الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (41/ 275: 280)
ترتيب الأولياء:
ذهب الفقهاء إلى أن الولي في النكاح إذا كان مجبرًا فإنه يكون المقدم، لا ينازعه أحد في تلك الولاية.
وذهبوا - في الجملة - إلى أنه إذا تعددت أسباب ولاية النكاح، فإنه يقدم من كان سبب ولايته الملك، ثم من كان سبب ولايته القرابة، ثم من كان سبب ولايته الإمامة، ثم من كان سبب ولايته الولاء.
واختلفوا في ترتيب الأولياء في النكاح، وذلك على التفصيل الآتي:
قال الحنفية: الولي في النكاح العصبة بنفسه، وهو من يتصل بالميت حتى المعتق بلا توسط أنثى على ترتيب الإرث والحجب، فيقدم الابن على الأب عند أبي حنيفة وأبي يوسف، خلافًا لمحمد، حيث قدم الأب، وفي الهندية عن الطحاوي: إن الأفضل أن يأمر الأب الابن بالنكاح حتى يجوز بلا خلاف، وابن الابن كالابن، ثم يقدم الأب، ثم أبوه، ثم الأخ الشقيق، ثم لأب، ثم ابن الأخ الشقيق، ثم لأب، ثم العم الشقيق، ثم لأب، ثم ابنه كذلك، ثم عم الأب كذلك، ثم ابنه كذلك، ثم عم الجد كذلك، ثم ابنه كذلك، كل هؤلاء لهم إجبار الصغيرين، وكذا الكبيرين إذا جُنَّا، ثم المعتق ولو أنثى، ثم ابنه وإن سفل، ثم عصبته من النسب على ترتيبهم، فإن لم يكن عصبة لا نسبية ولا سببية فالولاية للأم عند الإمام، ومعه أبو يوسف في الأصح، وهو استحسان، والعمل عليه، وقال محمد: ليس لغير العصبات ولاية، وإنما هي للحاكم، ثم لأم الأب، ثم للبنت، ثم لبنت الابن، ثم لبنت البنت، ثم لبنت ابن الابن، ثم لبنت بنت البنت، وهكذا إلى آخر الفروع وإن سفلوا، ثم للجد الفاسد، ثم للأخت لأب وأم، ثم للأخت لأب، ثم لولد الأم الذكر والأنثى سواء، ثم لأولاد الأخت الشقيقة وما عطف عليها على هذا الترتيب، ثم لذوي الأرحام: العمات، ثم الأخوال، ثم الخالات، ثم بنات الأعمام، وبهذا الترتيب أولادهم، فيقدم أولاد العمات، ثم أولاد الأخوال، ثم أولاد الخالات، ثم أولاد بنات الأعمام.
ثم تكون ولاية النكاح لمولى الموالاة، وهو الذي أسلم على يديه أبو الصغيرة ووالاه؛ لأنه يرث، فتثبت له ولاية التزويج إذا كان الأب مجهول النسب، ووالاه على أنه إن جنى يعقل عنه، وإن مات يرثه.
ثم للسلطان، ثم لقاض، نصَّ له عليه في منشوره، ثم لنواب القاضي إن فوض له ذلك، وإن لم يفوض إليه التزويج فليس لنائبه ذلك.
وليس للوصي من حيث هو وصي أن يزوج اليتيم مطلقًا، وإن أوصى إليه الأب بذلك على المذهب، نعم لو كان قريبًا أو حاكمًا يملكه بالولاية.
ورتب المالكية الأولياء غير المجبرين في النكاح، ولكنهم اختلفوا في التقديم بحسب هذا الترتيب هل هو واجب أو مندوب إليه؟ والراجح عندهم: أن التقديم بذلك الترتيب واجب غير شرط، وقيل: إنه مندوب.
وقالوا: يقدم - عند وجود متعدد من الأولياء - ابنُ للمرأة في العقد عليها، ولو كان الابن من زنا، كما إذا ثيبت بنكاح، ثم زنت وأتت بولد، فيقدم على الأب، وأما إذا ثيبت بزنا وأتت منه بولد فإن الأب يقدم عليه؛ لأنها في تلك الحالة مجبرة للأب - ثم بعد الابن ابنه، ولو عقد الأب مع وجود الابن وابنه جاز على الابن ولا ضرر، ثم أب للمرأة – أي: شرعي، وأما أبو الزنا فلا عبرة به - ثم أخ شقيق أو لأب - أما الأخ لأم فلا ولاية له خاصة وإن كان له ولاية عامة - ثم ابنه وإن سفل وهو المشهور من تقديم الأخ وابنه على الجد هنا، ثم جد لأب، ثم عم لأب، فابنه، فجد أب، فعمه، أي: عم الأب، فابنه.
ويقدم من كل صنف الشقيق على الذي للأب على الأصح عند ابن بشير، والمختار عند اللخمي وهو قول مالك وابن القاسم وسحنون، ومقابله: ما رواه ابن زياد عن مالك أن الشقيق وغيره في مرتبة واحدة، فيقترعان عند التنازع.
ويقدم الأفضل عند التساوي في الرتبة، وإن تنازع متساوون في الرتبة والفضل كإخوة كلهم علماء نظر الحاكم فيمن يقدمه، فإن لم يكن حاكم أقرع بينهم.
ثم يقدم بعد عصبة النسب المولى الأعلى، وهو من أعتق المرأة، فعصبته المتعصبون بأنفسهم، فمولاه، وهو من أعتق معتقها وإن علا.
ثم هل يقدم المولى الأسفل، وهو من أعتقته المرأة، أو لا ولاية له أصلًا عليها؟ صحح عدم الولاية، وهو القياس؛ لأن الولاية هنا إنما تستحق بالتعصيب، والعتيق ليس من عصبتها.
ثم كافل للمرأة غير عاصب، فالبنت إذا مات أبوها أو غاب، وكفلها رجل – أي: قام بأمورها حتى بلغت عنده، أو خيف عليها الفساد - سواء كان مستحقًّا لحضانتها شرعًا أو كان أجنبيًّا، فإنه تثبت له الولاية عليها ويزوجها بإذنها إن لم يكن لها عصبة، وظاهر المدونة: أن ذلك خاص بالدنيئة، أما الشريفة ففيها خلاف، والمذهب أن المرأة الكافلة لا ولاية لها على المكفولة، ووليها الحاكم، وقيل: لها ولاية ولكنها لا تباشر العقد بل توكل كالمعتقة، ولا يشترط في الكفالة مدة معينة على الأظهر، بل ما تحصل فيه الشفقة والحنان عليها عادة، ولا بد من ظهور الشفقة عليها منه بالفعل، وإلا فالحاكم هو الذي يتولى عقد نكاحها.
ثم يتولى الحاكم عقد النكاح بعد من سبق ذكرهم.
فإن لم يوجد للمرأة عاصب ولا مولى أعلى ولا كافل ولا حاكم شرعي، تولى عقد نكاحها رجل من عامة المسلمين، ومن ذلك: الخال، والجد من جهة الأم، والأخ لأم، فهم من أهل الولاية العامة بإذنها ورضاها، وصح النكاح بالولاية العامة في المرأة الدنيئة - الخالية من النسب والحسب والمال والجمال - مع وجود ولي خاص غير مجبر؛ لكونها لدناءتها وعدم الالتفات إليها لا يلحقها بذلك معرة، ولا يفسخ نكاحها بحال، طال زمن العقد أوْ لَا، دخل بها الزوج أو لم يدخل، أما الشريفة فتقيد صحة نكاحها بالولاية العامة مع وجود ولي غير مجبر بما إذا دخل الزوج بها وطال، مع أن هذا النكاح لا يجوز ابتداء.
وقال الشافعية: يرتب الأولياء في النكاح بحسب الجهة التي يُدْلون بها إلى المولى عليها، فتقدم جهة القرابة، ثم الولاء، ثم السلطنة.
وأحق الأولياء بالتزويج أبٌ؛ لأن أغلب الأولياء يُدْلون به، ثم جد لأب، ثم أبوه وإن علا؛ لاختصاص كل منهم عن سائر العصبات بالولادة مع مشاركته في العصوبة، ثم أخ لأبوين ثم أخ لأب؛ لأن الأخ يدلى بالأب فهو أقرب من ابنه، ثم ابن الأخ لأبوين، ثم ابن الأخ لأب وإن سفل؛ لأنه أقرب من العم، ثم عم لأبوين، ثم عم لأب، ثم ابن كل منهما وإن سفل، ثم سائر العصبة من القرابة كالإرث؛ لأن المأخذ فيهما واحد، إلا في مسائل:
منها: يقدم الأخ للأبوين على الأخ لأب في الإرث، وهنا قولان، أظهرهما وهو الجديد: يقدم أيضًا، والقديم: يستويان.
ويجري القولان في ابني الأخ والعمين وابني العم إذا كان أحدهما من الأبوين والآخر من الأب، ولو كان ابنا عم أحدهما أخوها من الأم، أو ابنا ابن عم أحدهما ابنها فقال الإمام: هما سواء، وطرد الجمهور القولين، وقالوا: الجديد: يقدم الأخ والابن.
ولو كان ابنا عم أحدهما من الأبوين والآخر من الأب لكنه أخوها من الأم فالثاني هو الولي؛ لأنه يدلى بالجد والأم، والأول بالجد والجدة.
ولو كان ابنا ابن عم أحدهما ابنها والآخر أخوها من الأم فالابن المقدم؛ لأنه أقرب.
ولو كان ابنا عم أحدهما معتق، فالجديد: يقدم ابن المعتق، والقديم: يسوى بينهما، أو ابنا عم أحدهما خال فهما سواء بلا خلاف.
ومنها: الابن لا يزوج بالبنوة، فإن شاركها في نسب كابن هو ابن ابن عمها فله الولاية بذلك، ولا تمنعه البنوة التزويج بالجهة الأخرى؛ لأنها غير مقتضية لا مانعة، فإذا وجد معها سبب آخر يقتضي الولاية لم تمنعه.
ومن لا عصبة لها بنسب وعليها ولاء فينظر: إن أعتقها رجل فولاية تزويجها له، فإن لم يكن بصفة الولاية فلعصباته، ثم لمعتقه، ثم لعصبات معتقه، وهذا على ترتيبهم في الإرث.
واختلف الشافعية في تزويج السلطان، هل يزوج بالولاية العامة أو النيابة الشرعية؟ وجهان حكاهما الإمام.
ومن فوائد الخلاف: أنه لو أراد القاضي نكاح من غاب عنها وليها، إن قلنا بالولاية زوجها أحد نوابه أو قاض آخر، أو بالنيابة لم يجز، كذلك لو كان لها وليان، والأقرب غائب، إن قلنا يزوج بالولاية قدم عليه الحاضر، أو بالنيابة فلا، وأفتى البغوي بالأول، وكلام القاضي وغيره يقتضيه، وصحح الإمام فيما إذا زوج للغيبة أنه يزوج بنيابة اقتضتها الولاية، قال الشربيني الخطيب: وهذا أوجه.
وقال الحنابلة: أحق الناس في ولاية نكاح المرأة أبوها؛ لأن الولد موهوب لأبيه، قال تعالى: { وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى } [الأنبياء: 90]، وقال صلى الله عليه وسلم: "أنت ومالك لأبيك"، وإثبات ولاية الموهوب له على الهبة أولى من العكس، ولأن الأب أكمل شفقة، وأتم نظرًا، ثم الجد أبو الأب وإن علا؛ لأن الجد له إيلاد وتعصيب، فأشبه الأب، وأولى الأجداد أقربهم كالميراث، ثم ابن المرأة، ثم ابن ابنها وإن سفل، ثم أخوها لأبويها كالميراث، ثم أخوها لأبيها كالإرث، ثم بنوهما كذلك فيقدم ابن الأخ لأبوين على ابن الأخ لأب، ثم بنوهما كذلك وإن نزلوا، ثم العم لأبوين، ثم العم لأب، ثم بنوهما كذلك، وإن نزلوا الأقرب فالأقرب، ثم أقرب العصبات على ترتيب الميراث؛ لأن الولاية مبناها على النظر والشفقة، ومظنة ذلك القرابة، والأحق بالميراث هو الأقرب، فيكون أحق بالولاية.
وتكون الولاية بعد عصبة النسب للمولى المنعم بالعتق؛ لأنه يرثها ويعقل عنها عند عدم عصبتها من النسب، فيكون له تزويجها، ثم أقرب عصباته فأقربهم على ترتيب الميراث، ثم مولى المولى، ثم عصباته كذلك، ويقدم هنا ابنه وإن نزل على أبيه؛ لأنه أحق بالميراث، وأقوى في التعصيب، وإنما قدم الأب في النسب بزيادة شفقته وفضيلة ولادته، وهذا معدوم في أبي المعتق، فرجع فيه إلى الأصل.
ثم تكون ولاية التزويج للسلطان، وهو الإمام الأعظم أو نائبه الحاكم، ومَنْ فَوَّضَا إليه الأنكحة، ولو كان الإمام أو الحاكم من بغاة إذا استولوا على بلد؛ لأنه يجري فيه حكم سلطانهم وقاضيهم مجرى حكم الإمام وقاضيه.
ولا ولاية لغير العصبات النسبية والسببية من الأقارب، كالأخ لأم، والخال، وعم الأم، وأبيها، ونحوهم؛ لأن من لا يعصبها شبيه بالأجنبي منها، فإن عدم الولي مطلقًا بأن لم يوجد أحد ممن تقدم، أو عضل وليها ولم يوجد غيره، زَوَّجَها ذو سلطان في ذلك المكان، كوالي البلد، أو كبيره، أو أمير القافلة ونحوه؛ لأن له سلطنة، فإن تعذر ذو سلطان في ذلك المكان زَوَّجَها عدل بإذنها، قال أحمد في دهقان قرية، أي: رئيسها: يزوج من لا ولي لها إذا احتاط لها في الكفء والمهر إذا لم يكن في الرستاق قاض؛ لأن اشتراط الولاية في هذه الحالة يمنع النكاح بالكلية، فلم يجز كاشتراط كون الولي عصبة في حق من لا عصبة لها.
وإن كان في البلد حاكم، وأبى التزويج إلا بظلم، كطلبه جُعْلًا لا يستحقه، صار وجوده كعدمه.
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (41/ 280 ، 281)
غيبة الولي:
اختلف الفقهاء في بقاء ولاية النكاح عند غيبة الولي، هل تكون للحاكم أم للولي الأبعد؟ فقال الحنفية: إنما يتقدم الأقرب على الأبعد إذا كان الأقرب حاضرًا أو غائبًا غيبة غير منقطعة.
فأما إذا كان غائبا غيبة منقطعة فللأبعد أن يزوج في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وعند زفر: لا ولاية للأبعد بعد قيام الأقرب بحال.
واختلف الحنفية في زوال ولاية الأقرب بالغيبة أو عدم زوالها، فقال بعضهم: إنها باقية، إلا إن حدثت للأبعد ولاية لغيبة الأقرب، فيصير كأن لها وليين مستويين في الدرجة، كالأخوين والعمين، وقال بعضهم: تزول ولايته، وتنتقل إلى الأبعد، وهو الأصح.
واستدل لزفر بأن ولاية الأقرب قائمة؛ لقيام سبب ثبوت الولاية، وهو القرابة القريبة؛ ولهذا لو زوجها حيث هو يجوز، فقيام ولايته يمنع الانتقال إلى غيره.
واستدل الأئمة الثلاثة من الحنفية بأن ثبوت الولاية للأبعد زيادة نظر في حق العاجز فتثبت له الولاية، كما في الأب مع الجد إذا كانا حاضرين، ولأن الأبعد أقدر على تحصيل النظر للعاجز؛ لأن مصالح النكاح مضمنة تحت الكفاءة والمهر، ولا شك أن الأبعد متمكن من إحراز الكفء الحاضر بحيث لا يفوته غالبًا، والأقرب الغائب غيبة منقطعة لا يقدر على إحرازه غالبًا؛ لأن الكفء الحاضر لا ينتظر حضوره واستطلاع رأيه غالبًا، وكذا الكفء المطلق؛ لأن المرأة تخطب حيث هي عادة، فكان الأبعد أقدر على إحراز الكفء من الأقرب، فكان أقدر على إحراز النظر، فكان أولى بثبوت الولاية له؛ إذ المرجوح في مقابلة الراجح ملحق بالعدم في الأحكام، كما في الأب مع الجد.
المجموع شرح المهذب - النووي - (16/ 146)
مَا يصح به النكاح:
لا يصح النكاح إلا بولي، فإن عقدت المرأة لم يصح، وقال أبو ثور: إن عقدت بإذن الولي صح، ووجهه: أنها من أهل التصرف، وإنما منعت من النكاح لحق الولي، فإذا أذن زال المنع كالعبد إذا أذن له المولى في النكاح، وهذا خطأ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رفعه: (لا تُنكح المرأة المرأة، ولا تُنكح المرأة نفسها)، ولأنها غير مأمونة على البُضع؛ لنقصان عقلها، وسرعة انخداعها، فلم يجز تفويضه إليها كالمبذر في المال، ويخالف العبد فإنه منع لحق المولى، فإنه ينقض قيمته بالنكاح، ويستحق كسبه في المهر والنفقة، فزال المنع بإذنه، فإن عقد النكاح بغير ولي، وحكم به الحاكم.
المغني - ابن قدامة - (9/ 345، 346)
النكاح لا يصح إلا بولي، ولا تملك المرأة تزويج نفسها ولا غيرها، ولا توكيل غير وليها في تزويجها.
فإن فعلت، لم يصح النكاح.
روي هذا عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة، وعائشة، رضي الله عنهم.
وإليه ذهب سعيد بن المسيب، والحسن، وعمر بن عبد العزيز، وجابر بن زيد، والثوري، وابن أبي ليلى وابن شبرمة، وابن المبارك، وعبيد الله العنبري، والشافعي، وإسحاق، وأبو عبيد، وروي عن ابن سيرين، والقاسم بن محمد، والحسن بن صالح، وأبي يوسف: لا يجوز لها ذلك بغير إذن الولي، فإن فعلت كان موقوفًا على إجازته.
وقال أبو حنيفة: لها أن تزوج نفسها وغيرها، وتوكل في النكاح؛ لأن الله تعالى قال: { فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَّنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ } [البقرة: 232]، أضاف النكاح إليهن، ونهى عن منعهن منه، ولأنه خالص حقها، وهي من أهل المباشرة، فصح منها، كبيع أمَتِها، ولأنها إذا ملكت بيع أمتها، وهو تصرف في رقبتها وسائر منافعها، ففي النكاح الذي هو عقد على بعض منافعها أولى.
ولنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لا نكاح إلا بولي"، روته عائشة، وأبو موسى، وابن عباس، رضي الله عنهم.
قال المروذي: سألت أحمد ويحيى عن حديث: "لا نكاح إلا بولي" فقالا: صحيح.
وروي عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل، باطل، باطل، فإن أصابها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له"، رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وغيرهما فإن قيل: فإن الزهري رواه وقد أنكره، قال ابن جريج: سألت الزهري عنه فلم يعرفه؟ قلنا له: لم يقل هذا عن ابن جريج غيرُ ابن علية، كذلك قال الإمام أحمد ويحيى، ولو ثبت هذا لم يكن حجة؛ لأنه قد نقله ثقات عنه، فلو نسيه الزهري لم يضره؛ لأن النسيان لم يعصم منه إنسان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "نسي آدم، فنسيت ذريته"، ولأنها مولى عليها في النكاح، فلا تليه، كالصغيرة، وأما الآية، فإن عضلها الامتناع من تزويجها، وهذا يدل على أن نكاحها إلى الولي، ويدل عليه: أنها نزلت في شأن معقل بن يسار رضي الله عنه، حين امتنع من تزويج أخته، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فزوجها، وأضافه إليها لأنها محل له.
إذا ثبت هذا، فإنه لا يجوز لها تزويج أحد، وعن أحمد: لها تزويج أمَتِها، وهذا يدل على صحة عبارتها في النكاح، فيخرج منه أن لها تزويج نفسها بإذن وليها، وتزويج غيرها بالوكالة، وهو مذهب محمد بن الحسن، وينبغي أن يكون قولًا لابن سيرين ومن معه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة زوجت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل" فمفهومه: صحته بإذنه، ولأن المرأة إنما منعت الاستقلال بالنكاح؛ لقصور عقلها، فلا يؤمن انخداعها ووقوعه منها على وجه المفسدة، وهذا مأمون فيما إذا أذن فيه وليها.
والصحيح الأول؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولي".
وهذا يقدم على دليل الخطاب، والتخصيص هاهنا خرج مخرج الغالب؛ فإن الغالب أنها لا تزوج نفسها إلا بغير إذن وليها، والعلة في منعها: صيانتها عن مباشرة ما يشعر بوقاحتها ورعونتها وميلها إلى الرجال، وذلك ينافي حال أهل الصيانة والمروءة، والله أعلم.