الموسوعة الفقهية الكويتية- وزارة الأوقاف الكويتية- (23/ 319)
الصنف الرابع: المؤلفة قلوبهم
167- اختلف الفقهاء في صنف المؤلفة قلوبهم، فالمعتمد عند كل من المالكية والشافعية والحنابلة أن سهم المؤلفة قلوبهم باق، لم يسقط.
وفي قول عند كل من المالكية والشافعية ورواية عند الحنابلة: أن سهمهم انقطع؛ لعز الإسلام، فلا يعطون الآن، لكن إن احتيج لاستئلافهم في بعض الأوقات أعطوا.
قال ابن قدامة: لعل معنى قول أحمد: انقطع سهمهم، أي: لا يحتاج إليهم في الغالب، أو أراد أن الأئمة لا يعطونهم اليوم شيئًا، فأما إن احتيج إلى إعطائهم جاز الدفع إليهم، فلا يجوز الدفع إليهم إلا مع الحاجة.
وقال الحنفية: انعقد الإجماع على سقوط سهمهم من الزكاة؛ لما ورد أن الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن جاءا يطلبان من أبي بكر أرضًا، فكتب لهما بذلك، فمرا على عمر، فرأى الكتاب فمزقه، وقال: هذا شيء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيكموه ليتألفكم، والآن قد أعز الله الإسلام، وأغنى عنكم، فإن ثبتم على الإسلام، وإلا فبيننا وبينكم السيف، فرجعا إلى أبي بكر، فقالا: ما ندري، الخليفة أنت أم عمر؟ فقال: هو، إن شاء، ووافقه، ولم ينكر أحد من الصحابة ذلك .168- ثم اختلفوا:
ففي قول للمالكية: المؤلفة قلوبهم كفار يعطون ترغيبًا لهم في الإسلام؛ لأجل أن يعينوا المسلمين، فعليه لا تعطى الزكاة لمن أسلم فعلًا.
وقال الشافعية: لا يعطى من هذا السهم لكافر أصلًا؛ لأن الزكاة لا تعطى لكافر؛ لحديث: "تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم"، بل تعطى لمن أسلم فعلًا، وهناك أقوال أخرى للشافعية.
وقال الحنابلة: يجوز الإعطاء من الزكاة للمؤلف مسلمًا كان أو كافرًا.
وعند كل من الشافعية والمالكية أقوال بمثل هذا.
قال ابن قدامة: المؤلفة قلوبهم ضربان: كفار ومسلمون، وهم جميعًا السادة المطاعون في قومهم وعشائرهم.
ثم ذكر المسلمين منهم فجعلهم أربعة أضرب:1- سادة مطاعون في قومهم أسلموا ونيتهم ضعيفة فيعطون تثبيتا لهم.
2- قوم لهم شرف ورياسة أسلموا ويعطون لترغيب نظرائهم من الكفار ليسلموا.
3- صنف يراد بتألفهم أن يجاهدوا من يليهم من الكفار، ويحموا من يليهم من المسلمين.
4- صنف يراد بإعطائهم من الزكاة أن يجبوا الزكاة ممن لا يعطيها.
ثم ذكر ابن قدامة الكفار، فجعلهم ضربين:
ا- من يرجى إسلامه، فيعطى لتميل نفسه إلى الإسلام.
ب- من يخشى شره، ويرجى بعطيته كفُّ شره، وكف غيره معه.
التمهيد - ابن عبد البر (12/ 510 )
المغني لابن قدامة (9/ 316 )
1088- مسألة: قال: (والمؤلفة قلوبهم، وهم المشركون المتألفون على الإسلام).
هذا الصنف الرابع من أصناف الزكاة المستحقون لها.
وقال أبو حنيفة: انقطع سهمهم، وهو أحد أقوال الشافعي؛ لما روي أن مشركًا جاء يلتمس من عمر مالًا، فلم يعطه، وقال: { فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } ، ولم ينقل عن عمر ولا عثمان ولا علي أنهم أعطوا شيئًا من ذلك، ولأن الله تعالى أظهر الإسلام، وقمع المشركين، فلا حاجة بنا إلى التأليف.
وحكى حنبل، عن أحمد، أنه قال: المؤلفة قد انقطع حكمهم اليوم.
والمذهب على خلاف ما حكاه حنبل، ولعل معنى قول أحمد: انقطع حكمهم، أي: لا يحتاج إليهم في الغالب، أو أراد أن الأئمة لا يعطونهم اليوم شيئًا، فأما إن احتاج إليهم جاز الدفع إليهم، فلا يجوز الدفع إليهم إلا مع الحاجة.
ولنا: على جواز الدفع إليهم قول الله تعالى: { وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ } ، وهذه الآية في سورة براءة، وهى من آخر ما نزل من القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى المؤلفة من المشركين والمسلمين، وأعطى أبو بكر رضي الله عنه عديَّ بن حاتم، وقد قدم عليه بثلاثمائة جمل من إبل الصدقة، ثلاثين بعيرًا.
ومخالفة كتاب الله تعالى، وسنة رسوله، واطراحهما بلا حجة لا يجوز، ولا يثبت النسخ بترك عمر وعثمان إعطاء المؤلفة، ولعلهم لم يحتاجوا إلى إعطائهم، فتركوا ذلك لعدم الحاجة إليه، لا لسقوطه.
فصل: والمؤلفة قلوبهم ضربان: كفار، ومسلمون، وهم جميعًا السادة المطاعون في قومهم وعشائرهم، فالكفار ضربان:
أحدهما: من يرجى إسلامه، فيعطى لتقوى نيته في الإسلام، وتميل نفسه إليه، فيسلم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة أعطى صفوان بن أمية الأمان، واستنظره صفوان أربعة أشهر لينظر في أمره، وخرج معه إلى حنين، فلما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم العطايا قال صفوان: مالي؟ فأومأ النبي صلى الله عليه وسلم إلى وادٍ فيه إبل محملة، فقال: "هذا لك"، فقال صفوان: هذا عطاء من لا يخشى الفقر.
والضرب الثاني: من يخشى شره، ويرجى بعطيته كفُّ شره وكف غيره معه، وروي عن ابن عباس أن قومًا كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم، فإن أعطاهم مدحوا الإسلام، وقالوا: هذا دين حسن، وإن منعهم ذموا وعابوا.
وأما المسلمون، فأربعة أضرب:
قوم من سادات المسلمين لهم نظراء من الكفار، ومن المسلمين الذين لهم نية حسنة في الإسلام، فإذا أعطوا رجي إسلام نظرائهم وحسن نياتهم، فيجوز إعطاؤهم؛ لأن أبا بكر رضي الله عنه أعطى عديَّ بن حاتم، والزبرقان بن بدر، مع حسن نياتهما وإسلامهما.
الضرب الثاني: سادات مطاعون في قومهم يرجى بعطيتهم قوة إيمانهم، ومناصحتهم في الجهاد، فإنهم يعطون؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، وعلقمة بن علاثة، والطلقاء من أهل مكة، وقال للأنصار: "يا معشر الأنصار، علام تأسون؟ على لعاعة من الدنيا تألفت بها قومًا لا إيمان لهم، ووكلتكم إلى إيمانكم؟"، وروى البخاري بإسناده عن عمرو بن تغلب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى أناسًا وترك أناسًا، فبلغه عن الذين ترك أنهم عتبوا، فصعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "إني أعطي أناسًا، وأدعُ أناسًا، والذي أدعُ أحب إلي من الذي أعطي، أعطي أناسًا لما في قلوبهم من الجزع والهلع، وأكِلُ أناسًا إلى ما في قلوبهم من الغنى والخير، منهم عمرو بن تغلب"، وعن أنس، قال: حين أفاء الله على رسوله أموال هوازن، طفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي رجالًا من قريش مائة من الإبل، فقال ناس من الأنصار: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يعطي قريشًا ويمنعنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني أعطي رجالًا حديثي عهد بكفر أتألفهم"، متفق عليه.
الضرب الثالث: قوم في طرف بلاد الإسلام، إذا أعطوا دفعوا عمن يليهم من المسلمين.
الضرب الرابع: قوم إذا أعطوا أجبوا الزكاة ممن لا يعطيها إلا أن يخاف، وكل هؤلاء يجوز الدفع إليهم من الزكاة؛ لأنهم من المؤلفة قلوبهم، فيدخلون في عموم الآية.
المجموع شرح المهذب (6/ 197 : 200)
قال المصنف رحمه الله تعالى: وسهم المؤلفة، وهم ضربان، مسلمون وكفار.
فأما الكفار فضربان: ضربٌ يُرجى خيره، وضربٌ يُخاف شره، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم، وهل يعطون بعده؟ فيه قولان، (أحدهما): يعطون؛ لأن المعنى الذي به أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم قد يوجد بعده، (والثاني): لا يعطون؛ لأن الخلفاء رضي الله عنهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعطوهم، وقال عمر رضي الله عنه: "إنا لا نعطي على الإسلام شيئًا، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليفكر"، فإذا قلنا: إنهم يعطون، فإنهم لا يعطون من الزكاة؛ لأن الزكاة لا حق فيها للكفار، وإنما يعطون من سهم المصالح.
وأما المسلمون، فهم أربعة أضرب:
أحدها: قوم لهم شرف فيعطون ليرغب نظراؤهم في الاسلام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الزبرقان بن بدر وعدي بن حاتم، (والثاني): قوم أسلموا ونيتهم في الإسلام ضعيفة، فيعطون لتقوى نيتهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن، لكل أحد منهم مائة من الإبل.
وهل يعطى هذان الفريقان بعد النبي صلى الله عليه وسلم؟
فيه قولان، (أحدهما): لا يعطون؛ لأن الله تعالى أعز الإسلام، فأغنى عن التألف بالمال، (والثاني): يعطون؛ لأن المعنى الذي به أعطوا قد يوجد بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن أين يعطون؟
فيه قولان، (أحدهما): من الصدقات؛ للآية، (والثاني): من خمس الخمس؛ لأن ذلك مصلحة، فكان من سهم المصالح.
والضرب الثالث: قوم يليهم قوم من الكفار، إن أعطوا قاتلوهم.
والضرب الرابع: قوم يليهم قوم من أهل الصدقات، إن أعطوا جبوا الصدقات.
وفى هذين الضربين أربعة أقوال: (أحدها): يعطون من سهم المصالح؛ لأن ذلك مصلحة، (والثاني): من سهم المؤلفة من الصدقات؛ للآية، (والثالث): من سهم الغزاة؛ لأنهم يغزون، (والرابع): وهو المنصوص أنهم يعطون من سهم الغزاة، ومن سهم المؤلفة؛ لأنهم جمعوا معنى الفرقين).