المغني - ابن قدامة - (9/ 522، 523)
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على القول به، وليس فيه - بحمد الله - اختلاف، إلا أن بعض أهل البدع ممن لا تعد مخالفته خلافًا، وهم الرافضة والخوارج، لم يحرموا ذلك، ولم يقولوا بالسنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي ما روى أبو هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها" متفق عليه، وفي رواية أبي داود: "لا تنكح المرأة على عمتها، ولا العمة على بنت أخيها، ولا المرأة على خالتها، ولا الخالة على بنت أختها، لا تنكح الكبرى على الصغرى، ولا الصغرى على الكبرى"، ولأن العلة في تحريم الجمع بين الأختين إيقاع العداوة بين الأقارب، وإفضاؤه إلى قطيعة الرحم المحرم، وهذا موجود فيما ذكرنا، فإن احتجوا بعموم قوله سبحانه: { وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } [النساء: 24]، خصصناه بما رويناه، وبلغنا أن رجلين من الخوارج أتيا عمر بن عبد العزيز، فكان مما أنكرا عليه رجم الزانيين، وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها، وقالا: ليس هذا في كتاب الله تعالى، فقال لهما: كم فرض الله عليكم من الصلاة؟ قالا: خمس صلوات في اليوم والليلة، وسألهما عن عدد ركعاتها، فأخبراه بذلك، وسألهما عن مقدار الزكاة ونُصُبِها، فأخبراه، فقال: فأين تجدان ذلك في كتاب الله؟ قالا: لا نجده في كتاب الله، قال: فمن أين صرتما إلى ذلك؟ قالا: فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمسلمون بعده، قال: فكذلك هذا.
ثم لا فرق بين الخالة والعمة، حقيقة أو مجازًا، كعمات آبائها وخالاتهم، وعمات أمهاتها وخالاتهن، وإن علت درجتهن، من نسب كان ذلك أو من رضاع، فكل شخصين لا يجوز لأحدهما أن يتزوج الآخر، لو كان أحدهما ذكرًا والآخر أنثى؛ لأجل القرابة، لا يجوز الجمع بينهما؛ لتأدية ذلك إلى قطيعة الرحم القريبة؛ لما في الطباع من التنافس والغيرة بين الضرائر.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - مجموعة من المؤلفين - (3/ 213: 217)
تحريم الجمع بن المرأة وعمتها، أو خالتها:
يحرم الجمع في النكاح بين المرأة وعمتها، أو خالتها، ونقل الإجماع على ذلك جمع من أهل العلم.
• من نقل الإجماع:
١ - الشافعي (٢٠٤ هـ)، حيث قال: "لا يجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، وبهذا نأخذ، وهو قول من لقيت من المفتين، لا اختلاف بينهم فيما علمته"، ونقله عنه ابن حجر، والصنعاني، والشوكاني.
٢ - ابن المنذر (٣١٨ هـ)، حيث قال: "وأجمعوا على أن لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها، ولا الكبرى على الصغرى، ولا الصغرى على الكبرى".
٣ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ)، حيث قال: "أجمع العلماء على القول بهذا الحديث، فلا يجوز عند جميعهم نكاح المرأة على عمتها وإن علت، ولا على ابنة أخيها وإن سفلت، ولا على خالتها وإن علت، ولا على ابنة أختها وإن سفلت، والرضاعة في ذلك كالنسب"، وذكره في الاستذكار، ونقله عنه العيني، والشوكاني، وقال أيضًا: "وأجمعت الأمة كلها على القول بحديث هذا الباب، على حسب ما وصفناه".
٤ - ابن العربي (٥٤٦ هـ)، حيث قال: "... فإن ما ذكر في هذا الحديث على اختلاف روايته ثابت بالإجماع".
٥ - ابن هبيرة (٥٦٠ هـ)، حيث قال: "واتفقوا على أنه لا يجوز الجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها"، وقال أيضًا: "اتفقوا على أن عمة العمة تنزل في التحريم منزلة العمة، إذا كانت العمة الأولى أخت الأب لأبيه، واتفقوا على أن خالة الخالة تنزل في التحريم منزلة الخالة، إذا كانت الخالة الأولى أخت الأم لأمها"، ونقله عنه ابن قاسم.
٦ - ابن رشد (٥٩٥ هـ)، حيث قال: "واتفقوا - فيما أعلم - على تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها".
٧ - ابن قدامة (٦٢٠ هـ)، حيث قال: "قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على القول به، وليس فيه بحمد الله اختلاف".
٨ - القرطبي (٦٧١ هـ)، حيث قال: "وهذا الحديث مجمع على العمل به في تحريم الجمع بين من ذكر فيه بالنكاح"، ونقله عنه الشوكاني.
٩ - النووي (٦٧٦ هـ)، حيث قال: "يحرم الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها، سواء كانت عمة وخالة حقيقة، وهي: أخت الأب، وأخت الأم، أو مجازية، وهي: أخت أبي الأب، وأبي الجد وإن علا، أو أخت أم الأم، وأم الجدة من جهتي الأم والأب، وإن علت، فكلهن بإجماع العلماء يحرم الجمع بينهما".
١٠ - ابن تيمية (٧٢٨ هـ)، حيث قال: "وأما تحريم الجمع: فلا يجمع بين الأختين بنص القرآن، ولا بين المرأة وخالتها، ولا تنكح الكبرى على الصغرى، ولا الصغرى على الكبرى...، وهذا متفق عليه بين العلماء".
وقال أيضًا: "والجمع بين المرأة وخالة أبيها وخالة أمها، أو عمة أبيها أو عمة أمها، كالجمع بين المرأة وعمتها وخالتها، عند أئمة المسلمين، وذلك حرام باتفاقهم".
١١ - العيني (٨٥٥ هـ)، حيث قال: "أجمع العلماء على القول بهذا الحديث، فلا يجوز عند جميعهم نكاح المرأة على عمتها وإن علت، ولا على ابنة أخيها وإن سفلت، ولا على خالتها وإن علت، ولا على ابنة أختها وإن سفلت".
١٢ - الشعراني (٩٧٣ هـ)، حيث قال: "واتفق الأئمة على تحريم الجمع بين الأختين في النكاح، وكذا بين المرأة وعمتها أو خالتها".
• الموافقون على الإجماع:
ما ذكره الجمهور من الإجماع على أنه يحرم الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، وافق عليه ابن حزم، وهو قول سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وعطاء، ومجاهد، والأوزاعي، والثوري، وأبي عبيد، وأبي ثور.
• مستند الإجماع:
١ - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها".
٢ - وعن جابر -رضي الله عنه- قال: نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها.
٣ - وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى أن تنكح المرأة على عمتها أو العمة على ابنة أخيها، أو المرأة على خالتها، أو الخالة على ابنة أختها، ولا تنكح الصغرى على الكبرى، ولا الكبرى على الصغرى.
٤ - قال الترمذي: وفي الباب عن علي، وابن عباس، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وأبي سعيد، وجابر، وعائشة، وأبي موسى، وسمرة بن جندب.
• وجه الدلالة من هذه الأحاديث:
أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، والنهي يفيد التحريم.
• الخلاف في المسألة:
لم ينقل عن أحد من أهل السنة خلاف في هذه المسألة إلا عثمان البتي، فإنه قال: الجمع فيما سوى الأختين، وسوى المرأة وابنتها، ليس بحرام.
ونقل الخلاف عن الخوارج والشيعة فأباحوا ذلك.
• دليل المخالف:
قال تعالى: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } [النساء: ٢٤].
• وجه الدلالة:
ذكر المحرمات، وذكر فيما حرم: الجمع بين الأختين، وأحل ما وراء ذلك، والجمع فيما سوى الأختين لم يدخل في التحريم، فكان داخلًا في المباح.
النتيجة:
تحقق الإجماع في أنه لا يجوز أن يجمع بين المرأة وعمتها، أو المرأة وخالتها في عقد النكاح، وعدم الاعتداد بخلاف من خالف؛ لما يلي:
١ - أن الجمع بين المرأة وعمتها، وبين خالتها، مما قد حرمه الله تعالى على لسان نبيه -صلى الله عليه وسلم-، الذي هو وحي غير متلو.
٢ - تخصيص قوله تعالى: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } [النساء: ٢٤] بما ورد في سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- مبين للناس ما أنزل إليهم في كتاب الله.
٣ - ما ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- حديث مشهور، والمشهور له حكم القطعي، ولا سيما مع الإجماع من الأمة، وعدم الاعتداد بالمخالف.
٤ - خلاف الخوارج والشيعة لا يعتد به؛ لكونهم من أهل البدع الذين لا يعتد بخلافهم، مع ما ورد من السنة الصحيحة، والإجماع.
٥ - خلاف عثمان البتي لا ينظر إليه؛ لكونه وقع بعد عصر الإجماع، ولمخالفته السنة الصريحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.