الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (22/ 248، 249)
الفحل صاحب اللبن:
- إن صاحب اللبن - وهو زوج المرضعة التي نزل لها منه اللبن - وهو المسمى في عرف الفقهاء: "لبن الفحل" ينشر الحرمة، فيحرم على صاحب اللبن من أرضعتْها زوجته؛ لأنها ابنته من الرضاع، وتحرم على أبنائه الذين من غير المرضعة؛ لأنهم إخوتها من الرضاعة، وأبناء بناته من غير المرضعة؛ لأنهم أبناء إخوتها لأب من الرضاعة، وإن أرضعت كل من زوجتيه طفلًا أجنبيًّا عن الآخر، فقد صارا أخوين لأب من الرضاعة، فيحرم التناكح بينهما إن كانت إحداهما أنثى؛ لأن بينهما أخوة لأب من الرضاعة، وتحرم الرضيعة على آباء زوج المرضعة؛ لأنهم أجدادها من قبل الأب من الرضاعة، وعلى إخوته؛ لأنهم أعمامها من الرضاعة، وأخواته عمات الرضيع فيحرمن عليه، ولا حرمة بين صاحب اللبن وأمهات الرضيع وأخواته من النسب.
- ودليل نشر الحرمة من صاحب اللبن: ما روته عائشة رضي الله عنها قالت: إن أفلح أخا أبي القعيس استأذن عليَّ بعد أن نزل الحجاب، فقلت: والله لا آذن حتى أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن أخا أبي القعيس ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس. فدخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، إن الرجل ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأته، فقال: "ائذني له؛ فإنه عمك، تربت يمينك"، وقال عروة: قالت عائشة رضي الله عنها: "حرموا من الرضاعة ما يحرم من النسب"، وسئل ابن عباس رضي الله عنهما، عن رجل تزوج امرأتين فأرضعت إحداهما جارية، والأخرى غلامًا، هل يتزوج الغلام الجارية؟ قال: لا، اللقاح واحد.
وقد ذهب إلى عدم التحريم بلبن الفحل: سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، وعطاء، والنخعي، وأبو قلابة، ويُروَى عدمُ التحريم به أيضًا عن بعض الصحابة.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - مجموعة من المؤلفين - (757: 760)
التحريم بلبن الفحل:
إذا أرضعت المرأة طفلًا أصبحت أمًّا له، وأبناؤها إخوة له، وزوجها أبًا له، وأبناء زوجها إخوة له، وسائر قراباته قرابة له، كما هو الحال من النسب، ونُقل الإجماع على ذلك.
• من نقل الإجماع:
1 - الشافعي (204 هـ)، حيث قال: "وفي نفس السنة أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة، وأن لبن الفحل يحرِّم كما تحرِّم ولادة الأب، يحرم لبن الأب، لا اختلاف في ذلك".
2 - ابن العربي (546 هـ)، حيث قال: "استقر الأمر على التحريم بلبن الفحل في الأخبار والأمصار، فليس أحد يقضي بغيره، وانعقد الإجماع على التحريم به، وهو الحق الذي لا إشكال فيه".
3 - ابن هبيرة (560 هـ)، حيث قال: "واتفقوا على أن لبن الفحل يحرِّم، وهو أن ترضع المرأة صبية، فتحرم هذه الصبية على زوج المرضعة وآبائه وأبنائه، ويصير الزوج الذي درَّ اللبن عن إعلاقه أبًا للمرضَعة"، ونقله عنه ابن قاسم.
4 - النووي (676 هـ)، حيث قال: "مذهبنا ومذهب العلماء كافة ثبوت حرمة الرضاع بينه وبين الرضيع، ويصير ولدًا له، وأولاد الرجل إخوة الرضيع وأخواته، وإخوة الرجل أعمام الرضيع...، ولم يخالف في هذا إلا أهل الظاهر وابن علية".
5 - العيني (855 هـ)، حيث قال: "قوله: "الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة"، وهذا إجماع لا خلاف فيه بين الأئمة، فإذا حرمت الأم فكذا زوجها؛ لأنه والده؛ لأن اللبن منهما جميعًا، وانتشرت الحرمة إلى أولاده، فأخو صاحب اللبن عم، وأخوها خاله من الرضاع، فيحرم من الرضاع العمات والخالات والأعمام والأخوات وبناتهن كالنسب".
• الموافقون على الإجماع:
ما ذكره الجمهور من الإجماع على التحريم بلبن الفحل وافق عليه ابن حزم، وهو قول علي، وابن عباس -رضي اللَّه عنهما-، والحسن، والشعبي، وطاوس، ومجاهد، والقاسم بن محمد، وعروة، والثوري، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، وابن المنذر، والليث بن سعد، والأوزاعي.
• مستند الإجماع:
1 - عن عروة، أن عائشة رضي الله عنها، أخبرته أنه جاء أفلح أخو أبي القعيس يستأذن عليها بعد ما نزل الحجاب، وكان أبو القعيس أبا عائشة من الرضاعة، قالت عائشة: فقلت: واللَّه لا آذن لأفلح حتى أستأذن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ فإن أبا القعيس ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأته، قالت عائشة: فلما دخل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قلت: يا رسول اللَّه، إن أفلح أخا أبي القعيس جاءني يستأذن عليّ، فكرهتُ أن آذن له حتى أستأذنك، قالت: فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ائذني له"، قال عروة: فبذلك كانت عائشة تقول: "حرِّمُوا من الرضاعة ما تحرمون من النسب".
- عن عمرة، أن عائشة رضي الله عنها، أخبرتها أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان عندها، وأنها سمعت صوت رجل يستأذن في بيت حفصة، قالت عائشة: فقلت: يا رسول اللَّه، هذا رجل يستأذن في بيتك. فقال: "أراه فلانًا" لِعَمِّ حفصة من الرضاعة، فقالت عائشة: يا رسول اللَّه، لو كان فلان حيًّا -لعمها من الرضاعة- دخل عليَّ؟ قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نعم؛ إن الرضاعة تُحَرِّمُ ما تُحَرِّم الولادة".
• الخلاف في المسألة:
ذهب عبد اللَّه بن عمر، وجابر، وعبد اللَّه بن الزبير، ورافع بن خديج، وزينب بنت أبي سلمة -رضي اللَّه عنهم- إلى أنه لا يقع التحريم بلبن الفحل، وهو قول سعيد بن المسيب، وسالم بن عبد اللَّه، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعطاء بن يسار، وأخيه سليمان بن يسار، والنخعي، وأبي قلابة، وداود، وإياس بن معاوية، وربيعة الرأي، وإسماعيل ابن عُلَيَّة، وكان عبد الملك بن مروان يقضي بذلك.
• أدلة هذا القول:
1 - قال تعالى: { وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ } [النساء: 23]
• وجه الدلالة:
ذكر اللَّه -سبحانه وتعالى- التحريم بالرضاعة ما كان من جهة الأم، ولم يذكره من جهة الأب.
2 - اللبن ينفصل من المرأة، ولا ينفصل من الرجل، فلا تلحق به الحرمة.
النتيجة:
أولًا: عدم تحقق الإجماع على أن التحريم يقع بلبن الفحل؛ للأسباب التالية:
1 - وجود خلاف قديم عن بعض الصحابة، والتابعين، وكثير من الفقهاء، يقضي بعدم التحريم بلبن الفحل.
2 - نفى ابن القيم أن تكون دعوى الإجماع هنا صحيحة، فقال: "ولا يمكن دعوى الإجماع في هذه المسألة، ومن ادعاه فهو كاذب..."، ثم ذكر الخلاف عن السلف في ذلك.
ثانيًا: العمل على التحريم بلبن الفحل؛ لأن الاحتياط في باب التحريم أولى.
المغني - ابن قدامة - (9/ 520: 522 )
(ولبن الفحل محرم) معناه: أن المرأة إذا أرضعت طفلًا بلبن ثَابَ من وطء رجل حرم الطفل على الرجل وأقاربه، كما يحرم ولده من النسب؛ لأن اللبن من الرجل، كما هو من المرأة، فيصير الطفل ولدًا للرجل، والرجل أباه، وأولاد الرجل إخوته، سواء كانوا من تلك المرأة أو من غيرها، وإخوة الرجل وأخواته أعمام الطفل وعماته، وآباؤه وأمهاته أجداده وجداته.
قال أحمد: لبن الفحل: أن يكون للرجل امرأتان، فترضع هذه صبية وهذه صبيًّا لا يزوج هذا من هذا، وسئل ابن عباس عن رجل له جاريتان، أرضعت إحداهما جارية، والأخرى غلامًا، فقال: لا، اللقاح واحد. قال الترمذي: هذا تفسير لبن الفحل.
وممن قال بتحريمه: عليٌّ، وابن عباس، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والحسن، والشعبي، والقاسم، وعروة، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي.
قال ابن عبد البر: وإليه ذهب فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والشام، وجماعة أهل الحديث، ورخص في لبن الفحل سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، وعطاء بن يسار، والنخعي، وأبو قلابة، ويروى ذلك عن ابن الزبير وجماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مُسَمَّيْن؛ لأن الرضاع من المرأة، لا من الرجل.
ويروى عن زينب بنت أبي سلمة أنها أرضعتها أسماء بنت أبي بكر، امرأة الزبير، قالت: وكان الزبير يدخل عليَّ وأنا أمتشط، فيأخذ بقرن من قرون رأسي، فيقول: أقْبِلِي عليَّ فحدثيني، أراه والدًا، وما ولد فهم إخوتي، ثم إن عبد الله بن الزبير أرسل إليَّ يخطب أم كلثوم ابنتي على حمزة بن الزبير، وكان حمزة للكلبية، فقلت لرسوله: وهل تحل له، وإنما هي ابنة أخته؟ فقال عبد الله: إنما أردت بهذا المنع لما قبلك، أما ما ولدت أسماء فهم إخوتك، وما كان من غير أسماء فليسوا لك بإخوة، فأرسلي فسلي عن هذا، فأرسلت فسألت وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون، فقالوا لها: إن الرضاعة من قبل الرجل لا تحرم شيئًا، فأنكحتها إياه، فلم تزل عنده حتى هلك عنها.
ولنا: ما روت عائشة رضي الله عنها، أن أفلح أخا أبي القعيس استأذن عليَّ بعدما أنزل الحجاب، فقلت: والله لا آذن له حتى أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن أخا أبي القعيس ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس، فدخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إن الرجل ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأته، فقال: "ائذني له؛ فإنه عمك، تربت يمينك"، قال عروة: فبذلك كانت عائشة تأخذ بقول: "حرموا من الرضاع ما يحرم من النسب" متفق عليه، وهذا نص قاطع في محل النزاع، فلا يعول على ما خالفه.
فأما حديث زينب: فإن صح فهو حجة لنا؛ فإن الزبير كان يعتقدها ابنته، وتعتقده أباها، والظاهر أن هذا كان مشهورًا عندهم، وقوله مع إقرار أهل عصره أولى من قول ابنه، وقول قوم لا يعرفون.