الموسوعة الفقهية الكويتية (24/ 88)
أما النساء: فمذهب الجمهور أنه تكره زيارتهن للقبور؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لعن الله زوارات القبور)، ولأن النساء فيهن رقة قلب، وكثرة جزع، وقلة احتمال للمصائب، وهذا مظنة لطلب بكائهن، ورفع أصواتهن.
وذهب الحنفية - في الأصح - إلى أنه يندب للنساء زيارة القبور كما يندب للرجال؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور) الحديث.
وقال الخير الرملي: إن كان ذلك لتجديد الحزن والبكاء والندب وما جرت به عادتهن فلا تجوز، وعليه حمل حديث: (لعن الله زوارات القبور)، وإن كان للاعتبار والترحم من غير بكاء، والتبرك بزيارة قبور الصالحين فلا بأس - إذا كن عجائز - ويكره إذا كن شواب، كحضور الجماعة في المساجد.
قال ابن عابدين: وهو توفيق حسن.وقال الحنابلة: تكره زيارة القبور للنساء؛ لحديث أم عطية رضي الله عنها: (نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا)، فإن علم أنه يقع منهن محرم حرمت زيارتهن القبور، وعليه يحمل قوله صلى الله عليه وسلم: (لعن الله زوارات القبور).
قالوا: وإن اجتازت امرأة بقبر في طريقها فسلمت عليه ودعت له فحسن؛ لأنها لم تخرج لذلك.ويستثنى من الكراهة: زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه يندب لهن زيارته، وكذا قبور الأنبياء غيره عليهم الصلاة والسلام، لعموم الأدلة في طلب زيارته صلى الله عليه وسلم.
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (3/ 229)
وأما قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: (ونهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ولا تقولوا هجرًا)، فإن العلماء اختلفوا في ذلك على وجهين: أحدهما: أن الإباحة في زيارة القبور إباحة عموم، كما كان النهي عن زيارتها نهي عموم، ثم ورد النسخ بالإباحة على العموم، فجائز للنساء والرجال زيارة القبور على ظاهر هذا الحديث؛ لأنه لم يستثن فيه رجلًا ولا امرأة اهـ
حدثني خلف بن القاسم الحافظ قال: حدثنا أبو علي سعيد بن السكن قال: حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد قال: حدثنا حميد بن الربيع الخزاز قال: حدثنا يحيى بن اليمان قال: أخبرنا سفيان عن علقمة بن مرثد عن ابن بريدة عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زار قبر أمه في ألف مقنع، قال: فما رأيت يومًا كان أكثر باكيًا من يومئذ، قال أبو علي: قال لي ابن صاعد: كان حميد لا يحدث بهذا الحديث إلا في كل سنة مرة.
قال أبو عمر: زعم قوم أن يحيى بن اليمان انفرد بهذا الحديث؛ لأن سائر أصحاب الثوري يروونه عن الثوري عن علقمة مرسلًا، والذي قال: إن حميد بن الربيع انفرد بتوصيله لأن البزار ذكره، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال: حدثنا يحيى بن اليمان عن سفيان عن علقمة مرسلًا، وذكره البزار أيضًا عن حميد بن الربيع متصلًا كما ذكرنا.
وقال آخرون: إنما اقتضت الإباحة زيارة القبور للرجال والنساء، فجائز للرجال زيارة القبور وغير جائز ذلك للنساء لما خصص في ذلك، واحتجوا لما ذهبوا إليه مما ذكرنا عنهم بحديث ابن عباس عن النبي عليه السلام، وهو ما حدثناه أبو القاسم خلف بن القاسم قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عبيد بن آدم ابن أبي إياس قال: حدثنا أبو معن ثابت بن نعيم قال: حدثنا آدم بن أبي إياس قال: حدثنا شعبة عن محمد بن جحادة عن أبي صالح عن ابن عباس قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الزائرات للقبور والمتخذين عليها المساجد والسرج.
وحدثنا أبو القاسم عبد الوارث بن سفيان قال: حدثنا قاسم قال: حدثنا محمد بن عبد السلام قال: حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا غندر قال: حدثنا شعبة عن محمد بن جحادة عن أبي صالح عن ابن عباس قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج.
وحدثناه محمد بن إبراهيم قال: حدثنا محمد بن معاوية قال: حدثنا أحمد بن شعيب قال: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا عبد الوارث عن محمد بن جحادة عن أبي صالح عن ابن عباس فذكره سواء.
قال أبو عمر: ممكن أن يكون هذا قبل الإباحة، وتوقي ذلك للنساء المتجالات أحب إليَّ، فأما الشواب فلا تؤمن الفتنة عليهن وبهن حيث خرجن، ولا شيء للمرأة أفضل من لزوم قعر بيتها.
ولقد كره أكثر العلماء خروجهن إلى الصلوات، فكيف إلى المقابر؟! وما أظن سقوط فرض الجمعة عنهن إلا دليلًا على إمساكهن عن الخروج فيما عداها، والله أعلم.
واحتج من أباح زيارة القبور للنساء: بما حدثناه عبد الله بن محمد قال: حدثنا عبد الحميد بن أحمد الوراق قال: حدثنا الحسن بن داود قال: حدثنا أبو بكر الأثرم قال: حدثنا محمد بن المنهال قال: حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا بسطام بن مسلم عن أبي التياح يزيد بن حميد عن عبد الله بن أبي مليكة أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر فقلت لها: يا أم المؤمنين، من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت لها: أليس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، كان نهى عن زيارتها، ثم أمر بزيارتها.
قال أبو بكر: وحدثنا قبيصة قال: حدثنا سفيان بن جريج عن ابن أبي مليكة قال: زارت عائشة قبر أخيها في هودج.
قال أبو بكر: وحدثنا مسدد قال: حدثنا نوح بن دراج عن أبان بن تغلب عن جعفر بن محمد قال: كانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تزور قبر حمزة بن عبد المطلب كل جمعة، وعلمته بصخرة.
قال أبو بكر: وسمعت أبا عبد الله - يعني: أحمد بن حنبل - يُسأل عن المرأة تزور القبر؟ فقال: أرجو إن شاء الله أن لا يكون به بأس، عائشة زارت قبر أخيها، قال: ولكن حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن زوارات القبور، ثم قال: هذا أبو صالح ماذا؟ كأنه يضعفه، ثم قال: أرجو إن شاء الله، عائشة زارت قبر أخيها، قيل لأبي عبد الله: فالرجال؟ قال: أما الرجال فلا بأس به.
قال أبو عمر: قد روي حديث (لعن زوارات القبور) من غير رواية أبي صالح، ومن غير حديث ابن عباس حدثنا عبد الرحمن بن يحيى قال: حدثنا أحمد بن سعيد قال: حدثنا عبد الملك بن بحر قال: حدثنا موسى بن هارون قال: حدثنا العباس بن الوليد قال: حدثنا أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة قال: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوارات القبور)، وبه عن موسى بن هارون، قال: حدثنا العباس بن الوليد قال: حدثنا عبد الجبار بن الورد قال: سمعت ابن أبي مليكة يقول: ركبت عائشة فخرج إلينا غلامها، فقلت: أين ذهبت أم المؤمنين قال: ذهبت إلى قبر أخيها عبد الرحمن تسلم عليه.
المجموع شرح المهذب (5/ 310)
وأما النساء: فقال المصنف وصاحب البيان: لا تجوز لهن الزيارة، وهو ظاهر هذا الحديث، ولكنه شاذ في المذهب، والذي قطع به الجمهور: أنها مكروهة لهن كراهة تنزيه، وذكر الروياني في البحر وجهين: (أحدهما): يكره، كما قاله الجمهور، (والثاني): لا يكره، قال: وهو الأصح عندي إذا أمن الا فتتان، وقال صاحب المستظهري: وعندي إن كانت زيارتهن لتجديد الحزن والتعديد والبكاء والنوح على ما جرت به عادتهن حرم، قال: وعليه يحمل الحديث "لعن الله زوارات القبور"، وإن كانت زيارتهن للاعتبار من غير تعديد ولا نياحة كره إلا إن تكون عجوزًا لا تشثهى فلا يكره، كحضور الجماعة في المساجد، وهذا الذي قاله حسن، ومع هذا فالاحتياط للعجوز ترك الزيارة لظاهر الحديث.
واختلف العلماء رحمهم الله في دخول النساء في قوله صلى الله عليه وسلم: "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها"، والمختار عند أصحابنا: أنهن لا يدخلن في ضمن الرجال.
ومما يدل أن زيارتهن ليست حرامًا: حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بامرأة تبكي عند قبر، فقال: (اتق الله واصبري)، رواه البخاري ومسلم.
وموضع الدلالة: أنه صلى الله عليه وسلم لم ينهها عن الزيارة.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كيف أقول يا رسول الله - يعني: إذا زرت القبور؟ قال: قولي: (السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون) رواه مسلم.
المغني لابن قدامة (2/ 424)
مسألة: قال: (وتكره للنساء).
اختلفت الرواية عن أحمد في زيارة النساء القبور، فروي عنه كراهتها؛ لما روت أم عطية، قالت: «نهينا عن زيارة القبور، ولم يعزم علينا» رواه مسلم. ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لعن الله زوارات القبور»، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وهذا خاص في النساء، والنهي المنسوخ كان عامًّا للرجال والنساء.
ويحتمل أنه كان خاصًّا للرجال.
ويحتمل أيضًا كون الخبر في لعن زوارات القبور، بعد أمر الرجال بزيارتها، فقد دار بين الحظر والإباحة، فأقل أحواله الكراهة، ولأن المرأة قليلة الصبر، كثيرة الجزع، وفي زيارتها للقبر تهييج لحزنها، وتجديد لذكر مصابها، فلا يؤمن أن يفضي بها ذلك إلى فعل ما لا يجوز، بخلاف الرجل، ولهذا اختصصن بالنوح والتعديد، وخصصن بالنهي عن الحلق والصلق ونحوهما. والرواية الثانية، لا يكره؛ لعموم قوله - عليه السلام -: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها».
وهذا يدل على سبق النهي ونسخه، فيدخل في عمومه الرجال والنساء.وروي عن ابن أبي مليكة، أنه قال لعائشة: يا أم المؤمنين، من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن. فقلت لها: قد «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، قد نهى، ثم أمر بزيارتها».
وروى الترمذي أن عائشة زارت قبر أخيها، وروي عنها أنها قالت: (لو شهدته ما زرته).