الموسوعة الفقهية الكويتية- وزارة الأوقاف الكويتية- (23/ 269 : 274)
شروط وجوب الزكاة في العروض:
الشرط الأول: أن لا يكون لزكاتها سبب آخر غير كونها عروض تجارة:
أ - السوائم التي للتجارة:
79 - فلو كان لديه سوائم للتجارة بلغت نصابًا، فلا تجتمع زكاتان إجماعًا؛ لحديث: (لا ثني في الصدقة)، بل يكون فيها زكاة العين عند المالكية والشافعية في الجديد، كأن كان عنده خمس من الإبل للتجارة ففيها شاة، ولا تعتبر القيمة، فإن كانت أقل من خمس فإنها تقوم فإن بلغت نصابًا من الأثمان وجبت فيها زكاة القيمة.
وإنما قدموا زكاة العين على زكاة التجارة؛ لأن زكاة العين أقوى ثبوتًا؛ لانعقاد الإجماع عليها، واختصاص العين بها، فكانت أولى.
وذهب الحنفية والحنابلة إلى أنها تزكى زكاة التجارة؛ لأنها أحظ للمساكين؛ لأنها تجب فيما زاد بالحساب، لكن قال الحنابلة: إن بلغت عنده نصاب سائمة ولم تبلغ قيمته نصابًا من الأثمان فلا تسقط الزكاة، بل تجب زكاة السائمة، كمن عنده خمس من الإبل للتجارة لم تبلغ قيمتها مائتي درهم، ففيها شاة.
ونظير هذا عند الفقهاء غلة مال التجارة، كأن يكون ثمرًا مما تجب فيه الزكاة إن كان الشجر للتجارة.ب - الحلي والمصنوعات الذهبية والفضية التي للتجارة:
80- أما المصوغات من الذهب والفضة إن كانت للتجارة، فقد ذهب المالكية إلى أنه ليس فيها زكاة إن كانت أقل من نصاب بالوزن، ولو زادت قيمتها عن نصاب بسبب الجودة أو الصنعة، ويزكى على أساس القيمة الشاملة أيضًا؛ لما فيه من الجواهر المرصعة.
أما الحنابلة فقد صرحوا بأن الصناعة المحرمة لا تقوم؛ لعدم الاعتداد بها شرعًا، أما الصنعة المباحة فتدخل في التقويم إن كان الحلي للتجارة، ويعتبر النصاب بالقيمة كسائر أموال التجارة، ويقوم بنقد آخر من غير جنسه، فإن كان من ذهب قوم بفضة، وبالعكس، إن كان تقويمه بنقد آخر أحظ للفقراء، أو نقص عن نصابه، كخواتم فضة لتجارة زنتها (مائة وتسعون درهمًا) وقيمتها (عشرون) مثقالًا ذهبًا، فيزكيها بربع عشر قيمتها، فإن كان وزنها (مائتي) درهم، وقيمتها تسعة عشر مثقالًا وجب أن لا تقوم، وأخرج ربع عشره.
ويظهر من كلام ابن عابدين أن مذهب الحنفية أن العبرة في الحلي والمصنوع من النقدين بالوزن من حيث النصاب ومن حيث قدر المخرج، وعند زفر المعتبر القيمة، وعند محمد الأنفع للفقراء.
وعند الشافعية في مصوغ الذهب والفضة الذي للتجارة هل يزكى زكاة العين أو زكاة القيمة قولان.ج - الأراضي الزراعية التي للتجارة وما يخرج منها:
81- ذهب الحنفية إلى أنه تجب الزكاة في الخارج من الأرض الزراعية من ثمر أو زرع، ولا تجب الزكاة في قيمة الأرض العشرية ولو كانت للتجارة، وهذا إن كان قد زرع الأرض العشرية فعلًا ووجب فيها العشر؛ لئلا يجتمع حقان لله تعالى في مال واحد، فإن لم يزرعها تجب زكاة التجارة فيها؛ لعدم وجوب العشر، فلم يوجد المانع، بخلاف الخراج الموظف، فإنه يجب فيها ولو عطلت أي: لأنه كالأجرة.
أما عند المالكية والشافعية والحنابلة فتجب زكاة رقبة الأرض، كسائر عروض التجارة بكل حال.
ثم اختلف الجمهور في كيفية تزكية الغلة.
فمذهب المالكية أن الناتج من الأرض الزراعية التي للتجارة لا زكاة في قيمته في عامه اتفاقًا إن كانت قد وجبت فيه زكاة النبات، فإن لم تكن فيه لنقصه عن نصاب الزرع أو الثمر، تجب فيه زكاة التجارة، وكذا في عامه الثاني وما بعده.
وقال الشافعية على الأصح عندهم والقاضي من الحنابلة: يزكى الجميع زكاة القيمة؛ لأنه كله مال تجارة، فتجب فيه زكاة التجارة، كالسائمة المعدة للتجارة، وقال الشافعية: ويزكى التبن أيضًا والأغصان والأوراق وغيرها إن كان لها قيمة، كسائر مال التجارة.
وذهب الحنابلة وأبو ثور إلى أنه يجتمع في العشرية العشر وزكاة التجارة؛ لأن زكاة التجارة في القيمة، والعشر في الخارج، فلم يجتمعا في شيء واحد؛ ولأن زكاة العشر في الغلة أحظ للفقراء من زكاة التجارة فإنها ربع العشر، ومن هنا فارقت عندهم زكاة السائمة المتجر بها، فإن زكاة السوم أقل من زكاة التجارة.الشرط الثاني: تملك العرض بمعاوضة
82- يشترط أن يكون قد تملك العرض بمعاوضة، كشراء بنقد أو عرض أو بدين حال أو مؤجل، وكذا لو كان مهرًا أو عوض خلع.
وهذا مذهب المالكية والشافعية، ومحمد، فلو ملكه بإرث أو بهبة أو احتطاب أو استرداد بعيب واستغلال أرضه بالزراعة أو نحو ذلك فلا زكاة فيه.
قالوا: لأن التجارة كسب المال ببدل هو مال، وقبول الهبة مثلًا اكتساب بغير بدل أصلًا.
وعند الشافعية في مقابل الأصح أن المهر وعوض الخلع لا يزكيان زكاة التجارة.
وقال الحنابلة وأبو يوسف: الشرط أن يكون قد ملكه بفعله، سواء كان بمعاوضة أو غيرها من أفعاله، كالاحتطاب وقبول الهبة، فإن دخل في ملكه بغير فعله، كالموروث، أو مضي حول التعريف في اللقطة، فلا زكاة فيه.
وفي رواية عن أحمد: لا يعتبر أن يملك العرض بفعله، ولا أن يكون في مقابلة عوض، بل أي عرض نواه للتجارة كان لها؛ لحديث سمرة، "أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نخرج الصدقة من الذي نعد للبيع".الشرط الثالث: نية التجارة
83- اتفق الفقهاء على أنه يشترط في زكاة مال التجارة أن يكون قد نوى عند شرائه أو تملكه أنه للتجارة، والنية المعتبرة هي ما كانت مقارنة لدخوله في ملكه؛ لأن التجارة عمل فيحتاج إلى النية مع العمل، فلو ملكه للقنية ثم نواه للتجارة لم يصر لها، ولو ملك للتجارة ثم نواه للقنية وأن لا يكون للتجارة صار للقنية، وخرج عن أن يكون محلًّا للزكاة ولو عاد فنواه للتجارة؛ لأن ترك التجارة، من قبيل التروك، والترك يكتفى فيه بالنية كالصوم.
قال الدسوقي: ولأن النية سبب ضعيف تنقل إلى الأصل ولا تنقل عنه، والأصل في العروض القنية.
وقال ابن الهمام: لما لم تكن العروض للتجارة خلقة فلا تصير لها إلا بقصدها فيه.
واستثنى الحنفية مما يحتاج للنية ما يشتريه المضارب، فإنه يكون للتجارة مطلقًا؛ لأنه لا يملك بمال المضاربة غير المتاجرة به.
ولو أنه آجر داره المشتراة للتجارة بعرض، فعند بعض الحنفية لا يكون العرض للتجارة إلا بنيتها، وقال بعضهم: هو للتجارة بغير نية.
قال المالكية: ولو قرن بنية التجارة نية استغلال العرض، بأن ينوي عند شرائه أن يكريه وإن وجد ربحًا باعه، ففيه الزكاة على المرجح عندهم، وكذا لو نوى مع التجارة القنية بأن ينوي الانتفاع بالشيء كركوب الدابة أو سكنى المنزل، ثم إن وجد ربحًا باعه.
قالوا: فإن ملكه للقنية فقط، أو للغلة فقط أو لهما، أو بلا نية أصلًا فلا زكاة عليه.الشرط الرابع: بلوغ النصاب
84- ونصاب العروض بالقيمة، ويقوم بذهب أو فضة، فلا زكاة في ما يملكه الإنسان من العروض إن كانت قيمتها أقل من نصاب الزكاة في الذهب أو الفضة، ما لم يكن عنده من الذهب أو الفضة نصاب أو تكملة نصاب، وتضم العروض بعضها إلى بعض في تكميل النصاب وإن اختلفت أجناسها، واختلف الفقهاء فيما تقوم به عروض التجارة: بالذهب أم بالفضة، فذهب الحنابلة وأبو حنيفة في رواية عنه عليها المذهب، إلى أنها تقوم بالأحظ للفقراء، فإن كان إذا قومها بأحدهما لا تبلغ نصابًا، وبالآخر تبلغ نصابًا تعين عليه التقويم بما يبلغ نصابًا.
وقال أبو حنيفة في رواية عنه: يخير المالك فيما يقوم به؛ لأن الثمنين في تقدير قيم الأشياء بهما سواء.
وقال الشافعية وأبو يوسف: يقومها بما اشترى به من النقدين، وإن اشتراها بعرض قومها بالنقد الغالب في البلد، وقال محمد: يقومها بالنقد الغالب على كل حال كما في المغصوب والمستهلك.
ولم نجد عند المالكية تعرضًا لما تقوم به السلع، مع أنهم قالوا: إنها لا زكاة فيها ما لم تبلغ نصابًا...................الشرط الخامس: الحول:
86 - والمراد أن يحول الحول على عروض التجارة، فما لم يحل عليها الحول فلا زكاة فيها، وهذا إن ملكها بغير معاوضة، أو بمعاوضة غير مالية كالخلع، عند من قال بذلك، أو اشتراها بعرض قنية، أما إن اشتراها بمال من الأثمان أو بعرض تجارة آخر، فإنه يبني حول الثاني على حول الأول؛ لأن مال التجارة تتعلق الزكاة بقيمته، وقيمته هي الأثمان نفسها؛ ولأن النماء في التجارة يكون بالتقليب، فإن أبدل عرض التجارة بعرض قنية أو بسائمة لم يقصد بها التجارة، فإن حول زكاة التجارة ينقطع، وربح التجارة في الحول يضم إلى الأصل فيزكي الأصل والربح عند آخر الحول، فإذا حال الحول وجب على المالك تقويم عروضه وإخراج زكاتها عند الجمهور، ولمالك تفصيل بين المحتكر لتجارته والمدير لها يأتي تفصيله في الشرط التالي.
الشرط السادس: تقويم السلع
87- يرى المالكية أن التاجر إما أن يكون محتكرًا أو مديرًا، والمحتكر: هو الذي يرصد بسلعه الأسواق وارتفاع الأسعار، والمدير: هو من يبيع بالسعر الحاضر ثم يخلفه بغيره وهكذا، كالبقال ونحوه.
فالمحتكر يشترط لوجوب الزكاة عليه أن يبيع بذهب أو فضة يبلغ نصابًا، ولو في مرات، وبعد أن يكمل ما باع به نصابًا يزكيه، ويزكي ما باع به بعد ذلك، وإن قل، فلو أقام العرض عنده سنين فلم يبع ثم باعه فليس عليه فيه إلا زكاة عام واحد يزكي ذلك المال الذي يقبضه، أما المدير فلا زكاة عليه حتى يبيع بشيء، ولو قل، كدرهم، وعلى المدير الذي باع ولو بدرهم أن يقوم عروض تجارته آخر كل حول ويزكي القيمة، كما يزكي النقد، وإنما فرق مالك بين المدير والمحتكر؛ لأن الزكاة شرعت في الأموال النامية، فلو زكى السلعة كل عام - وقد تكون كاسدة - نقصت عن شرائها، فيتضرر، فإذا زكيت عند البيع فإن كانت ربحت فالربح كان كامنًا فيها فيخرج زكاته؛ ولأنه ليس على المالك أن يخرج زكاة مال من مال آخر.
وبهذا يتبين أن تقويم السلع عند المالكية هو للتاجر المدير خاصة، دون التاجر المحتكر، وأن المحتكر ليس عليه لكل حول زكاة فيما احتكره، بل يزكيه لعام واحد عند بيعه وقبض ثمنه.
أما عند سائر العلماء: فإن المحتكر كغيره، عليه لكل حول زكاة.
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
شروطُ وجوبِ الزَّكاةِ في عروضِ التِّجارة:
الأول: نية التجارة عند التملك
اختلف أهلُ العلمِ: في اشتراطِ نِيَّةِ التِّجارة عِندَ التَّمَلُّكِ على قولين:
القول الأوّل: يُشترَط في زكاةِ عُروضِ التِّجارة أن ينويَ عند تَمَلُّكِه أنَّه للتِّجارة، وهذا باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقهيَّة الأربَعةِ: الحنفيَّة، والمالكيَّة، والشافعيَّة، والحَنابِلَة، وحُكيَ في ذلك الإجماعُ
الأدلَّة:
أوَّلًا: من السُّنَّة
عن عُمَرَ بنِ الخطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: (إنَّما الأعمالُ بالنيَّاتِ، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى).
وجه الدَّلالة:
عمومُ الحَديثِ؛ فإنَّ الأعمالَ بالنيَّاتِ، والتِّجارة عَمَلٌ، فوجَبَ اقترانُ النِّيَّة به كسائِرِ الأعمالِ
ثانيًا: أنَّ العُروضَ مخلوقةٌ في الأصلِ للاستعمالِ، فلا تصيرُ للتِّجارة إلَّا بقَصدِها فيه، وذلك هو نيَّةُ التِّجارة.
ثالثًا: أنَّ التِّجارة: هي التصرُّفُ بنيَّةِ التِّجارة، وإذا وُجِدَتِ النيَّةُ فقط ولم يوجَدِ التصرُّفُ؛ لم يَصِرِ المالُ للتِّجارة.
رابعًا: أنَّ كلَّ ما لا يثبُتُ له الحُكمُ بدخولِه في مِلكِه، لا يثبُتُ بمجرَّدِ النيَّة، كما لو نوى بالمعلوفةِ السَّوْمَ.
خامسًا: أنَّ القِنيةَ هي الأصلُ، والتِّجارة فرعٌ عليها، فلا ينصَرفُ إلى الفَرعِ بمجرَّد النيَّة، كالمُقيم ينوي السَّفَرَ.
القول الثاني: لا يُشتَرَطُ في زكاةِ عُروضِ التِّجار أن ينوِيَ عند تملُّكِه أنَّه للتِّجارة، وهو روايةٌ عن أحمد، وبه قال الكرابيسيُّ من الشافعيَّة واختاره ابنُ عُثيمين، وبه أفتَتِ اللَّجنة الدَّائمة
الأدلَّة:
أوَّلًا: من السُّنَّة
عمومُ قولِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: (إنَّما الأعمالُ بالنيَّاتِ، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى).
وجه الدَّلالة:
أنَّه إذا نوى بها التِّجارة؛ تكونُ للتِّجارة.
ثانيًا: أنَّ نيَّةَ القِنيةِ بمجرَّدِها كافيةٌ، فكذلك نيَّةُ التِّجارة، بل أوْلى؛ لأن الإيجابَ يغلِبُ على الإسقاطِ احتياطًا.
ثالثًا: ؛ لأنه أحظُّ للمساكينِ، فاعتُبِرَ كالتقويمِ.
رابعًا: أنَّه نوى به التِّجارة، فوجَبَت فيه الزَّكاةُ، كما لو نوى حالَ البَيعِ.مطلب: سقوطُ زكاةِ عُروضِ التِّجارة إذا نوى القِنيةَ
مَن اشترى عَرْضًا للتِّجارة، ثم نوى اقتناءَه؛ سقطت عنه الزَّكاةُ، وهذا باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقهيَّةِ الأربَعةِ: الحنفيَّة، والمالكيَّة، والشافعيَّة، والحَنابِلَة.
وذلك للآتي:
أوَّلًا: أنَّ النيَّة شرطٌ أمكَنَ اعتبارُه في جميعِه، فوجب كالنِّصابِ.
ثانيًا: أنَّ نيَّةَ التِّجارة شَرطٌ لوُجوبِ الزَّكاةِ في العُروضِ، فإذا نوى القِنيةَ زالت نيَّةُ التِّجارة، ففات شرطُ الوجوبِ، وفارَقَ السَّائمةَ إذا نوى عَلَفَها؛ لأن الشَّرط فيها الإسامةُ دون نيَّتِها، فلا ينتفي الوجوبَ إلَّا بانتفاءِ السَّومِ.
ثالثًا: أنَّ الأصلَ في العروضِ القِنيةُ، فيرجِعُ إلى أصلِها بالنيَّة، كما لو نوى بالحُليِّ التِّجارة، أو نوى المسافِرُ الإقامةَ.
رابعًا: أنَّ حقيقةَ القِنيةِ الإمساكُ، وقد وُجِد.الشرط الثاني اشتراط فعل التجارة لوجوب الزكاة
اختلف أهل العِلم في ذلك على ثلاثةِ أقوالٍ:
القول الأوّل: يُشتَرَطُ أن يكون العَرْضُ مُلِكَ بفِعلِه، بما فيه عِوَض كالبَيعِ والإجارةِ، وهذا مذهب المالكيَّة، والشافعيَّة، وبه قال محمَّد بن الحسن من الحنفيَّة، وهو قولٌ للحَنابِلَة، واختاره الطبريُّ
وذلك للآتي:
أوَّلًا: أنَّ التِّجارة كسْبُ المالِ ببَدَلٍ هو مال، وقَبولُ الهبةِ والاحتطابِ ونحو ذلك هو اكتسابٌ بغيرِ بَدَلٍ أصلًا.
ثانيًا: أنَّ التملُّك مجَّانًا لا يُعَدُّ تجارةً، فلو قصَدَ التِّجارة بعد التملُّكِ لم يؤثِّر؛ إذ النيَّةُ المجرَّدةُ لاغِيَةٌ.
ثالثًا: أنَّ النيَّةَ لم تقارِنْ عَمَلَ التِّجارة؛ لأن هذه العقودَ كالغَنيمةِ، والهبةُ ليست من عقودِ التِّجارة.
القول الثاني: يُشتَرَطُ أن يملِكَه بفِعلِه بنيَّة التِّجارةِ، ولا يُشتَرَط أن يملِكَه بعقدٍ فيه معاوضةٌ، وذلك مثلُ قَبولِ الهِبَةِ، والوَصِيَّةِ، والغنيمةِ، واكتسابِ المباحاتِ، كالاحتطابِ والاصطيادِ، وهذا مذهب الحَنابِلَة، وبه قال أبو يوسفَ مِنَ الحنفيَّة، واختاره الكمالُ ابنُ الهُمامِ.
وذلك للآتي:
أوَّلًا: مقتضى الدَّليلِ اعتبارُ النيَّاتِ مطلقًا وإن تجرَّدت عن الأعمالِ، إلا أنَّها لم تُعتَبَر لخفائِها حتى تتَّصِلَ بالعَمَلِ الظَّاهر، وقد اتَّصلَتْ فيما مَلَكَه بفِعْلِه.
ثانيًا: أنَّ التِّجارةَ هي عَقْدُ اكتسابِ المالِ فيما لا يدخُلُ في مِلكِه إلَّا بقولِه، فهو كَسْبُه، فصحَّ اقترانُ النيَّة به، فكان للتِّجارة كالمشتراة.
القول الثالث: أنَّه لا يُشتَرَطُ أن يكون تَملَّكَه بفِعْلِه، بل يكفي فيه النيَّةُ، وهو روايةٌ عن أحمَدَ وبه قال الكرابيسيُّ من الشافعيَّة واختارَه ابنُ عُثيمين وبه أفتتِ اللَّجنةُ الدَّائمة, والندوةُ الرابعةَ عَشْرةَ لقضايا الزَّكاةِ المعاصِرَةِ.
الأدلَّة:
أوَّلًا: من السُّنَّة
عمومُ قولِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: (إنَّما الأعمالُ بالنيَّاتِ، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى).
وجه الدَّلالة:
أنَّه إذا نوى بها التِّجارةَ، فتكون للتِّجارةِ.
ثانيًا: أنَّه نوى بها التِّجارةَ، فوجبتْ فيه الزَّكاةُ، كما لو نوى حالَ البيعِ.
ثالثًا: أنَّه لا فَرقَ بين أن يملِكَه باختيارِه أو بغيرِ اختيارِه، فقد دخل في ملكيَّته، وكونُه يدخُلُ باختيارِه أو بغيرِ اختيارِه، لا أثَرَ له في الحُكم.الشرط الثالث بلوغ النصاب
المطلب الأوَّل: مقدارُ نِصابِ زكاةِ عُروضِ التِّجارةِ
نِصابُ زكاةِ عُروضِ التِّجارةِ، هو نِصابُ الذَّهَبِ والفضَّةِ، وهو قولُ عامَّةِ العُلَماء.
وذلك للآتي:
أولا: لأن نِصابَ الذَّهَبِ والفضَّة لا يختَلِفُ، والواجِبُ فيهما أيضًا لا يختَلِفُ، فنِصابُ الفضةِ مائتا دِرهَمٍ على كلِّ حالٍ، ونِصابُ الذَّهَبِ عشرونَ مثقالًا على كلِّ حالٍ، والواجِبُ فيها رُبُعُ العُشرِ على كلِّ حالٍ.
ثانيًا: لأن الذَّهَبَ والفِضَّةَ أصولُ جملةِ هذه الأموالِ؛ لأن هذه الأموالَ في الغالِبِ تحصُلُ بهما، فكان إلحاقُ هذه الأموالِ بالذَّهَب والفِضَّةِ أولى.المطلب الثاني: كيفيَّةُ تقويمِ نِصابِ عُروضِ التِّجارة
نِصابُ عُرُوضِ التِّجارةِ هو نِصابُ الذَّهَبِ والفضَّة، وتُقوَّمُ بالأحظِّ للمَساكينِ منهما، فإنْ كان إذا قوَّمَها بأحدِهما لا تبلُغُ نِصابًا، وبالآخرِ تبلُغُ نِصابًا؛ تعيَّنَ عليه التَّقويمُ بما يبلُغُ نِصابًا، وهذا مذهَبُ الحنفيَّة، والحَنابِلَة، وبه صَدَرَت فتوى اللَّجنةِ الدَّائمةِ، وهو اختيارُ ابنِ عُثيمين.
وذلك للآتي:
أوَّلًا: احتياطًا لحقِّ أهلِ الزَّكاة؛ فإنَّ تقويمَ الزَّكاةِ كان لحظِّهم، فلا بدَّ مِن مراعاتِه.
ثانيًا: أنَّ قيمتَه بلغتْ نِصابًا، فتجِبُ الزَّكاة فيه، كما لو اشتراه بعَرْضٍ، وفي البلد نَقْدانِ مستعمَلانِ، تبلغُ قيمةُ العُروضِ بأحَدِهما نِصابًا.المطلب الثالث: ضمُّ قيمةِ عُروضِ التِّجارةِ إلى النَّقدينِ في تكميلِ النِّصابِ:
تُضمُّ قيمةُ العُروضِ إلى الذَّهَبِ أو الفضَّةِ- وفي حُكمِهما العُملةُ النقديَّةُ- ويُكمَّلُ بها نِصابُ كلٍّ منهما.
الأدلَّة:
أوَّلًا: مِنَ الإجماعِ
نقل الإجماعَ على ذلك: الخطَّابيُّ، وابنُ قُدامةَ، والكمالُ ابنُ الهُمامِ.
ثانيًا: أنَّ زكاةَ التِّجارةِ تتعلَّقُ بالقيمةِ؛ فهُما جنسٌ واحدٌ، فيجِبُ ضمُّهما إليه.
ثالثًا: أنَّ السِّلعَ التِّجاريَّةَ تُقوَّمُ بالنَّقدِ، ونِصابُها نِصابُ النَّقدِ؛ فلهذا تُضَمُّ إلى النَّقدِ في النِّصابِ والحَوْل.المطلب الرابع: وقتُ اعتبارِ كمالِ النِّصَابِ
اختلف أهلُ العِلم في وقتِ اعتبارِ كمالِ النِّصابِ على ثلاثةِ أقوالٍ:
القول الأوّل: اعتبارُ النِّصابِ في آخِرِ الحَوْلِ فقط، وهو مذهَبُ المالكيَّة، والشافعيَّة، واختاره القَرَضاويُّ.
وذلك للآتي:
أوَّلًا: أنَّ هذا ما كان يحدُثُ في عهدِ النبوَّةِ والرَّاشدينَ؛ فقد كان السُّعاةُ يأخذونَ الزَّكاةَ ممَّا حضَرَ مِنَ المالِ إذا بلغ نِصابًا، ولا يسألونَ متى تمَّ هذا النِّصابُ؟ وكم شهرًا له؟ ويكتفون بتمامِه عند أخْذِ الزَّكاةِ، ثم لا يأخذونَ منه زكاةً إلَّا بعد عامٍ قَمَريٍّ كاملٍ
ثانيًا: أنَّ زكاةَ عُروضِ التِّجارةِ تتعلَّقُ بالقيمةِ، وتقويمُ العَرضِ في كلِّ وقتٍ يشقُّ؛ لكثرةِ اضطرابِ القِيَمِ، فاعتُبِرَ حالُ الوُجوبِ، وهو آخِرُ الحَوْلِ، بخلافِ سائِرِ الزَّكواتِ؛ لأن نِصابَها مِن عَيْنِها، فلا يشقُّ اعتبارُه.
القول الثاني: اعتبارُ النِّصابِ في جميعِ الحَوْلِ، فمتى نقَصَ النِّصابُ في لحظةٍ منه، انقطَعَ الحَوْلُ، وهذا مذهَبُ الحَنابِلَة، وهو قولُ ابنِ سُريجٍ من الشافعيَّة.
وذلك للآتي:
أوَّلًا: أنَّه مالٌ يُعتبَرُ له النِّصابُ والحَوْلُ، فوجب اعتبارُ كمالِ النِّصابِ في جميع أيَّامِ الحَوْل كسائِرِ الأمورِ التي يُعتبَرُ فيها ذلك.
ثانيًا: القياسُ على زكاةِ الماشِيَةِ وزكاةِ النَّقدينِ.
القول الثالث: اعتبارُ النِّصابِ في أوَّلِ الحَوْلِ وآخِرِه، ولا يضرُّ نقصُه بينهما، وهذا مذهَبُ الحنفيَّة، وهو وجهٌ للشَّافعيَّة.
وذلك للآتي:
أوَّلًا: أنَّ تقويمَ العَرْضِ في كلِّ لحظةٍ مِنَ الحَوْل؛ ليُعلَم أنَّ قيمَتَه فيه تبلُغُ نِصابًا يشقُّ، فاعتُبِرَ بطَرَفيه.
ثانيًا: أنَّ اشتراطَ النِّصابِ في الابتداءِ للانعقادِ، وفي الانتهاءِ للوُجوبِ، وما بينهما بمعزِلٍ عنهما جميعًا فلا يكونُ كلُّ جزءٍ من الحَوْل بمعنى أوَّلِه وآخِرِه.الشرط الرابع : مضي الحول
المطلب الأوَّل: اشتراطُ مُضِيِّ الحَوْلِ لوجوبِ زكاةِ عُروضِ التِّجارةِ
يُشتَرَطُ مضيُّ الحَوْل في وجوبِ زكاةِ التِّجارة
الأدلَّة:
أولًا: مِنَ الإجماعِ
نقَلَ الإجماعَ على ذلك: ابنُ المُنْذِر، وابن قُدامةَ.
ثانيا: مِنَ الآثارِ
1- عن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: (مَنِ استفادَ مالًا؛ فلا زكاةَ عليه حتَّى يحول عليه الحَوْلُ).
2- عن عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: (ليسَ في مالٍ زَكاةٌ حتَّى يحولَ عليهِ الحَوْلُ).المطلب الثاني: بناءُ نِصابِ عُروضِ التِّجارةِ على نِصابِ الذَّهَبِ والفضَّة
إذا اشترى عَرْضًا للتِّجارة بنِصابٍ مِنَ الأثمانِ، أو بما قيمَتُه نِصابٌ مِن عُروضِ التِّجارة؛ بنى حولَ الثَّاني على الحَوْلِ الأوَّل، وهذا باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقهيَّةِ الأربَعةِ: الحنفيَّة، والمالكيَّة، والشافعيَّة، والحَنابِلَة.
وذلك للآتي:
أوَّلًا: أنَّ النَّماءَ في الغالِبِ في التِّجارة إنَّما يحصُلُ بالتَّقليبِ، ولو كان ذلك يقطَعُ الحَوْلَ لكان السببُ الذي وجبَت فيه الزَّكاةُ لأجْله يمنَعُها؛ لأن الزَّكاة لا تجِبُ إلَّا في مالٍ نامٍ.
ثانيًا: أنَّه مِن جِنسِ القيمةِ التي تتعلَّقُ الزَّكاة بها، فلم ينقطِعِ الحَوْلُ ببيعها به، كما لو قَصَدَ به التِّجارةَ.
ثالثًا: أنَّ عُروضَ التِّجارةِ عبارةٌ عن دراهِمَ مِن رأسِ مالٍ حُوِّلَ إلى عُروضٍ، فيكون حولُها حولَ المالِ الأوَّلِ.
المجموع شرح المهذب(6/ 48 )
قال المصنف رحمه الله تعالى: ولا يصير العرض للتجارة إلا بشرطين، أحدهما: أن يملكه بعقد فيه عوض، كالبيع والإجارة والنكاح والخلع، والثاني: أن ينوي عند العقد أنه تملكه للتجارة، وأما إذا ملكه بإرث أو وصية أو هبة من غير شرط الثواب، فلا تصير للتجارة بالنية، وإن ملكه بالبيع والإجارة ولم ينو عند العقد أنه للتجارة لم يصر للتجارة، وقال الكرابيسي من أصحابنا: إذا ملك عرضًا ثم نوى أنه للتجارة صار للتجارة، كما إذا كان عنده متاع للتجارة ثم نوى القنية صار للقنية بالنية، والمذهب: الأول؛ لأنه ما لم يكن للزكاة من أصله لم يصر للزكاة بمجرد النية كالمعلوفة إذا نوى إسامتها، ويفارق إذا نوى القنية بمال التجارة؛ لأن القنية هي الإمساك بنية القنية، وقد وجد الإمساك والنية والتجارة هي التصرف بنية التجارة، وقد وجدت النية، ولم يوجد التصرف فلم يصر للتجارة.
الشرح:
قوله: (من أصله) احتراز من حلي الذهب والفضة، إذا قلنا: لا زكاة فيه، فنوى استعماله في حرام، أو نوى كنزه واقتناه، فإنه يجب فيه الزكاة، كما سبق؛ لأن أصله الزكاة، قال أصحابنا: مال التجارة هو كل ما قصد الاتجار فيه عند تملكه بمعاوضة محضة، وتفصيل هذه القيودات: مجرد نية التجارة لا يصير به المال للتجارة، فلو كان له عرض قنية ملكه بشراء أو غيره، فجعله للتجارة لم يصر للتجارة، هذا هو المذهب، وبه قطع الجمهور، وقال الكرابيسي: يصير للتجارة، وهو مذهب أحمد وإسحاق بن راهويه، وقد ذكر المصنف دليل الوجهين، أما إذا اقترنت نية التجارة بالشراء، فإن المشترى يصير للتجارة، ويدخل في الحول بنفس الشرى، سواء اشتراه بعرض أو نقد أو دين حال أو مؤجل، وإذا صار للتجارة استمر حكمها، ولا يحتاج في كل معاملة إلى نية أخرى بلا خلاف، بل النية مستصحبة كافية، وفي معنى الشرى ما لو صالح عن دين له في ذمة إنسان على عوض بنية التجارة، فإنه يصير للتجارة بلا خلاف، سواء كان الدين قرضًا أو ثمن مبيع أو ضمان متلف، وهكذا الاتهاب بشرط الثواب إذا نوى به التجارة صار للتجارة، صرح به البغوي وغيره، وأما الهبة بلا ثواب والاحتطاب والاحتشاش والاصطياد فليست من أسباب التجارة، ولا أثر لاقتران النية بها، ولا يصير العرض للتجارة بلا خلاف؛ لفوات الشرط، وهو المعاوضة، وهكذا الرد بالعيب والاسترداد، فلو باع عرض قنية بعرض قنية، ثم وجد بما أخذه عيبًا فرده واسترد الأول على قصد التجارة أو وجد صاحبه بما أخذ عيبًا فرده فقصد المردود عليه بأخذه للتجارة لم يصر للتجارة، ولو كان عنده ثوب قنية فاشترى به عبدًا للتجارة ثم رد عليه الثوب بالعيب انقطع حول التجارة، ولا يكون الثوب للتجارة، بخلاف ما لو كان الثوب للتجارة أيضًا فإنه يبقى حكم التجارة فيه، كما لو باع عرض التجارة واشترى بثمنه عرضًا آخر، وكذا لو تبايع التاجران ثم تعاملا يستمر حكم التجارة في المالين، ولو كان عنده ثوب تجارة فباعه بعبد للقنية فرد عليه الثوب بالعيب لم يعد إلى حكم التجارة؛ لأن قصد القنية حول التجارة، وليس الرد والاسترداد من التجارة، كما لو قصد القنية بمال التجارة الذي عنده فإنه يصير قنية بالاتفاق، فلو نوى بعد ذلك جعله للتجارة لا يؤثر حتى تقترن النية بتجارة جديدة، ولو خالع وقصد بعرض الخلع التجارة في حال المخالعة أو زوج أمته أو تزوجت الحرة ونويا حال العقد التجارة في الصداق فطريقان (أصحهما) وبه قطع المصنف وجماهير العراقيين: يكون مال تجارة وينعقد الحول من حينئذ؛ لأنها معاوضة ثبتت فيها الشفعة كالبيع، (والثاني): وهو مشهور في طريقة الخراسانيين، وذكر بعض العراقيين فيه (وجهين) أصحهما: هذا (والثاني): لا يكون للتجارة؛ لأنهما ليسا من عقود التجارات والمعاوضات المحضة وطرد الخراسانيون الوجهين في المال المصالح به عن الدم، والذي آجر به نفسه أو ماله إذا نوى بهما التجارة، وفيما إذا كان يصرفه في المنافع بأن كان يستأجر المستغلات ويؤجرها للتجارة، فالمذهب في الجميع مصيره للتجارة، هذا كله فيما يصير به العرض للتجارة، ثم إذا صار للتجارة ونوى به القنية صار للقنية، وانقطع حكم التجارة بلا خلاف؛ لما ذكره المصنف - رحمه الله تعالى - والله تعالى أعلم.
المجموع شرح المهذب (6/ 55)
النصاب والحول معتبران في زكاة التجارة بلا خلاف:
لكن في وقت اعتباره النصاب: ثلاثة أوجه، وسماها إمام الحرمين والغزالي أقوالًا، والصحيح المشهور: أنها أوجه، لكن الصحيح منها منصوص، والآخران مخرجان، أحدهما وهو الصحيح عند جميع الأصحاب وهو نصه في الأم أنه يعتبر في آخر الحول فقط؛ لأنه يتعلق بالقيمة وتقويم العرض في كل وقت يشق فاعتبر حال الوجوب وهو آخر الحول بخلاف سائر الزكوات؛ لأن نصابها من عينها فلا يشق اعتباره، (والثاني) وبه قال أبو العباس بن سريج في جميع الحول من أوله إلى آخره ومتى نقص النصاب في لحظة منه انقطع الحول قياسًا على زكاة الماشية والنقد (والثالث) يعتبر النصاب في أول الحول وآخره دون ما بينهما فإذا كان نصابًا في الطرفين وجبت الزكاة، ولا يضر نقصه بينهما، وهذا الوجه حكاه الشيخ أبو حامد والمحاملي والماوردي والشاشي عن ابن سريج، ووافق المصنف على حكاية الثاني عن ابن سريج أيضًا ابن الصباغ وسبقهما به القاضي أبو الطيب وغيره، فإذا قلنا بالصحيح فاشترى عرضًا للتجارة بشيء يسير جدًّا انعقد الحول، فإذا بلغ نصابًا في آخر الحول وجبت الزكاة، ولو كان عرض التجارة دون النصاب فباعه بسلعة أخرى دون نصاب في أثناء الحول، فالمذهب أن لا ينقطع الحول، وحكى إمام الحرمين فيه خلافًا سنذكره، كذا في نسختين إن شاء الله تعالى، وأما ابتداء الحول فإن ملك عرض التجارة بنصاب من النقد بأن اشتراه بعشرين دينارًا أو بمائتي درهم فابتدأ حول من حين ملك ذلك النقد، ويبنى حول التجارة عليه، واحتج له المصنف بأن النصاب هو الثمن، وكان ظاهرًا، فصار في ثمن السلعة كامنًا، فوجب البناء عليه، كما لو كان عينًا فأقرضه مليئًا فصار دينًا، هذا إذا اشتراه بعين النقد، فإن اشترى في الذمة ودفعه في ثمنه انقطع حول النقد وابتداء حول التجارة من حين الشرى بلا خلاف، وإن كان النقد الذي اشترى بعينه دون نصاب، فإن قلنا بالمذهب: إن النصاب إنما يعتبر في آخر الحول انعقد من حين الشرى، وإن قلنا: يعتبر في الطرفين أو في الجميع لم ينعقد.
المغني لابن قدامة (4/ 250 )
ولا يَصِيرُ العَرْضُ لِلتِّجَارَةِ إلَّا بِشَرْطَيْنِ:
أن يَمْلِكَهُ بِفِعْلِه، كالبَيْعِ، والنِّكَاحِ، والخُلْعِ، وقَبُولِ الهِبَةِ، والوَصِيَّةِ، والغَنِيمَةِ، واكْتِسَابِ المُباحاتِ؛ لأن ما لا يَثْبُتُ له حُكْمُ الزكاةِ بِدُخُولِه في مِلْكِه لا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كالسَّوْمِ، ولا فَرْقَ بين أن يَمْلِكَه بِعِوَضٍ أو بِغَيْرِ عِوَضٍ، ذَكَرَ ذلك أبو الخَطَّابِ، وابنُ عَقِيلٍ؛ لأنه مَلَكَه بِفِعْلِه، أشْبَهَ ما لو ملَكَهُ بعِوَضٍ، وذكر القاضي أَنَّه لا تصيرُ للتِّجارةِ إلَّا أن يملكَه بعِوَضٍ، فإن مَلَكه بغير عِوَضٍ، كالهِبَةِ والاحْتِشاشِ والغَنِيمَةِ، لم تَصِرْ للتِّجارةِ؛ لأنه لم يملكْه بعِوَضٍ، أشْبَهَ المَوْرُوثَ.
والثاني: أن يَنْوِيَ عند تَمَلُّكِه أنَّه لِلتِّجارَةِ، فإنْ لم يَنْوِ عندَ تَمَلُّكهِ أنَّه لِلتِّجارَةِ لم يَصِرْ لِلتِّجارَةِ، وإن نَوَاهُ بعد ذلك، وإن مَلَكَهُ بإرْثٍ، وقَصَدَ أنَّه لِلتِّجارَةِ، لم يَصِرْ لِلتِّجَارَةِ؛ لأن الأصْلَ القُنْيَةُ، والتِّجارَةُ عَارِضٌ، فلم يَصِرْ إليها بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كما لو نَوَى الحَاضِرُ السَّفَر، لم يَثْبُتْ له حُكْمُ السَّفَرِ بدون الفِعْلِ. وعن أحمدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّ العَرْضَ يَصِيرُ لِلتِّجارَةِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ؛ لِقِوْلِ سَمُرَةَ: "أمَرَنَا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أن نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ ممَّا نُعِدُّ لِلْبَيْعِ"، وبالنِّيَّةِ يصيرُ مُعَدًّا للبَيْعِ، فعلَى هذا: لا يُعْتَبَرُ أن يَمْلِكَه بِفِعْلِه، ولا أنْ يكونَ في مُقَابَلَتِه عِوَضٌ، بل متى نَوَى به التِّجارَةَ صارَ لِلتِّجارَة.