُ في أرضٍ واحدةٍ، وهي الأرضُ الخَراجيَّةُ التي يمتلِكُها مسلمٌ، فيجِبُ عليه فيها العُشرُ زكاةً، مع الخراجِ، وهو مَذهَبُ الجُمهورِ: المالكيَّةِ، والشافعيَّة، والحَنابِلَة، وبه قال أكثرُ العُلَماءِ.
الأدلَّة:
أوَّلًا: مِنَ الكِتابِ
قولُ الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْض) [البقرة: 267].
وجه الدَّلالة:
أنَّ الآيةَ عامَّةٌ في وجوبِ الزَّكاةِ فيما خرَجَ مِنَ الأرضِ دون تفريقٍ بين نوعٍ منَ الأرضِ وآخَرَ، سواءٌ أكانت خراجيَّةً، أو عُشْريَّة
ثانيًا: من السُّنَّة
عن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما، عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: (فيما سقَتِ السماءُ والعُيونُ أو كان عَثَريًّا العُشرُ، وما سُقِيَ بالنَّضحِ نِصفُ العُشرِ).
وجه الدَّلالة:
أنَّ الحديثَ عامٌّ في كلِّ أرضٍ يُنتفَعُ بها وتُزرَعُ، سواءٌ أكانتْ خَراجيَّة، أو عُشْريَّة.
ثالثًا: أنهما حقَّان مختلفانِ ذاتًا ومحلًّا وسببًا، فلا يتدافعانِ، فالعُشرُ يجِبُ في الزَّرعِ، والخَراجُ يجبُ في الأرضِ، والعُشرُ يجِبُ لأهلِ السهمانِ، والخراجُ دراهِمُ تجِبُ لبيتِ المالِ، والخراجُ واجِبٌ في رَقَبةِ الأرضِ؛ وُجِدَتِ المنفعةُ أو فُقِدَت، والعُشرُ واجِبُ المنفعةِ، ويسقُطُ بفقْدِ المنفعةِ، فلم يجُزْ إسقاطُ أحَدِ الحقَّينِ بالآخَرِ.
رابعًا: أنَّ العُشرَ وَجَبَ بالنصِّ، والخَراج وجب بالاجتهادِ، وما ورد به النصُّ أثبتُ حكمًا، فلم يجزْ إبطالُه بما هو أضعَفُ منه حُكمًا.
خامسًا: أنَّه حُكمٌ يتعلَّقُ بالمُستفادِ مِن غيرِ أرضِ الخراجِ، فجاز أن يتعلَّقَ بالمُستفادِ مِن أرضِ الخراجِ، كالمعادِنِ.
سادسًا: أنَّ الخراجَ أُجرةٌ لا جِزيةٌ؛ لجواز أخْذِه مِنَ المُسلِم، وإذا كان أُجرةً لم يمنعْ وجوبَ العُشرِ، كالأرضِ المُستأجَرةِ.
موسوعة مسائل الجمهور في الفقه الإسلامي (1/ 272)
باب في اجتماع الخراج والعشر:
مسألة (473): مذهب الجمهور من العلماء جواز اجتماع الخراج مع العشر في زكاة الزروع.
قال ابن المنذر: وممن قال به: عمر بن عبد العزيز وربيعة والزهري ويحيى الأنصاري ومالك والأوزاعي والثوري والحسن بن صالح والليث وابن المبارك وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وداود. اهـ.
قلت: وهو مذهب الشافعي رحمه الله تعالى.
وقال أبو حنيفة: لا يجب العشر مع الخراج.