الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (9/ 14)
أن يكون المبيع موجودًا حين العقد، فلا يصح بيع المعدوم، وذلك باتفاق الفقهاء، وهذا شرط انعقاد عند الحنفية.
ومن أمثلة بيع المعدوم: بيع الثمرة قبل أن تخلق، وبيع المضامين، (وهي ما سيوجد من ماء الفحل)، وبيع الملاقيح، (وهي ما في البطون من الأجنة)؛ وذلك لحديث ابن عباس رضي الله عنهما، نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المضامين، والملاقيح، وحبل الحبلة، ولما في ذلك من الغرر والجهالة، وللحديث: "نهى عن بيع الغرر".
ولا خلاف في استثناء بيع السلم، فهو صحيح، مع أنه بيع المعدوم؛ وذلك للنصوص الواردة فيه، ومنها: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عند الإنسان، ورخص في السلم.
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (9/ 14، 15)
أن يكون مالًا:
وعبر المالكية والشافعية عن هذا الشرط بلفظ: "النفع، أو الانتفاع"، ثم قالوا: ما لا نفع فيه ليس بمال فلا يقابل به، أي: لا تجوز المبادلة به، وهو شرط انعقاد عند الحنفية.
والمال: ما يميل إليه الطبع، ويجري فيه البذل والمنع، فما ليس بمال ليس محلًّا للمبادلة بعوض، والعبرة بالمالية في نظر الشرع، فالميتة والدم المسفوح ليسا بمال.
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (9/ 15)
أن يكون مملوكًا لمن يلي العقد:
وذلك إذا كان يبيع بالأصالة، واعتبر الحنفية هذا الشرط من شروط الانعقاد، وقسموه إلى شقين:
الأول: أن يكون المبيع مملوكًا في نفسه، فلا ينعقد بيع الكلأ مثلًا؛ لأنه من المباحات غير المملوكة، ولو كانت الأرض مملوكة له.
والثاني: أن يكون المبيع ملك البائع فيما يبيعه لنفسه، فلا ينعقد بيع ما ليس مملوكًا، وإن ملكه بعد، إلا السلم، والمغصوب بعد ضمانه، والمبيع بالوكالة، أو النيابة الشرعية، كالولي، والوصي، والقيم.
وقد استدل لعدم مشروعية بيع ما لا يملكه الإنسان بحديث حكيم بن حزام رضي الله عنه: "لا تبع ما ليس عندك".
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (9/ 15)
أن يكون معلومًا لكل من العاقدين:
وهذا الشرط عند الحنفية شرط صحة، لا شرط انعقاد، فإذا تخلف لم يبطل العقد، بل يصير فاسدًا.
ويحصل العلم بكل ما يميز المبيع عن غيره، ويمنع المنازعة، فبيع المجهول جهالة تفضي إلى المنازعة غير صحيح، كبيع شاة من القطيع.
هذا، وقد زاد المالكية والشافعية في شروط المبيع: اشتراط طهارة عينه، كما ذكر المالكية شرطين آخرين، هما: أن لا يكون البيع من البيوع المنهي عنها، وأن لا يكون البيع محرمًا.
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة - الدبيان - (2/ 215، 218) .
اشتمال المعقود عليه على منفعة مباحة:
يجب أن يكون المعقود عليه مشتملًا على منفعة مباحة مطلقًا؛ لأن بذل المال في مقابلة ما لا منفعة فيه يعتبر من إضاعة المال، وقد نهينا عن إضاعة المال فيما رواه الشيخان من طريق الشعبي، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله كره لكم قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال".
كما أن أخذ المال في مقابل ما لا منفعة فيه يعتبر من أكل أموال الناس بالباطل، وقد قال تعالى: { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ } [البقرة: 188].
ويكفي أصل المنفعة، وإن قَلَّت قيمتها، كما في التراب والماء، ولا يقدح في المنفعة إمكانية تحصيلها بلا مؤنة أو تعب.
جاء في مواهب الجليل: "إذا تقرر اشتراط المنفعة فيكفي مجرد وجودها وإن قلت، ولا يشترط كثرة القيمة فيها, ولا عزة الوجود، بل يصح بيع الماء، والتراب، والحجارة؛ لتحقيق المنفعة... ".
كما ينظر في المنفعة استحقاقها في المآل، ولا يشترط وجودها في الحال، كما لو اشترى جحشًا صغيرًا جدًّا للركوب عليه، أو اشترى أرضًا سبخة ليعالجها، ثم يزرعها، إلا في الحبوب والثمار فيشترط بدو صلاحهما، وسيأتي الكلام عليهما في باب مستقل، إن شاء الله تعالى.
ويستثنى من ذلك: الآدمي الحر، فإنه وإن كان مشتملًا على منفعة، فلا يجوز بيعه؛ لما روى البخاري من طريق إسماعيل بن أمية، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًّا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه، ولم يُعْطِ أجره".
كما استثنى الجمهور بيع أم الولد كذلك، واختلفوا في بيع المُدَبَّر.
ويمكن تقسيم الأشياء بالنسبة إلى المنفعة إلى أقسام:
القسم الأول: ما لا منفعة فيه أصلًا، إما لقلته كالحبة من الحنطة، أو لخسته كحشرات الأرض من الخنافس ونحوها، فلا يجوز بيعه.
القسم الثاني: ما كان جميع منافعه محرمة، وهذا في الحكم بمنزلة ما لا منفعة فيه؛ لأن المنفعة المحرمة وجودها كعدمها.
القسم الثالث: ما فيه منافع محللة، ومنافع محرمة، وهذا القسم هو الذي يكثر فيه الخلاف،
ويمكن تقسيمه إلى أقسام:
(أ) أن يكون جل منافعه، والمقصود منها محرمًا، والحلال منها تبعًا، فهذا يلحق بالقسم المنهي عن بيعه؛ ولذلك قال تعالى عن الخمر: { قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا } [البقرة: 219].
(ب) أن يكون جل المنافع والمقصود منها حلالًا، والمحرم تبعًا، فيلحق بالقسم الجائز بيعه، كما في بعض البيوع التي فيها غرر يسير، أو غير مقصود.
(ج) أن يكون فيه منافع مقصودة حلال، وفيه منافع مقصودة حرام، فهذا قد يختلف الحكم بحسب الغرض الذي عقد لأجله البيع، كجهاز التلفاز، والسلاح، والعنب، فإن من اشترى التلفاز ليرى فيه ما حرم الله، أو اشترى السلاح لغرض القتل المحرم، أو اشترى العنب بقصد عصره خمرًا حرم البيع في كل ذلك، وإن اشتراه لغرض منافعه المباحة كان ذلك مباحًا، والله أعلم.
إذا علم هذا، فإن تطبيقات اشتراط أن يكون في المعقود عليه منفعة مباحة يدخل فيه مسائل كثيرة سوف نتعرض لها بالبحث، وما لم يذكر منها يكون إن شاء الله تعالى مقيسًا عليها، من ذلك: بيع المصحف، والهر، والقرد، والفيل، وسباع البهائم والطير، والحشرات، ولبن الآدميات، والسم، وبيع الدُّمَى (لعب الأطفال المجسمة).
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة - الدبيان- (2/ 261: 263) .
أن يكون المعقود عليه معلومًا للمتعاقدين:
هل يشترط أن يكون الثمن والمثمن معلومين للمتعاقدين؟
اختلف العلماء في ذلك:
القول الأول: يشترط أن يكون كل واحد من المتعاقدين عالمًا بالمعقود عليه قدرًا وصفة، فإن جهل أحدهما المبيع، أو الثمن، فسد البيع، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة.
القول الثاني: أجاز بعض الحنفية أن يكون المبيع مجهولًا للبائع، إذا كان المشتري عالمًا به، كما لو باع رجل حصته، وهو لا يعرف مقدارها، صح البيع، إلا أنه إن كان في البيع غبن ثبت له خيار الغبن.
القول الثالث: اختار بعض المالكية أنه لا يفسد البيع إلا إذا جهلاه معًا، أو جهله أحدهما، وعلم الآخر بجهله، وأما إذا لم يعلم الآخر بجهله فلا يفسد البيع، ولكن يخير الجاهل بين إمضاء البيع، وبين الرد.
القول الرابع: اختار أكثر الحنفية، والباجي من المالكية جواز بيع الشيء، ولو لم يعلم المشتري جنس المبيع، فضلًا عن معرفة صفته، كما لو قال: بعتك ما في كمي، إذا كان الخيار للمشتري بعد رؤيته للمبيع.
والدليل على اشتراط كون المعقود عليه معلومًا، أدلة كثيرة، منها:
قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } [النساء: 29]، فاشترطت الآية الرضا، والرضا لا يتعلق إلا بمعلوم.
ومنها: النهي عن بيع الغرر، وهو أصل متفق عليه في الجملة؛ لما رواه مسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر.
ومنه: ما ثبت في الأحاديث الصحيحة في النهي عن بيع الملامسة، والمنابذة، وحبل الحبلة، وإنما نهي عنها؛ لما فيها من عدم العلم بالمبيع.
قال النووي: "واعلم أن بيع الملامسة، وبيع المنابذة، وبيع حبل الحبلة، وبيع الحصاة، وبيع عسب الفحل، وأشباهها من البيوع التي جاء فيها نصوص خاصة، وهي داخلة في النهي عن بيع الغرر، ولكن أفردت بالذكر، ونهي عنها؛ لكونها من بيوعات الجاهلية المشهورة، والله أعلم".
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة - الدبيان- (2/ 269: 275) .
أن يكون المعقود عليه مقدورًا على تسليمه:
وقد اختلف الفقهاء في اعتبار هذا الشرط على ثلاثة أقوال:
القول الأول: ذهب الجمهور إلى أنه يشترط في المعقود عليه من مبيع وثمن القدرة على تسليمه، فإن كان المبيع أو الثمن غير مقدور على تسليمه لم يصح البيع.
القول الثاني: ذهب الحنفية في التفريق بين المبيع والثمن، فيشترط في المبيع القدرة على تسليمه، ولا يشترط ذلك في الثمن.
القول الثالث: ذهب ابن حزم - رحمه الله تعالى - إلى أنه لا يشترط في البيع القدرة على التسليم.
تحرير محل الخلاف:
الضابط في هذا الباب: أن كل ما عجز عن تسليمه حسًّا فهو داخل في هذا المبحث، وأما ما عجز عن تسليمه شرعًا لحق آدمي، كالمرهون، فإنه يصح بيعه، ويقف اللزوم فيه على إجازة المرتهن؛ إذ الحق له، فيكون اشتراطه في اللزوم، لا في الصحة؛ إذ هي حاصلة بدونه.
دليل الجمهور:
الدليل الأول: قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } [النساء: 29]، وبيع ما لا يقدر على تسليمه من أكل أموال الناس بالباطل، خاصة إذا لم يتمكن المشتري من قبض المبيع، والتصرف فيه، والذي هو المقصود من عملية البيع.
الدليل الثاني: حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه، وقول النبي صلى الله عليه وسلم له: "لا تبع ما ليس عندك"، والمراد: لا تبع ما لست قادرًا على تسليمه، كما بينا ذلك في بحث سابق.
الدليل الثالث: حديث أبي هريرة رضي الله عنه في النهي عن بيع الغرر، وما لا يقدر على تسليمه فيه غرر ظاهرة؛ لأن عاقبته مستورة، فلا يدري المتعاقد هل يحصل عليه، أم لا.
الدليل الرابع: ولأن ما لا يقدر على تسليمه شبيه بالمعدوم، والمعدوم لا يصح بيعه، وفي بيع المعدوم خلاف سوف أبحثه -إن شاء الله تعالى- بشكل مستقل؛ لأهميته.
الدليل الخامس: ولأن بيع ما لا يقدر على تسليمه من بيع الميسر المنهي عنه؛ لأن العادة أن بيع ما لا يقدر على تسليمه سوف يباع بثمن أقل من ثمنه الحقيقي، فإن وجده المشتري صار غانمًا، وإن لم يتمكن من تسلمه صار غارمًا، وهذا هو حقيقية الميسر المنهي عنه بقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ } [المائدة: 90].
دليل الحنفية في التفريق بين المبيع وبين الثمن:
الدليل الأول: رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم، وآخذ الدنانير، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو يريد أن يدخل بيت حفصة، فقلت: يا رسول الله، إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم، وآخذ الدنانير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها، ما لم تتفرقا وبينكما شيء". [اختلف في رفعه ووقفه، ورجح شعبة والدارقطني وقفه].
وجه الاستدلال: قال السرخسي: "إذا ثبت جواز الاستبدال بالثمن قبل القبض، ثبت أن فوات التسليم فيه لا يبطل العقد؛ لأن في الاستبدال تفويت التسليم فيما استحق بالعقد، وبهذا ثبت أن ملكه عند العقد ليس بشرط؛ لأن اشتراط الملك عند العقد إما لتمليك العين، والثمن دين في الذمة، أو للقدرة على التسليم، ولا أثر للعجز عن تسليم الثمن في العقد".
الدليل الثاني: الأصل في البيع هو المبيع دون الثمن، فالمقصود في البيع هو المبيع، والثمن وسيلة إليه؛ ولذلك جاز البيع بدون ذكر الثمن، ويكون له ثمن المثل، كما سيأتي بحثه، إن شاء الله تعالى، ولا يجوز البيع دون ذكر المبيع، والمبيع يتعلق بالعين، والثمن يتعلق بالذمة.
دليل ابن حزم على صحة بيع ما لا يقدر على تسليمه:
قال ابن حزم: "التسليم لا يلزم، ولا يوجبه قرآن، ولا سنة ولا دليل أصلًا، وإنما اللازم ألا يحول البائع بين المشتري وبين ما اشترى منه فقط، فيكون إن فعل ذلك عاصيًا ظالمًا".
ولا يرى ابن حزم في عدم القدرة على التسليم غررًا؛ لأنه يحصر الغرر فيما كان مجهول القدر أو الصفة.
قال ابن حزم: "ليس هذا غررًا؛ لأنه بيع شيء قد صح ملك بائعه عليه، وهو معلوم الصفة والقدر، فعلى ذلك يباع، ويملكه المشتري ملكًا صحيحًا، فإن وجده فذلك، وإن لم يجده فقد استعاض الأجر الذي هو خير من الدنيا وما فيها، وربحت صفقته، ولو كان هذا غررًا لكان بيع الحيوان كله، حاضره وغائبه، غررًا لا يحل، ولا يجوز؛ لأنه لا يدري مشتريه أيعيش ساعة بعد ابتياعه أم يموت، ولا يدري أيسلم أم يسقم... وإنما الغرر ما عقد على جهل بمقداره وصفاته حين العقد، فإن قالوا: فلعله ميت حين العقد، أو قد تغيرت صفاته، قلنا: هو على الحياة التي قد صحت له حتى يوقن موته، وعلى ما تيقن من صفاته حتى يصح تغييره، فإن صح موته ردت الصفقة، وإن صح تغيره فكذلك أيضًا، ولئن قلتم: إن هذا يمنع من بيعه فامنعوا من بيع كل غائب من الحيوان، ولو أنه خلف الجدار؛ إذ لعله قد مات للوقت حين عقد الصفقة، أو تغير بكسر، أو وجع، أو عور، نعم، وامنعوا من بيع البيض، والجوز، واللوز، وكل ذي قشر؛ إذ لعله فاسد، ولا فرق بين شيء من ذلك، وإنما الغرر ما أجزتموه من بيع المغيبات التي لم يرها أحد قط، من الجزر، والبقل، والفجل، ولعلها مستاسة، أو معفونة، وما أجازه بعضكم من بيع ما لم يخلق بعد من بطون المقاثي التي لعلها لا تخلق أبدًا، ومن لبن الغنم شهرين، أو ثلاثة، ولعلها تموت، أو تحارد، فلا يدر لها شخب، ومن بيع لحم شاة مذبوحة لم تسلخ بعد، فلا يدري أحد من خلق الله تعالى ما صفته، فهذا وأشباهه هو بيع الغرر المحرم، وقد أجزتموه، لا ما صح ملكه، وعرفت صفاته".
ويناقش ابن حزم: بأنه - رحمه الله - جعل الغرر هو في مجهول الصفة والمقدار فقط، وهذا فيه نظر، وقد بين القرافي في الفروق الفرق بين قاعدة المجهول وقاعدة الغرر، فقال: "اعلم أن العلماء قد يتوسعون في هاتين العبارتين، فيستعملون إحداهما موضع الأخرى، وأصل الغرر هو الذي لا يدرى، هل يحصل أم لا، كالطير في الهواء، والسمك في الماء؟
وأما ما علم حصوله، وجهلت صفته فهو المجهول، كبيعه ما في كمه، فهو يحصل قطعًا، لكن لا يدرى أي شيء هو، فالغرر والمجهول كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه، وأخص من وجه، فيوجد كل واحد منهما مع الآخر وبدونه، أما وجود الغرر بدون الجهالة فكشراء العبد الآبق المعلوم قبل الإباق، لا جهالة فيه، وهو غرر؛ لأنه لا يدري هل يحصل أم لا؟
والجهالة بدون الغرر كشراء حَجَرٍ يراه لا يدري، أزجاج هو أم ياقوت؟ مشاهدته تقتضي القطع بحصوله فلا غرر، وعدم معرفته تقتضي الجهالة به، وأما اجتماع الغرر والجهالة، فكالعبد الآبق المجهول الصفة قبل الإباق".
الراجح من الخلاف:
بعد استعراض الأقوال والحجج، أرى أن القول بعدم صحة بيع ما لا يقدر على تسليمه أقوى دليلًا، وأحفظ لأموال الناس.
وتطبيقات هذا الشرط كثيرة، منها:
(1) بيع الآبق، والشارد.
(2) بيع الطير في الهواء، والسمك في الماء.
(3) بيع المعدوم.
(4) بيع المغصوب.
(5) بيع الشيء قبل قبضه.
(6) بيع الدين.
(7) بيع الرجل ما ليس عنده.
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة - الدبيان - (2/ 277) .
أن يكون المعقود عليه مالًا:
المالية شرط عند الجميع، ويضيف الحنفية وصفًا آخر للمال، وهو أن يكون متقومًا؛ بناء على تقسيمهم المال إلى: متقوم، وغير متقوم، فالخمر عندهم مال، ولكنه غير متقوم.
يقول ابن عابدين في حاشيته: "المال أعم من المتقوم؛ لأن المال ما يمكن ادخاره، ولو غير مباح كالخمر، والمتقوم ما يمكن ادخاره مع الإباحة، فالخمر مال لا متقوم... ".
وقال أيضًا: "فما يباح بلا تمول لا يكون مالًا كحبة حنطة، وما يتمول بلا إباحة انتفاع لا يكون متقومًا كالخمر، وإذا عدم الأمران لم يثبت واحد منهما كالدم.. ".
وأما بقية المذاهب فلم يذهبوا معهم إلى هذا التقسيم، فما ليس بمتقوم لا يعد عندهم مالًا.
وقد تكلمنا على أدلة الفريقين في "باب تقسيم المال"، فانظره هناك.
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة - الدبيان - (2/ 279)
أن يكون المبيع مملوكًا في ذاته، وليس مباحًا:
يشترط أن يكون المبيع مملوكًا في ذاته، ولو لغير البائع، فلا ينعقد بيع المباحات المعينة كالسمك، والكلأ، وحطب البوادي، والماء قبل حيازته.
قال في تبيين الحقائق: "لا يجوز بيع الكلأ؛ لأنه ليس بمملوك؛ إذ لا يملكه بنباته في أرضه ما لم يحرزه، لقوله عليه السلام: "المسلمون شركاء في ثلاثة: في الماء، والكلأ، والنار... "، وهو محمول على ما إذا لم يحرزه".
فالمال غير المحرز من المباحات، كالسمك في الماء، والطير في الهواء، والأشجار في البراري، ومثله الذهب في مناجمه، والفضة في معادنها، لا يصح بيعها؛ لأنه غير مملوك قبل حيازته، ولو أتلفه متلف لم يضمنه؛ لأنه لا حماية له قبل حيازته.
وقد استدل لعدم مشروعية بيع ما لا يملكه الإنسان بحديث حكيم بن حزام رضي الله عنه، وفيه: "لا تبع ما ليس عندك".
وقد تكلمت في بيع الكلأ وبيع الماء قبل حيازته في مباحث مستقلة.
كما تكلمنا عند الكلام على أحكام العاقد في مسألة بيع الفضولي باعتباره غير مالك للمعقود عليه، ولا مأذون له في التصرف.
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة - الدبيان - (2/ 281: 282) .
وجود المبيع حال العقد:
هذه الشرط راجع إلى مسألة (حكم بيع المعدوم)، وقد اختلف الفقهاء في جواز بيعه على قولين:
القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن بيع المعدوم لا يجوز، مع اتفاقهم على جواز بيع السلم، وقد لا يكون موجودًا وقت العقد.
قال ابن نجيم: "وأما شرائط المعقود عليه: فأن يكون موجودًا...، وأن يكون مقدور التسليم، فلا ينعقد بيع المعدوم".
ويقول الكاساني في الكلام على شروط انعقاد البيع: "وأما الذي يرجع إلى المعقود عليه: فأنواع، منها: أن يكون موجودًا، فلا ينعقد بيع المعدوم... ".
وفي الفتاوى الهندية: "وأما شرائط الانعقاد: فأنواع، منها في العاقد... ومنها في المبيع: وهو أن يكون موجودًا، فلا ينعقد بيع المعدوم... ".
وقال القرافي المالكي في الفروق: "بيع المجهول الموجود باطل قطعًا، فيبطل بطريق الأولى بيع المعدوم".
وقال الشيرازي في المهذب: "ولا يجوز بيع المعدوم، كالثمرة التي لم تخلق...".
وقال النووي في المجموع: "بيع المعدوم باطل بالإجماع...".
ويقول ابن قدامة في الكافي: "ولا يجوز بيع المعدوم؛ لما روى أبو هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر، رواه مسلم".
القول الثاني: صحح ابن تيمية، وابن القيم، بيع المعدوم إذا كان ذلك لا يتضمن محذورًا آخر من غرر ونحوه.