موسوعة الفقه الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (2/ 139 ، 140).
ج- إرداف الحج على العمرة بعد السعي للعمرة قبل الحلق لا يجوز الإقدام عليه ابتداء؛ لأنه يستلزم تأخير الحلق.
فإن أقدم على إرداف الإحرام في هذا الحال فإن إحرامه صحيح، وهذا حج مستأنف، ويحرم عليه الحلق للعمرة؛ لإخلاله بإحرام الحج، ويلزمه هدي لتأخير حلق العمرة الذي وجب عليه بسبب إحرامه بالحج، ولا يكون قارنًا ولا متمتعًا، إن أتم عمرته قبل أشهر الحج، بل يكون مفردًا.
وإن فعل بعض ركنها في وقت الحج يكون متمتعًا، ولو قدم الحلق بعد إحرامه بالحج وقبل فراغه من أعمال الحج فلا يفيده في سقوط الهدي، ولا بد من الهدي، وعليه حينئذ فدية أيضًا، وهي فدية إزالة الأذى عند المالكية.
ومذهب الشافعية والحنابلة: أنه لا يصح إدخال الحج على العمرة بعد الطواف؛ لما ذكرنا من العلة في الصورة السابقة، وبعد السعي لا يصح من باب أولى.
إلا أن الحنابلة استثنوا من كان معه هدي، فقالوا: "يصح إدخال الحج على العمرة ممن معه هدي، ولو بعد سعيها، بل يلزمه كما يأتي؛ لأنه مضطر إليه لقوله تعالى: { وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ } ، ويصير قارنًا على المذهب.
وقال في الفروع وشرح المنتهى في موضع آخر: لا يصير قارنًا، ولو كان إدخال الحج على العمرة في غير أشهر الحج يصح على المذهب؛ لصحة الإحرام به قبلها عند الحنابلة.
المغني - ابن قدامة - (3/ 512).
إدخال العمرة على الحج، وبالعكس:
مسألة: قال: (والمرأة إذا دخلت متمتعة فحاضت، فخشيت فوات الحج أهلَّتْ بالحج، وكانت قارنة، ولم يكن عليها قضاء طواف القدوم).
وجملة ذلك: أن المتمتعة إذا حاضت قبل الطواف للعمرة لم يكن لها أن تطوف بالبيت؛ لأن الطواف بالبيت صلاة، ولأنها ممنوعة من دخول المسجد، ولا يمكنها أن تحل من عمرتها ما لم تطف بالبيت، فإن خشيت فوات الحج أحرمت بالحج من عمرتها وتصير قارنة، وهذا قول مالك والأوزاعي والشافعي وكثير من أهل العلم.
وقال أبو حنيفة: ترفض العمرة وتهل بالحج، قال أحمد: قال أبو حنيفة: قد رفضت العمرة فصار حجًّا، وما قال هذا أحد غير أبي حنيفة، واحتج بما روى عروة، عن عائشة، قالت: أهللنا بعمرة فقدمت مكة وأنا حائض ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "انقضي رأسك، وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة، قالت: ففعلت، فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم، فاعتمرت معه، فقال: "هذه عمرة مكان عمرتك" متفق عليه، وهذا يدل على أنها رفضت عمرتها، وأحرمت بحج من وجوه ثلاثة أحدها: قوله: "دعي عمرتك"، والثاني: قوله: "وامتشطي"، والثالث: قوله: "هذه عمرة مكانك عمرتك".
ولنا: ما روى جابر، قال: أقبلت عائشة بعمرة، حتى إذا كانت بسرف عركت، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة، فوجدها تبكي، فقال: ما شأنك؟ قالت: شأني أني قد حضت، وقد حل الناس ولم أحل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن، فقال: "إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي ثم أهلي بالحج"، ففعلت، ووقفت المواقف، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وبالصفا والمروة، ثم قال: "قد حللت من حجك وعمرتك"، قالت: يا رسول الله، إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت، قال: فاذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم، وروى طاوس عن عائشة، أنها قالت: أهللت بعمرة فقدمت ولم أطف حتى حضت ونسكت المناسك كلها، وقد أهللت بالحج، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم يوم النفر: "يسعك طوافك لحجك وعمرتك"، فأبت فبعث معها عبد الرحمن بن أبي بكر فأعمرها من التنعيم"، رواهما مسلم، وهما يدلان على ما ذكرنا جميعه، ولأن إدخال الحج على العمرة جائز بالإجماع من غير خشية الفوات، فمع خشية الفوات أولى.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عه من أهل العلم أن لمن أهل بعمرة أن يدخل عليها الحج ما لم يفتتح الطواف بالبيت، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم من كان معه هدي في حجة الوداع أن يهل بالحج مع العمرة، ومع إمكان الحج مع بقاء العمرة، ولا يجوز رفضها؛ لقول الله تعالى: { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } ، ولأنها متمكنة من إتمام عمرتها بلا ضرر، فلم يجز رفضها كغير الحائض.
فأما حديث عروة: فإن قوله: "انقضي رأسك وامتشطي ودعي العمرة" انفرد به عروة، خالف به سائر من روى عن عائشة حين حاضت، وقد روي عن طاوس والقاسم والأسود وعمرة وعائشة، ولم يذكروا ذلك وحديث جابر وطاوس مخالفان لهذه الزيادة، وقد روى حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة حديث حيضها، فقال فيه: حدثني غير واحد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: "دعي العمرة، وانقضي رأسك وامتشطي"، وذكر تمام الحديث، وهذا يدل على أن عروة لم يسمع هذه الزيادة من عائشة، وهو مع ذكرنا من مخالفته بقية الرواة يدل على الوهم، مع مخالفتها الكتاب والأصول؛ إذ ليس لنا موضع آخر يجوز فيه رفض العمرة مع إمكان إتمامها، ويحتمل أن قوله: "دعي العمرة" أي: دعيها بحالها، وأهلِّي بالحج معها، أو دعي أفعال العمرة، فإنها تدخل في أفعال الحج.
وأما إعمارها من التنعيم: فلم يأمرها به النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما قالت له صلى الله عليه وسلم: إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت، قال: فاذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم، وروى الأثرم بإسناده عن الأسود عن عائشة، قلت: اعتمرت بعد الحج؟ قالت: والله ما كانت عمرة، ما كانت إلا زيارة، زرت البيت، إنما هي مثل نفقتها، قال أحمد: إنما أعمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة حين ألحت عليه، فقالت: يرجع الناس بنسكين، وأرجع بنسك؟ فقال: يا عبد الرحمن، أعمرها، فنظر إلى أدنى الحرم فأعمرها منه.
وقول الخرقي: "ولم يكن عليها قضاء طواف القدوم"؛ وذلك لأن طواف القدوم سنة، لا يجب قضاؤها، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة بقضائه، ولا فعلته هي.
فصل:
وكل متمتع خشي فوات الحج فإنه يحرم بالحج، ويصير قارنًا، وكذلك المتمتع الذي معه هدي فإنه لا يحل من عمرته، بل يهلُّ بالحج معها، فيصير قارنًا، ولو أدخل الحج على العمرة قبل الطواف من غير خوف الفوات جاز، وكان قارنًا بغير خلاف، وقد فعل ذلك ابن عمر، ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فأما بعد الطواف فليس له ذلك، ولا يصير قارنًا، وبهذا قال الشافعي وأبو ثور، وروي عن عطاء.
وقال مالك: يصير قارنًا، وحكي ذلك عن أبي حنيفة؛ لأنه أدخل الحج على إحرام العمرة، فصح كما قبل الطواف.
ولنا: أنه شارع في التحلل من العمرة، فلم يجز إدخال الحج عليها، كما لو سعى بين الصفا والمروة.