الجامع في أحكام صفة الصلاة -الدبيان- (١/٤٤:٦٢)
المبحث الخامس: في كراهة التشبيك بين الأصابع إذا خرج إلى الصلاة:
المدخل إلى المسألة:
• أحاديث النهي عن تشبيك الأصابع إذا خرج إلى الصلاة لا يصح منها حديث.
• تشبيك الأصابع فعله النبي -صلى الله عليه وسلم- خارج الصلاة، فدل على أن ال تشبيك في نفسه لا محذور من فعله فينهى عنه من أجله.
• قياس خارج الصلاة على داخل الصلاة لا يصح؛ لأن التشبيك داخل الصلاة صفة في العبادة، والأصل فيه المنع، بخلاف فعله خارج الصلاة، فليس فعله على وجه التعبد، والأصل الحل.
• القول بأن قاصد الصلاة في صلاة: أي في الأجر والمثوبة، وليس في الأوامر والنواهي، ولو كره التشبيك خارج الصلاة لكره الالتفات والكلام خارجها.
• وضع اليدين في جميع أحوال الصلاة له صفات مشروعة، فالتشبيك في الصلاة يمنع من اتباع السنة في وضع اليد، بخلاف ال تشبيك خارج الصلاة.
[م- ٤٤٢] اختلف العلماء في كراهة تشبيك الأصابع في أثناء الخروج إلى الصلاة.
فقيل: لا يكره في غير الصلاة، وهو مذهب المالكية، وقال الحلبي من الحنفية: لم أقف عليه لمشايخنا يعني خارج الصلاة، واختار الإمام البخاري عدم الكراهة في صحيحه، فبوب في الصحيح: باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، ثم ساق ثلاثة أحاديث يفهم منها الجواز مطلقا.
قال مالك: إنهم لينكرون تشبيك الأصابع في المساجد، وما به بأس، وإنما يكره في الصلاة.
وقيل: يكره، وهو ظاهر مذهب الحنفية، ومذهب الشافعية والحنابلة.
واختلف في حكمة النهي عن التشبيك:
فقيل: لكونه من الشيطان كما في حديث أبي سعيد مرفوعا: إذا كان أحدكم في المسجد فلا يشبكن، فإن التشبيك من الشيطان... رواه أحمد، وسيأتي تخريجه في الأدلة إن شاء الله تعالى.
وقيل: لأن التشبيك يجلب النوم، وهو من مظان الحدث.
وقيل: لأن صورة التشبيك تشبه صورة الاختلاف، كما نبه عليه في حديث ابن عمر.
وقيل: لأنه من العبث، وقيل: ينافي الخشوع.
وقيل: لأن الساعي إلى الصلاة في حكم المصلي.
وقيل: لأن التشبيك صلاة المغضوب عليهمقال الخطابي في معالم السنن: «قد يفعله بعض الناس عبثا وبعضهم ليفرقع أصابعه عندما يجد من التمدد فيها، وربما قعد الإنسان فشبك بين أصابعه واحتبى بيديه، يريد به الاستراحة، وربما استجلب به النوم فيكون ذلك سببا لانتقاض طهره فقيل لمن تطهر وخرج متوجها إلى الصلاة لا تشبك بين أصابعك؛ لأن جميع ما ذكرناه من هذه الوجوه على اختلافها لا يلائم شيء منها الصلاة، ولا يشاكل حال المصلي».
• دليل من قال: لا يشبك بين أصابعه:
الدليل الأول:
(ح-١٠٥٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا إسماعيل بن عمر، حدثنا داود بن قيس، عن سعد بن إسحاق بن فلان بن كعب بن عجرة، أن أبا ثمامة الحناط، حدثه أن كعب بن عجرة حدثه قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: إذا توضأ أحدكم، فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدا إلى الصلاة، فلا يشبك بين يديه، فإنه في الصلاة.
[ضعيف، والمعروف أن قوله: فلا يشبك من قول الراوي مدرجا في الحديث].الدليل الثاني:
(ح-١٠٥١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن ابن موهب، عن عمه، عن مولى لأبي سعيد الخدري، أنه كان مع أبي سعيد وهو مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: فدخل النبي -صلى الله عليه وسلم- فرأى رجلا جالسا وسط المسجد، مشبكا بين أصابعه، يحدث نفسه، فأومأ إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- فلم يفطن، قال: فالتفت إلى أبي سعيد فقال: إذا صلى أحدكم، فلا يشبكن بين أصابعه، فإن التشبيك من الشيطان، فإن أحدكم لا يزال في صلاة، ما دام في المسجد حتى يخرج منه.
[ضعيف].قال ابن رشد في البيان والتحصيل بعد أن ذكر هذه الأحاديث: «لم يصح عند مالك -رحمه الله- من هذا كله إلا النهي عن تشبيك الأصابع في الصلاة خاصة، فأخذ بذلك، ولم ير بما سواه بأسا».
وجه الاستدلال:
أن الحديثين، وإن كانا ضعيفين، إلا أن أحدهما شاهد للآخر، فينجبر ضعف أحدهما بالآخر، وفي مجموعهما ما يدل على كراهة تشبيك الأصابع في أثناء الخروج إلى المسجد.
• ويجاب عن هذا بأجوبة منها:
الجواب الأول: أن تفرد الضعفاء بهذا الحديث علة توجب رده، فلو كان هذا الحكم صحيحا لما تفرد به ضعيف، أو مجهول، ولقد كان أئمة النقد في الحديث يتوقفون في قبول حديث الثقة والصدوق إذا لم يكن مبرزا في الحفظ، أو مكثرا عن الراوي مختصا به، فما ظنك بتفرد الضعفاء والمجاهيل.
يقول ابن رجب: «وأما أكثر الحفاظ المتقدمين، فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد، وإن لم يرو الثقات خلافه: إنه لا يتابع عليه، ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه، واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضا، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس لذلك ضابط يضبطه».
الجواب الثاني: أن حديث كعب بن عجرة حديث مضطرب، فلو كان راويه ثقة، واضطرب فيه كان الحديث ضعيفا، أما إذا كان الراوي ضعيفا، واضطرب فيه فإن هذا يزيده وهنا، وحديث كعب من هذا الضرب، وقد حصل الاضطراب في سنده، وفي متنه، ففي إسناده تارة يصله، وتارة يرسله، وتارة يجعله من مسند كعب، وتارة من مسند أبي هريرة، وتارة من مراسيل ابن المسيب، أو من مراسيل بعض أبناء كعب.
والاضطراب في متنه تارة يجعل الحديث في النهي عن التشبيك في الصلاة، وتارة يجعل النهي في حق الماشي للصلاة، وثالثة يجعل النهي في منتظر الصلاة، ومثل هذا اضطراب شديد، كما أن الاعتبار مشروط بألا يعارضه ما هو أصح منه، فلو عارض الحديث الصحيح ما هو أصح منه قدم الأصح على الصحيح، فأولى أن يقدم الصحيح على الحديث المضطرب وحديث المجهول.
الجواب الثالث: أن المعروف في حديث كعب أن النص المرفوع منه في النهي عن تشبيك الأصابع في الصلاة، وأما التشبيك في أثناء السعي للصلاة فهو ما فهمه الصحابي باجتهاده بإعطاء حكم الساعي للصلاة حكم المصلي، ومثل هذا يدخله الاجتهاد، والله أعلم.
• دليل من قال: لا يكره تشبيك الأصابع:
الدليل الأول:الكراهة حكم شرعي، لا يثبت إلا بدليل شرعي، والأصل عدم الكراهة.
الدليل الثاني:
(ح-١٠٥٢) ما رواه البخاري من طريق ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: صلى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إحدى صلاتي العشي -قال ابن سيرين: سماها أبو هريرة ولكن نسيت أنا- قال: فصلى بنا ركعتين، ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه... الحديث، والحديث رواه مسلم، واللفظ للبخاري.
وجه الاستدلال:
دل حديث أبي هريرة على جواز تشبيك الأصابع في المسجد، وإذا جاز في المسجد فهو في غيره أجوز.
• وأجيب عنه بثلاثة أجوبة:
الجواب الأول:
أن هذا وقع بعد ما ظن فراغه من الصلاة، والنهي عن ال تشبيك إنما ورد في الصلاة، ومن كان في حكم المصلي كالمنتظر والساعي لها.
الجواب الثاني:
أن هذا خاص بالنبي -صلى الله عليه وسلم- لما تقرر في الأصول أن قوله -صلى الله عليه وسلم- مقدم على فعله عند التعارض.
وهذا التوجيه معارض بأن الأصل التأسي وعدم الخصوصية إلا بدليل.
الجواب الثالث:
أن يكون فعله مبينا أن النهي ليس للتحريم، وإنما للكراهة.
الدليل الثالث:
(ح-١٠٥٣) ما رواه البخاري ومسلم من طريق بريد بن أبي بردة، عن جده أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا. وشبك أصابعه.الدليل الرابع:
(ح-١٠٥٤) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، عن عمارة بن عمرو بن حزم، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يوشك أن يغربل الناس غربلة، وتبقى حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم وكانوا هكذا، وشبك بين أصابعه. قالوا: فكيف نصنع يا رسول الله، إذا كان ذلك؟ قال: تأخذون ما تعرفون وتذرون ما تنكرون، وتقبلون على خاصتكم، وتدعون عامتكم».
حدثناه قتيبة بن سعيد بإسناده ومعناه، إلا أنه قال: وتبقى حثالة من الناس، وتدعون أمر عامتكم.
[صحيح].وجه الاستدلال:
في هذا الحديث والذي قبله ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- شبك بين أصابعه، وهو مطلق، فدل على أن التشبيك في نفسه لا محذور من فعله فينهى عنه من أجله، وقياس خارج الصلاة على داخل الصلاة لا يصح؛ لأن التشبيك داخل الصلاة فيه محذوران:
أحدهما: أنه صفة في العبادة، والأصل في العبادات المنع، وجوازه يحتاج إلى دليل، بخلاف فعله خارج الصلاة، فليس فعله على وجه التعبد، والأصل الحل.
الثاني: أن وضع اليدين في الصلاة في جميع أحوالها لها صفات مشروعة، فالتشبيك في الصلاة يمنع من اتباع السنة في وضع اليد، فوضع اليد حال القيام في الصلاة بأن توضع اليد اليمنى على اليسرى، وفي حال الركوع بأن توضع اليد على الركبتين، وقل مثل فذلك في بقية أحوال الصلاة بخلاف التشبيك خارج الصلاة.
والقول بأن قاصد الصلاة في صلاة: أي في الأجر والمثوبة، وليس في الأوامر والنواهي، فالالتفات مكروه في الصلاة ولا يكره خارج الصلاة، ولو كان في طريقه للمسجد.
• ونوقش هذا:
قال الحافظ ابن حجر نقلا عن ابن المنير: «المنهي عنه فعله على وجه العبث، والذي في الحديث إنما هو لمقصود التمثيل، وتصوير المعنى في النفس بصورة الحس».
وفي هذا الكلام نظر، فالتشبيك لا يعد عبثا إلا إذا عد وضع اليد اليمنى على اليسرى عبثا؛ لأن الصورة واحدة، وعلى التسليم فإن التشبيك قد يفعله بقصد التدفئة، وقد يفعله من ينتظر الصلاة في حال الاحتباء في الجلوس.
• الراجح:
أن التشبيك لا يكره في حال الذهاب إلى الصلاة، ولا في حال الانتظار، وسوف نبحث حكم التشبيك في الصلاة في مكروهات الصلاة، بلغنا الله ذلك بمنه وعونه وتوفيقه.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (١٢/١٥:١٨)
أجمع الفقهاء على أن تشبيك الأصابع في الصلاة مكروه، لما روي عن كعب بن عجرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلا قد شبك أصابعه في الصلاة، ففرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين أصابعه. وقال ابن عمر -رضي الله عنهما- في الذي يصلي وهو يشبك أصابعه تلك صلاة المغضوب عليهم، وأما تشبيكها في المسجد في غير صلاة، وفي انتظارها أي حيث جلس ينتظرها، أو ماشيا إليها، فقد قال الحنفية والشافعية والحنابلة بكراهة التشبيك حينئذ؛ لأن انتظار الصلاة هو في حكم الصلاة لحديث الصحيحين لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه، ولما روى أحمد وأبو داود وغيرهما مرفوعا إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدا إلى المسجد، فلا يشبك بين يديه؛ فإنه في صلاة وما روى أبو سعيد الخدري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا كان أحدكم في المسجد فلا يشبكن، فإن التشبيك من الشيطان، وإن أحدكم لا يزال في صلاة ما دام في المسجد حتى يخرج منه». وعن كعب بن عجرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إذا توضأ أحدكم ثم خرج عامدا إلى الصلاة، فلا يشبكن بين يديه، فإنه في صلاة».
٣- وقد اختلف في الحكمة في النهي عن التشبيك في المسجد، فقيل: إن النهي عنه لما فيه من العبث. وقيل: لما فيه من التشبه بالشيطان. وقيل: لدلالة الشيطان على ذلك. وفي حاشية الطحاوي على مراقي الفلاح: حكمة النهي عن التشبيك: أنه من الشيطان، وأنه يجلب النوم، والنوم من مظان الحدث، ولما نبه عليه في حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- في الذي يصلي وهو يشبك أصابعه تلك صلاة المغضوب عليهم فكره ذلك لما هو في حكم الصلاة، حتى لا يقع في المنهي عنه. وكراهته في الصلاة أشد.
ولا يكره عند الجمهور التشبيك بعد الفراغ ولو كان في المسجد، لحديث ذي اليدين -رضي الله عنه- الذي رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- قال: صلى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إحدى صلاتي العشي -قال ابن سيرين: سماها أبو هريرة، ولكن نسيت أنا- قال: فصلى بنا ركعتين، ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه، ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى، وخرجت السرعان من أبواب المسجد، فقالوا: قصرت الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر فهابا أن يكلماه، وفي القوم رجل في يديه طول يقال له ذو اليدين قال: يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة ؟ قال لم أنس ولم تقصر فقال: أكما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: نعم. فتقدم فصلى ما ترك، ثم سلم، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه وكبر، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر. فربما سألوه: ثم سلم؟ فيقول: نبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم.
ولا بأس به عند المالكية في غير صلاة حتى ولو في المسجد؛ لأن كراهته عندهم إنما هي في الصلاة فقط، إلا أنه خلاف الأولى على نحو ما ورد بالشرح الكبير وجواهر الإكليل.
وفي مواهب الجليل ما نصه: وأما بالنسبة لغير الصلاة فالتشبيك لا بأس به حتى في المسجد. قال ابن عرفة: وسمع ابن القاسم (أي من مالك): لا بأس بتشبيك الأصابع يعني في المسجد في غير صلاة. وأومأ داود بن قيس ليد مالك مشبكا أصابعه به (أي بالمسجد) ليطلقه، وقال: ما هذا؟ فقال مالك: إنما يكره في الصلاة. وقال ابن رشد: صح في حديث ذي اليدين تشبيكه -صلى الله عليه وسلم- بين أصابعه في المسجد.
٤- وأما تشبيكها خارج الصلاة فيما ليس من توابعها: بأن لم يكن في حال سعي إليها، أو جلوس في المسجد لأجلها، فإن كان لحاجة نحو إراحة الأصابع -وليس لعبث بل لغرض صحيح- فإنه في هذه الحالة لا يكره عند الحنفية، فقد صح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه». فإنه لإفادة تمثيل المعنى، وهو التعاضد والتناصر بهذه الصورة الحسية. فلو شبك لغير حاجة على سبيل العبث كره تنزيها.
وفي حاشية الشبراملسي من الشافعية: أنه إذا جلس في المسجد لا للصلاة بل لغيرها، كحضور درس أو كتابة، فلا يكره ذلك في حقه؛ لأنه لم يصدق عليه أنه ينتظر الصلاة، وأما إذا انتظرهما معا فينبغي الكراهة؛ لأنه يصدق عليه أنه ينتظر الصلاة، وأما المالكية فقد رأوا كراهة التشبيك للمصلي خاصة ولو في غير مسجد، ولا بأس به عندهم في غير الصلاة ولو في المسجد، لقول مالك: يكره في الصلاة حين أومأ داود بن قيس ليده مشبكا أصابعه ليطلقه وقال: ما هذا؟
المجموع شرح المهذب -النووي- (٤/٥٤٤:٥٤٥)
حكم المسألة:
فاتفق الأصحاب وغيرهم علي كراهة تشبك الأصابع في طريقه إلى المسجد، وفي المسجد يوم الجمعة وغيره وسائر أنواع العبث ما دام قاصدا الصلاة أو منتظرها، واحتج له بحديث كعب بن عجرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامدا إلى المسجد فلا يشبكن يده؛ فإنه في صلاة» رواه أبو داود والترمذي بإسناد ضعيف، والاعتماد على الحديث المذكور في الكتاب قال الخطابي في شرح هذا الحديث: التشبك يفعله بعض الناس عبثا وبعضهم لتفرقع أصابعه، وربما قعد الإنسان فاحتبى بيديه وشبك أصابعه، وربما جلب النوم فيكون سببا لنقض الوضوء؛ فنُهي قاصد الصلاة عنه؛ لأن جميع ما ذكرناه لا يليق بالمصلي، ولا يخالف هذا ما ثبت في صحيح البخاري وغيره أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شبك أصابعه في المسجد بعد ما سلم من الصلاة عن ركعتين في قصة ذي اليدين وشبك في غيره؛ لأن النهي والكراهة إنما هي في حق المصلي وقاصد الصلاة وتشبيك النبي -صلى الله عليه وسلم- في قصة ذي اليدين كان بعد سلامه وقيامه إلى ناحية المسجد، وهو يعتقد أنه ليس في صلاة، والله أعلم .
المجموع شرح المهذب -النووي- (٤/١٠٥)
يكره تفقيع الأصابع وتشبيكها في الصلاة، ويستحب لمن خرج إلى الصلاة أن لا يعبث في طريقه، وأن لا يشبك أصابعه، وأن يلازم السكينة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا ثوب بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها، وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا؛ فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة». رواه مسلم بهذا اللفظ، وأصله في الصحيحين من طرق والتثويب إقامة الصلاة، والله أعلم.