موسوعة الفقه الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (41/ 349 ، 350).
حادي عشر: نكاح المحرم
22- اختلف الفقهاء في صحة نكاح المحرم.
فذهب الجمهور، وهمك المالكية والشافعية والحنابلة في المذهب إلى أن نكاح المحرم لا يصح، سواء كان زوجًا أو زوجة، أو وليًّا عَقَدَ النكاحَ لمن يليه، أو وكيلًا عَقَدَ النكاحَ لموكله، وبه قال عمر بن الخطاب وابنه عبد الله، وزيد بن ثابت، رضي الله عنهم، وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والزهري والأوزاعي؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب"، وفي رواية: "لا يتزوج المحرم، ولا يزوج"، ولما روي عن علي رضي الله عنه: "من تزوج وهو محرم نزعنا منه امرأته"، وعن عمر رضي الله عنه: "أنه فرق بين محرمين تزوجا"، ولما روي عن شوذب مولى زيد بن ثابت رضي الله عنهما، "أنه تزوج وهو محرم، ففرق زيد بن ثابت بينهما"، ولأنه معنى يثبت به تحريم المصاهرة، فوجب أن يمنع منه الإحرام كالوطء.
وقال الحنابلة في المذهب عندهم: الاعتبار بحالة العقد، لا بحالة الوكالة، فلو وكل محرم حلالًا، فعقد النكاح بعد حله من الإحرام صح النكاح، على الصحيح؛ لوقوعه حال حل الوكيل والموكل، ولو وكل حلال حلالًا، فعقد الوكيل النكاح بعد أن أحرم هو أو موكله لم يصح النكاح؛ لأن الاعتبار بحالة العقد، وقيل: يصح، ولو وكله في عقد النكاح، ثم أحرم الموكل لم ينعزل وكيله بإحرامه، فإذا حل الموكل كان لوكيله عقد النكاح له؛ لزوال المانع، وقيل: ينعزل، وفي رواية عن أحمد: إن زوج المحرم غيره صح، سواء كان وليًّا أو وكيلًا، وهي اختيار أبي بكر؛ لأن النكاح حرم على المحرم، لدواعي الوطء المفسد للحج، ولا يحصل ذلك في هذا النكاح؛ لكونه وليًّا لغيره.
التمهيد - ابن عبد البر - (3/ 152 - 160).
قال أبو عمر: في رواية مالك لهذا الحديث دليل على جواز الوكالة في النكاح، وهو أمر لا أعلم فيه خلافًا، والرواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال متواترة عن ميمونة بعينها، وعن أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم، وعن سليمان بن يسار مولاها، وعن يزيد بن الأصم وهو ابن أختها، وهو قول سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وأبي بكر بن عبد الرحمن وابن شهاب وجمهور علماء المدينة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينكح ميمونة إلا وهو حلال قبل أن يحرم، وما أعلم أحدًا من الصحابة روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح ميمونة وهو محرم إلا عبد الله بن عباس، ورواية من ذكرنا معارضة لروايته، والقلبُ إلى رواية الجماعة أَمْيَلُ؛ لأن الواحد أقرب إلى الغلط، وأكثر أحوال حديث ابن عباس أن يجعل متعارضًا مع رواية من ذكرنا، فإذا كان كذلك سقط الاحتجاج بجميعها، ووجب طلب الدليل على هذه المسألة من غيرها، فوجدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه قد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه نهى عن نكاح المحرم، وقال: "لا يَنْكِح المحرم، ولا يُنْكِح"، فوجب المصير إلى هذه الرواية التي لا معارض لها؛ لأنه يستحيل أن ينهى عن شيء ويفعله، مع عمل الخلفاء الراشدين لها، وهم عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وهو قول ابن عمر وأكثر أهل المدينة، وسنذكر حديث عثمان في موضعه من كتابنا هذا، إن شاء الله.
وذكر مالك عن داود بن الحصين عن أبي غطفان بن طريف المري، قال: "تزوج أبي وهو محرم، ففرق بينهما عمر بن الخطاب".
وروى قتادة عن الحسن سمعه يحدث عن علي بن أبي طالب، قال: "أيما رجل نكح وهو محرم فرقنا بينه وبين امرأته".
وروى الثوري عن قدامة بن موسى، قال: سألت سعيد بن المسيب عن محرم نكح، قال: "يفرق بينهما"، فهؤلاء يفسخون نكاح المحرم، وهم جلة العلماء من الصحابة والتابعين، والتفريق لا يكون إلا عن بصيرة مستحكمة، وأن ذلك لا يكون عندهم - والله أعلم - كذلك إلا لصحته عندهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وذكر عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر، قال: "لا يتزوج المحرم، ولا يخطب على غيره".
وروى مالك وأيوب وعبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، أنه قال: "لا يَنْكِح المحرم، ولا يُنْكِح، ولا يخطب".
قال عبد الرزاق: وأخبرني معمر عن عبد الكريم الجزري، عن ميمون بن مهران، قال: سألت صفية ابنة شيبة: أتزوجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ميمونةَ وهو محرم؟ فقالت: "بل تزوجها وهو حلال".
قال: وأخبرنا معمر عن أيوب وجعفر بن برقان، قالا: كتب عمر بن عبد العزيز إلى ميمون بن مهران أن يسأل يزيد بن الأصم: كيف تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة؟ أحلالًا أم حرامًا؟ فسأله فقال: "بل تزوجها حلالًا"، وكتب بذلك إليه.
فهذا عمر بن عبد العزيز يقنع في ذلك بيزيد بن الأصم؛ لعلمه باتصاله بها، وهي خالته، ولثقته به.
قال عبد الرزاق: وأخبرنا معمر عن الزهري، قال: أخبرني يزيد بن الأصم، "أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة حلالًا".
وروى حماد بن سلمة عن حبيب بن الشهيد عن ميمون بن مهران، عن يزيد بن الأصم، عن ميمونة، قالت "تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم بسرف، وهما حلالان، بعد ما رجع من مكة".
وقرأت على سعيد بن نصر، أن قاسم بن أصبغ حدثهم، قال: أخبرنا ابن وضاح، قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: أخبرنا يحيى بن آدم، قال: أخبرنا جرير بن حازم، قال: حدثنا أبو فزارة عن يزيد بن الأصم، قال: حدثتني ميمونة بنت الحارث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تزوجها وهو حلال، قال: وكانت خالتي وخالة ابن عباس".
واختلف فقهاء الأمصار في نكاح المحرم، فقال مالك وأصحابه والليث والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل: لا يَنْكِح المحرم، ولا يُنْكِح.
وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: "لا بأس أن ينكح المحرم وأن ينكح".
وذكر عبد الرزاق عن محمد بن مسلم عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، أنه لم ير بنكاح المحرم بأسًا.
قال: وأخبرنا الثوري عن مغيرة عن إبراهيم، قال: "يتزوج المحرم إن شاء، لا بأس به"، قال: وقال لي الثوري: "لا تلتفت فيه إلى قول أهل المدينة".
وحجة مالك ومن قال بقوله: حديث عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن ذلك، مع ما ذكرناه عن الصحابة في هذا الباب، وتفرقة عمر بينهما تدلُّكَ على قوة بصيرته في ذلك.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: أخبرنا قاسم بن أصبغ، قال: أخبرنا أحمد بن زهير، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر، قال: أخبرنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم عن ميمون بن مهران، قال: "أتيت صفية بنت شيبة، امرأة كبيرة، فقلت لها: أتزوجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ميمونةَ وهو محرم؟ قالت: لا، والله لقد تزوجها وهما حلالان".
وحجة العراقيين في ذلك: حديث ابن عباس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح ميمونة بسرف، وهو محرم" رواه عن ابن عباس عكرمة وسعيد بن جبير وجابر بن يزيد أبو الشعثاء ومجاهد وعطاء بن أبي رباح، كلهم عن ابن عباس بهذا الحديث.
وذكر ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: حدثت ابن شهاب عن جابر بن يزيد عن ابن عباس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح ميمونة وهو محرم" فقال ابن شهاب: حدثني يزيد بن الأصم "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال"، قال: قلت لابن شهاب: أتجعل حفظ ابن عباس كحفظ أعرابي يبول على فخذيه؟!.
حدثناه قاسم بن محمد، قال: أخبرنا خلف بن سعيد، قال: أخبرنا أحمد بن عمرو، قال: أخبرنا محمد بن سنجر، قال: أخبرنا أبو المغيرة، قال: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثنا عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم"، قال سعيد بن المسيب: وهم ابن عباس، وإن كانت خالته، ما تزوجها إلا بعد ما أحل.
قال أبو عمر: هكذا في الحديث، قال سعيد بن المسيب، فلا أدري أكان الأوزاعي يقوله أو عطاء.
قال أبو عمر: واختلف أهل السير في الإخبار في تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة، فقالت طائفة: تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم، وقال آخرون: تزوجها وهو حلال، على حسب اختلاف الفقهاء سواء.
وذكر الأثرم عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، قال: "لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر توجه إلى مكة معتمرًا سنة سبع، وقدم عليه جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة، فخطب عليه ميمونة ابنة الحارث الهلالية، وكانت أختها لأمها أسماء بنت عميس عند جعفر بن أبي طالب، وسلمى بنت عميس عند حمزة بن عبد المطلب، وأختها لأبيها وأمها أم الفضل تحت العباس، فأجابت جعفر بن أبي طالب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعلت أمرها إلى العباس، فأنكحها النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم، فلما رجع بنى بها بسرف حلالًا".
وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا أحمد بن زهير، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب، قال: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من العام المقبل عام الحديبية معتمرًا في ذي القعدة سنة سبع، وهو الشهر الذي صده فيه المشركون عن المسجد الحرام، فلما بلغ موضعًا ذكره، بعث جعفر بن أبي طالب بين يديه إلى ميمونة بنت الحارث بن حزن العامرية، فخطبها عليه، فجعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب فزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حلال.
قال أبو عمر: قال أبو عبيدة: ميمونة بنت الحارث الهلالية، وقال ابن شهاب: العامرية، وهي من ولد هلال بن عامر بن صعصعة، وقد ذكرتُ نسبها مرفوعًا في كتاب الصحابة، وبالله التوفيق، وعليه التوكل.
المجموع شرح المهذب - النووي - (7/ 283 ، 289).
قال المصنف رحمه الله: (ويحرم عليه أن يتزوج، وأن يزوج غيره بالوكالة وبالولاية الخاصة، فإن تزوج أو زوج فالنكاح باطل؛ لما روى عثمان رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "لا يَنْكِح المحرم، ولا يُنْكِح، ولا يخطب"، ولأنه عبادة تحرم الطيب، فحرمت النكاح كالعدة...، وتكره له الخطبة؛ لأن النكاح لا يجوز فكرهت الخطبة له)...
الشرح:
حديث عثمان: رواه مسلم، واللفظ الأول: (لا يَنْكِح) بفتح أوله، أي: لا يتزوج، (والثاني): بضم أوله، أي: لا يزوج غيره، وقوله صلى الله عليه وسلم: (ولا يخطب) معناه: لا يخطب المرأة، وهو طلب زواجها، هذا هو الصواب الذى قاله العلماء كافة.
وأما قول أبي علي الفارقي في كتابه (فوائد المهذب) المراد به: الخطبة التي بين يدي العقد، وهي: (الحمد لله...) الخ، فغلط صريح، وخطأ فاحش، ولا أدري ما حمله على هذا الذى تعسفه، وتجسر عليه؟! لولا خوفي من اغترار بعض المتفقهين به لما استخرت حكايته، والله أعلم.
أما حكم الفصل:
فيحرم على المحرم أن يتزوج، ويحرم عليه أن يزوج موليته بالولاية الخاصة وهي العصوبة والولاء، ويحرم على المحرم أن يتزوج، فإن كان الزوج أو الزوجة أو الولي أو وكيل الزوج أو وكيل الولي محرمًا فالنكاح باطل بلا خلاف؛ لأنه منهي عنه؛ لهذا الحديث الصحيح، والنهى يقتضي الفساد...
فرع: في مذاهب العلماء في نكاح المحرم
قد ذكرنا أن مذهبنا أنه لا يصح تزوج المحرم، ولا تزويجه، وبه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم، وهو مذهب عمر بن الخطاب وعثمان وعلي وزيد بن ثابت وابن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والزهري ومالك وأحمد وإسحاق وداود وغيرهم.
وقال الحكم والثوري وأبو حنيفة: يجوز أن يتزوج ويزوج، واحتجوا بحديث ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم" رواه البخاري ومسلم، وبالقياس على استدامة النكاح على الخلع والرجعة والشهادة على النكاح وشراء الجارية وتزويج السلطان في إحرامه.
واحتج أصحابنا بحديث عثمان رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "لا يَنْكِح المحرم، ولا يُنْكح" رواه مسلم.
فإن قيل: المراد بالنكاح: الوطء.
فالجواب من أوجه، ذكرها القاضي والأصحاب: (أحدها): أن اللفظ إذا اجتمع فيه عرف اللغة وعرف الشرع قُدِّمَ عرف الشرع؛ لأنه طارئ، وعرف الشرع: أن النكاح: العقد؛ لقوله تعالى: { فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ } و { فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ } و { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ } ، وفى الحديث الصحيح: "ولا تنكح المرأة على عمتها"، وفى الصحيح: "انكحي أسامة"، والمراد بالنكاح في هذه المواضع وشبهها: العقد، دون الوطء.
وأما قوله تعالى: { فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } ، وقوله تعالى: { الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً } فإنما حملنا على الوطء؛ بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "حتى تذوقي عسيلته".
الجواب الثاني: أنه يصح حمل قوله صلى الله عليه وسلم: "ولا ينكح" على الوطء.
فإن قالوا: المراد: لا يطأ، ولا يُمَكِّنُ غيرَه من الوطء
قلنا: أجمعنا على أن المحرم يجوز له أن يمكن غيره من الوطء، وهو إذا زوج بنته حلالًا، ثم أحرم، فإنه يلزمه أن يمكن الزوج من الوطء بتسليمها إليه.
الجواب الثالث: أن في هذا الحديث: "لا ينكح، ولا ينكح، ولا يخطب"، والخطبة تراد للعقد، وكذلك النكاح، قالوا: يحمل "ولا يخطب" على أنه لا يخطب الوطء بالطلب والاستدعاء، والجواب: أن الخطبة المقرونة بالعقد لا يفهم منها إلا الخطبة المشهورة، وهي طلب التزويج.
الجواب الرابع: أنه ثبت عن قتيبة بن وهب، أن عمر بن عبيد الله أراد أن يزوج طلحة بن عمر ابنةَ شيبة بن جبير، فأرسل إلى أبان بن عثمان ليحضر ذلك، وهما محرمان، فأنكر ذلك عليه أبان، وقال: سمعت عثمان بن عفان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يَنْكِح المحرم، ولا يُنْكِح، ولا يخطب"، رواه مسلم في صحيحه، وهذا السبب والاستدلال منهم وسكوتهم عليه يدل على سقوط هذا التأويل.
وعن أبي غطفان بن طريف المري، "أن أباه طريفًا تزوج امرأة وهو محرم، فرد عمر بن الخطاب نكاحه" رواه مالك في الموطأ، وروى البيهقي بإسناده عن سعيد بن المسيب، "أن رجلًا تزوج وهو محرم، فأجمع أهل المدينة على أن يفرق بينهما"، ولأنه نكاح لا يعقبه استباحة الوطء، ولا القبلة، فلم يصح كنكاح المعتدة، ولأنه عقد يمنع الإحرام من مقصوده، فمنع أصله كشراء الصيد.
وأما الجواب عن حديث ابن عباس في نكاح ميمونة، فمن أوجه: (أحدها): أن الروايات اختلفت في نكاح ميمونة، فروى يزيد بن الأصم عن ميمونة، وهو ابن أختها، "أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال" رواه مسلم، وعن أبي رافع "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة حلالًا، وبنى بها حلالًا، وكنت الرسول بينهما" رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.
قال أصحابنا: وإذا تعارضت الروايات تعين الترجيح، فرجحنا رواية الأكثرين أنه تزوجها حلالًا.
الوجه الثاني: أن الروايات تعارضت، فتعين الجمع، وطريق الجمع: تأويل حديث ابن عباس أن قوله: "محرمًا" أي: في الحرم، فتزوجها في الحرم، وهو حلال، أو تزوجها في الشهر الحرام، وهذا شائع في اللغة والعرف، ويتعين التأويل للجمع بين الروايات.
الثالث: الترجيح من وجه آخر، وهو أن رواية: "تزوجها حلالًا" من جهة ميمونة وهي صاحبة القصة، وأبي رافع وكان السفير بينهما، فهما أعرف، فاعتماد روايتهما أولى.
الرابع: أنه لو ثبت أنه تزوجها صلى الله عليه وسلم محرمًا لم يكن لهم فيه دليل؛ لأن الأصح عند أصحابنا أن للنبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج في حال الإحرام، وهو قول أبي الطيب بن سلمة وغيره من أصحابنا، والمسألة مشهورة في الخصائص من أول كتاب النكاح.
وأما الجواب عن أقيستهم كلها: فهو أنها كلها ليست نكاحًا، وإنما ورد الشرع بالنهي عن النكاح.
وعن قياسهم على الإمام: أن الأصح عندنا: ألا يصح تزويجه؛ لعموم الحديث، وقد سبق بيان هذا، وإن قلنا بالضعيف: أنه يجوز، فالفرق بقوة ولايته، والله أعلم.
المغني - ابن قدامة - (3/ 318).
فروع في زواج المحرم وتزويجه لغيره ووكالته:
مسألة: قال: (ولا يتزوج المحرم، ولا يزوج، فإن فعل فالنكاح باطل).
قوله: (لا يتزوج) أي: لا يقبل النكاح لنفسه، (ولا يزوج) أي: لا يكون وليًّا في النكاح، ولا وكيلًا فيه، ولا يجوز تزويج المحرمة أيضًا، روي ذلك عن عمر وابنه وزيد بن ثابت رضي الله عنه، وبه قال سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والزهري والأوزاعي ومالك والشافعي، وأجاز ذلك ابن عباس، وهو قول أبي حنيفة؛ لما روى ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم" متفق عليه، ولأنه عقد بملك به الاستمتاع، فلا يحرمه الإحرام كشراء الإماء.
ولنا: ما روى أبان بن عثمان بن عفان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يَنْكح المحرم، ولا يُنْكح، ولا يخطب" رواه مسلم، ولأن الإحرام يحرم الطيب، فيحرم النكاح كالعدة، فأما حديث ابن عباس: فقد روى يزيد بن الأصم، عن ميمونة، "أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها حلالًا، وبنى بها حلالًا، وماتت بسرف، في الظلة التي بنى بها فيها" رواه أبو داود والأثرم، وعن أبي رافع قال: "تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت أنا الرسول بينهما"، قال الترمذي: هذا حديث حسن، وميمونة أعلم بنفسها، وأبو رافع صاحب القصة، وهو السفير فيها، فهما أعلم بذلك من ابن عباس، وأولى بالتقديم لو كان ابن عباس كبيرًا، فكيف وقد كان صغيرًا، ولا يعرف حقائق الأمور، ولا يقف عليها، وقد أنكر عليه هذا القول، وقال سعيد بن المسيب: وهم ابن عباس، ما تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم إلا حلالًا، فكيف يعمل بحديثٍ هذا حالُه؟ ويمكن حمل قوله: "وهو محرم" أي: في الشهر الحرام، أو في البلد الحرام، كما قيل:
قتلوا ابن عفان الخليفة محرمًا.
وقيل: تزوجها حلالًا، وأظهر أمر تزويجها وهو محرم، ثم لو صح الحديثان كان تقديم حديثنا أولى؛ لأنه قول النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك فعله، والقول آكد؛ لأنه يحتمل أن يكون مختصًّا بما فعله، وعقد النكاح يخالف شراء الأمة، فإنه يحرم بالعدة والردة واختلاف الدين وكون المنكوحة أختًا له من الرضاع، ويعتبر له شروط غير معتبرة في الشراء.
موسوعة الفقه الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (41/ 350).
ونكاح المحرم بصوره المختلفة باطل عند الشافعية والحنابلة في المذهب.
أما عند المالكية: فهو فاسد، ويفسخ قبل البناء وبعد البناء بطلقة، وإلى هذا ذهب القاضي من الحنابلة؛ لأنه نكاح مختلف فيه، وذهب ابن عباس رضي الله عنهما والحنفية إلى صحة نكاح المحرم بحج أو عمرة حتى وإن كان الزوجان محرمين، لما رواه ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم، ولأنه عقد يستباح به البُضْع، فلم يمنع منه الإحرام كالرجعة، إلا أن الحنفية نصوا على أن هذا النكاح مكروه تحريمًا، وقيل: تنزيهًا؛ لأن المحرم في شغل عن مباشرة عقود الأنكحة؛ لأن ذلك يوجب شغل قلبه عن إحسان العبادة؛ لما في ذلك من خطبة ومراودات ودعوة واجتماعات، ويتضمن تنبيه النفس لطلب الجماع.
المجموع شرح المهذب - النووي - (7/ 290).
المغني - ابن قدامة - (3/ 318).
فصل: ومتى تزوج المحرم، أو زَوَّجَ، أو زُوِّجَتْ محرمة فالنكاح باطل، سواء كان الكل محرمين، أو بعضهم؛ لأنه منهي عنه، فلم يصح كنكاح المرأة على عمتها أو خالتها، وعن أحمد: إن زَوَّجَ المحرمُ لم أفسخ النكاح، قال بعض أصحابنا: هذا يدل على أنه إذا كان الولي بمفرده أو الوكيل محرمًا لم يفسد النكاح، والمذهب: الأول، وكلام أحمد يحمل على أنه لا يفسخه؛ لكونه مختلَفًا فيه، قال أحمد في رواية أبي طالب: إذا تزوجت بغير ولي لم يكن للولي أن يزوجها من غيره حتى يطلق، ولأن تزويجها من غير طلاق يقضي إلى أن يجتمع للمرأة زوجان، كل واحد منهما يعتقد حلها.
فصل: وتكره الخطبة للمحرم، وخطبة المحرمة، ويكره للمحرم أن يخطب للمحلين؛ لأنه قد جاء في بعض ألفاظ حديث عثمان: "لا يَنْكِح المحرم، ولا يُنْكِح، ولا يخطب" رواه مسلم، ولأنه تسبب إلى الحرام فأشبه الإشارة إلى الصيد، والإحرام الفاسد كالصحيح في منع النكاح وسائر المحظورات؛ لأن حكمه باق في وجوب ما يجب في الإحرام، فكذلك ما يحرم به.
المغني - ابن قدامة - (3/ 318).
فصل: ويكره أن يشهد في النكاح؛ لأنه معاونة على النكاح، فأشبه الخطبة، وإن شهد أو خطب لم يفسد النكاح، وقال بعض أصحاب الشافعي: لا ينعقد النكاح بشهادة المحرمين؛ لأن في بعض الروايات: "ولا يشهد".
ولنا: أنه لا مدخل للشاهد في العقد، فأشبه الخطبة، وهذه اللفظة غير معروفة فلم يثبت بها حكم، ومتى تزوج المحرم، أو زَوَّجَ، أو زوجت محرمة لم يجب بذلك فدية؛ لأنه عقد فسد لأجل الإحرام فلم تجب به فدية، كشراء الصيد.