تعريف المحرم لغة واصطلاحا من كتاب موسوعة الفقه الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (36/ 200).
مَحْرَمٌ:
التعريف:
1- المحرم في اللغة: الحرام، والحرام: ضد الحلال، ويقال: هو ذو محرم منها: إذا لم يحل له نكاحها، ورحم محرم: محرمٌ تزوُّجها، وفي المعجم الوسيط: المحرم: ذو الحرمة، ومن النساء والرجال: الذي يحرم التزوج به؛ لرحمه، وقرابته، وما حرم الله تعالى، والجمع: محارم. وفي الاصطلاح: المحرم: من لا يجوز له مناكحتها على التأبيد بقرابة، أو رضاع، أو صهرية.
من هو محرم المرأة في السفر؟ من كتاب المجموع شرح المهذب - النووي - (16/ 229).
مسألة:
إذا حرم عليه نكاح المرأة على التأبيد بنكاح أو رضاع أو وطء مباح صار محرمًا لها، في جواز النظر والخلوة؛ لأنها محرمة عليه على التأبيد، بسبب غير محرم، فصار محرمًا لها كالأم والابنة، وإن حرم عليه نكاحها بوطء شبهة، فهل تصير محرمًا له؟
فيه قولان، حكاهما الصيمري، المشهور: أنها لا تصير محرمًا له؛ لأنها حرمت عليه بسبب غير مباح، فلم يلحق بذوات الأنساب.
والثاني: أنها تصير محرمًا له؛ لأنها لما ساوت من وطئت وطئًا مباحًا في تحريم النكاح، ولحوق النسب من هذا الوطء، ساوتها في الخلوة والنظر.
من محرم المرأة في السفر؟ من كتاب المغني - ابن قدامة - (3/ 192).
فصل:
والمحرم: زوجها، أو من تحرم عليه على التأبيد، بنسب، أو سبب مباح، كأبيها وابنها وأخيها من نسب أو رضاع؛ لما روى أبو سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرًا يكون ثلاثة أيام فصاعدًا إلا ومعها أبوها أو ابنها أو زوجها أو ذو محرم منها) رواه مسلم، قال أحمد: ويكون زوج أم المرأة محرمًا لها يحج بها، ويسافر الرجل مع أم ولد جده، فإذا كان أخوها من الرضاعة خرجت معه، وقال في أم امرأته: يكون محرمًا لها في حج الفرض دون غيره، قال الأثرم: كأنه ذهب إلى أنها لم تذكر في قوله: { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } الآية، فأما من تحل له في حال كعبدها وزوج أختها فليسا بمحرم لها، نص عليه أحمد؛ لأنهما غير مأمونين عليهما، ولا تحرم عليهما على التأبيد، فهما كالأجنبي، وقد روي عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (سفر المرأة مع عبدها ضيعة) أخرجه سعيد، وقال الشافعي: عبدها محرم لها؛ لأنه يباح له النظر إليها، فكان محرمًا لها، كذي رحمها، والأول أولى، ويفارق ذا الرحم؛ لأنه مأمون عليها، وتحرم عليه على التأبيد، وينتقض ما ذكروه بالقواعد من النساء، وغير أولي الإربة من الرجال، وأما أم الموطوءة بشبهة، أو المزني بها، أو ابنتهما، فليس بمحرم لهما؛ لأن تحريمهما بسبب غير مباح، فلم يثبت به حكم المحرمية، كالتحريم الثبت باللعان، وليس له الخلوة بهما، ولا النظر إليهما لذلك، والكافر ليس بمحرم للمسلمة، وإن كانت ابنته، قال أحمد في يهودي أو نصراني أسلمت ابنته: لا يزوجها، ولا يسافر معها، ليس هو لها بمحرم، وقال أبو حنيفة والشافعي: هو محرم لها؛ لأنها محرمة عليه على التأبيد.
ولنا: أن إثبات المحرمية يقتضي الخلوة بها، فيجب أن لا تثبت لكافر على مسلمة، كالحضانة للطفل، ولأنه لا يؤمن عليها أن يفتنها عن دينها، كالطفل، وما ذكروه يبطل بأم المزني بها، وابنتها، والمحرمة باللعان، وبالمجوسي مع ابنته، ولا ينبغي أن يكون في المجوسي خلاف؛ فإنه لا يؤمن عليها، ويعتقد حلها، نص عليه أحمد في مواضع، ويشترط في المحرم أن يكون بالغًا عاقلًا، قيل لأحمد: فيكون الصبي محرمًا، قال: لا، حتى يحتلم؛ لأنه لا يقوم بنفسه، فكيف يخرج مع امرأة؛ وذلك لأن المقصود بالمحرم: حفظ المرأة، ولا يحصل إلا من البالغ العاقل، فاعتبر ذلك.
هل يمكن للصبي أن يكون محرما للمرأة في السفر من كتاب موسوعة الفقه الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (36/ 340).
اعتبار المراهق محرمًا:
9- ذهب الحنفية والشافعية - وهو الظاهر من مذهب المالكية - إلى اعتبار المراهق كالبالغ الذي لا يجوز للمرأة السفر إلا برفقته، إن كان من محارمها، وخالف في ذلك الحنابلة، فاشترطوا أن يكون المحرم بالغًا عاقلًا، قال ابن قدامة: قيل لأحمد: فيكون الصبي محرمًا؟ قال: لا، حتى يحتلم؛ لأنه لا يقوم بنفسه، فكيف يخرج مع امرأة؟؛ وذلك لأن المقصود بالمحرم: حفظ المرأة، ولا يحصل إلا من البالغ العاقل.
حكم منع الزوج زوجته من المتابعة بين الحج والعمرة من كتاب موسوعة الفقه الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (2/ 203).
هـ - منع الزوج زوجته عن المتابعة:
17- منع الزوج زوجته عن المتابعة: يتحقق به إحصارها، باتفاق المذاهب الأربعة (الحنفية والمالكية، على الأصح عندهم، والشافعية والحنابلة)، وذلك في حج النفل، أو عمرة النفل، عند الجميع، وعمرة الإسلام عند الحنفية والمالكية؛ لقولهم بعدم فرضيتها، وإن أذن لها الزوج ابتداء بحج النفل أو عمرة النفل ولها محرم؛ فإنه ليس له منعها بعد الإحرام؛ لأنه تغرير، ولا تصير محصرة بمنعه، وحجة الإسلام، أو الحج الواجب، كالنذر، إذا أحرمت الزوجة بهما بغير إذن الزوج، ولها محرم، فلا تكون محصرة عند الحنفية والمالكية والحنابلة؛ لأنهم لا يشترطون إذن الزوج لوجوب الحج عليها، وليس له أن يمنعها من حج الفرض، ولا يجوز له أن يحللها بمحظور من محظورات الإحرام، ولو تحللت هي لم يصح تحللها.
وأما الشافعية: فيقولون باشتراط إذن الزوج لفرضية الحج، فإذا لم يأذن لها قبل إحرامها، وأحرمت، كان له منعها، فصارت كالصورة الأولى على الأصح عندهم، وإن أحرمت بحجة الفرض وكان لها زوج وليس معها محرم، فمنعها الزوج، فهي محصرة في ظاهر الرواية عند الحنفية، وكذا عند الشافعية والحنابلة.
وأما عند المالكية: فلا تكون محصرة إذا سافرت مع الرفقة المأمونة، وكانت هي مأمونة أيضًا؛ لأنهم يكتفون بهذا لسفر المرأة في الحج الفرض، ولا يشترطون إذن الزوج للسفر في الحج الفرض.
هل يجوز للزوج منع الزوجة من حج التطوع؟ من كتاب المجموع شرح المهذب - النووي - (8/ 323 - 333).
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإن أحرمت المرأة بغير إذن الزوج: فإن كان في تطوع: جاز له أن يحللها؛ لأن حق الزوج واجب، فلا يجوز إبطاله عليه بتطوع، وإن كان في حجة الإسلام: ففيه قولان، (أحدهما): أن له أن يحللها؛ لأن حقه على الفور، والحج على التراخي، فقدم حقه، (والثاني): أنه لا يملك؛ لأنه فرض، فلا يملك تحليلها منه كالصوم والصلاة).
الشرح:
قوله: (لأنه فرض فلا يملك تحليلها منه) ينتقض بصوم الكفارة، والنذر في الذمة، والقضاء الذي لم ينتقض، فإن له منعها من كل ذلك في الأصح، وكان ينبغي أن يقول فرض بأصل الشرع، والله أعلم.
أما الأحكام:
فقال أصحابنا: ينبغي للمرأة أن لا تحرم بغير إذن زوجها، ويستحب له أن يحج بها، واحتجوا فيه بحديث ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب، فقال: (لا يخلون رجل بامرأة، ولا تسافر امرأة إلا مع محرم، فقام رجل، فقال: يا رسول الله، إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا، قال: فانطلق فاحجج مع امرأتك) رواه البخاري ومسلم.
فإن أرادت حج إسلام أو تطوع: فأذن الزوج وأحرمت به، لزمه تمكينها من إتمامه بلا خلاف، سواء كان فرضًا أو نفلًا، كما سبق فيما لو أذن لعبده في الاحرام فأحرم، وكما لا يجوز له تحليلها لا يجوز لها التحلل، فإن تحللت لم يصح تحللها، ولم تخرج من الحج، كما لو نوى غيرها الخروج من الحج بلا إحصار، فإنه لا يخرج منه بلا خلاف.
وإن أرادت حج الإسلام: فمنعها الزوج، فهل له المنع؟ فيه قولان مشهوران، وعجب كيف أهملهما المصنف، قال القاضي أبو الطيب في تعليقه: المنصوص في باب حج المرأة والعبد من المناسك الكبير أن للزوج منعها، ونص الشافعي في باب خروج النساء إلى المساجد من اختلاف الحديث على أنه ليس له منعها.
وقال البندنيجي: نص الشافعي في عامة كتبه أن له منعها، واتفقوا على أن الصحيح من هذين القولين: أن له منعها، وبه قطع الشيخ أبو حامد والمحاملي وآخرون، قال القاضي أبو الطيب في كتابه المجرد، والروياني وغيرهما: هذا القول هو الصحيح المشهور، واحتجوا له بحديث ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس لها أن تنطلق إلى الحج إلا بإذن زوجها) رواه الدارقطني والبيهقي، ولأن حق الزوج على الفور، والحج على التراخي، فقدم ما كان على الفور، كما تقدم العدة على الحج، بلا خلاف، والقول الثاني: ليس له منعها؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) رواه البخاري ومسلم، من رواية ابن عمر، وقياسًا على الصوم والصلاة.
وأجاب الأولون عن الحديث: بأنه محمول على أنه نهي تنزيه، أو على غير المتزوجات؛ لأن غير المزوجات لم يتعلق بهن حق على الفور، وذلك كالبنت والأخت ونحوهما، وأن المراد: لا تمنعوهن مساجد الله للصلوات، وهذا هو ظاهر سياق الحديث، والله أعلم.
قال أصحابنا: والفرق بين الحج والصوم والصلاة: أن مدته طويلة، بخلافهما، والله أعلم.
فإن أحرمت بحج الإسلام بغير إذنه: قال أصحابنا: إن قلنا: ليس له منعها من الابتداء فليس له تحليلها، وإن قلنا: له منعها، فهل له تحليلها؟ فيه قولان مشهوران، وهما اللذان ذكرهما المصنف هنا، وفي التنبيه.
قال القاضي أبو الطيب والروياني وغيرهما: نص عليهما الشافعي في (باب حج المرأة والعبد) قال أصحابنا: (أصحهما): أن له تحليلها، وهو نصه في مختصر المزني، وممن صرح بتصحيحه الجرجاني في التحرير، والغزالي في الخلاصة، والروياني في الحلية، وأبو علي الفارقي في فوائد المهذب، والرافعي في كتابيه وغيرهم، وشذ عنهم المحاملي في المقنع، فجزم بأنه ليس له تحليلها؛ لأنه يضيق بالشروع، (والمذهب): أن له تحليلها، كما صححه الجمهور؛ لأن حق الزوج سابق، والله أعلم.
قال الدارمي والجرجاني في التحرير: وحجة النذر كالإسلام، فإذا أحرمت بها بغير إذنه فله تحليلها في أصح القولين، وينبغي أن يكون القضاء كذلك، والله أعلم.
أما إذا أحرمت بحجة تطوع: فله منعها منها بلا خلاف، فإن أحرمت به فهل له تحليلها منه؟ فيه طريقان مشهوران، حكاهما القاضي أبو حامد المروزي والشيخ أبو حامد الإسفراييني والدارمي والقاضي أبو الطيب في كتابيه المجموع والتجريد، والماوردي والقاضي أبو علي البندنيجي والقاضي حسين والفوراني وإمام الحرمين والغزالي وابن الصباغ والمتولي والبغوي وصاحب العدة والروياني والشاشي وخلائق آخرون، (أصحهما) باتفاقهم: له تحليلها، قولًا واحدًا، وبه قطع المصنف وطائفة، (والثاني): فيه قولان كحجة الإسلام (أصحهما): له تحليلها (والثاني): لا؛ لأنها لما أحرمت بها صارت كحجة الإسلام؛ لأن حجة التطوع تلزم بالشروع، والله أعلم.
هل يجوز للزوج منع زوجته من حج الفريضة؟ من كتاب المغني - ابن قدامة - (3/ 572).
مسألة: قال: (وإذا أحرمت المرأة لواجب لم يكن لزوجها منعها).
وجملة ذلك: أن المرأة إذا أحرمت بالحج الواجب أو العمرة الواجبة - وهي حجة الإسلام وعمرته، أو المنذور منهما - فليس لزوجها منعها من المضي فيها، ولا تحليلها في قول أكثر أهل العلم، منهم النخعي وإسحاق وأصحاب الرأي والشافعي في أصح القولين له، وقال في الآخر: له منعها؛ لأن الحج عنده على التراخي، فلم يتعين بالشروع فيه، فيصير كالصلاة إذا أحرمت بها في وقتها وقضاء رمضان إذا شرعت فيه، ولأن حق الزوج مستمر على الدوام، فلو ملك منعها في هذا العام لملكه في كل عام، فيفضي إلى إسقاط أحد أركان الإسلام، بخلاف العدة، فإنها لا تستمر، فأما إن أحرمت بتطوع فله تحليلها، ومنعها منه في ظاهر قول الخرقي، وقال القاضي: ليس له تحليلها؛ لأن الحج يلزم بالشروع فيه، فلا يملك الزوج تحليلها، كالحج المنذور، وحكي عن أحمد في امرأة تحلف بالصوم أو بالحج، ولها زوج، لها أن تصوم بغير إذن زوجها، أم ما تصنع؟ قد ابتليت وابتلي زوجها.
ولنا: أنه تطوع يفوت حق غيرها منها، أحرمت به بغير إذنه، فملك تحليلها منه، كالأمة تحرم بغير إذن سيدها، والمدينة تحرم بغير إذن غريمها، على وجه يمنعه إيفاء دينه الحال عليها، ولأن العدة تمنع المضي في الإحرام لحق الله تعالى، فحق الآدمي أولى؛ لأن حقه أضيق لشحه وحاجته، وكرم الله تعالى وغناه، وكلام أحمد لا يتناول محل النزاع، وهو مخالف له من وجهين، أحدهما: أنه في الصوم، وتأثير الصوم في منع الزوج يسير، فإنه في النهار، دون الليل، ولو حلفت بالحج فله منعها؛ لأن الحج لا يتعين في نذر اللجاج والغضب، بل هو مخير بين فعله والتكفير، فله منعها منه قبل إحرامها بكل حال، بخلاف الصوم، والثاني: أن الصوم إذا وجب صار كالمنذور، بخلاف ما نحن فيه، والشروع هاهنا على وجه غير مشروع، فلم يكن له حرمه بالنسبة إلى صاحب الحق، فأما إن كانت الحجة حجة الإسلام، لكن لم تكمل شروطها؛ لعدم الاستطاعة، فإن له منعها من الخروج إليها، والتلبس بها؛ لأنها غير واجبة عليها، وإن أحرمت بغير إذن لم يملك تحليلها؛ لأن ما أحرمت به يقع عن حجة الإسلام الواجبة بأصل الشرع، كالمريض إذا تكلف حضور الجمعة، ويحتمل أن له تحليها؛ لأنه فقد شرط وجوبها، فأشبهت حجة الأمة والصغيرة، فإنه لما فقدت الحرية أو البلوغ ملك منعها، ولأنها ليست واجبة عليها، فأشبهت سائر التطوع.
فصل: وأما قبل الإحرام: فليس للزوج منع امرأته من المضي إلى الحج الواجب عليها إذا كملت شروطه، وكانت مستطيعة، ولها محرم يخرج معها؛ لأنه واجب، وليس له منعها من الواجبات، كما ليس له منعها من الصلاة والصيام، وإن لم تكمل شروطه فله منعها من المضي إليه، والشروع فيه، ولأنها تفوت حقه لما ليس بواجب عليها، فملك منعها، كمنعها من صيام التطوع، وله منعها من الخروج إلى حج التطوع والإحرام به، بغير خلاف.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ قوله من أهل العلم على أن للرجل منع زوجته من الخروج إلى حج التطوع، ولأنه تطوع يفوت حق زوجها، فكان لزوجها منعها منه، كالاعتكاف، فإن أذن لها فيه فله الرجوع، ما لم تتلبس بإحرامه، فإن تلبست بالإحرام لم يكن له الرجوع فيه، ولا تحليلها منه؛ لأنه يلزم بالشروع، فصار كالواجب الأصلي، فإن رجع قبل إحرامها، ثم أحرمت به، فهو كمن لم يأذن، وإذا قلنا بتحليلها فحكمها حكم المحصر، يلزمها الهدي، فإن لم تجد صامت، ثم حلت.
حكم حج المعتدة من وفاة من كتاب موسوعة الفقه الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (2/ 112).
فإذا خرجت المرأة إلى الحج، فتوفي عنها زوجها وهي بالقرب، أي: دون مسافة قصر الصلاة، رجعت لتقضي العدة؛ لأنها في حكم الإقامة، ومتى رجعت وقد بقي من عدتها شيء، أتت به في منزلها، وإن كانت قد تباعدت بأن قطعت مسافة القصر فأكثر، مضت في سفرها؛ لأن عليها في الرجوع مشقة، فلا يلزمها، فإن خافت أن تتعرض لمخاطر في الرجوع، مضت في سفرها، ولو كانت قريبة؛ لأن عليها ضررًا في رجوعها، وإن أحرمت بعد موته لزمتها الإقامة؛ لأن العدة أسبق، وفي رأي للحنفية: أن المرأة إذا خرجت إلى الحج، فتوفي عنها زوجها، فالرجوع أولى؛ لتعتد في منزلها، فلا ينبغي لمعتدة أن تحج، ولا تسافر مع محرم أو غير محرم، فقد توفي أزواجٌ نساؤُهنَّ حاجاتٌ أو معتمراتٌ، فردَّهن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من قصر النجف، فدل على أن المعتدة تمنع من ذلك.
أما المالكية، فيقولون: إذا أحرمت بحج أو عمرة، ثم طرأت عليها عدة، بأن توفي زوجها، بقيت على ما هي فيه، ولا ترجع لمسكنها لتعتد به؛ لأن الحج سابق على العدة، وإن أحرمت بحج أو عمرة بعد موجب العدة من طلاق أو وفاة، فإنها تمضي على إحرامها الطارئ، وأثمت بإدخال الإحرام على نفسها بعد العدة بخروجها من مسكنها، ولم يعتبر الشافعية المسافة التي تقطعها المحدة المحرمة بالأيام التي تقصر فيها الصلاة، ولكن قالوا: إن فارقت البنيان، فلها الخيار بين الرجوع والتمام؛ لأنها صارت في موضع أذن لها زوجها فيه، وهو السفر، فأشبه ما لو بعدت.
حكم حج المعتدة من وفاة من كتاب المجموع شرح المهذب -النووي - (8/ 337 - 339).
فرع:
قال الدارمي: إذا أحرمت في العدة، فإن كانت رجعية فلم يراجعها فليس له تحليلها، وله منعها من الخروج، فإن قضت العدة ولم يراجعها مضت في الحج، فإن أدركته فذلك، وإن فاتها فلها حكم الفوات، وإن راجعها فهل له تحليلها؟ فيه القولان السابقان، وإن كانت مطلقة بائنًا، فليس له تحليلها بلا خلاف، وله منعها، فإن أدركت الحج بعد انقضاء العدة وإلا فهي كذات الفوات، ولو أحرمت ثم طلقها فوجبت العدة أقامت على إحرامها ولم يجز لها التحلل، فإن انقضت عدتها فأدركت الحج فذاك، وإن فاتها قال ابن المرزبان: إن كانت هي سبب وجوب العدة بخيار ونحوه فهي المفوتة، وإن طرأت بغير اختيارها ففي القضاء وجهان، بناءً على القولين في المحصر إذا سلك طريقًا ففاته، هذا كلام الدارمي، وكذا قال الروياني والرافعي وغيرهما: أن المعتدة الرجعية إذا أحرمت فللزوج منعها من الذهاب في الحج، وليس له تحليلها، ولكن له رجعتها، فإذا رجع هل له تحليلها؟ فيه القولان، وجزم الرافعي بأنه يحللها بعد المراجعة، وهو تفريع على الأصح، وإلا فالقولان لا بد منهما، كما ذكره الدارمي والروياني وغيرهما.
ونقل الروياني فيما إذا أحرمت بحج تطوع، ثم طلقت، ثم اعتدت ففاتها، قولين، (أحدهما): يجب القضاء، كالخطأ في العدد، (والثاني): لا؛ لعدم تقصيرها، وهذا موافق لما ذكره ابن المرزبان، والله أعلم، وقال الماوردي: إذا أحرمت، ثم وجبت العدة بوفاة زوج أو طلاقه، لزمها المضي في الإحرام وأعمال النسك، ولا تكون العدة مانعة؛ لأن الإحرام سابق، قال: فإن منعها حاكم من إتمام الحج بسبب العدة صارت كالمحصر، فتتحلل، وعليها دم الإحصار.
حكم حج المعتدة من وفاة من كتاب المغني - ابن قدامة - (9/ 184).
مسألة، وفصل:
ليس للمعتدة الخروج للحج.
مسألة: قال: (وإذا خرجت إلى الحج فتوفي عنها زوجها، وهي بالقرب، رجعت لتقضي العدة، فإن كانت قد تباعدت مضت في سفرها، فإن رجعت وقد بقي من عدتها شيء أتت به في منزلها).
وجملته: أن المعتدة من الوفاة ليس لها أن تخرج إلى الحج، ولا إلى غيره، روي ذلك عن عمر وعثمان رضي الله عنهما، وبه قال سعيد بن المسيب والقاسم ومالك والشافعي وأبو عبيد وأصحاب الرأي والثوري، وإن خرجت فمات زوجها في الطريق رجعت إن كانت قريبة؛ لأنها في حكم الإقامة، وإن تباعدت مضت في سفرها، وقال مالك: ترد ما لم تحرم، والصحيح: أن البعيدة لا ترد؛ لأنه يضر بها، وعليها مشقة، ولا بد لها من سفر، وإن رجعت، قال القاضي: ينبغي أن يحد القريب: بما لا تقصر فيه الصلاة، والبعيد: ما تقصر فيه؛ لأن ما لا تقصر الصلاة فيه: أحكامه أحكام الحضر، وهذا قول أبي حنيفة، إلا أنه لا يرى القصر إلا في مسيرة ثلاثة أيام، فقال: متى كان بينها وبين مسكنها دون ثلاثة أيام فعليها الرجوع إليه، وإن كان فوق ذلك لزمها المضي إلى مقصدها، والاعتداد فيه، إذا كان بينها وبينه دون ثلاثة أيام، وإن كان بينه وبينها ثلاثة أيام، وفي موضعها الذي هي به موضع يمكنها الإقامة فيه، لزمها الإقامة، وإن لم يمكنها الإقامة مضت إلى مقصدها، وقال الشافعي: إن فارقت البنيان فلها الخيار بين الرجوع والتمام؛ لأنها صارت في موضع أذن لها زوجها فيه، وهو السفر، فأشبه ما لو كانت قد بعدت.
ولنا: على وجوب الرجوع إذا كانت قريبة: ما روى سعيد، ثنا جرير عن منصور عن سعيد بن المسيب، قال: توفي أزواجٌ نساؤُهنَّ حاجاتٌ أو معتمراتٌ فردهن عمر من ذي الحليفة، حتى يعتددن في بيوتهن، ولأنه أمكنها الاعتداد في منزلها قبل أن يبعد سفرها، فلزمها كما لو لم تفارق البنيان، وعلى أن البعيدة لا يلزمها الرجوع؛ لأن عليها مشقة، وتحتاج إلى سفر في رجوعها، فأشبهت من بلغت مقصدها، وإن اختارت البعيدة الرجوع فلها ذلك، إذا كانت تصل إلى منزلها قبل انقضاء عدتها، ومتى كان عليها في الرجوع خوف أو ضرر فلها المضي في سفرها ما لو بعدت، ومتى رجعت وقد بقي عليها شيء من عدتها لزمها أن تأتي به في منزل زوجها بلا خلاف نعلمه بينهم في ذلك؛ لأنه أمكنها الاعتداد فيه، فلزمها، كما لو لم تسافر منه.
فصل:
ولو كانت عليها حجة الإسلام فمات زوجها: لزمها العدة في منزلها، وإن فاتها الحج؛ لأن العدة في المنزل تفوت، ولا بدل لها، والحج يمكن الإتيان به في غير هذا العام، وإن مات زوجها بعد إحرامها بحج الفرض أو بحج أذن لها زوجها فيه نظرت، فإن كان وقت الحج متسعًا لا تخاف فوته، ولا فوت الرفقة: لزمها الاعتداد في منزلها؛ لأنه أمكن الجمع بين الحقين، فلم يجز إسقاط أحدهما، وإن خشيت فوات الحج لزمها المضي فيه، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: يلزمها المقام وإن فاتها الحج؛ لأنها معتدة، فلم يجز لها أن تنشئ سفرًا، كما لو أحرمت بعد وجوب العدة عليها.
ولنا: أنهما عبادتان استوتا في الوجوب وضيق الوقت فوجب تقديم الأسبق منهما، كما لو كانت العدة أسبق، ولأن الحج آكد؛ لأنه أحد أركان الإسلام والمشقة بتفويته تعظم، فوجب تقديمه، كما لو مات زوجها بعد أن بَعُدَ سفرها إليه، وإن أحرمت بالحج بعد موت زوجها، وخشيت فواته احتمل أن يجوز لها المضي إليه؛ لما في بقائها في الإحرام من المشقة، واحتمل أن يلزمها الاعتداد في منزلها؛ لأن العدة أسبق، ولأنها فرطت وغلظت على نفسها، فإذا قضت العدة وأمكنها السفر إلى الحج لزمها ذلك، فإن أدركته وإلا تحللت بعمل عمرة، وحكمها في القضاء حكم من فاته الحج، وإن لم يمكنها السفر فحكمها حكم المحصر، كالتي يمنعها زوجها من السفر، وحكم الإحرام بالعمرة كذلك إذا خيف فوات الرفقة أو لم يخف.