موسوعة الفقه الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (5/ 95).
وقال المالكية والشافعية: يسن لمن يريد التضحية، ولمن يعلم أن غيره يضحي عنه ألا يزيل شيئًا من شعر رأسه أو بدنه، بحلق أو قص أو غيرهما، ولا شيئًا من أظفاره بتقليم أو غيره، ولا شيئًا من بشرته كسلعة لا يضره بقاؤها، وذلك من ليلة اليوم الأول من ذي الحجة إلى الفراغ من ذبح الأضحية.
وقال الحنابلة: إن ذلك واجب، لا مسنون، وحكي الوجوب عن سعيد بن المسيب وربيعة وإسحاق.
ونقل ابن قدامة عن الحنفية عدم الكراهة، وعلى القول بالسنية يكون الإقدام على هذه الأمور مكروهًا تنزيهًا، وعلى القول بالوجوب يكون محرمًا.
والأصل في ذلك: حديث أم سلمة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دخل العشر، وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شعره، ولا من بشره شيئًا".
وفي رواية أخرى عنها رضي الله عنها، أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره".
والقائلون بالسنية جعلوا النهي للكراهة.
والحديث الدال على عدم تحريم الفعل: هو حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "كنت أفتل قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يقلده، ويبعث به، ولا يحرم عليه شيء أحله الله له، حتى ينحر هديه".
قال الشافعي: البعث بالهدي أكثر من إرادة التضحية، فدل على أنه لا يحرم ذلك.
والحكمة في مشروعية الإمساك عن الشعر والأظفار ونحوهما: قيل: إنها التشبه بالمحرم بالحج، والصحيح: أن الحكمة أن يبقى مريد التضحية كامل الأجزاء؛ رجاء أن يعتق من النار بالتضحية.
التمهيد - ابن عبد البر - (17/ 234 - 236).
لا يجوز لمن أراد أن يضحي أن يحلق شعرًا، ولا يقص ظفرًا.
وفي حديث عائشة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجتنب شيئًا مما يجتنبه المحرم حين قلد هديه، وبعث به"، وهو يرد حديث أم سلمة ويدفعه.
ومما يدل على ضعفه ووهنه: أن مالكًا روى عن عمارة بن عبد الله عن سعيد بن المسيب، قال: لا بأس بالإطلاء بالنَّوْرة في عشر ذي الحجة، فترك سعيد لاستعمال هذا الحديث، وهو راويته دليل على أنه عنده غير ثابت أو منسوخ، وقد أجمع العلماء على أن الجماع مباح في أيام العشر لمن أراد أن يضحي، فما دونه أحرى أن يكون مباحًا.
ومذهب مالك: أنه لا بأس بحلق الرأس وتقليم الأظفار وقص الشارب في عشر ذي الحجة، وهو مذهب سائر الفقهاء بالمدينة والكوفة.
وقال الليث بن سعد، وقد ذكر له حديث سعيد بن المسيب، عن أم سلمة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أهلَّ عليه منكم هلال ذي الحجة، وأراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره وأظفاره حتى يضحي"، فقال الليث: قد رُوي هذا، والناس على غير هذا.
وقال الأوزاعي: إذا اشترى أضحتيه بعد ما دخل العشر فإنه يكف عن قص شاربه وأظفاره، وإن اشتراها قبل أن يدخل العشر فلا بأس.
واختلف قول الشافعي في ذلك، فمرة قال: من أراد أن يضحي لم يمس في العشر من شعره شيئًا ولا من أظفاره، وقال في موضع آخر: أحب لمن أراد أن يضحي أن لا يمس في العشر من شعره، ولا من أظفاره شيئًا حتى يضحي؛ لحديث أم سلمة، فإن أخذ من شعره وأظفاره فلا بأس؛ لأن عائشة قالت: "كنت أفتل قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم... الحديث.
وذكر الأثرم أن أحمد بن حنبل كان يأخذ بحديث أم سلمة هذا، فقيل له: فإن أراد غيره أن يضحي، وهو لا يريد أن يضحي؟ فقال: إذا لم يرد أن يضحي لم يمسك عن شيء، إنما قال: إذا أراد أحدكم أن يضحي، وقال: ذكرت لعبد الرحمن بن مهدي حديث عائشة كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث بالهدي، وحديث أم سلمة إذا دخل العشر، فبقي عبد الرحمن، ولم يأت بجواب، فذكرته ليحيى بن سعيد، فقال يحيى: ذاك له وجه، وهذا له وجه، حديث عائشة إذا بعث بالهدي وأقام، وحديث أم سلمة إذا أراد أن يضحي بالمصر، قال أحمد: وهكذا أقول، قيل له: فيمسك عن شعره وأظفاره؟ قال: نعم، كل من أراد أن يضحي، فقيل له: هذا على الذي بمكة؟ فقال: لا، بل على المقيم، وقال: هذا الحديث رواه شعبة عن مالك عن عمرو بن مسلم عن سعيد بن المسيب عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه ابن عيينة عن عبد الرحمن بن حميد عن سعيد بن المسيب عن أم سلمة، رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: وقد رواه يحيى بن سعيد القطان عن عبد الرحمن بن حميد هكذا، ولكنه وقفه على أم سلمة، قال: وقد رواه محمد بن عمرو عن شيخ مالك، قيل له: إن قتادة يروي عن سعيد بن المسيب أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا إذا اشتروا ضحاياهم أمسكوا عن شعورهم وأظفارهم إلى يوم النحر، فقال: هذا يقوي هذا، ولم يره خلافًا، ولا ضعَّفَه.
المجموع شرح المهذب - النووي - (8/ 391 ، 392).
قال المصنف رحمه الله: (ومن دخلت عليه عشر ذي الحجة، وأراد أن يضحي، فالمستحب أن لا يحلق شعره، ولا يقلم أظفاره حتى يضحي؛ لما روت أم سلمة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان عنده ذبح يريد أن يذبحه فرأى هلال ذي الحجة، فلا يمس من شعره، ولا من أظفاره حتى يضحي"، ولا يجب عليه ذلك؛ لأنه ليس بمحرم، فلا يحرم عليه حلق الشعر وتقليم الأظفار).
الشرح:
حديث أم سلمة رضي الله عنها: رواه مسلم، وسبق بيان طرقه.
وقوله: ذبح - بكسر الذال – أي: ذبيحة، وقوله: (يقلم ظفره) يجوز أن يقرأ بفتح الياء وإسكان القاف وضم اللام، ويجوز بضم الياء وفتح القاف وتشديد اللام المكسورة، والأول أجود، لكن ظاهر كلام المصنف إرادته الثاني؛ ولهذا قال: (وتقليم الأظفار).
أما الأحكام:
فقال أصحابنا: من أراد التضحية، فدخل عليه عشر ذي الحجة، كره أن يقلم شيئًا من أظفاره، وأن يحلق شيئًا من شعر رأسه ووجهه، أو بدنه، حتى يضحي؛ لحديث أم سلمة، هذا هو المذهب أنه مكروه كراهة تنزيه، وفيه وجه أنه حرام، حكاه أبو الحسن العبادي في كتابه الرقم، وحكاه الرافعي عنه؛ لظاهر الحديث.
وأما قول المصنف والشيخ أبو حامد والدارمي والعبدري ومن وافقهم: إن المستحب تركه، ولم يقولوا: إنه مكروه فشاذ ضعيف مخالف لنص هذا الحديث، وحكى الرافعي وجهًا ضعيفًا شاذًّا: أن الحلق والقلم لا يكرهان إلا إذا دخل العشر، واشترى أضحية، أو عيَّن شاة، أو غيرها من مواشيه للتضحية، وحكى قولًا أنه لا يكره القلم، وهذه الأوجه كلها شاذة ضعيفة، (والصحيح): كراهة الحلق والقلم من حين تدخل العشر.
فالحاصل في المسألة أوجه: (الصحيح): كراهة الحلق والقلم من أول العشر كراهة تنزيه، (والثاني): كراهة تحريم، (والثالث): المكروه الحلق دون القلم، (والرابع): لا كراهة، إنما هو خلاف الأولى، (الخامس): لا يكره إلا لمن دخل عليه العشر، وعيَّن أضحية، والمذهب: الأول، والمراد بالنهي عن الحلق والقلم المنع من إزالة الظفر بقلم أو كسر أو غيره، والمنع من إزالة الشعر بحلق أو تقصير أو نتف أو إحراق أو بِنَوْرة وغير ذلك، وسواء شعر العانة والإبط والشارب وغير ذلك.
قال إبراهيم المروروذي في كتابه التعليق: وحكم سائر أجزاء البدن حكم الشعر والظفر، ودليله: حديث أم سلمة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشرته شيئًا" رواه مسلم، والله أعلم.
قال أصحابنا: الحكمة في النهي أن يبقى كامل الأجزاء ليعتق من النار، وقيل: للتشبه بالمحرم، قال أصحابنا: وهذا غلط؛ لأنه لا يعتزل النساء، ولا يترك الطيب واللباس، وغير ذلك مما يتركه المحرم، والله أعلم.
فرع:
مذهبنا أن إزالة الشعر والظفر في العشر لمن أراد التضحية مكروه كراهة تنزيه، حتى يضحي، وقال مالك وأبو حنيفة: لا يكره، وقال سعيد بن المسيب وربيعة وأحمد وإسحاق وداود: يحرم، وعن مالك: أنه يكره، وحكى عنه الدارمي: يحرم في التطوع، ولا يحرم في الواجب.
واحتج القائلون بالتحريم بحديث أم سلمة، واحتج الشافعي والأصحاب عليهم بحديث عائشة أنها قالت: "كنت أفتل قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يقلده ويبعث به، ولا يحرم عليه شيء أحله الله له، حتى ينحر هديه" رواه البخاري ومسلم.
قال الشافعي: البعث بالهدي أكثر من إرادة التضحية، فدل على أنه لا يحرم ذلك، والله أعلم.
المغني - ابن قدامة - (11/ 96).
مسألة: قال: (ومن أراد أن يضحي فدخل العشر، فلا يأخذ من شعره ولا بشرته شيئًا).
ظاهر هذا تحرِّي قصُّ الشعر، وهو قول بعض أصحابنا، وحكاه ابن المنذر عن أحمد وإسحاق وسعيد بن المسيب، وقال القاضي وجماعة من أصحابنا: هو مكروه غير محرم، وبه قال مالك والشافعي؛ لقول عائشة: "كنت أفتل قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يقلدها بيده، ثم يبعث بها، ولا يحرم عليه شيء أحله الله له حتى ينحر الهدي" متفق عليه.
وقال أبو حنيفة: لا يكره ذلك؛ لأنه لا يحرم عليه الوطء واللباس، فلا يكره له حلق الشعر وتقليم الأظفار، كما لو لم يرد أن يضحي
ولنا: ما روت أم سلمة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا دخل العشر، وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئًا حتى يضحي" رواه مسلم، ومقتضى النهي التحريم، وهذا يرد القياس ويبطله، وحديثهم عام، وهذا خاص يجب تقديمه بتنزيل العام على ما عدا ما تناوله الحديث الخاص، ولأنه يجب حمل حديثهم على غير محل النزاع؛ لوجوه، منها:
أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ليفعل ما نهى عنه، وإن كان مكروهًا، قال الله تعالى إخبارًا عن شعيب: { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ } ، ولأن أقل أحوال النهي أن يكون مكروهًا، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليفعله، فيتعين حمل ما فعله في حديث عائشة على غيره، ولأن عائشة تعلم ظاهرًا ما يباشرها به من المباشرة، أو ما يفعله دائمًا كاللباس والطيب، فأما ما يفعله نادرًا كقص الشعر وقلم الأظفار مما لا يفعله في الأيام إلا مرة، فالظاهر أنها لم ترده بخبرها، وإن احتمل إرادتها إياه فهو احتمال بعيد، وما كان هكذا فاحتمال تخصيصه قريب، فيكفي فيه أدنى دليل، وخبرنا دليل قوي فكان أولى بالتخصيص، ولأن عائشة تخبر عن فعله، وأم سلمة عن قوله، والقول يقدم على الفعل؛ لاحتمال أن يكون فعله خاصًّا له.
إذا ثبت هذا، فإنه يترك قطع الشعر وتقليم الأظفار، فإن فعل استغفر الله تعالى، ولا فدية فيه إجماعًا، سواء فعله عمدًا أو نسيانًا.