موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٦/٢٣)
فرق جمهور الفقهاء بين المسجد وغير المسجد فيما يتعلق بالمسافة بين الإمام والمقتدي، فقال الحنفية والشافعية والحنابلة: إذا كان المأموم يرى الإمام أو من وراءه، أو يسمع التكبير وهما في مسجد واحد صح الاقتداء، وإن بعدت المسافة. أما في خارج المسجد؛ فإذا كانت المسافة قدر ما يسع صفين؛ فإنها تمنع من صحة الاقتداء عند الحنفية، إلا في صلاة العيدين، وفي صلاة الجنازة خلاف عندهم. ولا يمنع الاقتداء بعد المسافة في خارج المسجد إذا لم يزد عن ثلاثمئة ذراع عند الشافعية. واشترط الحنابلة في صحة الاقتداء خارج المسجد رؤية المأموم للإمام أو بعض من وراءه. فلا يصح الاقتداء إن لم ير المأموم أحدهما، وإن سمع التكبير، ومهما كانت المسافة. ولم يفرق المالكية بين المسجد وغيره ولا بين قرب المسافة وبعدها، فقالوا بصحة الاقتداء إذا أمكن رؤية الإمام أو المأموم أو سماع الإمام ولو بمسمع.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٤/٣٠٢:٣٠٨)
للإمام والمأموم في المكان ثلاثة أحوال:
(أحدها): أن يكونا في مسجد فيصح الاقتداء سواء قربت المسافة بينهما أم بعدت لكبر المسجد وسواء اتحد البناء أم اختلف كصحن المسجد وصفته وسرداب فيه وبئر مع سطحه وساحته والمنارة التي هي من المسجد تصح الصلاة في كل هذه الصور، وما أشبهها إذا علم صلاة الإمام، ولم يتقدم عليه سواء كان أعلا منه أو أسفل ولا خلاف في هذا، ونقل أصحابنا فيه إجماع المسلمين، وهذا الذي ذكرناه في سطح المسجد هو إذا كان سطحه منه، فإن كان مملوكا فهو كملك متصل بالمسجد وقف أحدهما فيه والآخر في المسجد، وسيأتي في الحال الثالث إن شاء الله تعالى، وشرط البنائين في المسجد أن يكون باب أحدهما نافذا إلى الآخر، وإلا فلا يعد أن مسجدا واحدا، وإذا وجد هذا الشرط فلا فرق بين أن يكون الباب بينهما مفتوحا أو مردودا مغلقا أو غير مغلق، وفي وجه ضعيف إن كان مغلقا لم يصح الاقتداء ووجه آخر أنه إذا كان أحدهما في المسجد والآخر على سطحه، وباب المرقا مغلق لم يصح الاقتداء حكاهما الرافعي وهما شاذان، والمذهب ما سبق: أما المساجد المتلاصقة التي يفتح بعضها إلى بعض فلها حكم مسجد واحد فيصح الاقتداء، وأحدهما في ذا والآخر في ذاك هكذا أطلقه الشيخ أبو حامد والبندنيجي والقاضي أبو الطيب وصاحبا الشامل والتتمة والجمهور، وقال الشيخ أبو محمد الجويني إن انفرد كل واحد من المسجدين بإمام ومؤذن وجماعة، فلكل واحد منهما مع الآخر حكم الملك المتصل بالمسجد، كما سنذكره -إن شاء الله تعالى- والمذهب الأول، ولو كانا في مسجدين يحول بينهما نهرا وطريق أو حائط المسجد غير باب نافذ من أحدهما إلى الآخر، فهو كملك متصل بالمسجد، ولو كان في المسجد نهر، فإن حفر بعد المسجد فهو مسجد، فلا يضر وإن حفر قبل مصيره مسجدا فهما مسجدان غير متصلين أما رحبة المسجد فقال الرافعي عدها الأكثرون منه ولم يفرقوا بين أن يكون بينهما وبين المسجد طريق أم لا، وقال ابن كج إن انفصلت فهي كمسجد آخر والمذهب الأول، فقد نص الشافعي والأصحاب على صحة الاعتكاف فيها قال البندنيجي: ورحبة المسجد هي البناء المبني له حوله متصلا به، وقال القاضي أبو الطيب هي ما حواليه.
(الحال الثاني): أن يكون الإمام والمأموم في غير مسجد وهو ضربان:
(أحدهما): أن يكونا في فضاء من صحراء أو بيت واسع ونحوه فيصح الاقتداء بشرط أن لا يزيد ما بينهما على ثلاثمئة ذراع، وهل هو تحديد أم تقريب فيه طريقان حكاهما الشيخ أبو حامد وغيره.
(أحدهما): أنه تقريب وجها واحدا ونقله أبو حامد عن عامة أصحابنا. (وأصحهما) وأشهرهما فيه وجهان ذكرهما المصنف والأصحاب. (أصحهما) تقريب وهو نصه في الأم، والمختصر قال الشيخ أبو حامد هو قول عامة أصحابنا، وهو الصحيح، وهذا التقدير مأخوذ من العرف على الصحيح، وقول الجمهور منهم أبو علي بن خيران وأبو الطيب بن سلمة وأبو حفص بن الوكيل، وفيه وجه مشهور أنه مأخوذ مما بين الصفين في صلاة الخوف، حكى البندنيجي هذا الوجه. عن ابن سريج وأبي إسحاق وغيرهما، فإذا قلنا تقريب فزاد على ثلاثمئة أذرعا يسيرة كثلاثة، ونحوها لم يضر، وإن قلنا تحديد ضر، ولو وقف خلف الإمام شخصان أو صفان أحدهما وراء الآخر اعتبرت هذه المسافة بين الصف الأخير، والصف الأول أو الشخص الأخير، والأول حتى لو كثرت الصفوف وبلغ ما بين الإمام والصف الأخير أميالا جاز بشرط أن لا يزيد ما بين كل صف أو شخص وبين من قدامه على ثلاثمئة ذراع، وفيه وجه مذكور في الطريقتين أنه يعتبر هذه المسافة بين الإمام والصف الأخير إذا لم تكن الصفوف القريبة في الإمام متصلة على العادة، وهذا ضعيف واتفق الأصحاب على تضعيفه والصحيح الأول ولو وقف عن يمين الإمام أو يساره ولم يتقدم عليه رجل أو صف صح إن لم يزد ما بينه وبين الإمام على ثلاثمئة ذراع، فإن وقف آخر عن يمين الواقف عن يمين الإمام على ثلاثمئة ذراع من المأموم الأول ثم ثالث على يمين الثاني على ثلاثمئة ذراع، وهكذا رابع وخامس وأكثر صحت صلاة الجميع كما إذا كانوا خلفه، وهذا متفق عليه، ويجيئ فيه الوجه السابق في اعتبار هذه المسافة من الإمام إذا لم تتصل الصفوف القريبة بالإمام على العادة وعلى هذا، ولو وقف واحد عن يمين الإمام على ثلاثمئة ذراع وآخر عن يساره كذلك وآخر وراءه كذلك، ثم وراء كل واحد أو عن جنبه آخر أو صف على هذه المسافة ثم آخر ثم آخر وكثروا صحت صلاة الجميع إذا علموا صلاة الإمام، أما إذا حال بين الإمام والمأموم أو بين الصفين نهر في الفضاء، فإن أمكن العبور من أحد طرفيه إلى الآخر بلا سياحة بالوثوب أو الخوض أو العبور على جسر صح الاقتداء بالاتفاق، وإن احتاج إلى سباحة أو كان بينهما شارع مطروق فوجهان الصحيح باتفاقهم لا يضر بل يصح الاقتداء؛ لحصول المشاهدة والماء لا يعد حائلا، وكما لو حال بينهما نار؛ فإن الاقتداء صحيح بالاتفاق. قال أصحابنا: وسواء في الأحكام المذكورة كان الفضاء مواتا أو ملكا أو وقفا بعضه مواتا، وبعضه ملكا وحكى الخراسانيون وجها أنه يشترط في الساحة المملوكة اتصال الصفوف بحيث لا يكون بين كل صف، والذي قدامه أكثر من ثلاث أذرع ووجها حكاه البغوي وغيره يشترط ذلك في الملكين لشخصين لا في ملك الواحد، والصحيح المشهور لا يشترط ذلك مطلقا، وبه قطع العراقيون وكثيرون من الخراسانيين وسواء في هذا كله كان الفضاء محوطا عليه أو مسقفا كالبيوت الواسعة أو غير ذلك.
(الضرب الثاني): أن يكونا في غير فضاء، فإذا وقف أحدهما في صحن دار أو في صفتها والآخر في بيت منها فقد يقف المأموم عن يمين الإمام ووراءه وخلفه، وفيه طريقان، (إحداهما) قالها القفال وأصحابه وابن كج وحكاها أبو علي الطبري في الإفصاح عن بعض الأصحاب أنه يشترط فيما إذا وقف من أحد الجانبين أن يتصل الصف من البناء الذي فيه الإمام بالذي فيه المأموم بحيث لا يبقى فرجة تسع واحدا، فإن بقيت فرجة لا تسع واقفا فوجهان: (الصحيح): أنها لا تضر. (والثاني): تضر فلو كان بينهما عتبة عريضة تسع واقفا اشترط وقوف مصل فيها، فإن لم يمكن الوقوف فيها فعلى الوجهين في الفرجة اليسيرة الأصح لا تضر، وإن وقف خلف الإمام فوجهان: (أحدهما): لا يصح الاقتداء مطلقا. (والصحيح): الصحة بشرط اتصال الصفوف وتلاحقها ومعنى اتصالها أن يقف شخص أو صف في آخر بناء الإمام وآخر في أول بناء المأموم بحيث لا يكون بينهما أكثر من ثلاث أذرع والثلاثة للتقريب، قالوا: فلو زاد عليها ما لا يبين في الحس لم يضر، وهذا القدر هو المشروع بين الصفين في كل حال ومعناه أن السنة أن لا يزاد ما بينهما عليه، وإذا وجد هذا الشرط، فكان في بناء المأموم بيت عن اليمين أو الشمال اعتبر الاتصال بتواصل المناكب كما سبق هذه طريقة القفال وموافقيه. (الطريقة الثانية) طريقة أبي إسحاق المروزي وأصحابه وجمهور العراقيين واختارها أبو علي الطبري وغيره وهي الصحيحة أن اختلاف البناء لا يضر ولا يشترط اتصال الصف من خلف ولا من اليمين والشمال، بل المعتبر القرب والبعد على الضبط المذكور في الصحراء، فيصح اقتداء المأموم خلف الإمام وبجنبه ما لم يزد ما بينه وبين آخر صف على ثلاثمئة ذراع كما سبق، هذا إذا كان بين البنائين باب مفتوح فوقف مقابله رجل أو صف أو لم يكن جدار أصلا كصحن مع صفة، فلو حال حائل يمنع الاستطراق والمشاهدة لم يصل الاقتداء باتفاق الطريقتين، وإن منع الاستطراق دون المشاهدة كالشباك فوجهان مشهوران، (أصحهما): لا تصح؛ لأنه يعد حائلا ممن صححه البندنيجي، وإذا صح اقتداء الواقف أو الواقفين في البناء إما لوجود الاتصال كما شرطه أصحاب الطريقة الأولى، وأما لعدم الزيادة على ثلاثمئة ذراع كما قاله أصحاب الثانية صحت صلاة الصفوف والمنفرد خلفهم تبعا، ولا يضر الحائل المانع من الاستطراق والمشاهدة بينهم وبين الإمام لكن يكون الصفوف مع الواقف كالمأمومين مع الإمام في اعتبار الشرط السابق، فيعتبر أن لا يحول بينهما مانع من الاستطراق والمشاهدة، ويعتبر باقي ما سبق ولو تقدم على الواقف المذكور واحد أو صف لم تصح صلاته، وإن تأخر عن سمت الإمام إلا إذا جوزنا تقدم المأموم على الإمام قال القاضي حسين وغيره: ولا يجوز أن تتقدم تكبيرة إحرام الذين وراء الواقف عليه؛ لأنهم لا يصح اقتداؤهم بالإمام إلا تبعا للواقف، فيشترط أن يكون قد دخل في الصلاة، أما إذا وقف الإمام في صحن الدار والمأموم في مكان عال منها كسطح وطرف صفة مرتفعة ونحوه، أو بالعكس ففيما يحصل به الاتصال ويصح الاقتداء وجهان: (أحدهما): قاله الشيخ أبو محمد الجويني إن كان رأس الواقف أسفل يحاذي ركبة الواقف في العلو صح الاقتداء، وإلا فلا.
(والثاني): وهو الصحيح الذي قطع به الجمهور إن حاذى رأس الأسفل قدم الأعلى صح الاقتداء وإلا فلا قال إمام الحرمين الأول مزيف لا أصل له والاعتبار بمعتدل القامة حتى لو كان قصيرا أو قاعدا فلم تحاذ، ولو قام فيه معتدل القامة لحصلت المحاذاة كفى، وحيث لا يمنع الانخفاض القدوة، وكان بعض من يحصل بهم الاتصال على سرير وبعضهم على الأرض جاز، ولو كانا في بحر والإمام في سفينة والمأموم في أخرى، وهما مكشوفتان فوجهان:
(أحدهما): قاله الإصطخري: يشترط أن تكون سفينته مشدودة بسفينة الإمام. (والثاني): وهو الصحيح، وبه قطع الجمهور لا يشترط ذلك، وإنما يشترط أن لا يزيد ما بينهما على ثلاثمئة ذراع كالصحراء، قالوا: وتكون السفينتان كدكتين في الصحراء والماء كالأرض، وإن كانتا مسقفتين، أو إحداهما فهما كالدارين والسفينة ذات البيوت كدار ذات بيوت، وحكم المدرسة والرباط والخان حكم الدار؛ لأنها لم تبن للصلاة بخلاف المسجد والسرادقات في الصحراء كسفينة مكشوفة والخيام كالبيوت. (الحال الثالث) أن يكون أحدهما في المسجد والآخر خارجه، فإن وقف الإمام في مسجد والمأموم في موات متصل به؛ فإن لم يكن بينهما حائل جاز إذا لم يزد ما بينهما على ثلاثمئة ذراع ومن أين تعتبر هذه الذرعان فيه ثلاثة أوجه: الصحيح: أنها تعتبر من آخر المسجد. والثاني: من آخر صف في المسجد فإن لم يكن فيه إلا الإمام فمن موقفه. والثالث: من حريم المسجد الذي بينه وبين الموات وحريمه الموضع المتصل به المهيأ لمصلحته كانصباب الماء إليه، وطرح القمامات فيه، ولو كان بينهما جدار المسجد لكن الباب النافذ بينهما مفتوح، فوقف في مقابلته جاز، فلو اتصل صف بالواقف في المقابلة وراءه، وخرجوا عن المقابلة صحت صلاتهم لاتصالهم بمن صلاته صحيحة، فلو لم يكن في الجدار باب أو كان ولم يكن مفتوحا أو كان مفتوحا، ولم يقف في قبالته بل عدل عنه فوجهان: (الصحيح): أنه لا يصح الاقتداء لعدم الاتصال، وبهذا قال جمهور أصحابنا المتقدمين: وقطع به أكثر المصنفين. (والثاني): قاله أبو إسحاق المروزي: يصح الاقتداء ولا يكون حائط المسجد حائلا سواء كان قدام المأموم أو عن جنبه، والمذهب أنه يمنع، وهذا الوجه مشهور عن أبي إسحاق في كتب الأصحاب، وقال البندنيجي: هذا ليس بصحيح عن أبي إسحاق قال القاضي أبو الطيب هو ظاهر نص الشافعي في الأم، وبه قال أبو حنيفة، وأما الحائل غير جدار المسجد فيمنع بلا خلاف ولو كان بينهما باب مغلق فهو كالجدار؛ لأنه يمنع الاستطراق والمشاهدة، فإن كان مردودا غير مغلق فهو مانع من المشاهدة دون الاستطراق أو كان بينهما شباك فهو مانع من الاستطراق دون المشاهدة ففي الصورتين وجهان: (أصحهما) عد الأكثرين أنه مانع وأصحهما عند القاضي أبي الطيب أنه ليس بمانع هذا كله في الموات، فلو وقف المأموم في شارع متصل بالمسجد، فوجهان: الصحيح أنه كالموات.
(والثاني): يشترط اتصال الصف من المسجد بالطريق، ولو وقف في حريم المسجد قال البغوي: هو كالموات. قال: والفضاء المتصل بالمسجد لو كان مملوكا، فوقف المأموم فيه لم يصح اقتداؤه حتى يتصل الصف من المسجد بالفضاء، قال: وكذا يشترط الاتصال الصف من سطح المسجد بالسطح المملوك، وكذا لو وقف في دار مملوكة متصلة بالمسجد يشترط الاتصال بأن يقف واحد في آخر المسجد متصل بعتبة الدار، وآخر في الدار متصل بالعتبة بحيث لا يكون بينهما موقف رجل هذا كلام البغوي، وهذا الذي قاله في الفضاء ضعيف، والصحيح أنه كالموات، وأما ما ذكره في مسألة الدار فهو تفريع على طريقة القفال، وقال أبو علي الطبري ومتابعوه: لا يشترط اتصال الصفوف إذا لم يكن حائل، بل يصح الاقتداء إذا لم يزد ما بينهما على ثلاثمئة ذراع، وهذا هو الصحيح كما سبق، والله أعلم.
المغني -ابن قدامة- (٣/٤٦)
فصل: وكل موضع اعتبرنا المشاهدة، فإنه يكفيه مشاهدة من وراء الإمام، سواء شاهده من باب أمامه أو عن يمينه أو عن يساره، أو شاهده طرف الصف الذي وراءه، فإن ذلك يمكنه الاقتداء به. وإن كانت المشاهدة تحصل في بعض أحوال الصلاة، فالظاهر صحة الصلاة؛ لما روي عن عائشة، قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي من الليل، وجدار الحجرة قصير، فرأى الناس شخص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقام أناس يصلون بصلاته، وأصبحوا يتحدثون بذلك، فقام الليلة الثانية، فقام معه أناس يصلون بصلاته. رواه البخاري، والظاهر أنهم كانوا يرونه في حال قيامه.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٦/٢٥:٢٦)
علو موقف المقتدي على الإمام أو عكسه:
٢٢- يجوز أن يكون موقف المأموم عاليا -ولو بسطح- عن الإمام عند الحنفية والحنابلة، وهو رأي المالكية في غير صلاة الجمعة. فصح اقتداء من بسطح المسجد بالإمام الذي يصلي بالمسجد، لإمكان المتابعة.
ويكره أن يكون موقف الإمام عاليا عن موقف المأموم، ولم يفرق الشافعية بين ارتفاع موقف الإمام والمأموم، فشرطوا في هذه الحال محاذاة بعض بدن المأموم بعض بدن الإمام، والعبرة في ذلك بالطول العادي، وقال النووي: يكره ارتفاع المأموم على إمامه؛ حيث أمكن وقوفهما بمستوى واحد، وعكسه كذلك، إلا لحاجة تتعلق بالصلاة، كتبليغ يتوقف عليه إسماع المأمومين وتعليمهم صفة الصلاة، فيستحب ارتفاعهما لذلك، تقديما لمصلحة الصلاة. وهذا الكلام في البناء ونحوه.
أما الجبل الذي يمكن صعوده كالصفا أو المروة أو جبل أبي قبيس، فالعبرة فيه بالمسافة التي سبق القول فيها، وهي ثلاثمئة ذراع. فالاقتداء فيه صحيح، وإن كان المأموم أعلى من الإمام.
المغني -ابن قدامة- (٣/٤٧:٤٨)
مسألة؛ قال: (ولا يكون الإمام أعلى من المأموم) المشهور في المذهب أنه يكره أن يكون الإمام أعلى من المأمومين، سواء أراد تعليمهم الصلاة أو لم يرد، وهو قول مالك، والأوزاعي، وأصحاب الرأي. وروي عن أحمد ما يدل على أنه لا يكره؛ فإن علي بن المديني قال: سألني أحمد عن حديث سهل بن سعد، وقال: إنما أردت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان أعلى من الناس. فلا بأس أن يكون الإمام أعلى من الناس بهذا الحديث. وقال الشافعي: أختار للإمام الذي يعلم من خلفه أن يصلي على الشيء المرتفع، فيراه من خلفه، فيقتدون به؛ لما روي سهل بن سعد، قال: لقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قام عليه -يعني المنبر- فكبر، وكبر الناس وراءه، ثم ركع وهو على المنبر، ثم رفع فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر، ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته، ثم أقبل على الناس فقال: «أيها الناس، إنما فعلت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي». متفق عليه. ولنا، ما روي أن عمار بن ياسر كان بالمدائن، فأقيمت الصلاة، فتقدم عمار فقام على دكان، والناس أسفل منه، فتقدم حذيفة فأخذ بيده فاتبعه عمار حتى أنزله حذيفة، فلما فرغ من صلاته، قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إذا أم الرجل القوم، فلا يقومن في مكان أرفع من مقامهم»؟ قال عمار: فلذلك اتبعتك حين أخذت على يدي. وعن همام أن حذيفة أم الناس بالمدائن على دكان، فأخذ أبو مسعود بقميصه، فجبذه فلما فرغ من صلاته، قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال: بلى، [قد ذكرت] حين مددتني، رواهما أبو داود وعن ابن مسعود، أن رجلا تقدم [يؤم بقوم] على مكان، فقام على دكان، فنهاه ابن مسعود، وقال للإمام: استوِ مع أصحابك. ولأنه يحتاج أن يقتدي بإمامه، فينظر ركوعه وسجوده، فإذا كان أعلى منه احتاج أن يرفع بصره إليه ليشاهده، وذلك منهي عنه في الصلاة. فأما حديث سهل، فالظاهر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان على الدرجة السفلى، لئلا يحتاج إلى عمل كثير في الصعود والنزول، فيكون ارتفاعا يسيرا، فلا بأس به، جمعا بين الأخبار، ويحتمل أن يختص ذلك بالنبي -صلى الله عليه وسلم؛ لأنه فعل شيئا ونهى عنه، فيكون فعله له ونهيه لغيره، ولذلك لا يستحب مثله لغير النبي -صلى الله عليه وسلم. ولأن النبي لم يتم الصلاة على المنبر، فإن سجوده وجلوسه إنما كان على الأرض، بخلاف ما اختلفنا فيه.
المجموع شرح المهذب -النووي- (٤/٢٩٥)
قال أصحابنا: يكره أن يكون موضع الإمام أو المأموم أعلا من موضع الآخر؛ فإن احتيج إليه لتعليمهم أفعال الصلاة أو ليبلغ المأموم القوم تكبيرات الإمام ونحو ذلك استحب الارتفاع، لتحصيل هذا المقصود هذا مذهبنا، وهو رواية عن أبي حنيفة وعنه رواية أنه يكره الارتفاع مطلقا، وبه قال مالك والأوزاعي: وحكى الشيخ أبو حامد عن الأوزاعي أنه قال: تبطل به الصلاة.
موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٦/٢٣:٢٤)
وجود الحائل، وله عدة صور:
١٦- الأولى: إن كان بين المقتدي والإمام نهر كبير تجري فيه السفن (ولو زورقا عند الحنفية) لا يصح الاقتداء، وهذا باتفاق المذاهب، وإن اختلفوا في تحديد النهر الكبير والصغير. فقال الحنفية والحنابلة: النهر الصغير هو ما لا تجري فيه السفن، وقال المالكية: هو ما لا يمنع من سماع الإمام، أو بعض المأمومين، أو رؤية فعل أحدهما. وقال الشافعية: هو النهر الذي يمكن العبور من أحد طرفيه إلى الآخر من غير سباحة بالوثوب فوقه، أو المشي فيه، وفي حكمه النهر المحوج إلى سباحة عند الشافعية على الصحيح.١٧- الثانية: يمنع من الاقتداء طريق نافذ يمكن أن تجري فيه عجلة، وليس فيه صفوف متصلة عند الحنفية والحنابلة. قال الحنفية: لو كان على الطريق مأموم واحد -لا يثبت به الاتصال، وبالثلاث يثبت، وفي المثنى خلاف. ولا يضر الطريق إذا لم يمنع من سماع الإمام أو بعض المأمومين أو رؤية فعل أحدهما عند المالكية، وهو الصحيح عند الشافعية، ولهذا صرحوا بجواز صلاة الجماعة لأهل الأسواق، وإن فرقت الطرق بينهم وبين إمامهم. والرواية الثانية عند الشافعية يضر، لأنه قد تكثر فيه الزحمة فيعسر الاطلاع على أحوال الإمام.
هذا، وأجاز أكثر الفقهاء الفصل بطريق في صلاة الجمعة والعيدين وصلاة الخوف ونحوها، والتفصيل في مواضعها.
١٨- الثالثة: صرح الحنفية والشافعية، وهو رواية عن الحنابلة، بأنه إذا كان بين الإمام والمأموم جدار كبير أو باب مغلق يمنع المقتدي من الوصول إلى إمامه لو قصد الوصول إليه لا يصح الاقتداء، ويصح إذا كان صغيرا لا يمنع، أو كبيرا وله ثقب لا يشتبه عليه حال الإمام سماعا أو رؤية، لما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي في حجرة عائشة -رضي الله عنها- والناس في المسجد يصلون بصلاته.
قال الشافعية: فإن حال ما يمنع المرور لا الرؤية كالشباك أو يمنع الرؤية لا المرور كالباب المردود فوجهان.
وعلى هذا الاقتداء في المساكن المتصلة بالمسجد الحرام وأبوابها من خارجه - صحيح، إذا لم يشتبه حال الإمام لسماع أو رؤية، ولم يتخلل إلا الجدار، كما ذكره شمس الأئمة فيمن صلى على سطح بيته المتصل بالمسجد أو في منزله بجنب المسجد وبينه وبين المسجد حائط مقتديا بإمام في المسجد وهو يسمع التكبير من الإمام أو من المكبر تجوز صلاته. ويصح اقتداء الواقف على السطح بمن هو في البيت، ولا يخفى عليه حاله. ولم يفرق المالكية، وهو رواية عند الحنابلة بين ما إذا كان الجدار كبيرا أو صغيرا، فقالوا بجواز الاقتداء إذا لم يمنع من سماع الإمام أو بعض المأمومين أو رؤية فعل أحدهما.
المغني -ابن قدامة- (٣/٤٥:٤٦)
فصل: فإن كان بين الإمام والمأموم حائل يمنع رؤية الإمام، أو من وراءه، فقال ابن حامد: فيه روايتان؛ إحداهما، لا يصح الائتمام به. اختاره القاضي؛ لأن عائشة قالت لنساء كن يصلين في حجرتها: لا تصلين بصلاة الإمام، فإنكن دونه في حجاب. ولأنه يمكنه الاقتداء به في الغالب. والثانية، يصح. قال أحمد في رجل يصلي خارج المسجد يوم الجمعة وأبواب المسجد مغلقة: أرجو أن لا يكون به بأس. وسئل عن رجل يصلي يوم الجمعة وبينه وبين الإمام سترة، قال: إذا لم يقدر على غير ذلك. وقال في المنبر إذا قطع الصف: لا يضر. ولأنه أمكنه الاقتداء بالإمام، فصح اقتداؤه به من غير مشاهدة، كالأعمى، ولأن المشاهدة تراد للعلم بحال الإمام، والعلم يحصل بسماع التكبير، فجرى مجرى الرؤية، ولا فرق بين أن يكون المأموم في المسجد أو في غيره، واختار القاضي أنه يصح إذا كانا في المسجد، ولا يصح في غيره؛ لأن المسجد محل الجماعة، وفي مظنة القرب، ولا يصح في غيره لعدم هذا المعنى، ولخبر عائشة. ولنا، أن المعنى المجوز أو المانع قد استويا فيه، فوجب استواؤهما في الحكم، ولا بد لمن لا يشاهد أن يسمع التكبير، ليمكنه الاقتداء، فإن لم يسمع، لم يصح ائتمامه به بحال، لأنه لا يمكنه الاقتداء به.