موسوعة الفقه الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (2/ 181).
148- اتفقوا على أن من فعل من المحظورات شيئًا لعذر مرض أو دفع أذى: فإن عليه الفدية، يتخير فيها: إما أن يذبح هديًا، أو يتصدق بإطعام ستة مساكين، أو يصوم ثلاثة أيام؛ لقوله تعالى: { وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ } ، ولما ورد عن كعب بن عجرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له حين رأى هوامَّ رأسه: "أيؤذيك هوامُّ رأسك؟ قال: قلت: نعم. قال: فاحلق، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة" متفق عليه.
149- وأما العامد الذي لا عذر له: فقد اختلفوا فيه:
فذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه يتخير، كالمعذور، وعليه إثم ما فعله. واستدلوا بالآية.
وذهب الحنفية إلى أن العامد لا يتخير، بل يجب عليه الدم عينًا، أو الصدقة عينًا، حسب جنايته. واستدلوا على ذلك بالأدلة السابقة.
وجه الاستدلال: أن التخيير شُرع فيها عند العذر من مرض أو أذى، وغير المعذور جنايته أغلظ، فتتغلظ عقوبته، وذلك بنفي التخيير في حقه.
150- وأما المعذور بغير الأذى والمرض: كالناسي، والجاهل بالحكم، والمكره، والنائم، والمغمى عليه، فحكمه عند الحنفية المالكية حكم العامد، على ما سبق.
ووجه حكمه هذا: أن الارتفاق حصل له، وعدم الاختيار أسقط الإثم عنه، كما وجهه الحنفية.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى التمييز بين جناية فيها إتلاف، وهي هنا الحلق أو قص الشعر أو قلم الظفر، وجناية ليس فيها إتلاف، وهي: اللبس وتغطية الرأس، والادهان والتطيب، فأوجبوا الفدية في الإتلاف؛ لأنه يستوي عمده وسهوه، ولم يوجبوا فدية في غير الإتلاف، بل أسقطوا الكفارة عن صاحب أي عذر من هذه الأعذار.
التمهيد - ابن عبد البر - (2/ 239).
المجموع شرح المهذب - النووي - (7/ 335).
قال المصنف رحمه الله: (وإن احتاج المحرم إلى اللبس لحر أو برد، أو احتاج إلى الطيب لمرض، أو إلى حلق الرأس للأذى، أو إلى شد رأسه بعصابة لجراحة عليه، أو إلى ذبح الصيد للمجاعة، لم يحرم عليه، وتجب عليه الكفارة؛ لقوله تعالى: { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ } ، ولحديث كعب بن عجرة.
فثبت الحلق بالنص، وقسنا عليه ما سواه؛ لأنه في معناه، وإن نبت في عينه شعرة فقلعها، أو نزل شعر الراس على عينه فقطع ما غطى العين، أو انكسر شيء من ظفره فقطع ما انكسر منه، أو صال عليه صيد فقتله؛ دفعًا عن نفسه جاز، ولا كفارة عليه؛ لأن الذي تعلق به المنع ألجأه إلى إتلافه.
ويخالف إذا آذاه القمل في رأسه، فحلق الشعر؛ لأن الأذى لم يكن من جهة الشعر الذي تعلق به المنع، إنما كان من غيره.
المغني - ابن قدامة - (3/ 525).
مسألة: قال: (ومن حلق أربع شعرات فصاعدًا، عامدًا أو مخطئًا، فعليه صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ثلاثة آصع من تمر بين ستة مساكين، أو ذبح شاة، أيّ ذلك فعل، أجزأه).
الفصل الأول: أن على المحرم فدية إذا حلق رأسه.
ولا خلاف في ذلك، قال ابن المنذر: "أجمع أهل العلم على وجوب الفدية على من حلق، وهو محرم، بغير علة، والأصل في ذلك: قوله تعالى: { وَلَا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ } ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة: "لعلك أذاك هوامك؟" قال: نعم، يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك شاة" متفق عليه، وفي لفظ: أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع تمر"، ولا فرق في ذلك بين إزالة الشعر بالحلق أو النَّوْرة أو قصه، أو غير ذلك، لا نعلم فيه خلافًا.
موسوعة الفقه الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (2/ 185).
رابعًا: تقليم الأظفار
158- قال الحنفية: إذا قص أظفار يديه ورجليه جميعها في مجلس واحد، تجب عليه شاة، وكذا إذا قص أظفار يد واحدة، أو رجل واحدة، تجب شاة، وإن قص أقل من خمسة أظفار من يد واحدة، أو خمسة متفرقة من أظفاره، تجب عليه صدقة لكل ظفر.
ومذهب المالكية: أنه إن قلم ظفرًا واحدًا عبثًا، أو ترفُّهًا، لا لإماطة أذى، ولا لكسره، يجب عليه صدقة: حفنة من طعام، فإن فعل ذلك لإماطة الأذى أو الوسخ: ففيه فدية، وإن قلمه لكسره فلا شيء عليه إذا تأذى منه، ويقتصر على ما كسر منه، وإن قلم ظفرين في مجلس واحد ففدية، ولو لم يقصد إماطة الأذى، وإن قطع واحدًا بعد آخر: فإن كانا في فور ففدية، وإلا ففي كل ظفر حفنة.
وعند الشافعية والحنابلة: يجب الفداء في تقليم ثلاثة أظفار فصاعدًا في مجلس واحد، ويجب في الظفر والظفرين ما يجب في الشعرتين.
المغني - ابن قدامة - (3/ 531).
مسألة: قال: (وكذلك الأظفار).
قال ابن المنذر: وأجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من أخذ أظفاره، وعليه الفدية، يأخذ في قول أكثرهم، وهو قول حماد ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، وروي ذلك عن عطاء، وعنه: لا فدية عليه؛ لأن الشرع لم يرد فيه بفدية.
ولنا: أنه أزال ما منع إزالته الترفُّه، فوجبت عليه الفدية، كحلق الشعر، وعدم النص فيه لا يمنع قياسه عليه، كشعر البدن مع شعر الرأس، والحكم في فدية الأظفار كالحكم في فدية الشعر سواء، في أربعة منها دم، وعنه: في ثلاثة دم، وفي الظفر الواحد مد من طعام، وفي الظفرين مدان، على ما ذكرنا من التفصيل والاختلاف فيه، وقول الشافعي وأبي ثور كذلك.
وقال أبو حنيفة: لا يجب الدم إلا بتقليم أظفار يد كاملة، حتى لو قلم من كل يد أربعة لا يجب عليه الدم؛ لأنه لم يستكمل منفعة اليد، أشبه الظفر والظفرين.
ولنا: أنه قلم ما يقع عليه اسم الجمع، أشبه ما لو قلم خمسًا من يد واحدة، وما قالوه يبطل بما إذا حلق ربع رأسه، فإنه لم يستوف منفعة العضو، ويجب به الدم، وقولهم يؤدي إلى أن يجب به الدم في القليل دون الكثير.
إذا ثبت هذا، فإنه يتخير من قلم ما يجب به الدم بين الثلاثة أشياء، كما قلنا في الشعر؛ لأن الإيجاب في الأظفار: بالإلحاق بالشعر، فيكون حكم الفرع حكم أصله، ولا يجب فيما دون الأربعة أو الثلاثة بقسطه من الدم؛ لأن العبادة إذا وجب فيها الحيوان لم يجب فيها جزء منه، كالزكاة.
فصل: وفي قص بعض الظفر ما في جميعه، وكذلك في قطع بعض الشعرة مثل ما في قطع جميعها؛ لأن الفدية تجب في الشعرة والظفر، سواء أطال أو قصر، وليس بمقدر بمساحة، فيتقدر الضمان عليه، بل هو كالموضحة، يجب في الصغيرة منه مثلما يجب في الكبيرة، وخرَّجَ ابن عقيل وجهًا أنه يجب بحساب المتلف، كالإصبع يجب في أنملتها ثلث ديتها، والله أعلم.
موسوعة الفقه الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (2/ 182).
أولًا: اللباس
152- من لبس شيئًا من محظور اللبس، أو ارتكب تغطية الرأس، أو غير ذلك، فقال فقهاء الحنفية: إن استدام ذلك نهارًا كاملًا أو ليلة وجب عليه الدم، وكذا إذا غطت المرأة وجهها بساتر يلامس بشرتها على ما سبق من التفصيل فيه (ف 67).
وإن كان أقل من يوم أو أقل من ليلة: فعليه صدقة عند الحنفية، وفي أقل من ساعة عرفية: قبضة من بُر، وهي مقدار ما يحمل الكف.
ومذهب الشافعي وأحمد: أنه يجب الفداء بمجرد اللبس، ولو لم يستمر زمنًا؛ لأن الارتفاق يحصل بالاشتمال على الثوب، ويحصل محظور الإحرام، فلا يتقيد وجوب الفدية بالزمن.
وعند المالكية: يشترط لوجوب الفدية من لبس الثوب أو الخف أو غيرهما من محظورات اللبس: أن ينتفع به من حر أو برد، فإن لم ينتفع به من حر أو برد، بأن لبس قميصًا رقيقًا، لا يقي حرًّا ولا بردًا، يجب الفداء إن امتدَّ لبسه مدة كاليوم.
المجموع شرح المهذب - النووي - (7/ 340).
إذا تطيب أو لبس أو دهن رأسه أو لحيته جاهلًا بتحريم ذلك، أو ناسيًا الإحرام فلا فدية عليه، نص عليه الشافعي، واتفق عليه الأصحاب، إلا المزني فأوجبها.
دليل المذهب: ما ذكره المصنف، فإن ذكر ما فعله ناسيًا، أو علم ما فعله جاهلًا، لزمه المبادرة بإزالة الطيب واللباس، وله نزع الثوب من قِبَل رأسه، ولا يكلف شَقُّهُ.
هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وخالف فيه بعض السلف.
قال أصحابنا: فإن شرع في الإزالة، وطال زمانها من غير تفريط فلا فدية عليه؛ لأنه معذور، وإن أخر الإزالة مع إمكانها لزمه الفدية، سواء طال الزمان أم لا؛ لأنه متطيب في ذلك الزمان بلا عذر، وإن تعذرت عليه إزالة الطيب أو اللباس، بأن كان أقطع، أو بيده علة، أو غير ذلك، أو عجز عما يزيل به الطيب، فلا فدية ما دام العجز؛ لما ذكره المصنف، ومتى تمكن، ولو بأجرة المثل، لزمه المبادرة بالإزالة.
المغني - ابن قدامة - (3/ 533).
فدية اللباس والتطيب على المحرم:
مسألة: قال: (وإن تطيب المحرم عامدًا، غسل الطيب، وعليه دم، وكذلك إن لبس المخيط، أو الخف عامدًا، وهو يجد النعل خلع، وعليه دم).
لا خلاف في وجوب الفدية على المحرم إذا تطيب أو لبس عامدًا؛ لأنه ترفَّهَ بمحظور في إحرامه، فلزمته الفدية، كما لو ترفَّهَ بحلق شعره، أو قلم ظفره، والواجب عليه أن يفديه بدم، ويستوي في ذلك قليل الطيب وكثيره، وقليل اللبس وكثيره، وبذلك قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يجب الدم إلا بتطيب عضو كامل، وفي اللباس بلباس يوم وليلة، ولا شيء فيما دون ذلك؛ لأنه لم يلبس لبسًا معتادًا، فأشبه ما لو ائتزر بالقميص.
ولنا: أنه متى حصل به الاستمتاع بالمحظورات، فاعتبر مجرد الفعل كالوطء محظورًا، فلا تتقدر فديته بالزمن كسائر المحظورات، وما ذكروه غير صحيح؛ فإن الناس يختلفون في اللبس في العادة، ولأن ما ذكروه تقدير، والتقديرات بابها التوقيف، وتقديرهم بعضو ويوم وليلة تَحَكُّمٌ محضٌ، وأما إذا ائتزر بقميص فليس ذلك بلبس مخيط؛ ولهذا لا يحرم عليه، والمختلف فيه محرم.
موسوعة الفقه الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (28/ 11).
وقال في كفارة الحلق: { وَلَا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُك } [البقرة: 196]....
وقال في جزاء الصيد: { أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ } ، فذكر الصوم في هذه الآيات مطلقًا عن شرط التتابع.
وكذا الناذر والحالف، في النذر المطلق واليمين المطلقة، ذكر الصوم فيها مطلقًا عن شرط التتابع.
التمهيد - ابن عبد البر - (2/ 238).
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة الأنصاري، أنه حدثه، أنه كان أهلَّ في ذي القعدة، وأنه قمل رأسه، فأتى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوقد تحت قدر له، فقال له: "كأنك تؤذيك هوامُّ رأسك؟" قال: أجل، قال: "احلق، وأهد هديًا، فقال: ما أجد هديًا، قال: "فأطعِمْ ستة مساكين"، فقال: ما أجد، فقال: "صم ثلاثة أيام".
قال أبو عمر: كأن ظاهر هذا الحديث على الترتيب، وليس كذلك، ولو صح هذا كان معناه: الاختيار أولًا فأولًا، وعامة الآثار عن كعب بن عجرة وردت بلفظ التخيير، وهو نص القرآن، وعليه مضى عمل العلماء في كل الأمصار وفتواهم، وبالله التوفيق.
المغني - ابن قدامة - (3/ 525).
الفصل الثالث: أن الفدية هي إحدى الثلاثة المذكورة في الآية والخبر، أيها شاء فَعَل؛ لأنه أمَر بها بلفظ التخيير، ولا فرق في ذلك بين المعذور وغيره، والعامد والمخطئ، وهو مذهب مالك والشافعي.
وعن أحمد: أنه إذا حلق لغير عذر، فعليه الدم، من غير تخيير، وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأن الله تعالى خير بشرط العذر، فإذا عدم الشرط وجب زوال التخيير.
ولنا: أن الحكم ثبت في غير المعذور بطريق التنبيه تبعًا له، والتبع لا يخالف أصله، ولأن كل كفارة ثبت التخيير فيها إذا كان سببها مباحًا ثبت كذلك إذا كان محظورًا كجزاء الصيد، ولا فرق بين قتله للضرورة إلى أكله، أو لغير ذلك، وإنما الشرط لجواز الحلق، لا التخيير.
التمهيد - ابن عبد البر - (2/ 240 ، 241).
واختلفوا في موضع الفدية المذكورة، فقال مالك: يفعل ذلك أين شاء، إن شاء بمكة، وإن شاء ببلده، وذبح النسك والإطعام والصيام عنده سواء، يفعل ما شاء من ذلك، أين شاء، وهو قول مجاهد، والذبح ههنا عند مالك نسك، وليس بهدي، قال: والنسك يكون حيث شاء، والهدى لا يكون إلا بمكة، وحجته في أن النسك يكون بغير مكة: حديثه عن يحيى بن سعيد، عن يعقوب بن خالد المخزومي، عن أبي أسماء مولى عبد الله بن جعفر، أنه أخبره أنه كان مع عبد الله بن جعفر، وخرج معه من المدينة، فمروا على حسين بن علي، وهو مريض بالسقيا، فأقام عليه عبد الله بن جعفر حتى إذا خاف الموت، خرج وبعث إلى علي بن أبي طالب وأسماء بنت عميس، وهما بالمدينة، فقدما عليه، ثم إن حسينًا أشار إلى رأسه، فأمر علي بن أبي طالب برأسه فحلق، ثم نسك عنه بالسقيا، فنحر عنه بعيرًا، قال مالك: قال يحيى بن سعيد: وكان حسين خرج مع عثمان في سفره إلى مكة: فهذا واضح في أن الذبح في فدية الأذى جائز بغير مكة: وجائز عند مالك في الهدي إذا نحر في الحرم أن يعطاه غير أهل الحرم؛ لأن البغية فيه إطعام مساكين المسلمين.
قال: ولما جاز الصوم أن يؤتى به في غير الحرم، جاز إطعام غير أهل الحرم، وقال أبو حنيفة والشافعي: الدم والإطعام لا يجزي إلا بمكة، والصوم حيث شاء، وهو قول طاوس، قال الشافعي: الصوم مخالف للإطعام والذبح؛ لأن الصوم لا منفعة فيه لأهل الحرم، وقد قال الله تعالى: { هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ } رفقًا بمساكين الحرم، جيران بيته، والله أعلم.
وقد قال عطاء: "ما كان من دم فبمكة، وما كان من إطعام أو صيام فحيث شاء".
وعن أبي حنيفة وأصحابه أيضًا مثل قول عطاء، وعن الحسن أن الدم بمكة.
ذكر إسماعيل القاضي حديث عليٍّ، حين حلق رأس حسينٍ ابنه بالسقيا، ونسك عنه في موضعه، من حديث مالك وغيره، عن يحيى بن سعيد، ثم قال: "هذا أبْيَنُ ما جاء في هذا الباب، وأصحه، وفيه جواز الذبح في فدية الأذى بغير مكة".
قال أبو عمر: الحجة في ذلك: قول الله عز وجل: { وَلَا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ } ، ثم قال: { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ } ، ولم يقل في موضع دون موضع، فالظاهر أنه حيث ما فعل أجزأ، وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يذبح في فدية الأذى نسكًا، ولم يسمه هديًا، فلا يلزمنا أن نرده؛ قياسًا على الهدى، ولا أن نعتبره بالهدي، مع ما جاء في ذلك عن علي رضي الله عنه، ومع استعمال ظاهر الحديث في ذلك، والله أعلم.
المغني - ابن قدامة - (3/ 582).
مسألة: قال: (وكل هدي أو إطعام فهو لمساكين الحرم، إن قدر على إيصاله إليهم، إلا من أصابه أذًى من رأسه، فيفرقه على المساكين، في الموضع الذي حلق فيه).
أما فدية الأذى: فتجوز في الموضع الذي حلق فيه، نص عليه أحمد، وقال الشافعي: لا يجوز إلا في الحرم؛ لقوله تعالى: { ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ } .
ولنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمَر كعب بن عجرة بالفدية بالحديبية، ولم يأمر ببعثه إلى الحرم، وروى الأثرم وإسحاق الجوزجاني في كتابيهما، عن أبي أسماء مولى عبد الله بن جعفر، قال: مكثت مع عثمان وعلي وحسين بن علي رضي الله عنهم، حجاجًا، فاشتكى حسين بن علي بالسقيا، فأومأ بيده إلى رأسه، فحلقه علي، ونحر عنه جزورًا بالسقيا، هذا لفظ رواية الأثرم، ولم يعرف لهم مخالف، والآية وردت في الهدي، وظاهر كلام الخرقي اختصاص ذلك بفدية الشعر، وما عداه من الدماء فبمكة، وقال القاضي في الدماء الواجبة بفعل محظور كاللباس والطيب: هي كدم الحلق، وفي الجميع روايتان، إحداهما: يفدي حيث وجد سببه، والثانية: محل الجميع الحرم.
وأما جزاء الصيد فهو لمساكين الحرم، نص عليه أحمد، فقال: أما ما كان بمكة أو كان من الصيد فكلٌّ بمكة؛ لأن الله تعالى قال: { هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ } ، وما كان من فدية الرأس فحيث حلقه، وذكر القاضي في قتل الصيد رواية أخرى: أنه يفدي حيث قتله، وهذا يخالف نص الكتاب، ونص الإمام أحمد في التفرقة بينه وبين حلق الرأس، فلا يعول عليه، وما وجب لترك نسك أو فوات، فهو لمساكين الحرم دون غيرهم؛ لأنه هدي وجب لترك نسك، فأشبه هدي القران، وإن فعل المحظور لغير سبب يبيحه، فذكر ابن عقيل أنه يختص ذبحه وتفرقة لحمه بالحرم، كسائر الهدي.
فصل: وما وجب نحره بالحرم وجب تفرقة لحمه به، وبهذا قال الشافعي، وقال مالك وأبو حنيفة: إذا ذبحها في الحرم جاز تفرقة لحمها في الحل.
ولنا: أنه أحد مقصودي النسك، فلم يجز في الحل كالذبح، ولأن المقصود من ذبحه بالحرم :التوسعة على مساكينه، وهذا لا يحصل بإعطاء غيرهم، ولأنه نسك يختص بالحرم فكان جميعه مختصًّا به، كالطواف وسائر المناسك.
فصل: والطعام كالهدي، يختص بمساكين الحرم، فيما يختص الهدي، وقال عطاء والنخغي: "ما كان من هدي فبمكة، وما كان من طعام وصيام فحيث شاء"، وهذا يقتضيه مذهب مالك وأبي حنيفة.
ولنا: قول ابن عباس: "الهدي والطعام بمكة، والصوم حيث شاء"، ولأنه نسك يتعدى نفعه إلى المساكين، فاختص بالحرم كالهدي.
التمهيد - ابن عبد البر - (2/ 113).
واختلفوا في جواز الأكل مما عدا هدي التطوع، فقال مالك: "يؤكل من كل هدي سيق في الإحرام، إلا جزاء الصيد، وفدية الأذى، وما نذر للمساكين"، والأصل في ذلك عند مالك وأصحابه: أنَّ كل ما دخله الإطعام من الهدي والنسك لمن لم يجده فسبيله سبيل ما جعل للمساكين، ولا يجوز الأكل منه، وما سوى ذلك يؤكل منه؛ لأن الله قد أطلق الأكل من البُدْن، وهي من شعائر الله، فلا يجب أن يمتنع من أكل شيء منها، إلا بدليل لا معارض له، أو بإجماع، وقد أجمعوا على إباحة الأكل من هدي التطوع إذا بلغ محله، ولم يجعلوه رجوعًا فيه، فكذلك كل هدي إلا ما اجتمع عليه.
وقال أبو حنيفة: يأكل من هدي المتعة وهدي التطوع إذا بلغ محله، لا غير.
وقال الشافعي: لا يأكل من شيء من الهدي الواجب، وقال في معنى قول الله عز وجل: { فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا } : إن ذلك في هدي التطوع، لا في الواجب؛ بدليل الإجماع على أنه لا يؤكل من جزاء الصيد وفدية الأذى، فكانت العلة في ذلك أنه دم واجب في الإحرام، من أجل ما أتاه المحرم، فكل هدي وجب على المحرم بسبب فعل أتاه فهو بمنزلته، والواجبات لا يجوز الرجوع في شيء منها، كالزكاة، وبالله التوفيق.