الموسوعة الفقهية الكويتية- وزارة الأوقاف الكويتية- (23/ 314)
وكذا لا تعطَى الزوجة؛ لاستغنائها بإنفاق زوجها عليها، ومن له مرتب يكفيه لم يجز إعطاؤه من الزكاة، وكذا من كان له صنعة تكفيه، وإن كان لا يملك في الحال مالًا.
فإن كان واحد من هذه الأسباب يأتيه منه أقل من كفايته يجوز إعطاؤه تمام الكفاية.
ونقل النووي أن من له ضيعة تغل بعض كفايته: أنه لا يلزمه بيعها لتحل له الزكاة، وكذلك آلات المحترفين، وكسب العالم.
وقال الحنفية: يجوز دفع الزكاة إلى من عنده دخل سنوي أو شهري أو يومي من عقار أو نحو ذلك، إن لم يملك نصابًا زكويًّا، ويجوز دفعها إلى الولد الذي أبوه غني، إن كان الولد كبيرًا فقيرًا، سواء كان ذكرًا أو أنثى؛ لأنه لا يعد غنيًّا بيسار أبيه، وإن كانت نفقته عليه، أما الولد الصغير الذي أبوه غني فلا تدفع إليه الزكاة؛ لأنه يعد غنيًّا بيسار أبيه، وسواء كان الصغير في عيال أبيه أم لا.وكذا قال أبو حنيفة ومحمد: يجوز دفع الزكاة إلى رجل فقير له ابن موسر.
وقال أبو يوسف: إن كان الأب في عيال الابن الموسر لا يجوز، وإن لم يكن جاز.
قالوا: وكذلك المرأة الفقيرة إن كان لها زوج غني يجوز إعطاؤها من الزكاة؛ لأنها لا تعد غنية بيسار زوجها، وبقدر النفقة لا تصير موسرة، واستيجابها النفقة بمنزلة الأجرة.
ومن كان مستغنيًا بأن تبرع أحد من الناس بأن ينفق عليه، فالصحيح عند الحنابلة: أنه يجوز إعطاؤه من الزكاة، ويجوز للمتبرع بنفقته أن يدفع إليه من الزكاة، ولو كان في عياله؛ لدخوله في أصناف الزكاة، وعدم وجود نص أو إجماع يخرجه من العموم.
الموسوعة الفقهية الكويتية- وزارة الأوقاف الكويتية- (23/ 327 ، 328)
دفع الزوج زكاة ماله إلى زوجته وعكسه:
178 - لا يجزئ الرجل إعطاء زكاة ماله إلى زوجته، قال ابن قدامة: هو إجماع، قال الحنفية: لأن المنافع بين الزوجين مشتركة، وقال الجمهور: لأن نفقتها واجبة على الزوج، فيكون كالدافع إلى نفسه، ومحل المنع إعطاؤها الزكاة لتنفقها على نفسها، فأما لو أعطاها ما تدفعه في دينها، أو لتنفقه على غيرها من المستحقين، فلا بأس، على ما صرح به المالكية، وقريب منه ما قال الشافعية: إن الممنوع إعطاؤها من سهم الفقراء أو المساكين، أما من سهم آخر هي مستحقة له فلا بأس، وهو ما يفهم أيضًا من كلام ابن تيمية.
وأما إعطاء المرأة زوجها زكاة مالها: فقد اختلف فيه، فذهب الشافعي وصاحبا أبي حنيفة، وهو رواية عن أحمد، واختيار ابن المنذر، إلى جواز ذلك؛ لحديث زينب زوجة عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما، وفيه: أنها هي وامرأة أخرى سألتا النبي صلى الله عليه وسلم: هل تجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما، وعلى أيتام في حجرهما؟ فقال: "لهما أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة"، وقال ابن قدامة: ولأنه لا تجب عليها نفقة الزوج، ولعموم آية مصارف الزكاة؛ إذ ليس في الزوج إذا كان فقيرًا نص أو إجماع يمنع إعطاءه.
وقال أبو حنيفة، وهو رواية أخرى عن أحمد: لا يجزئ المرأة أن تعطي زوجها زكاتها، ولو كانت في عدتها من طلاقه البائن، ولو بثلاث طلقات؛ لأن المنافع بين الرجل وبين امرأته مشتركة، فهي تنتفع بتلك الزكاة التي تعطيها لزوجها؛ ولأن الزوج لا يقطع بسرقة مال امرأته، ولا تصح شهادته لها.
وقال مالك: لا تعطي المرأة زوجها زكاة مالها، واختلف أصحابه في معنى كلامه، فقال بعضهم بأن مراده: عدم الإجزاء، وقال آخرون بإجزائه مع الكراهة.
المغني لابن قدامة (4/ 100)
425 – مسألة: قال: (ولا للزوج، ولا للزوجة).
أما الزوجة: فلا يجوز دفع الزكاة إليها إجماعًا، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الرجل لا يعطي زوجته من الزكاة؛ وذلك لأن نفقتها واجبة عليه، فتستغني بها عن أخذ الزكاة، فلم يجز دفعها إليها، كما لو دفعها إليها على سبيل الإنفاق عليها.
وأما الزوج: ففيه روايتان: إحداهما: لا يجوز دفعها إليه، وهو اختيار أبي بكر، ومذهب أبي حنيفة؛ لأنه أحد الزوجين، فلم يجز للآخر دفع زكاته إليه كالآخر، ولأنها تنتفع بدفعها إليه؛ لأنه إن كان عاجزًا عن الإنفاق عليها تمكن بأخذ الزكاة من الإنفاق، فيلزمه، وإن لم يكن عاجزًا، ولكنه أيسر بها، لزمته نفقة الموسرين، فتنتفع بها في الحالين، فلم يجز لها ذلك، كما لو دفعتها في أجرة دار، أو نفقة رقيقها أو بهائمها.
فإن قيل: فيلزم على هذا الغريم؛ فإنه يجوز له دفع زكاته إلى غريمه، ويلزم الآخذ بذلك وفاء دينه، فينتفع الدافع بدفعها إليه.
قلنا: الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن حق الزوجة في النفقة آكد من حق الغريم؛ بدليل أن نفقة المرأة مقدمة في مال المفلس على أداء دينه، وأنها تملك أخذها من ماله بغير علمه، إذا امتنع من أدائها، والثاني: أن المرأة تنبسط في مال زوجها بحكم العادة، ويعد مال كل واحد منهما مالًا للآخر، ولهذا قال ابن مسعود، في عبد سرق مرآة امرأة سيده: "عبدكم سرق مالكم"، ولم يقطعه، وروي ذلك عن عمر، وكذلك لا تقبل شهادة كل واحد منهما لصاحبه، بخلاف الغريم مع غريمه، والرواية الثانية: يجوز لها دفع زكاتها إلى زوجها، وهو مذهب الشافعي، وابن المنذر، وطائفة من أهل العلم؛ لأن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: يا نبي الله، إنك أمرت اليوم بالصدقة، وكان عندي حلي لي، فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود أنه هو وولده أحق من تصدقت عليهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم". رواه البخاري، وروي أن امرأة عبد الله سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن بني أخ لها أيتام في حجرها، أفتعطيهم زكاتها؟ قال: "نعم"، وروى الجوزجاني بإسناده عن عطاء، قال: أتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة، فقالت: يا رسول الله، إن علي نذرًا أن أتصدق بعشرين درهمًا، وإن لي زوجًا فقيرًا، أفيجزئ عني أن أعطيه؟ قال: "نعم، لك كفلان من الأجر"، ولأنه لا تجب نفقته، فلا يمنع دفع الزكاة إليه، كالأجنبي، ويفارق الزوجة، فإن نفقتها واجبة عليه، ولأن الأصل جواز الدفع؛ لدخول الزوج في عموم الأصناف المسمين في الزكاة، وليس في المنع نص ولا إجماع، وقياسه على من ثبت المنع في حقه غير صحيح؛ لوضوح الفرق بينهما، فيبقى جواز الدفع ثابتًا، والاستدلال بهذا أقوى من الاستدلال بالنصوص؛ لضعف دلالتها؛ فإن الحديث الأول في صدقة التطوع؛ لقولها: أردت أن أتصدق بحلي لي، ولا تجب الصدقة بالحلي، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم"، والولد لا تدفع إليه الزكاة، والحديث الثاني ليس فيه ذكر الزوج، وذكر الزكاة فيه غير محفوظ، قال أحمد: من ذكر الزكاة فهو عندي غير محفوظ، إنما ذاك صدقة من غير الزكاة، كذا قال الأعمش، فأما الحديث الآخر فهو مرسل، وهو في النذر.
المجموع شرح المهذب (6/ 191 )
وأما في مسألة الزوجة: فالوجهان جاريان في الزوج كغيره؛ لأنه بالصرف إليها لا يدفع عن نفسه النفقة، بل نفقتها عوض لازم، سواء كانت غنية أو فقيرة، فصار كمن استأجر فقيرًا، فإن له دفع الزكاة إليه مع الأجرة، وقطع العراقيون بأنه ليس له الدفع إليها.
فإن قلنا: لا يجوز الدفع إليها، فلو كانت ناشزة فوجهان: (أحدهما) وهو الذي ذكره البغوي: يجوز إعطاؤها؛ لأنه لا نفقة لها، (وأصحهما): لا يجوز، وبه قطع الشيخ أبو حامد والأكثرون؛ لأنها قادرة على النفقة بترك النشوز، فأشبهت القادر على الكسب، وللزوج أن يعطيها من سهم المكاتب والغارم بلا خلاف، ومن سهم المؤلفة على الأصح، وبه قطع المتولي، وقال الشيخ أبو حامد: لا تكون المرأة من المؤلفة، وهو ضعيف، قال أصحابنا: ولا تكون المرأة عاملة ولا غازية، وأما سهم ابن السبيل: فإن سافرت مع الزوج لم تعط منه، سواء سافرت بإذنه أو بغير إذنه؛ لأن نفقتها عليه في الحالين؛ لأنها في قبضته، ولا تعطى مؤنة السفر إن سافرت معه بغير إذنه؛ لأنها عاصية، وإن سافرت وحدها: فان كان بإذنه وأوجبْنا نفقتها أعطيت مؤنة السفر فقط من سهم ابن السبيل، وإن لم نوجبها أعطيت جميع كفايتها، وإن سافرت وحدها بغير إذنه لم تعط منه؛ لأنها عاصية، قال الشيخ أبو حامد والأصحاب: ويجوز أن تعطى هذه من سهم الفقراء والمساكين، بخلاف الناشزة؛ لأنها تقدر على العود إلى طاعته، والمسافرة لا تقدر، فإن تركت سفرها وعزمت على العود إليه أعطيت من سهم ابن السبيل؛ لخروجها عن المعصية، هذا آخر ما نقله الرافعي، والله أعلم.
قال أصحابنا: ولو كانت الزوجة ذات مال، فلها صرف زكاتها إلى الزوج إذا كان بصفة الاستحقاق، سواء صرفت من سهم الفقراء والمساكين أو نحوهم؛ لأنه لا يلزمها نفقته، فهو كالأجنبي، وكالأخ وغيره من الأقارب الذين لا تجب نفقتهم، ودفعها إلى الزوج أفضل من الأجنبي، كما سنوضحه في أواخر الباب، إن شاء الله تعالى.
الموسوعة الفقهية الكويتية- وزارة الأوقاف الكويتية- (23/ 325 : 327)
أصناف الذين لا يجوز إعطاؤهم من الزكاة...
- كل من انتسب إليه المزكي، أو انتسب إلى المزكي بالولادة
ويشمل ذلك أصوله، وهم: أبواه وأجداده، وجداته، وارثين كانوا أو لا، وكذا أولاده وأولاد أولاده، وإن نزلوا، قال الحنفية: لأن منافع الأملاك بينهم متصلة، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة.
أما سائر الأقارب، وهم الحواشي، كالإخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات، وأولادهم، فلا يمتنع إعطاؤهم زكاته، ولو كان بعضهم في عياله؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة"،وهذا مذهب الحنفية، وهو القول المقدم عند الحنابلة.
وأما عند المالكية والشافعية: فإن الأقارب الذين تلزم نفقتهم المزكي لا يجوز أن يعطيهم من الزكاة.
والذين تلزم نفقتهم عند المالكية الأب والأم دون الجد والجدة، والابن والبنت دون أولادهما، واللازم نفقة الابن ما دام في حد الصغر، والبنت إلى أن تتزوج ويدخل بها زوجها.
والذين تلزم نفقتهم عند الشافعية الأصول والفروع.
وفي رواية عند الحنابلة وهو قول الثوري: يفرق في غير الأصول والفروع بين الموروث منهم وغير الموروث، فغير الموروث يجزئ إعطاؤه من الزكاة، والموروث لا يجزئ، وعلى الوارث نفقته إن كان الموروث فقيرًا فيستغني بها عن الزكاة؛ إذ لو أعطاه من الزكاة لعاد نفع زكاته إلى نفسه، ويشترط هنا شروط الإرث، ومنها: أن لا يكون الوارث محجوبًا عن الميراث وقت إعطاء الزكاة.واستثنى الحنفية في ظاهر الرواية: من فرض له القاضي النفقة على المزكي، فلا يجزئ إعطاؤه الزكاة؛ لأنه أداء واجب في واجب آخر، على أنهم نصوا على أن يجوز أن يدفعها إلى زوجة أبيه وزوجة ابنه وزوج ابنته.
وقيد المالكية والشافعية وابن تيمية من الحنابلة الإعطاء الممنوع بسهم الفقراء والمساكين، أما لو أعطى والده أو ولده من سهم العاملين أو المكاتبين أو الغارمين أو الغزاة فلا بأس، وقالوا أيضًا: إن كان لا يلزمه نفقته جاز إعطاؤه.
المغني لابن قدامة (4/ 98 )
424 – مسألة: قال: (ولا يعطى من الصدقة المفروضة للوالدين، وإن علوا، ولا للولد، وإن سفل).
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الزكاة لا يجوز دفعها إلى الوالدين، في الحال التي يجبر الدافع إليهم على النفقة عليهم، ولأن دفع زكاته إليهم تغنيهم عن نفقته، وتسقطها عنه، ويعود نفعها إليه، فكأنه دفعها إلى نفسه، فلم تجز، كما لو قضى بها دينه، وقول الخرقي: "للوالدين" يعني: الأب والأم، وقوله: "وإن علوا" يعني: آباءهما وأمهاتهما، وإن ارتفعت درجتهم من الدافع، كأبوي الأب، وأبوي الأم، وأبوي كل واحد منهم، وإن علت درجتهم، من يرث منهم ومن لا يرث، وقوله: "والولد وإن سفل" يعني: وإن نزلت درجته من أولاده البنين والبنات، الوارث وغير الوارث، نص عليه أحمد، فقال: لا يعطي الوالدين من الزكاة، ولا الولد ولا ولد الولد، ولا الجد ولا الجدة ولا ولد البنت، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن ابني هذا سيد"، يعني: الحسن، فجعله ابنه، ولأنه من عمودي نسبه، فأشبه الوارث، ولأن بينهما قرابة جزئية وبعضية، بخلاف غيرها.
المجموع شرح المهذب (6/ 229 )
قال أصحابنا: لا يجوز للإنسان أن يدفع إلى ولده ولا والده الذي يلزمه نفقته من سهم الفقراء والمساكين لعلتين: (إحداهما): أنه غني بنفقته، (والثانية): أنه بالدفع إليه يجلب إلى نفسه نفعًا، وهو منع وجوب النفقة عليه.
قال أصحابنا: ويجوز أن يدفع إلى ولده ووالده من سهم العاملين والمكاتبين والغارمين والغزاة إذا كانا بهذه الصفة، ولا يجوز أن يدفع إليه من سهم المؤلفة إن كان ممن يلزمه نفقته؛ لأن نفعه يعود إليه، وهو إسقاط النفقة، فإن كان ممن لا يلزمه نفقته جاز دفعه إليه.
وأما سهم ابن السبيل: فالمذهب: أنه إذا كان من أبناء السبيل أعطاه من النفقة ما يزيد على نفقة الحضر، ويعطيه المركوب والحمولة؛ لأن هذا لا يلزم المنفق، ولا يعطيه قدر نفقة الحضر؛ لأنها لازمة، وبهذا قطع كثيرون من الأصحاب أو أكثرهم، (والثاني) وبه قطع المحاملي: لا يعطيه شيئًا من النفقة، بل يعطيه الحمولة؛ لأن نفقته واجبة عليه في الحضر والسفر والحمولة ليست بواجبة في السفر.
قال أصحابنا المتقدمون: له أن يعطي ولده ووالده من سهم العامل إذا كان عاملًا كما قدمناه.
قال القاضي أبو الفتوح من أصحابنا: هذا لا يصح؛ لأنه لا يتصور أن يعطي العامل شيئًا من زكاته، قال صاحب الشامل: أراد الأصحاب: إذا كان الدافع هو الإمام فله أن يعطي ولد رب المال ووالده من سهم العامل إذا كان عاملًا من زكاة والده وولده.
هذا كله إذا كان الذي يعطيه هو الذي يلزمه نفقته، فلو أعطاه غيره فقد أطلق الخراسانيون فيه وجهين: (أصحهما): لا يعطى؛ لأنه مستغن بالنفقة الواجبة على قريبه.
وأما إذا كان الولد أو الوالد فقيرًا أو مسكينًا، وقلنا في بعض الأحوال: لا تجب نفقته، فيجوز لوالده وولده دفع الزكاة إليه من سهم الفقراء والمساكين بلا خلاف؛ لأنه حينئذ كالأجنبي.
وأما الزوجة: فإن أعطاها غير الزوج من سهم الفقراء والمساكين ففيها الوجهان كالولد والوالد، (والأصح): لا يجوز.
وأما الزوج: فقطع العراقيون بأنه لا يجوز له أن يعطيها شيئًا من سهم الفقراء والمساكين، وقال الخراسانيون: فيه الوجهان، كالأجنبي؛ لأنه لا يدفع النفقة عن نفسه، بل نفقتها عوض لازم، سواء كانت غنية أم فقيرة، كما لو استأجر فقيرًا فإن له صرف الزكاة إليه مع الأجرة، والصحيح: طريقة العراقيين، وعليها التفريع، وقد سبقت هذه المسألة بفروعها مستقصاة في سهم الفقراء، والله تعالى أعلم.
الموسوعة الفقهية الكويتية- وزارة الأوقاف الكويتية- (19/ 150)
ثانيًا: الخطأ في مصرف الزكاة
37 - إذا دفع الزكاة لمن ظنه من أهلها، فبان خطؤه، اختلف فيه على قولين:
الأول: يجزئه، ولا تجب عليه الإعادة، وهو قول أبي حنيفة ومحمد، ومقابل الصحيح عند الشافعية ومالك: إذا كان الدافع هو السلطان أو الوصي أو مقدم القاضي وتعذر ردها.واستدلوا بحديث معن بن يزيد، قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأبي وجدي، وخطب علي فأنكحني وخاصمت إليه، وكان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها فوضعها عند رجل في المسجد، فجئت فأخذتها، فأتيته بها، فقال: والله ما إياك أردت، فخاصمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "لك ما نويت يا يزيد، ولك ما أخذت يا معن"، فجوز صلى الله عليه وسلم ذلك، ولم يستفسر أن الصدقة كانت فريضة أو تطوعًا، وذلك يدل على أن الحال لا تختلف، أو لأن مطلق الصدقة ينصرف إلى الفريضة، ولأن الوقوف على هذه الأشياء إنما هو بالاجتهاد لا القطع، فيبنى الأمر على ما يقع عنده، كما إذا اشتبهت عليه القبلة، ولو فرض تكرر خطئه فتكررت الإعادة أفضى إلى الحرج لإخراج كل ماله، وليس كذلك الزكاة، خصوصًا مع كون الحرج مدفوعًا عمومًا.
والقول الآخر: لا يجزئه، وهو قول أبي يوسف، إلا أنه قال: لا يسترده، وهو قول مالك أيضًا إذا كان الدافع هو رب المال، وهو الصحيح عند الشافعية إن كان الدافع هو الإمام ويسترجع من المدفوع، إلا أن يتعذر الاسترجاع من القابض فلا ضمان، وإن كان الدافع هو رب المال لم يجز عن الفرض، فإن لم يكن بين أنها زكاة لم يرجع، وإن بين رجع في عينها، فإن تلفت ففي بدلها، فإن تعذر الاسترجاع ففي الضمان وإخراج بدلها قولان: قال النووي: المذهب: أنها لا تجزئه، ويلزمه الإخراج.
وهو قول الحنابلة في غير من ظنه فقيرًا فبان غنيًّا، وقالوا: يستردها ربها بزيادتها مطلقًا، سواء كانت متصلة أم منفصلة، واستدل أصحاب هذا القول بأنه ظهر خطؤه بيقين، وكان بإمكانه الوقوف على مدى استحقاقه أو عدمه فصار كالأواني والثياب، فإذا تحرى في الأواني الطاهرة المختلطة بالنجسة وتوضأ، ثم ظهر له الخطأ يعيد الوضوء، وكذلك الثياب إذا صلى في ثوب منها بالتحري، ثم ظهر خطؤه أعاد الصلاة، ومثله إذا قضى القاضي باجتهاده، ثم ظهر نص بخلافه، ولأنه ظهر له أنه ليس بمستحق، وهو لا يخفى حاله غالبًا فلم يعذر كدين الآدمي.
وفرق الحنابلة بين دفعها خطأ إلى من لا يستحقها لكفر أو شرف، وبين دفعها لمن ظنه فقيرًا فبان غنيًّا، فقالوا: لا تجزئ إذا دفعها للكافر أو لمن لا يستحقها؛ لكونه هاشميًّا، وله حق استرداد ما دفع؛ لأن المقصود إبراء الذمة بالزكاة، ولم يحصل؛ لدفعها للكافر، فيملك الرجوع، بخلاف دفعها للغني، فإن المقصود الثواب، ولم يفت.
ووجه قول أبي يوسف في عدم الاسترداد: أن فساد جهة الزكاة لا ينقض الأداء.
الموسوعة الفقهية الكويتية- وزارة الأوقاف الكويتية- (23/ 333 : 335)
حكم من أخذ الزكاة وليس من أهلها:
188 - لا يحل لمن ليس من أهل الزكاة أخذها وهو يعلم أنها زكاة، إجماعًا، فإن أخذها فلم تسترد منه فلا تطيب له، بل يردها أو يتصدق بها؛ لأنها عليه حرام، وعلى دافع الزكاة أن يجتهد في تعرف مستحقي الزكاة، فإن دفعها بغير اجتهاده، أو كان اجتهاده أنه من غير أهلها وأعطاه لم تجزئ عنه، إن تبين الآخذ من غير أهلها، والمراد بالاجتهاد النظر في أمارات الاستحقاق، فلو شك في كون الآخذ فقيرًا فعليه الاجتهاد كذلك.
189 - أما إن اجتهد فدفع لمن غلب على ظنه أنه من أهل الزكاة فتبين عدم كونه من أهلها، فقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقال بعضهم: تجزئه، وقال آخرون: لا تجزئه، على تفصيل يختلف من مذهب إلى مذهب.
فعند أبي حنيفة ومحمد: إن دفع الزكاة إلى من يظنه فقيرًا، ثم بان أنه غني أو هاشمي أو كافر، أو دفع في ظلمة، فبان أن الآخذ أبوه، أو ابنه فلا إعادة عليه؛ لحديث معن بن يزيد قال: كان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها، فوضعها عند رجل في المسجد، فجئت فأخذتها فأتيته بها، فقال: والله ما إياك أردت، فخاصمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "لك ما نويت يا يزيد، ولك ما أخذت يا معن".
ولأنا لو أمرناه بالإعادة أفضى إلى الحرج؛ لأنه ربما تكرر خطؤه، واستثنوا من هذا أن يتبين الآخذ غير أهل للتمليك أصلًا، نحو أن يتبين أن الآخذ عبده أو مكاتبه، فلا تجزئ في هذا الحال.
وقال أبو يوسف: لا تجزئه إن تبين أن الآخذ ليس من المصارف؛ لظهور خطئه بيقين مع إمكان معرفة ذلك، كما لو تحرى في ثياب فبان أنه صلى في ثوب نجس.
وفصل المالكية بين حالين:
الأولى: أن يكون الدافع الإمام أو مقدم القاضي أو الوصي، فيجب استردادها، لكن إن تعذر ردها، أجزأت؛ لأن اجتهاد الإمام حكم لا يتعقب.
والثانية: أن يكون الدافع رب المال فلا تجزئه، فإن استردها وأعطاها في وجهها، وإلا فعليه الإخراج مرة أخرى، وإنما يستحق استردادها إن فوتها الآخذ بفعله، بأن أكلها، أو باعها، أو وهبها، أو نحو ذلك.
أما إن فاتت بغير فعله، بأن تلفت بأمر سماوي، فإن كان غر الدافع بأن أظهر له الفقر أو نحو ذلك فيجب عليه ردها أيضًا، أما إن لم يكن غره فلا يجب عليه الرد.
وقال الشافعية: يجب الاسترداد، وعلى الآخذ الرد، سواء علم أنها زكاة أم لا، فإن استردت صرفت إلى المستحقين، وإن لم يمكن الاسترداد، فإن كان الذي دفعها الإمام لم يضمن، وإن كان الذي دفعها المالك ضمن، وهذا هو المقدم عندهم، وفي بعض صور المسألة عندهم أقوال أخرى.
وقال الحنابلة: إن بان الآخذ عبدًا أو كافرًا أو هاشميًّا، أو قرابة للمعطي ممن لا يجوز الدفع إليه، فلا تجزئ الزكاة عن دافعها رواية واحدة؛ لأنه ليس بمستحق، ولا تخفى حاله غالبًا، فلم يجزه الدفع إليه، كديون الآدميين.
أما إن كان ظنه فقيرًا فبان غنيًّا فكذلك على رواية، والأخرى يجزئه؛ لحديث معن بن يزيد المتقدم، وحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رجل: لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على غني... الحديث، وفيه: فأتي فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت، لعل الغني يعتبر، فينفق مما آتاه الله، ولأن حاله تخفى غالبًا.
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
مَن دفَع الزَّكاةَ إلى مَن ظاهِرُه أنَّه مِن الأصنافِ الثَّمانية، ثم ظهَر أنَّه ليس منهم فإنَّها تُجزِئُه، وهو مذهبُ الحنفيَّة، وقول للمالكيَّة، وهو اختيارُ أبي عُبيدٍ القاسمِ بنِ سلَّام، وابن باز، وابنِ عُثيمين.
الأدلَّة:
أوَّلًا: مِنَ الكِتابِ
1- قال اللهُ تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة: 286].
2- وقال اللهُ تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: 16].
وجْه الدَّلالة من الآيتين:
أنَّ مَن دفَعها إلى مَن يظنُّه أهلًا لها، فإنَّه قد اتَّقى اللهَ ما استطاع، ولا يُكلِّفُ الله نفسًا إلَّا وُسعَها.
ثانيًا: من السُّنَّة
1- عن مَعْنِ بن يَزيدَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: بايعتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنا وأبي وجَدِّي، وخطَب عليَّ فأَنكَحَني، وخاصمتُ إليه، وكان أبي يَزيدُ أخْرَجَ دَنانيرَ يَتصدَّقُ بها فوضعَها عند رجلٍ في المسجِدِ، فجئتُ فأخذتُها فأتيتُه بها، فقال: واللهِ ما إيَّاك أردتُ، فخاصَمْتُه إلى رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال: "لكَ ما نويتَ يا يَزيدُ، ولك ما أخذتَ يا مَعْنُ".
وجه الدَّلالة:
أنَّ هذا، وإن كان واقعةَ حالٍ يجوز فيها كَونُ تلك الصَّدقةِ كانت نفلًا، لكنْ عُمومُ قولِه عليه الصَّلاة والسَّلامُ: (لكَ ما نويتَ) يُفيدُ المطلوبَ.
2- عن أبي هُرَيرَة رَضِيَ اللهُ عنه، عنِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: (أنَّ رجُلًا تصدَّقَ بصدقةٍ فوقعَتْ في يدِ سارقٍ، فأصْبح الناسُ يَتحدَّثون بأنَّه تُصُدِّقَ على سارقٍ، فقال: اللهمَّ لك الحمدُ على سارقٍ، لأتصدَّقنَّ بصدقةٍ، فتَصدَّقَ فوقعتْ في يدِ زانيةٍ، فأصبَح الناسُ يتحدَّثون: تُصُدِّق على زانيةٍ، فقال: اللهمَّ لك الحمدُ على زانيةٍ، لأتصدَّقنَّ بصدقةٍ، فخرج بصَدَقتِه فوضَعَها في يدِ غنيٍّ، فأصبحوا يتحدَّثون: تُصُدِّقَ على غنيٍّ، فقال: اللهمَّ لك الحمدُ على غنيٍّ، فقيل: أمَّا صَدقتُك فقد قُبِلَت؛ أمَّا الزَّانيةُ فلعلَّها تستَعِفُّ مِن زناها، ولعلَّ السَّارقَ يستعِفُّ عن سَرِقَتِه، ولعلَّ الغنيَّ أن يعتبرَ فيُنفِقَ ممَّا آتاه اللهُ عزَّ وجَلَّ).
وجه الدَّلالة:
أنَّ فيه ما يدلُّ على قَبولِ الصَّدَقةِ إذا وقعتْ في غيرِ مَصرِفٍ لها مع الجهْلِ بأنَّه غيرُ مَصْرِف، وظاهرُ الصَّدقةِ المذكورةِ أعمُّ مِن أن يكونَ فريضةً أو نافلةً.
ثالثًا: أنَّ الوقوفَ على أوصافِ المستحقِّينَ هو بالاجتهادِ، فيَبْتني الأمرُ فيها على ما يقَعُ عنده، كما إذا اشتبهتْ عليه القِبلةُ.
رابعًا: أنَّه لو فُرِض تكرُّرُ خَطَئِه فتكرَّرَت الإعادةُ، أفْضى إلى الحَرَج لإخراجِ كلِّ ماله، والحَرَجُ مدفوعٌ شرعًا.
خامسًا: أنَّه أتى بما في وُسعِه، فلم يكُنْ عليه أكثرُ مما صنَع؛ لأن الذي تُعُبِّد به إنَّما هو الاجتهادُ في ذلك.
سادسًا: أنَّ الظنَّ يقومُ مقامَ العِلمِ؛ لتعذُّرِ أو عُسرِ الوُصولِ إليه، وليس لنا إلَّا الظَّاهِرُ.
سابعًا: أنَّ العِبرةَ في العباداتِ بما في ظنِّ المكلَّفِ بخلافِ المُعاملات؛ فالعِبرةُ بما في نفْسِ الأمرِ.
ثامنًا: أنَّ الفَقرَ والغِنى ممَّا يعسُرُ الاطِّلاعُ عليه والمعرفةُ بِحَقيقَتِه؛ قال اللهُ تعالى: يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ [البقرة: 273]، فاكتفى بظهورِ الفَقرِ، ودعواه.
المغني لابن قدامة (4/ 126 )
فصل: وإذا أعطى من يظنه فقيرًا فبان غنيًّا.
فعن أحمد فيه روايتان: إحداهما، يجزئه، اختارها أبو بكر، وهذا قول الحسن، وأبي عبيد، وأبي حنيفة......
والرواية الثانية، لا يجزئه؛ لأنه دفع الواجب إلى غير مستحقه، فلم يخرج من عهدته، كما لو دفعها إلى كافر، أو ذي قرابته، وكديون الآدميين، وهذا قول الثوري، والحسن بن صالح، وأبي يوسف، وابن المنذر، وللشافعي قولان كالروايتين.
فأما إن بان الآخذ عبدًا، أو كافرًا، أو هاشميًّا، أو قرابة للمعطي ممن لا يجوز الدفع إليه، لم يجزه، رواية واحدة؛ لأنه ليس بمستحق، ولا تخفى حاله غالبًا، فلم يجزه الدفع إليه، كديون الآدميين، وفارق من بان غنيًّا؛ فإن الفقر والغنى مما يعسر الاطلاع عليه والمعرفة بحقيقته، قال الله تعالى: { يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ } ، فاكتفى بظهور الفقر، ودعواه بخلاف غيره.
المجموع شرح المهذب (6/ 230)
فإن دفع الإمام الزكاة إلى مَنْ ظاهره الفقر، ثم بان أنه غني لم يجزئ ذلك عن الفرض، فان كان باقيًا استرجع ودفع إلى فقير، وإن كان فانيًا أخذ البدل، وصرفه إلى فقير، فإن لم يكن للمدفوع إليه مالٌ لم يجب على رب المال ضمانه؛ لأنه قد سقط عنه الفرض بالدفع إلى الامام، ولا يجب على الإمام؛ لأنه أمين غير مفرط، فهو كالمال الذي تلف في يد الوكيل، وإن كان الذي دفع رب المال، فإن لم يبين عند الدفع أنه زكاة لم يكن له أن يرجع؛ لأنه قد يدفع عن زكاة واجبة وعن تطوع، فإذا ادعى الزكاة كان متهمًا، فلم يقبل قوله، ويخالف الإمام، فإن الظاهر من حاله أنه لا يدفع إلا الزكاة، فثبت له الرجوع، وإن كان قد بين أنها زكاة رجع فيها إن كانت باقية، وفي بدلها إن كانت فانية، فإن لم يكن للمدفوع إليه مال، فهل يضمن رب المال الزكاة؟ فيه قولان، (أحدهما): لا يضمن؛ لأنه دفع بالاجتهاد فهو كالإمام، (والثاني): يضمن؛ لأنه كان يمكنه أن يسقط الفرض بيقين بأن يدفعه إلى الإمام، فإذا فرق بنفسه فقد فرط فلزمه الضمان، بخلاف الإمام، وإن دفع الزكاة إلى رجل ظنه مسلمًا فكان كافرًا، أو إلى رجل ظنه حرًّا فكان عبدًا، فالمذهب: أن حكمه حكم ما لو دفع إلى رجل ظنه فقيرًا فكان غنيًّا، ومن أصحابنا من قال: يجب الضمان ههنا قولًا واحدًا؛ لأن حال الكافر والعبد لا يخفى، فكان مفرطًا في الدفع إليهما، وحال الغنى قد يخفى، فلم يكن مفرطًا.
الشرح:
قال أصحابنا: إذا دفع رب المال الزكاة إلى الإمام، ودفعها الإمام إلى مَنْ ظاهره الفقر، فبان غنيًّا، لم يجزه عن الزكاة، فيسترجع منه المدفوع، سواء بين الإمام حال الدفع أنها زكاة أم لا، والظاهر من الإمام: أنه لا يدفع تطوعًا، ولا يدفع إلا واجبًا من زكاة واجبة أو كفارة أو نذر، أو غير ذلك، فإن تلف فبدله، ويصرف إلى غيره، فإن تعذر الاسترجاع من القابض لم يجب الضمان على الإمام، ولا على رب المال؛ لما ذكره المصنف، وإن بان المدفوع إليه عبدًا أو كافرًا أو هاشميًّا أو مطلبيًّا فلا ضمان على رب المال، وهل يجب على الإمام؟ فيه ثلاث طرق، (أصحها): فيه قولان (أصحهما): لا ضمان عليه (والثاني): يضمن (والطريق الثاني): يضمن قطعًا؛ لتفريطه، فإن هؤلاء لا يخفون إلا بإهمال (والثالث): لا يضمن قطعًا؛ لأنه أمين، ولم يتعمد.
هذا كله إذا فرق الإمام، فلو فرق رب المال، فبان المدفوع إليه غنيًّا لم يجزه عن الفرض، فإن لم يكن بين أنها زكاة لم يرجع، وإن بين رجع في عينها، فإن تلفت ففي بدلها، فإذا قبضه صرفه إلى فقير آخر، فإن تعذر الاسترجاع فهل يجب الضمان والإخراج ثانيًا على المالك؟ فيه قولان مشهوران، ذكرهما المصنف بدليلهما (أصحهما) وهو الجديد: يجب (والقديم): لا يجب، والقولان جاريان، سواء بين وتعذر الاسترجاع، أم لم يبين، ومنعنا الاسترجاع، ولو دفعها رب المال إلى مَنْ ظنه مستحقًّا فبان عبدًا أو كافرًا أو هاشميًّا أو مطلبيًّا وجب الاسترجاع، فإن استرجع أخرجه إلى فقير آخر، فإن تعذر الاسترجاع فطريقان مشهوران، ذكر المصنف دليلهما، (المذهب): أنها لا تجزئه، ويلزمه الإخراج ثانيًا، ولو دفع إليه سهم الغازي والمؤلَّف فبان امرأة، فهو كمن بان عبدًا، ذكره القاضي أبو الفتوح، وحكاه صاحب البيان عنه، قال البغوي وغيره: وحكم الكفارة وزكاة الفطر فيما لو بان المدفوع إليه غير مستحق حكم الزكاة في جميع ما ذكرناه، وإذا كان المدفوع إليه عبدًا تعلق الغرم بذمته لا برقبته، ذكره البغوي والرافعي وغيرهما؛ لأنه وجب عليه برضا مستحقه، والقاعدة: أن ما لزمه برضا مستحقه تعلق بذمته، لا برقبته، والله تعالى أعلم.