الموسوعة الفقهية الكويتية- وزارة الأوقاف الكويتية- (21/ 144)
ب- إتلاف المعين من الأموال أو تلفه:
5- مع اختلاف الفقهاء في تعلق الزكاة بالعين أو بالذمة، إلا أنهم جميعًا يتفقون على أن استهلاك مال الزكاة أو التصرف فيها بعد الوجوب يجعلها دينًا ثابتًا في الذمة، يقول القرافي: إن الزكاة ما دامت معينة بوجود نصابها لا تكون في الذمة، فإذا تلف النصاب بعذر لا يضمن نصيب الفقراء، ولا ينتقل الواجب إلى الذمة، ويقول الكاساني: من أتلف الثمار أو الزرع أو أكلها بعد وجوب الزكاة فيها ضمنها، وكانت دينًا في ذمته، كما لو أتلف مال الزكاة بعد حولان الحول.
الموسوعة الفقهية الكويتية- وزارة الأوقاف الكويتية- (23/ 297)
تراكم الزكاة لسنين:
127 - إذا أتى على المكلف بالزكاة سنون لم يؤد زكاته فيها، وقد تمت شروط الوجوب، لم يسقط عنه منها شيء اتفاقًا، ووجب عليه أن يؤدي الزكاة عن كل السنين التي مضت، ولم يخرج زكاته فيها.
ولكن اختلف الفقهاء في أنه هل يسقط من المال قدر زكاته للسنة الأولى ويزكي في الثانية ما عداه، وهكذا في الثالثة وما بعدها، أم يزكي كل المال لكل السنين؟.
قال ابن قدامة: فائدة الخلاف: أنها إذا كانت في الذمة فحال على ماله حولان لم يؤد زكاتهما وجب عليه أداؤها لما مضى، ولا تنقضي عنه الزكاة في الحول الثاني، وكذلك إن كان أكثر من نصاب لم تنقص الزكاة، وإن مضى عليه أحوال، فلو كان عنده أربعون شاة مضى عليها ثلاثة أحوال لم يؤد زكاتها وجب عليه ثلاث شياه، وإن كانت مائة دينار، فعليه سبعة دنانير ونصف؛ لأن الزكاة وجبت في ذمته فلم يؤثر في تنقيص النصاب، لكن إن لم يكن له مال آخر يؤدي الزكاة منه احتمل أن تسقط الزكاة في قدرها؛ لأن الدين يمنع وجوب الزكاة.
وإن قلنا: الزكاة تتعلق بالعين، وكان النصاب مما تجب الزكاة في عينه فحالت عليه أحوال لم تؤد زكاتها تعلقت الزكاة في الحول الأول من النصاب بقدرها، فإن كان نصابًا لا زيادة عليه فلا زكاة فيه فيما بعد الحول الأول؛ لأن النصاب نقص فيه، وإن كان أكثر من نصاب عزل قدر فرض الحول الأول، وعليه زكاة ما بقي. وهذا هو المنصوص عن أحمد في رواية جماعة.
المغني لابن قدامة (4/ 140 :142)
438 – مسألة: قال: (والزكاة تجب في الذمة بحلول الحول، وإن تلف المال، فرط أو لم يفرط).
هذه المسألة تشتمل على أحكام ثلاثة: أحدها: أن الزكاة تجب في الذمة، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وأحد قولي الشافعي؛ لأن إخراجها من غير النصاب جائز، فلم تكن واجبة فيه، كزكاة الفطر، ولأنها لو وجبت فيه لامتنع تصرف المالك فيه، ولتمكن المستحقون من إلزامه أداء الزكاة من عينه، أو ظهر شيء من أحكام ثبوته فيه، ولسقطت الزكاة بتلف النصاب من غير تفريط، كسقوط أرش الجناية بتلف الجاني. والثانية: أنها تجب في العين، وهذا القول الثاني للشافعي، وهذه الرواية هي الظاهرة عند بعض أصحابنا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "في أربعين شاة شاة"، وقوله: "فيما سقت السماء العشر، وفيما سقى بدالية أو نضح نصف العشر"، وغير ذلك من الألفاظ الواردة بحرف "في" وهي للظرفية. وإنما جاز الإخراج من غير النصاب رخصة، وفائدة الخلاف: أنها إذا كانت في الذمة، فحال على ماله حولان، لم يؤد زكاتهما، وجب عليه أداؤها لما مضى، ولا تنقص عنه الزكاة في الحول الثاني، وكذلك إن كان أكثر من نصاب، لم تنقص الزكاة، وإن مضى عليه أحوال، فلو كان عنده أربعون شاة مضى عليها ثلاثة أحوال لم يؤد زكاتها، وجب عليه ثلاث شياه، وإن كانت مائة دينار، فعليه سبعة دنانير ونصف؛ لأن الزكاة وجبت في ذمته، فلم يؤثر في تنقيص النصاب، لكن إن لم يكن له مال آخر يؤدي الزكاة منه، احتمل أن تسقط الزكاة في قدرها؛ لأن الدين يمنع وجوب الزكاة، وقال ابن عقيل: لا تسقط الزكاة بهذا بحال؛ لأن الشيء لا يسقط نفسه، وقد يسقط غيره، بدليل أن تغير الماء بالنجاسة في محلها لا يمنع صحة طهارتها وإزالتها به، ويمنع إزالة نجاسة غيرها، والأول أولى؛ لأن الزكاة الثانية غير الأولى، وإن قلنا: الزكاة تتعلق بالعين، وكان النصاب مما تجب الزكاة في عينه، فحالت عليه أحوال لم تؤد زكاتها، تعلقت الزكاة في الحول الأول من النصاب بقدره، فإن كان نصابًا لا زيادة عليه، فلا زكاة فيه، فيما بعد الحول الأول؛ لأن النصاب نقص فيه، وإن كان أكثر من نصاب عزل قدر فرض الحول الأول، وعليه زكاة ما بقي، وهذا هو المنصوص عن أحمد، في رواية جماعة، وقال في رواية محمد بن الحكم: إذا كانت الغنم أربعين، فلم يأته المصدق عامين، فإذا أخذ المصدق شاة، فليس عليه شيء في الباقي، وفيه خلاف، وقال في رواية صالح: إذا كان عند الرجل مائتا درهم، فلم يزكها حتى حال عليها حول آخر، يزكيها للعام الأول؛ لأن هذه تصير مائتين غير خمسة دراهم، وقال في رجل له ألف درهم، فلم يزكها سنين: يزكي في أول سنة خمسة وعشرين، ثم في كل سنة بحساب ما بقي، وهذا قول مالك، والشافعي، وأبي عبيد، فإن كان عنده أربعون من الغنم نتجت سخلة في كل حول، وجب عليه في كل سنة شاة؛ لأن النصاب كمل بالسخلة الحادثة، فإن كان نتاج السخلة بعد وجوب الزكاة عليه بمدة، استؤنف الحول الثاني من حين نتجت؛ لأنه حينئذ كمل.
المجموع شرح المهذب (5/ 377 :380 )
وهل تجب الزكاة في العين أو في الذمة؟ فيه قولان، (قال في القديم): تجب في الذمة والعين مرتهنة بها، ووجهه: أنها لو كانت واجبة في العين لم يجز أن يعطى حق الفقراء من غيرها كحق المضارب والشريك، (وقال في الجديد): تجب في العين وهو الصحيح؛ لأنه حق يتعلق بالمال يسقط بهلا كه، فتعلق بعينه كحق المضارب، فان قلنا: إنها تجب في العين وعنده نصاب وجبت فيه الزكاة، فلم يؤد حتى حال عليه حول آخر لم يجب في الحول الثاني زكاة؛ لأن الفقراء ملكوا من النصاب قدر الفرض فلم يجب في الحول الثاني زكاة؛ لأن الباقي دون النصاب، وإن قلنا: تجب في الذمة وجبت في الحول الثاني وفى كل حول؛ لأن النصاب باق على ملكه.
الشرح:
قوله: هل تجب الزكاة في الذمة أو في العين؟ فيه قولان، (الجديد) الصحيح: في العين، (والقديم): في الذمة.
هكذا ذكر المسألة أصحابنا العراقيون، ووافقهم جمهور الخراسانيين على أن الصحيح: تعلقها بالعين، وذكر إمام الحرمين والغزالي وطائفة من الخراسانيين ترتيبًا آخر في كيفية نقل المسألة، فقالوا: هل تتعلق الزكاة بالعين أو بالذمة؟ فيه قولان، فإن قلنا: بالعين، فقولان: (أحدهما): أن الفقراء يصيرون شركاء لرب المال في قدر الزكاة؛ لأن الواجب يتبع المال في الصفة، فتؤخذ الصحيحة من الصحاح، والمريضة من المراض، ولو امتنع من إخراج الزكاة أخذها الإمام من عين المال قهرًا، (والثاني): أنها تتعلق بالمال تعلق استيثاق؛ لأنه لو كان مشتركًا لما جاز الإخراج من موضع آخر، كالمشترك بين رجلين، وعلى هذا القول في كيفية الاستيثاق قولان: (أحدهما): تتعلق به تعلق الدين بالرهن، (والثاني) تعلق الأرش برقبة العبد الجاني؛ لأن الزكاة تسقط بتلف المال قبل التمكن، فلو قلنا: تعلقها تعلق المرهون لما سقطت، وحكى إمام الحرمين وغيره عن ابن سريج أنه قال: لا خلاف في تعلقها العين تعلق شركة، (والثاني): تعلق الرهن، (والثالث): تعلق أرش الجناية، (والرابع): تتعلق بالذمة.
قال صاحب التتمة: وإذا قلنا: تتعلق بالذمة فهل المال خلو، أو هو رهن بها؟ فيه وجهان، قال أصحابنا: فإن قلنا: تتعلق بالعين تعلق الرهن أو الأرش، فهل تتعلق بالجميع أم بقدرها فقط؟ فيه وجهان، حكاهما إمام الحرمين وغيره، (أصحهما): بقدرها، قال الإمام: التخصيص بقدر الزكاة هو الحق الذي قاله الجمهور، وما عداه هفوة، وتظهر فائدة الخلاف في بيع مال الزكاة.
هذا كله إذا كان الواجب من جنس المال، فإن كان من غيره، كالشاة الواجبة في خمس من الإبل، فطريقان حكاهما صاحب التتمة وغيره، (أحدهما): القطع بتعلقها بالذمة لتوافق الجنس، (والثاني): وهو الصحيح، وبه قطع الجمهور: أنه على الخلاف، كما لو اتحد الجنس فعلى قول الاستيثاق لا تختلف، وعلى قول الشركة ثبتت الشركة بقدر قيمة الشاة، والله أعلم.
فرع:
وأما قول المصنف في توجيه القديم: لأن الزكاة لو وجبت في العين لم يجز أن يعطى حق الفقراء من غيرها كحق المضارب والشريك، فالمضارب - بكسر الراء، ويجوز فتحها - وهو عامل القراض، وهذا الذي قاله من جواز إخراج الزكاة من غير عين المال متفق عليه، وأجاب الأصحاب للقول الجديد الصحيح عن هذا بأن الزكاة مبنية على المسامحة والإرفاق، فيحتمل فيها ما لا يحتمل في غيرها.
وقوله في توجيه الجديد: حق تعلق بالمال فسقط بهلاكه، احتراز من الرهن.