الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (22/ 246)
قال ابن تيمية: وقد ذهب طائفة من السلف والخلف إلى أن إرضاع الكبير يحرم، واحتجوا بما في صحيح مسلم وغيره عن زينب بنت أم سلمة، أن أم سلمة رضي الله عنها قالت لعائشة: إنه يدخل عليكِ الغلام الأيفع الذي ما أحب أن يدخل علي، فقالت عائشة: أما لك في رسول الله أسوة حسنة؟ قالت: إن امرأة أبي حذيفة قالت: يا رسول الله، إن سالمًا يدخل علي، وهو رجل، وفي نفس أبي حذيفة منه شيء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرضعيه حتى يدخل عليك"، وفي رواية لمالك في الموطأ: قال: "أرضعيه خمس رضعات"، فكان بمنزلة ولده من الرضاعة، وهذا الحديث أخذت به عائشة، وأَبَى غيرُها من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذن به، مع أن عائشة روت عنه صلى الله عليه وسلم قال: "الرضاعة من المجاعة"، لكنها رأت الفرق بين أن يقصد رضاعة أو تغذية، فمتى كان المقصود الثاني لم يحرم إلا ما كان قبل الفطام، وهذا هو إرضاع عامة الناس، وأما الأول فيجوز إن احتيج إلى جعله ذا محرم، وقد يجوز للحاجة ما لا يجوز لغيرها، وهذا قول متوجه، وقال: رضاع الكبير تنتشر به الحرمة في حق الدخول والخلوة إذا كان قد تربى في البيت، بحيث لا يحتشمون منه للحاجة، وهو مذهب عائشة وعطاء والليث.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - مجموعة من المؤلفين - (3/ 260: 262)
رضاع الكبير لا يُحرِّم:
الكبير: هو من تجاوز الحولين، فلو أن امرأة أرضعت كبيرًا فلا يتعلق بذلك الرضاع تحريم، فلا يعد المرتضع ابنًا للمرأة، ولا يكون أبناؤها إخوة له، ونحو ذلك، ونُقل الإجماع على ذلك.
• من نقل الإجماع:
1 - ابن العربي (546 هـ)، حيث قال: "اتفق الفقهاء على أن لا يحرِّم رضاع الكبير".
2 - ابن هبيرة (560 هـ)، حيث قال: "واتفقوا على أن رضاع الكبير غير محرِّم".
3 - العيني (855 هـ)، حيث قال: "الحرمة مبنية على وجود اللبن...، والحرمة لا تتعلق بصورة الإرضاع ووجود اللبن، كما في الكبير بالإجماع، بل تتعلق باعتبار إنشاز العظم، وإنبات اللحم".
الموافقون على الإجماع:
ما ذكره الجمهور من الإجماع على أن رضاع الكبير لا يحرِّم: وافق عليه الشافعية، وهو قول عمر، وعلى فيما صح عنه، وابن مسعود، وابن عمر، وأبي هريرة، وابن عباس، وأبي موسى الأشعري، وسائر أمهات المؤمنين، غير عائشة -رضي اللَّه عنهم- وقال به سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والشعبي، وابن شبرمة، والثوري، والأوزاعي، وداود.
• مستند الإجماع:
1 - عن عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: دخل عليّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وعندي رجل قاعد، فاشتد ذلك عليه، ورأيت الغضب في وجهه، قالت: فقلت: يا رسول اللَّه، إنه أخي من الرَّضاعة، قالت: فقال: "انظرن من إخوتكن من الرضاعة، فإنما الرضاعة من المجاعة".
• وجه الدلالة:
1 - جعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الرضاعة المحرِّمة ما استعمل لطرد الجوع، ولا يندفع الجوع بالرضاع إلا في حق الصغير، أما في حق الكبير فلا يدفعه الرضاع.
2 - عن أم سلمة -رضي اللَّه عنها- قالت: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء من الثدي، وكان قبل الفطام"، وهذا نص في المسألة.
3 - عن ابن مسعود -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الرضاع ما أنبت اللحم، وأنشز العظم".
• وجه الدلالة:
الذي ينبت اللحم وينشز العظم هو رضاع الصغير دون الكبير.
• الخلاف في المسألة:
ذهب ابن حزم إلى أن رضاع الكبير يُحرِّم كما يحرم رضاع الصغير، ولا فرق، وهو قول عائشة -رضي اللَّه عنها- من بين أزواج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- والليث بن سعد، وعطاء، وإسماعيل ابن عُليَّة، وهو اختيار ابن تيمية، ورجحه الشوكاني.
• أدلة هذا القول:
1 - قال تعالى: { وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ } [النساء: الآية 23]
• وجه الدلالة:
جعل اللَّه سبحانه وتعالى الرضاع محرِّمًا، من غير فصل بين حال الصغر وحال الكبر.
2 - عن عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: إن سالمًا مولى أبي حذيفة كان مع أبي حذيفة وأهله في بيتهم، فأتت سهلة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقالت: إن سالمًا قد بلغ مبلغ الرجال، وعقل ما عقلوا، وإنه يدخل علينا، وإني أظن أن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئًا. فقال لها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أرضعيه تحرمي عليه، ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة"، فرجعت فقالت: إني قد أرضعته، فذهب الذي في نفس أبي حذيفة.
• وجه الدلالة:
حمل أصحاب هذا القول حديث سالم مولى أبي حذيفة على العموم، وليست حالة خاصة به، فيستوي في تحريم الرضاع الصغير والكبير.
النتيجة:
عدم تحقق الإجماع على أن رضاع الكبير لا يُحرِّم؛ وذلك لوجود خلاف في المسألة، يرى التحريم.
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
حكم إرضاع الكبير:
الرضاع المحرِّم خمس رضعات فأكثر في الحولين، فإن دعت الحاجة إلى إرضاع الكبير الذي لا يُستغنى عن دخوله البيت ويشق الاحتجاب عنه جاز.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إني أرى في وجه أبي حُذيفة من دخولِ سالمٍ (وهو حَليفُهُ)، فقال النبي: صلى الله عليه وسلم: "أرضعيه"، قالت: وكيف أرضعه، وهو رجلٌ كبير؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: "قد عَلمتُ أنه رجلٌ كبير"، زاد عمرو في حديثه: "وكان قد شهد بدرًا"، متفق عليه.