الموسوعة الفقهية الكويتية- وزارة الأوقاف الكويتية- (23/ 304)
مسألة التوكيل في أداء زكاة الفطر:
حكم دفع الزكاة إلى الإمام العادل:
142- المراد بالإمام العادل هنا: من يأخذ الزكاة بحقها، ويعطيها لمستحقها، ولو كان جائرًا في غير ذلك، على ما صرح به المالكية.
ومن دفع زكاة ماله إلى الإمام العادل جاز، وأجزأت عنه اتفاقًا.
ولو كان بإمكانه دفعها إلى الإمام وتفريقها بنفسه، فقد اختلف الفقهاء في ذلك:فذهب مالك وأبو حنيفة وأبو عبيد، وهو القديم من قولي الشافعي إلى التفريق بين الأموال الظاهرة، وهي الزروع، والمواشي، والمعادن، ونحوها، وبين الأموال الباطنة وهي الذهب والفضة والتجارات.
فأما الظاهرة: فيجب دفعها إلى الإمام؛ لأن أبا بكر طالبهم بالزكاة وقاتلهم عليها، ووافقه الصحابة على هذا، فليس للمزكي إخراجها بنفسه، حتى لقد صرح الشافعية بأنه لو أخرجها كذلك لم تجزئه.
ولأن ما للإمام قبضه بحكم الولاية لا يجوز دفعه إلى المولى عليه، كولي اليتيم.وأما زكاة الأموال الباطنة: فقال الحنفية: للإمام طلبها، وحقه ثابت في أخذ الزكاة من كل مال تجب فيه الزكاة، للآية، وما فعله عثمان رضي الله عنه أنه فوض إلى الملاك زكاة المال الباطن، فهم نوابه في ذلك، وهذا لا يسقط طلب الإمام أصلًا، ولهذا لو علم أن أهل بلدة لا يؤدون زكاتهم طالبهم بها، فأما إذا لم يطلبها لم يجب الدفع إليه.
وقال المالكية والشافعية: زكاة الأموال الباطنة مفوضة لأربابها، فلرب المال أن يوصلها إلى الفقراء وسائر المستحقين بنفسه.
وذهب الحنابلة، وهو الجديد المعتمد من قولي الشافعي: إلى أن الدفع إلى الإمام غير واجب في الأموال الظاهرة والباطنة على السواء، فيجوز للمالك صرفها إلى المستحقين مباشرة، قياسًا للظاهرة على الباطنة، ولأن في ذلك إيصال الحق إلى مستحقه الجائز تصرفه، فيجزئه، كما لو دفع الدين إلى غريمه مباشرة، وأخذ الإمام لها إنما هو بحكم النيابة عن مستحقها، فإذا دفعها إليهم جاز؛ لأنهم أهل رشد.
ثم قال الشافعية في الأظهر: الصرف إلى الإمام أفضل من تفريقها بنفسه؛ لأنه أعرف بالمستحقين، وأقدر على التفريق بينهم، وبه يبرأ ظاهرًا وباطنًا.
ثم قال الحنابلة: تفرقتها بنفسه، أولى وأفضل من دفعها إلى الإمام؛ لأنه إيصال للحق إلى مستحقه، فيسلم عن خطر الخيانة من الإمام أو عماله؛ ولأن فيه مباشرة تفريج كربة من يستحقها، وفيه توفير لأجر العمالة، مع تمكنه من إعطاء محاويج أقربائه، وذوي رحمه، وصلتهم بها، إلا أنه إن لم يثق بأمانة نفسه فالأفضل له دفعها إلى الساعي، لئلا يمنعه الشح من إخراجها.
أما لو طلب الإمام العادل الزكاة فإنه يجب الدفع إليه اتفاقًا، وسواء كان المال ظاهرًا أو باطنًا، والخلاف في استحقاقه جمع زكاة المال الباطن لا يبيح معصيته في ذلك إن طلبه؛ لأن الموضع موضع اجتهاد، وأمر الإمام يرفع الخلاف كحكم القاضي، كما هو معلوم من قواعد الشريعة.
وصرح المالكية بأن الإمام العدل إن طلبها فادعى المالك إخراجها لم يصدق.
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
مسألة التوكيل في أداء زكاة الفطر:
مَن دفَعَ زكاةَ مالِه إلى الإمامِ العادلِ، أو ساعِيه، فقد أدَّى ما عليه، إذا كان الإمامُ يَضعُها مواضعَها.
الدَّليلُ مِنَ الإجماعِ:
نقل الإجماعَ على ذلك ابنُ تيميَّة، قال: (أمَّا مَا يأخذه ولاةُ المسلمين من العُشر، وزَكاة الماشية والتجارة، وغير ذلك، فإنَّه يُسقِط ذلك من صاحبِه إذا كان الإمامُ عادلًا يصرِفُه في مصارفِه الشرعيَّة باتِّفاق العلماء). (مجموع الفتاوى) (25/81).
المغني لابن قدامة (4/ 92 : 94)
مسألة التوكيل في أداء زكاة الفطر:
فصل: ويستحب للإنسان أن يلي تفرقة الزكاة بنفسه؛ ليكون على يقين من وصولها إلى مستحقها، سواء كانت من الأموال الظاهرة أو الباطنة، قال الإمام أحمد: أعجب إلي أن يخرجها، وإن دفعها إلى السلطان، يعني: فهو جائز، وقال الحسن، ومكحول، وسعيد بن جبير، وميمون بن مهران: يضعها رب المال في مواضعها وقال الثوري: احلف لهم، واكذبهم، ولا تعطهم شيئًا، إذا لم يضعوها مواضعها، وقال طاووس: لا تعطهم، وقال عطاء: أعطهم إذا وضعوها مواضعها، فمفهومه: أنه لا يعطيهم إذا لم يكونوا كذلك، وقال الشعبي، وأبو جعفر: إذا رأيت الولاة لا يعدلون، فضعها في أهل الحاجة من أهلها، وقال إبراهيم: ضعوها في مواضعها، وإن أخذها السلطان أجزأك، وقال سعيد: أنبأنا أبو عوانة، عن مهاجر أبي الحسن، قال: أتيت أبا وائل وأبا بردة بالزكاة، وهما على بيت المال، فأخذاها، ثم جئت مرة أخرى، فرأيت أبا وائل وحده، فقال لي: ردها فضعها مواضعها، وقد روى عن أحمد أنه قال: أما صدقة الأرض فيعجبني دفعها إلى السلطان، وأما زكاة الأموال كالمواشي، فلا بأس أن يضعها في الفقراء والمساكين، فظاهر هذا أنه استحب دفع العشر خاصة إلى الأئمة؛ وذلك لأن العشر قد ذهب قوم إلى أنه مؤونة الأرض، فهو كالخراج يتولاه الأئمة، بخلاف سائر الزكاة، والذي رأيت في "الجامع" قال: أما صدقة الفطر، فيعجبني دفعها إلى السلطان، ثم قال أبو عبد الله: قيل لابن عمر: إنهم يقلدون بها الكلاب، ويشربون بها الخمور؟! قال: ادفعها إليهم، وقال ابن أبي موسى، وأبو الخطاب: دفع الزكاة إلى الإمام العادل أفضل، وهو قول أصحاب الشافعي، وممن قال: يدفعها إلى الإمام الشعبي، ومحمد بن علي، وأبو رزين، والأوزاعي؛ لأن الإمام أعلم بمصارفها، ودفعها إليه يبرئه ظاهرًا وباطنًا، ودفعها إلى الفقير لا يبرئه باطنًا؛ لاحتمال أن يكون غير مستحق لها، ولأنه يخرج من الخلاف، وتزول عنه التهمة، وكان ابن عمر يدفع زكاته إلى من جاءه من سعاة ابن الزبير، أو نجدة الحروري، وقد روي عن سهيل بن أبي صالح، قال: أتيت سعد بن أبي وقاص، فقلت: عندي مال، وأريد أن أخرج زكاته، وهؤلاء القوم على ما ترى، فما تأمرني؟ قال: ادفعها إليهم، فأتيت ابن عمر، فقال مثل ذلك، فأتيت أبا هريرة، فقال مثل ذلك، فأتيت أبا سعيد، فقال مثل ذلك، وروى نحوه عن عائشة، رضي الله عنها، وقال مالك، وأبو حنيفة، وأبو عبيد: لا يفرق الأموال الظاهرة إلا الإمام؛ لقول الله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا)، ولأن أبا بكر، رضي الله عنه، طالبهم بالزكاة، وقاتلهم عليها، وقال: لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليها، ووافقه الصحابة على هذا، ولأن ما للإمام قبضه بحكم الولاية، لا يجوز دفعه إلى المولى عليه، كولي اليتيم، وللشافعي قولان كالمذهبين.
ولنا: على جواز دفعها بنفسه: أنه دفع الحق إلى مستحقه الجائز تصرفه، فأجزأه، كما لو دفع الدين إلى غريمه، وكزكاة الأموال الباطنة، ولأنه أحد نوعى الزكاة، فأشبه النوع الآخر، والآية تدل على أن للإمام أخذها، ولا خلاف فيه، ومطالبة أبي بكر لهم بها؛ لكونهم لم يؤدوها إلى أهلها، ولو أدوها إلى أهلها لم يقاتلهم عليها؛ لأن ذلك مختلف في إجزائه، فلا تجوز المقاتلة من أجله، وإنما يطالب الإمام بحكم الولاية والنيابة عن مستحقيها، فإذا دفعها إليهم جاز؛ لأنهم أهل رشد، فجاز الدفع إليهم، بخلاف اليتيم.
وأما وجه فضيلة دفعها بنفسه؛ فلأنه إيصال للحق إلى مستحقه، مع توفير أجر العمالة، وصيانة حقهم، عن خطر الخيانة، ومباشرة تفريج كربة مستحقها، وإغنائه بها، مع إعطائها للأولى بها من محاويج أقاربه، وذوي رحمه، وصلة رحمه بها، فكان أفضل، كما لو لم يكن آخذها من أهل العدل.
المجموع شرح المهذب (6/ 162 )
مسألة التوكيل في أداء زكاة الفطر:
قال المصنف رحمه الله: ويجوز لرب المال أن يفرق زكاة الأموال الباطنة بنفسه، وهي الذهب والفضة وعروض التجارة والركاز؛ لما روي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال في المحرم: (هذا شهر زكاتكم، فمن كان عنده دين فليقض دينه، ثم ليزك بقية ماله)، ويجوز أن يوكل من يفرق؛ لأنه حق مال، فجاز أن يوكل في أدائه كدين الآدميين، ويجوز أن تدفع الي الإمام؛ لأنه نائب عن الفقراء، فجاز الدفع إليه كولي اليتيم، وفى الأفضل ثلاثة أوجه (أحدها): أن الأفضل أن يفرق بنفسه، وهو ظاهر النص؛ لأنه على ثقة من أدائه، وليس على ثقة من أداء غيره، و(الثاني): أن الافضل أن يدفع الي الإمام، عادلًا كان أو جائرًا؛ لما روي أن المغيرة بن شعبة قال لمولى له، وهو على أمواله بالطائف: (كيف تصنع في صدقة مالي؟ قال: منها ما أتصدق به، ومنها ما أدفع إلى السلطان، فقال: وفيم أنت من ذلك؟ فقال: إنهم يشترون بها الأرض، ويتزوجون بها النساء، فقال: ادفعها إليهم؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا أن ندفعها إليهم)، ولأنه أعرف بالفقراء وقدر حاجاتهم، ومن أصحابنا من قال: إن كان عادلًا فالدفع إليه أفضل، وإن كان جائرًا فتفرقته بنفسه أفضل؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: (فمن سئلها على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقه فلا يعطه)، ولأنه علي ثقة من أدائه إلى العادل، وليس على ثقة من أدائه إلى الجائر؛ لأنه ربما صرفه في شهواته، فأما الأموال الظاهرة: وهي الماشية والزروع والثمار والمعادن ففي زكاتها قولان، قال في القديم: يجب دفعها إلى الإمام، فإن فرقها بنفسه لزمه الضمان؛ لقوله عز وجل: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا)، ولأنه مال للإمام فيه حق المطالبة، فوجب الدفع إليه كالخراج والجزية، وقال في الجديد: يجوز أن يفرقها بنفسه؛ لأنها زكاة، فجاز أن يفرقها بنفسه، كزكاة المال الباطن.
الشرح:
الأثر المذكور عن عثمان: صحيح، رواه البيهقي في سننه الكبير في كتاب الزكاة في باب الدين مع الصدقة، بإسناد صحيح، عن الزهري عن السائب بن يزيد الصحابي أنه سمع عثمان بن عفان خطيبًا على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (هذا شهر زكاتكم، فمن كان منكم عليه دين فليقض دينه، حتى تخلص أموالكم، فتؤدوا منها الزكاة)، قال كالبيهقي: ورواه البخاري في الصحيح عن أبي اليمان عن شعيب، وينكر على البيهقي هذا القول؛ لأن البخاري لم يذكره في صحيحه هكذا، وإنما ذكر عن السائب بن يزيد أنه سمع عثمان بن عفان على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم
يزد على هذا، ذكره في كتاب الاعتصام، في ذكر المنبر، كذا ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين عن البخاري، كما ذكرته، ومقصود البخاري به: إثبات المنبر، وكأن البيهقي أراد أن البخاري روى أصله، لا كله، والله أعلم.وأما حديث المغيرة: فرواه البيهقي في السنن الكبير بإسناد فيه ضعف يسير، وسمى في روايته مولى المغيرة، فقال: هو هنيد، يعني: - بضم الهاء - وهو هنيد الثقفي مولى المغيرة.
وأما الحديث الآخر: (فمن سئلها على حقها) فهو صحيح، في صحيح البخاري، لكن المصنف غيره هنا، وفي أول باب صدقة الإبل، وقد سبق بيانه هناك.
وقد جاءت أحاديث وآثار في هذا المعنى:
(منها): عن جرير بن عبد الله قال: (جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن أناسًا من المصدقين يأتونا فيظلموننا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرضوا مصدقيكم) رواه مسلم في صحيحه.
عن أنس رضي الله عنه (أن رجلًا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله ورسوله؟ فقال: نعم، إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها إلى الله ورسوله، ولك أجرها، وإثمها على من بدلها) رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده.
وعن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه قال: (اجتمع عندي نفقة فيها صدقة، يعني: بلغت نصاب الزكاة، فسألت سعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبا هريرة وأبا سعيد الخدري أن أقسمها، أو أدفعها إلى السلطان، فأمروني جميعًا أن أدفعها إلى السلطان، ما اختلف علي منهم أحد)، وفي رواية: فقلت لهم: (هذا السلطان يفعل ما ترون، فأدفع إليهم زكاتي؟ فقالوا كلهم: نعم، فادفعها) رواهما الإمام سعيد بن منصور في مسنده.
وعن جابر بن عتيك الصحابي رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (سيأتيكم ركب مبغضون، فإذا أتوكم فرحبوا بهم، وخلوا بينهم وبين ما يبتغون؛ فإن عدلوا فلأنفسهم، وإن ظلموا فعليها، وأرضوهم فإن تمام زكاتكم رضاهم، وليدعوا لكم) رواه أبو داود والبيهقي، وقال: إسناده مختلف.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (ادفعوا صدقاتكم إلى من ولاه الله أمركم، فمن بر فلنفسه، ومن أثم فعليها) رواه البيهقي بإسناد صحيح، أو حسن.
وعن قزعة مولي زياد بن أبيه أن ابن عمر قال: (ادفعوها إليهم، وإن شربوا بها الخمر) رواه البيهقي بإسناد صحيح، أو حسن.
قال البيهقي: وروينا في هذا عن جابر بن عبد الله وابن عباس وأبي هريرة، رضي الله عنهم.
ومما جاء في تفريقها بنفسه: ما رواه البيهقي بإسناد عن أبي سعيد المقبري - واسمه كيسان – قال: (جئت عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمائتي درهم، فقلت: يا أمير المؤمنين، هذه زكاة مالي، قال: وقد عتقت؟ قلت: نعم، قال: اذهب بها أنت، فاقسمها) والله أعلم.
وأما قول المصنف: (لأنه حق مال) فاحتراز من الصلاة ونحوها، وقوله: (لأنه مال للإمام فيه حق المطالبة) احتراز من دين الآدمي.
أما أحكام الفصل:
ففيه مسائل:
(إحداها): قال الشافعي والأصحاب رحمهم الله تعالى: للمالك أن يفرق زكاة ماله الباطن بنفسه، وهذا لا خلاف فيه، ونقل أصحابنا فيه إجماع المسلمين.
والأموال الباطنة: هي الذهب والفضة والركاز وعروض التجارة وزكاة الفطر، وفي زكاة الفطر وجه أنها من الأموال الظاهرة، حكاه صاحب البيان وجماعة، ونقله صاحب الحاوي عن الأصحاب، ثم اختار لنفسه أنها باطنة، وهذا هو المذهب، وبه قطع جمهور الأصحاب منهم القاضي أبو الطيب والمحاملي في كتابيه، وصاحب الشامل والبغوي وخلائق، وهو ظاهر نص الشافعي، وهو المشهور، وبه قطع الجمهور، ذكر أكثرهم المسألة في باب زكاة الفطر، قال أصحابنا: وإنما كانت عروض التجارة من الأموال الباطنة، وإن كانت ظاهرة؛ لكونها لا تعرف أنها للتجارة أم لا، فإن العروض لا تصير للتجارة إلا بشروط سبقت في بابها، والله أعلم.
وأما الأموال الظاهرة: وهي الزروع والمواشي والثمار والمعادن، ففي جواز تفريقها بنفسه قولان مشهوران، ذكرهما المصنف بدليلهما، (أصحهما) وهو الجديد: جوازه (والقديم): منعه، ووجوب دفعها إلى الإمام أو نائبه، وسواء كان الإمام عادلًا أو جائرًا يجب الدفع إليه على هذا القول؛ لأنه مع الجور نافذ الحكم، هذا هو المذهب، وبه قطع الجمهور، وحكى البغوي وغيره وجهًا أنه لا يجب الصرف إليه إن كان جائرًا على هذا القول، لكن يجوز، وحكى الحناطي والرافعي وجهًا أنه لا يجوز الدفع إلى الجائر مطلقًا، وبهذا الوجه جزم الماوردي في آخر باب نية الزكاة، قال: وسواء كان جائرًا في الزكاة وغيرها، أو جائرًا فيها يصرفها في غير مصارفها، عادلًا في غيرها، وهذا الوجه ضعيف جدًّا، بل غلط، وهو مردود بما سبق من الأحاديث والآثار، وكذا الوجه الذي حكاه البغوي ضعيفٌ أيضًا، قال أصحابنا: وعلى هذا القول القديم: لو فرق بنفسه لم يجزئه، وعليه دفعها ثانيًا إلى الإمام أو نائبه، قالوا: وعليه أن ينتظر بها مجيء الساعي، ويؤخرها ما دام يرجوه، فإذا أيس منه فرقها بنفسه، وأجزأته؛ لأنه موضع ضرورة.
(الثانية): له أن يوكل في صرف الزكاة التي له تفريقها بنفسه، فإن شاء وكل في الدفع إلى الإمام والساعي، وإن شاء في التفرقة على الأصناف، وكلاهما جائز بلا خلاف، وإنما جاز التوكيل في ذلك مع أنها عبادة؛ لأنها تشبه قضاء الديون، ولأنه قد تدعو الحاجة إلى الوكالة؛ لغيبة المال، وغير ذلك، قال أصحابنا: سواء وكله في دفعها من مال الموكل أو من مال الوكيل فهما جائزان بلا خلاف، قال البغوي في أول باب نية الزكاة: ويجوز أن يوكل عبدًا أو كافرًا في إخراج الزكاة، كما يجوز توكيله في ذبح الأضحية.
(الثالثة): له صرفها إلى الإمام والساعي، فإن كان الإمام عادلًا أجزأه الدفع إليه بالإجماع، وإن كان جائرًا أجزأه على المذهب الصحيح المشهور، ونص عليه الشافعي، وقطع به الجمهور، وفيه الوجه السابق عن الحناطي والماوردي.
(الرابعة): في بيان الأفضل، قال أصحابنا: تفريقه بنفسه أفضل من التوكيل بلا خلاف؛ لأنه على ثقة من تفريقه، بخلاف الوكيل، وعلى تقدير خيانة الوكيل لا يسقط الفرض عن المالك؛ لأن يده كيده، فما لم يصل المال إلى المستحقين لا تبرأ ذمة المالك، بخلاف دفعها إلى الإمام، فإنه بمجرد قبضه تسقط الزكاة عن المالك، قال الماوردي وغيره: وكذا الدفع إلى الإمام أفضل من التوكيل؛ لما ذكرناه.
وأما التفريق بنفسه والدفع إلى الإمام، ففي الأفضل منهما تفصيل، قال أصحابنا: إن كانت الأموال باطنة والإمام عادل، ففيها وجهان (أصحهما) عند الجمهور: الدفع إلى الإمام أفضل؛ للأحاديث السابقة، ولأنه يتيقن سقوط الفرض به، بخلاف تفريقه بنفسه، فقد يصادف غير مستحق، ولأن الإمام أعرف بالمستحقين، وبالمصالح، وبقدر الحاجات، وبمن أخذ قبل هذه المرة من غيره، ولأنه يقصد لها، وهذا الوجه قول ابن سريج وأبي إسحاق، قال المحاملي في المجموع والتجريد: هو قول عامة أصحابنا، وهو المذهب، وكذا قاله آخرون، قال الرافعي: هذا هو الأصح عند الجمهور من العراقيين وغيرهم، وبه قطع الصيدلاني وغيره، (والثاني): تفريقها بنفسه أفضل، وبه قطع البغوي، قال المصنف: وهو ظاهر النص، يعني: قول الشافعي في المختصر، وأحب أن يتولى الرجل قسمها بنفسه؛ ليكون على يقين من أدائها عنه، هذا نصه، وهو ظاهر فيما قاله المصنف، وتأوله الأكثرون القائلون بالأول على أن المراد أنه أولى من الوكيل، لا من الدفع إلى الإمام، وتعليله يؤيد هذا التأويل؛ لأن أداءها عنه يحصل بيقين بمجرد الدفع إلى الإمام، وإن جار فيها، لا إلى الوكيل، أما إذا كان الإمام جائرًا فوجهان، حكاهما المصنف والأصحاب (أحدهما): الدفع إليه أفضل؛ لما سبقن (وأصحهما): التفريق بنفسه أفضل؛ ليحصل مقصود الزكاة، هكذا صححه الرافعي والمحققون.
وأما الأموال الظاهرة: فظاهر كلام جماعة من العراقيين أنها على الخلاف، إذا جوزنا له تفريقها بنفسه، وصرح به الغزالي، ولكن المذهب أن دفعها إلى الأمام أفضل، وجهًا واحدًا؛ ليخرج من الخلاف، قال الرافعي: هذا هو المذهب، وبه قطع الجمهور، ونقل الماوردي الاتفاق عليه، فحصل في الأفضل أوجه، (أصحها): أن دفعها إلى الأمام أفضل إن كانت ظاهرة مطلقًا، أو باطنة وهو عادل، وإلا فتفريقها بنفسه أفضل، (والثاني): بنفسه أفضل مطلقًا، (والثالث): الدفع إليه مطلقًا، (والرابع): الدفع إلى العادل أفضل وبنفسه أفضل من الجائر، (والخامس): في الظاهرة الدفع أفضل، والباطنة بنفسه، (والسادس): لا يجوز الدفع إلى الجائر.
الموسوعة الفقهية الكويتية-- وزارة الأوقاف الكويتية- (23/ 344)
استيعاب الأصناف الثمانية في زكاة الفطر:
مصارف زكاة الفطر:
14- اختلف الفقهاء فيمن تصرف إليه زكاة الفطر، على ثلاثة آراء:
ذهب الجمهور إلى جواز قسمتها على الأصناف الثمانية التي تصرف فيها زكاة المال، وينظر مصطلح: (زكاة).
وذهب المالكية - وهي رواية عن أحمد - واختارها ابن تيمية، إلى تخصيص صرفها بالفقراء والمساكين.
وذهب الشافعية إلى وجوب قسمتها على الأصناف الثمانية، أو من وجد منهم.
المغني لابن قدامة (4/ 127 : 126)
استيعاب الأصناف الثمانية في زكاة الفطر:
مسألة: قال: (وإن أعطاها كلها في صنف واحد، أجزأه إذا لم يخرجه إلى الغنى).
وجملته: أنه يجوز أن يقتصر على صنف واحد من الأصناف الثمانية، ويجوز أن يعطيها شخصًا واحدًا، وهذا قول عمر، وحذيفة، وابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، والحسن، والنخعي، وعطاء، وإليه ذهب الثوري، وأبو عبيد وأصحاب الرأي.
وروي عن النخعي أنه قال: إن كان المال كثيرًا يحتمل الأصناف، قسمه عليهم، وإن كان قليلًا، جاز وضعه في صنف واحد.
وقال مالك: يتحرى موضع الحاجة منهم، ويقدم الأولى فالأولى.
وقال عكرمة، والشافعي: يجب أن يقسم زكاة كل صنف من ماله، على الموجودين من الأصناف الستة الذين سهمانهم ثابتة، قسمة على السواء، ثم حصة كل صنف منهم، لا تصرف إلى أقل من ثلاثة منهم، إن وجد منهم ثلاثة أو أكثر، فإن لم يجد إلا واحدًا، صرف حصة ذلك الصنف إليه.
وروى الأثرم عن أحمد كذلك، وهو اختيار أبي بكر؛ لأن الله تعالى جعل الصدقة لجميعهم، وشرك بينهم فيها، فلا يجوز الاقتصار على بعضهم كأهل الخمس.
ولنا: قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: "أعلمهم أن عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم، فترد في فقرائهم"، فأخبر أنه مأمور برد جملتها في الفقراء، وهم صنف واحد، ولم يذكر سواهم، ثم أتاه بعد ذلك مال، فجعله في صنف ثان سوى الفقراء، وهم المؤلفة؛ الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، وعلقمة بن علاثة، وزيد الخيل، قسم فيهم الذهيبة التي بعث بها إليه علي من اليمن، وإنما يؤخذ من أهل اليمن الصدقة، ثم أتاه مال آخر، فجعله في صنف آخر؛ لقوله لقبيصة بن المخارق حين تحمل حمالة، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله، فقال: "أقم يا قبيصة، حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها"، وفي حديث سلمة بن صخر البياضي، أنه أمر له بصدقة قومه، ولو وجب صرفها إلى جميع الأصناف لم يجز دفعها إلى واحد، ولأنها لا يجب صرفها إلى جميع الأصناف إذا أخذها الساعي، فلم يجب دفعها إليهم إذا فرقها المالك، كما لو لم يجد إلا صنفًا واحدًا، ولأنه لا يجب عليه تعميم أهل كل صنف بها، فجاز الاقتصار على واحد، كما لو وصى لجماعة لا يمكن حصرهم، ويخرج على هذين المعنيين الخمس، فإنه يجب على الإمام تفريقه على جميع مستحقيه، واستيعاب جميعهم به بخلاف الزكاة، والآية أريد بها بيان الأصناف الذين يجوز الدفع إليهم، دون غيرهم.
إذا ثبت هذا، فإن المستحب صرفها إلى جميع الأصناف، أو إلى من أمكن منهم؛ لأنه يخرج بذلك عن الخلاف، ويحصل الإجزاء يقينًا، فكان أولى.
المجموع شرح المهذب (6/ 185 : 187)
استيعاب الأصناف الثمانية في زكاة الفطر:
ويجب صرف جميع الصدقات إلى ثمانية أصناف، وهم الفقراء والمساكين والعاملون عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغارمون وفى سبيل الله وابن السبيل.
وقال المزني وأبو حفص البابشامي: يصرف خمس الركاز الي من يصرف إليه خمس الفيء والغنيمة؛ لأنه حق مقدر بالخمس فأشبه خمس الفيء والغنيمة.
وقال أبو سعيد الإصطخري: تصرف زكاة الفطر إلى ثلاثة من الفقراء؛ لأنه قدر قليل، فإذا قسم علي ثمانية أصناف لم يقع ما يدفع إلى كل واحد منهم موقعًا من الكفاية، والمذهب: الأول، والدليل عليه قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ)، فأضاف جميع الصدقات إليهم بلام التمليك، وأشرك بينهم بواو التشريك، فدل على أنه مملوك لهم مشترك بينهم.
الشرح:
قال الشافعي والأصحاب رحمهم الله: إن كان مفرق الزكاة هو المالك أو وكيله سقط نصيب العامل ووجب صرفها إلى الأصناف السبعة الباقين إن وجدوا، وإلا فالموجود منهم، لا يجوز ترك صنف منهم مع وجوده، فإن تركه ضمن نصيبه، وهذا لا خلاف فيه، إلا ما سيأتي إن شاء الله تعالى في المؤلفة من الخلاف.
وبمذهبنا في استيعاب الأصناف قال عكرمة وعمر بن عبد العزيز والزهري وداود.
وقال الحسن البصري وعطاء وسعيد بن جبير والضحاك والشعبي والثوري ومالك وأبو حنيفة وأحمد وأبو عبيد: له صرفها إلى صنف واحد.
قال ابن المنذر وغيره: وروي هذا عن حذيفة وابن عباس.
قال أبو حنيفة: وله صرفها إلى شخص واحد من أحد الأصناف.
وقال مالك: ويصرفها إلى أمسهم حاجة.
وقال إبراهيم النخعي: إن كانت قليلة جاز صرفها إلى صنف، وإلا وجب استيعاب الأصناف، وحمل أبو حنيفة وموافقوه الآية الكريمة على التخيير في هذه الأصناف، قالوا: ومعناها: لا يجوز صرفها إلى غير هذه الأصناف، وهو فيهم مخير.
واحتج أصحابنا بما ذكره المصنف، وقد أجمعوا على أنه لو قال: هذه الدنانير لزيد وعمرو وبكر، قسمت بينهم، فكذا هنا.
وأما خمس الركاز: فالمشهور وجوب صرفه في مصرف باقي الزكوات، وقال المزني وأبو حفص: يصرف مصرف خمس الفيء والغنيمة، وبه قال أبو حنيفة، وسبق بيانه في باب زكاة المعدن.
وأما زكاة الفطر: فمذهب الشافعي وجمهور أصحابه: وجوب صرفها إلى الأصناف كلهم كباقي الزكوات، وقال الإصطخري: يجوز صرفها إلى ثلاثة من الفقراء، ودليلهما في الكتاب، واختلف أصحابنا في تحقيق مذهب الإصطخري، فقال المصنف: تصرف إلى ثلاثة من الفقراء، واتفق أصحابنا على أن الإصطخري قال: يجوز صرفها إلى ثلاثة من الفقراء أو من المساكين، واختلفوا في جواز الصرف عنده إلى ثلاثة من صنف غير الفقراء والمساكين، فحكى عنه الجمهور جواز صرفها إلى ثلاثة من أي صنف كان، وممن صرح بهذا عنه: الماوردي والقاضي أبو الطيب والسرخسي وصاحب البيان وآخرون، وقال المحاملي في كتابيه المجموع والتجريد والمتولي بصرفها عنده إلى ثلاثة من الفقراء دون غيرهم، وصرح المتولي بأنه لا يسقط الفرض عنده بالدفع إلى ثلاثة من غير الفقراء والمساكين، قال السرخسي: جوز الإصطخري صرفها إلى ثلاثة أنفس من صنف، أو من أصناف مختلفة، قال: وشرط الإصطخري في الاقتصار على ثلاثة أن يفرقها المزكي بنفسه، قال: فإن دفعها إلى الإمام أو الساعي لزم الإمام والساعي تعميم الأصناف؛ لأنها تكثر في يده، فلا يتعذر التعميم، وشرط مالك صرفها إلى ثلاثة من الفقراء خاصة، هذا كلام السرخسي، واختار الروياني في الحلية قول الإصطخري، وحكى عن جماعة من أصحابنا اختياره، قال الرافعي: ورأيت بخط الفقيه أبي بكر بن بدران أنه سمع أبا إسحاق الشيرازي يقول في اختياره ورأيه: إنه يجوز صرف زكاة الفطر إلى شخص واحد، والمشهور في المذهب: وجوب استيعاب الأصناف، ورد أصحابنا مذهب الإصطخري وقوله: إنها قليلة بأنه يمكنه جمعها مع زكاة غيره فتكثر، قالوا: وينتقض قوله أيضًا بمن لزمه جزء من حيوان بأن تلف معظم النصاب بعد الحول وقبل التمكن، وكذا لو لزمه نصف دينار عن عشرين مثقالًا فإنه يلزمه صرفه إلى الأصناف، ووافق عليه الإصطخري، والله أعلم.
هذا كله إذا فرق الزكاة رب المال أو وكيله، فأما إذا فرق الإمام أو الساعي فيلزمه صرف الفطرة وزكاة الأموال إلى الأصناف الموجودين، ولا يجوز ترك صنف منهم بلا خلاف، لكن يجوز أن يصرف زكاة رجل واحد إلى شخص واحد، وزكاة شخصين أو أكثر إلى شخص واحد، بشرط أن لا يترك صنفًا، ولا يرجح صنفًا على صنف، وسنوضحه فيما بعد إن شاء الله تعالى.