الموسوعة الفقهية الكويتية- وزارة الأوقاف الكويتية- (23/ 312)
القسم الخامس: مصارف الزكاة:
156- مصارف الزكاة محصورة في ثمانية أصناف، والأصناف الثمانية قد نص عليها القرآن الكريم في قوله تعالى: { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } .
و"إنما" التي صدرت بها الآية: أداة حصر، فلا يجوز صرف الزكاة لأحد، أو في وجه غير داخل في هذه الأصناف، وقد أكد ذلك ما ورد "أن رسول الله أتاه رجل، فقال: أعطني من الصدقة، فقال: إن الله تعالى لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك".ومن كان داخلًا في هذه الأصناف فلا يستحق من الزكاة إلا بأن تنطبق عليه شروط معينة تأتي بعد بيان الأصناف.
بيان الأصناف الثمانية:
الصنفان الأول والثاني: الفقراء والمساكين:157- الفقراء والمساكين هم أهل الحاجة الذين لا يجدون ما يكفيهم، وإذا أطلق لفظ (الفقراء)، وانفرد دخل فيهم (المساكين)، وكذلك عكسه، وإذا جمع بينهما في كلام واحد، كما في آية مصارف الزكاة، تميز كل منهما بمعنى.
وقد اختلف الفقهاء في أيهما أشد حاجة،
فذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الفقير أشد حاجة من المسكين، واحتجوا بأن الله تعالى قدم ذكرهم في الآية، وذلك يدل على أنهم أهم وبقوله تعالى: { أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ } ، فأثبت لهم وصف المسكنة، مع كونهم يملكون سفينة، ويحصلون نولًا، واستأنسوا لذلك أيضًا بالاشتقاق، فالفقير لغة: فعيل بمعنى مفعول، وهو من نزعت بعض فقار صلبه، فانقطع ظهره والمسكين مفعيل من السكون، ومن كسر صلبه أشد حالًا من الساكن.
وذهب الحنفية والمالكية إلى أن المسكين أشد حاجة من الفقير، واحتجوا بأن الله تعالى قال: { أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ } ، وهو المطروح على التراب لشدة جوعه، وبأن أئمة اللغة قالوا ذلك، منهم: الفراء، وثعلب، وابن قتيبة، وبالاشتقاق أيضًا، فهو من السكون، كأنه عجز عن الحركة فلا يبرح.
ونقل الدسوقي قولًا أن الفقير والمسكين صنف واحد، وهو من لا يملك قوت عامه، سواء كان لا يملك شيئًا، أو يملك أقل من قوت العام .واختلف الفقهاء في حد كل من الصنفين:
فقال الشافعية والحنابلة: الفقير من لا مال له ولا كسب يقع موقعًا من حاجته، كمن حاجته عشرة، فلا يجد شيئًا أصلًا، أو يقدر بماله وكسبه وما يأتيه من غلة وغيرها على أقل من نصف كفايته، فإن كان يجد النصف أو أكثر ولا يجد كل العشرة فمسكين.
وقال الحنفية والمالكية: المسكين من لا يجد شيئًا أصلًا، فيحتاج للمسألة، وتحل له.
واختلف قولهم في الفقير:
فقال الحنفية: الفقير من له أدنى شيء، وهو ما دون النصاب، فإذا ملك نصابًا من أي مال زكوي فهو غني لا يستحق شيئًا من الزكاة، فإن ملك أقل من نصاب فهو غير مستحق، وكذا لو ملك نصابًا غير نام، وهو مستغرق في الحاجة الأصلية، فإن لم يكن مستغرقًا منع، كمن عنده ثياب تساوي نصابًا لا يحتاجها، فإن الزكاة تكون حرامًا عليه، ولو بلغت قيمة ما يملكه نصابًا، فلا يمنع ذلك كونه من المستحقين للزكاة، إن كانت مستغرقة بالحاجة الأصلية، كمن عنده كتب يحتاجها للتدريس، أو آلات حرفة، أو نحو ذلك.
وقال المالكية: الفقير من يملك شيئًا لا يكفيه لقوت عامه.
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
مِن مصارف الزَّكاة: الفقراءُ والمساكينُ
الأدلَّة:
أوَّلًا: مِنَ الكِتابِ
1- قال الله تعالى: { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } [التوبة: 60].
2- قال الله تعالى: إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ(. [البقرة: 271].
ثانيًا: من السُّنَّة
عن ابنِ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عنهما، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم بعَث معاذًا إلى اليَمَنِ، وقال له: (أعْلِمْهُم أنَّ عليهم صَدَقةً تُؤخَذُ مِن أغْنيائِهم، وتُرَدُّ على فُقرائِهم).
ثالثًا: مِنَ الإجماعِ
نقَل الإجماعَ على ذلك في الجُملة: ابنُ المُنْذِر، وابنُ حزم، وابنُ العربيِّ.الفقيرُ والمسكينُ صِنفانِ مُستقلَّانِ:
وهذا باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقهيَّةِ الأربَعةِ: الحنفيَّة، والمالكيَّة، والشَّافعيَّة، والحَنابِلَة، وهو مذهَبُ الظَّاهِريَّةِ
الدَّليلُ مِنَ الكتابِ:
قال الله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ). [التوبة: 60].
وجه الدَّلالة:
أنَّ الله تعالى فرَّقَ بينهما, ولا يجوزُ أن يُقالَ في شيئينِ فرَّقَ اللهُ تعالى بينهما: إنَّهما شيءٌ واحدٌ, إلا بنصٍّ أو إجماعٍ، أو ضرورةِ حِسٍّ.الفقيرُ أشدُّ حاجةً مِنَ المِسكينِ:
وهذا مذهَبُ الشافعيَّة، والحَنابِلَة، وقَولٌ للمالكيَّةِ، واختاره ابنُ حزمٍ، وابنُ باز، وابنُ عُثيمين.
الأدلَّة:
أوَّلًا: مِنَ الكِتابِ1- قال الله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ). [التوبة: 60].
وجه الدَّلالة:
بداءةُ اللهِ بهم، وإنما يبدأُ بالأهمِّ فالأهَمِّ.2- قال الله تعالى: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ). [الحشر: 8].
وجه الدَّلالة:
أنَّ الآيةَ تُفيدُ أنَّ الفقيرَ هو الذي لا مالَ له أصلًا; لأنَّ اللهَ تعالى أخبَرَ أنَّهم أُخرِجوا مِن ديارِهم وأموالِهم، ولا يجوزُ أن يُحمَلَ ذلك على بعضِ أموالِهم.3- قال اللهُ تعالى: (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ). [الكهف: 79].
وجه الدَّلالة:
أنَّه أخبَرَ أنَّ لهم سفينةً يعملونَ فيها، فدلَّ على أنَّ المسكينَ ليس مُعدِمًا، وإنَّما له شيءٌ لا يَكفيه، فدلَّ على الفرْقِ بينه وبين الفَقيرِ المُعدِمِ.
ثانيًا: من السُّنَّة
عن أبي هُرَيرَة رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: (ليس المِسكينُ الذي ترُدُّه الأُكلةُ والأُكلتانِ، ولكنَّ المِسكينَ الذي ليس له غِنًى ويستحيي، أو لا يسألُ النَّاسَ إلحافًا).
وجه الدَّلالة:
أنَّ الحديثَ يدلُّ على أنَّ المسكينَ هو الذي لا يجِد غِنًى، إلَّا أنَّ له شيئًا لا يقومُ له, فهو يصبِر ويَنطوي, وهو محتاجٌ، ولا يسألُ.
ثالثًا: أنَّ الاشتقاقَ اللُّغويَّ يدلُّ على أنَّ الفقيرَ أسوأُ حالًا مِنَ المسكينِ؛ فالفقير يُطلَقُ على مَن نُزِعَت فِقرةُ ظَهرِه فانقطَعَ صُلبُه، أمَّا المسكينُ فهو مِنَ السُّكونِ، وهو الذي أسكنَتْه الحاجةُ.
السَّائِلُ الطَّوَّافُ المحتاجُ مِسكينٌ.
الدَّليلُ مِنَ الإجماعِ:
نقل الإجماعَ على ذلك ابنُ عبدِ البَرِّ، والعِراقيُّ.
المغني لابن قدامة (9/ 306)
1086- مسألة: قال: (الفقراء، وهم الزمنى، والمكافيف الذين لا حرفة لهم، والحرفة الصناعة، ولا يملكون خمسين درهمًا، ولا قيمتها من الذهب، والمساكين، وهم السؤّال، وغير السؤّال، ومن لهم الحرفة، إلا أنهم لا يملكون خمسين درهمًا، ولا قيمتها من الذهب).
الفقراء والمساكين صنفان في الزكاة، وصنف واحد في سائر الأحكام؛ لأن كل واحد من الاسمين ينطلق عليهما، فأما إذا جمع بين الاسمين، وميز بين المسميين تمييزًا، وكلاهما يشعر بالحاجة والفاقة وعدم الغنى، إلا أن الفقير أشد حاجة من المسكين، من قبل أن الله تعالى بدأ به، وإنما يبدأ بالأهم فالأهم، وبهذا قال الشافعي، والأصمعي.
وذهب أبو حنيفة إلى أن المسكين أشد حاجة، وبه قال الفراء، وثعلب، وابن قتيبة؛ لقول الله تعالى: { أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ } ، وهو المطروح على التراب؛ لشدة حاجته، وأنشدوا:
أما الفقير الذي كانت حلوبته *** وفق العيال فلم يترك له سبد
فأخبر أن الفقير حلوبته وفق عياله.
ولنا: أن الله تعالى بدأ بالفقراء، فيدل على أنهم أهم، وقال تعالى: { أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ } ، فأخبر أن المساكين لهم سفينة يعملون بها، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم أحيني مسكينًا، وأمتنى مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين"، وكان يستعيذ من الفقر، ولا يجوز أن يسأل الله تعالى شدة الحاجة، ويستعيذ من حالة أصلح منها، ولأن الفقر مشتق من فقر الظهر، فعيل بمعنى مفعول، أي: مفقود، وهو الذي نزعت فقرة ظهره، فانقطع صلبه، قال الشاعر:
لما رأى لبد النسور تطايرت ** رفع القوادم كالفقير الأعزل
أي: لم يطق الطيران، كالذي انقطع صلبه. والمسكين مفعيل من السكون، وهو الذي أسكنته الحاجة، ومن كسر صلبه أشد حالًا من الساكن، فأما الآية فهي حجة لنا، فإن نعت الله تعالى للمسكين بكونه ذا متربة، يدل على أن هذا النعت لا يستحقه بإطلاق اسم المسكنة، كما يقال: ثوب ذو علم، ويجوز التعبير بالمسكين عن الفقير، بقرينة وبغير قرينة، والشعر أيضًا حجة لنا، فإنه أخبر أن الذي كانت حلوبته وفق العيال، لم يترك له سبد، فصار فقيرًا لا شيء له.إذا تقرر هذا، فالفقير الذي لا يقدر على كسب ما يقع موقعًا من كفايته، ولا له من الأجرة أو من المال الدائم ما يقع موقعًا من كفايته، ولا له خمسون درهمًا، ولا قيمتها من الذهب، مثل الزمنى والمكافيف، وهم العميان، سموا بذلك؛ لكف أبصارهم؛ لأن هؤلاء في الغالب لا يقدرون على اكتساب ما يقع موقعًا من كفايتهم، وربما لا يقدرون على شيء أصلًا، قال الله تعالى: { لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا } . ومعنى قولهم: يقع موقعًا من كفايتهم: أنه يحصل به معظم الكفاية، أو نصف الكفاية، مثل من يكفيه عشرة، فيحصل له من مكسبه أو غيره خمسة فما زاد، والذي لا يحصل له إلا ما لا يقع موقعًا من كفايته، كالذي لا يحصل له إلا ثلاثة أو دونها، فهذا هو الفقير، والأول، هو المسكين، فيعطى كل واحد منهما ما يتم به كفايته، وتنسد به حاجته؛ لأن المقصود دفعها، وإغناء صاحبها، ولا يحصل إلا بذلك، والذي يسأل ويحصل الكفاية أو معظمها من مسألته، فهو من المساكين، لكنه يعطى جميع كفايته، ويغني عن السؤال.
فإن قيل: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس المسكين بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان، ولكن المسكين الذي لا يسأل الناس، ولا يفطن له فيتصدق عليه" . قلنا: هذا تجوّز، وإنما نفى المسكنة عنه مع وجودها فيه حقيقة، مبالغة في إثباتها في الذي لا يسأل الناس، كما قال عليه السلام: "ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يغلب نفسه عند الغضب"، وقال: "ما تعدون الرقوب فيكم؟ قالوا: الذي لا يعيش له ولد. قال: "لا، ولكن الرقوب الذي لم يقدم من ولده شيئًا"، وقال: "ما تعدون المفلس فيكم؟ قالوا: الذي لا درهم له ولا متاع. قال: "لا، ولكن المفلس الذي يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، ويأتي وقد ظلم هذا، ولطم هذا، وأخذ من عرض هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، حتى إذا نفدت حسناته، أخذ من سيئاتهم، فطرحت عليه، ثم يصك له صك إلى النار".
المجموع شرح المهذب (6/ 189 : 191)
قال المصنف رحمه الله: وسهم للفقراء، والفقير: هو الذي لا يجد ما يقع موقعًا من كفايته، فيدفع إليه ما تزول به حاجته، من أداة يعمل بها إن كان فيه قوة، أو بضاعة يتجر فيها، حتى لو احتاج إلى مال كثير للبضاعة التي تصلح له، ويحسن التجارة فيه، وجب أن يدفع إليه، وإن عرف لرجل مال وادعى أنه افتقر لم يقبل منه إلا ببينة؛ لأنه ثبت غناه، فلا تقبل دعوى الفقر إلا ببينة، كما لو وجب عليه دين آدمي، وعرف له مال، فادعى الإعسار، فإن كان قويًّا، وادعى أنه لا كسب له أُعطي؛ لما روى عبيد الله بن عبد الله بن الخيار، أن رجلين سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدقة، فصعد بصره إليهما وصوب، ثم قال: أعطيكما بعد أن أعلمكما أنه لا حظ فيها لغني ولا قوي مكتسب".
وهل يحلف؟ فيه وجهان: (أحدهما): لا يحلف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحلف الرجلين، (والثاني): يحلف؛ لأن الظاهر أنه يقدر على الكسب مع القوة.
الشرح:
هذا الحديث صحيح، رواه أبو داود والنسائي وغيرهما بأسانيد صحيحة، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، قال: أخبرني رجلان أنهما أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، وهو يقسم الصدقة، فسألاه منها، فرفع فينا البصر وخفضه، فرآنا جلدين، فقال: "إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب"، هذا لفظ إسناد الحديث ومتنه في كتاب السنن.
وقوله: (جلدين) بفتح الجيم أي: قويين، ووقع في أكثر نسخ المهذب: عبيد الله بن عبد الله بن الخيار، ووقع في بعضها: عبيد الله بن عدي بن الخيار، وهذا الثاني هو الصواب، والأول غلط صريح، وهو عبيد الله بن عدي بن الخيار - بكسر الخاء المعجمة، وبعدها ياء مثناة من تحت - بن نوفل بن عبد مناف بن قصي، وهذا لا خلاف فيه ببن العلماء من جميع الطوائف، وكذا هذا في سنن أبي داود والنسائي والبيهقي، وغيرهما من كتب الحديث، وينكر على المصنف فيه شيء آخر، وهو أنه قال: عن عبيد الله، أن رجلين سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبيد الله تابعي، فجعل الحديث مرسلًا، وهو غلط، بل الحديث متصل عن عبيد الله عن الرجلين كما ذكرناه، هكذا هو في جميع كتب الحديث، والرجلان صحابيان، لا تضر جهالة عينها؛ لأن الصحابة كلهم عدول.
وقوله: (صعد بصره) هو بتشديد العين أي: رفعه، وقوله: (وصوبه) أي: خفضه.
وقوله في أول الفصل: (من أداة يعمل بها) هي بفتح الهمزة، وبدال مهملة، وهي الآلة.
أما الأحكام:
ففيه مسائل:
(إحداها): في حقيقة الفقير الذي يستحق سهمًا في الزكاة.
قال الشافعي والأصحاب: هو الذي لا يقدر على ما يقع موقعًا من كفايته، لا بمال ولا بكسب، وشرحه الأصحاب فقالوا: هو من لا مال له، ولا كسب أصلًا، أو له ما لا يقع موقعًا من كفايته، فإن لم يملك إلا شيئًا يسيرًا بالنسبة إلى حاجته، بأن كان يحتاج كل يوم إلى عشرة دراهم، وهو يملك درهمين أو ثلاثة كل يوم، فهو فقير؛ لأن هذا القدر لا يقع موقعًا من الكفاية، قال البغوي وآخرون: ولو كان له دار يسكنها أو ثوب يلبسه متجملًا به، فهو فقير، ولا يمنع ذلك فقره؛ لضرورته إليه، قال الرافعي: ولم يتعرضوا لعبده الذي يحتاج إليه للخدمة، وهو في سائر الأصول ملحق بالمسكن، قلت: قد صرح ابن كج في كتابه التجريد بأن العبد الذي يحتاج إليه للخدمة كالمسكن، وأنهما لا يمنعان أخذه الزكاة؛ لأنهما مما يحتاج إليه كثيابه، قال الرافعي: ولو كان عليه دين فيمكن أن يقال: القدر الذي يؤدي به الدين لا حكم لوجوده، ولا يمنع الاستحقاق من سهم الفقراء، كما لا اعتبار به في وجوب نفقة القريب، قال: وفي فتاوى البغوي: أنه لا يعطى سهم الفقراء حتى يصرف ما عنده إلى الدين، قال البغوي: يجوز أخذ الزكاة لمن ماله على مسافة القصر، إلى أن يصل ماله، قال: ولو كان له دين مؤجل فله أخذ كفايته إلى حلول الأجل، قال الرافعي: وقد يتردد الناظر في اشتراطه مسافة القصر.
وأما الكسب: فقال أصحابنا: يشترط في استحقاقه سهم الفقراء: أن لا يكون له كسب يقع موقعًا من كفايته، كما ذكرنا في المال، ولا يشترط العجز عن أصل الكسب، قالوا: والمعتبر كسب يليق بحاله ومروءته.
وأما ما لا يليق به: فهو كالمعدوم، قالوا: ولو قدر على كسب يليق بحاله، إلا أنه مشتغل بتحصيل بعض العلوم الشرعية، بحيث لو أقبل على الكسب لانقطع عن التحصيل حلت له الزكاة؛ لأن تحصيل العلم فرض كفاية.
وأما من لا يتأنى منه التحصيل: فلا تحل له الزكاة إذا قدر على الكسب، وإن كان مقيمًا بالمدرسة، هذا الذي ذكرناه هو الصحيح المشهور، وذكر الدارمي في المشتغل بتحصيل العلم ثلاثة أوجه: (أحدها): يستحق، وإن قدر على الكسب، (والثاني): لا، (والثالث): إن كان نجيبًا يرجى تفقهه ونفْع المسلمين به استحق، وإلا فلا، ذكرها الدارمي في باب صدقة التطوع.
وأما من أقبل على نوافل العبادات: والكسب يمنعه منها، أو من استغراق الوقت بها، فلا تحل له الزكاة بالاتفاق؛ لأن مصلحة عبادته قاصرة عليه، بخلاف المشتغل بالعلم، قال أصحابنا: وإذا لم يجد الكسوب من يستعمله حلت له الزكاة؛ لأنه عاجز.