الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (29/ 45 - 49).
الإنابة في الطلاق:
62- الطلاق تصرف شرعي قولي، وهو حق الرجل، كما تقدم، فيملكه ويملك الإنابة فيه كسائر التصرفات القولية الأخرى التي يملكها، كالبيع والإجارة...، فإذا قال رجل لآخر: وكلتك بطلاق زوجتي فلانة، فطلقها عنه، جاز، ولو قال لزوجته نفسها: وكلتك بطلاق نفسك، فطلقت نفسها، جاز أيضًا، ولا تكون في هذا أقل من الأجنبي. وبيان المذاهب فيما يلي:
أولًا- مذهب الحنفية:
63- إذْنُ الزوج لغيره في تطليق زوجته ثلاثة أنواع: تفويض، وتوكيل، ورسالة، وقد ذكر الحنفية للتفويض ثلاثة ألفاظ، وهي: تخيير، وأمر بيد، ومشيئة، فلو قال لها: طلقي نفسك، واختاري نفسك، وأمرك بيدك، فالأولى يقع الطلاق بها صريحًا بدون نية، واللفظان الآخران من ألفاظ الكناية، فلا يقع بهما الطلاق بغير نية، كما يكون التفويض عندهم بإنابة الزوج أجنبيًّا عنه بطلاق زوجته إذا علقه على مشيئته، بأن قال له: طلق زوجتي إن شئت، فإن لم يقل له: إن شئت، كان توكيلًا لا تفويضًا.
هذا، وبين التفويض والتوكيل عند الحنفية فروق في الأحكام من حيثيات متعددة، أهمها:
أ- من حيث الرجوع فيه، فليس للزوج الرجوع في التفويض؛ لأنه تعليق على مشيئة، والتعليق يمين لا رجوع فيها، فإذا قال له: طلق زوجتي إن شئت، أو قال لزوجته: اختاري نفسك، ناويًا طلاقها، لم يكن له أن يعزلها، أما الوكيل فله عزله مطلقًا ما دام لم يطلق.
ب- من حيث الحد بالمجلس: فللوكيل أن يطلق عن موكله في المجلس وغيره، ما لم يحده الموكل بالمجلس أو زمان ومكان معينين، فإن حده بذلك تحدد به، أما التفويض فمحدود بالمجلس، فإذا انقضى المجلس لغا التفويض، ما لم يبين له مدة، أو يعلقه على مشيئته، فإن بين مدة تحدد بالمدة المبينة، كأن قال لها: طلقي نفسك خلال شهر، أو يوم، أو ساعة، أو طلقي نفسك متى شئت، فإن قال ذلك تحدد بما ذكر، لا بالمجلس.
ج- من حيث نوع الطلاق الواقع به، فقد ذهب الحنفية إلى أن التفويض إذا كان بلفظ صريح، كقوله لها: طلقي نفسك، فطلقت، وقع به الطلاق رجعيًّا، وإن قال لها: اختاري نفسك، فقالت: اخترت نفسي، وقع به بائنًا، هذا إذا نويا الطلاق، وإلا لم يقع به شيء؛ لأنه كناية.
د- من حيث تأثره بجنون الزوج، فإذا فوض الزوج زوجته أو غيرها بالطلاق، ثم جن، فالتفويض على حاله، وإن وكله بالطلاق فجن، بطل التوكيل؛ لأن التفويض تمليك، وهو لا يبطل بالجنون، على خلاف التوكيل، فهو إنابة محضة، وهي تبطل بالجنون.
هـ- من حيث اشتراط أهلية النائب، فإن التفويض يصح لعاقل ومجنون وصغير، على خلاف التوكيل، فإنه يشترط له أهلية الوكيل، وعلى هذا فلو فوض زوجته الصغيرة بطلاق نفسها فطلقت، وقع الطلاق، ولو وكل أخاه الصغير بطلاقها، فطلقها لم يصح، فلو فوضها بالطلاق، وهي عاقلة، ثم جنت فطلقت نفسها، لم يصح عند الحنفية استحسانًا.
ثانيًا- مذهب المالكية:
64 - النيابة في الطلاق عند المالكية أربعة أنواع: توكيل، وتخيير، وتمليك، ورسالة.
فالتوكيل عندهم هو: جعل الزوج الطلاق لغيره - زوجة أو غيرها - مع بقاء الحق للزوج في منع الوكيل - بعزله - من إيقاع الطلاق، كقوله لها: أمرك بيدك، توكيلًا.
والتخيير عندهم هو: جعل الطلاق الثلاث حقًّا للغير، وملكًا له نصًّا، كقوله لها: اختاريني، أو اختاري نفسك.
والتمليك هو: جعل الطلاق حقًّا للغير، وملكًا له، راجحًا في الثلاث، كقوله لها: أمرك بيدك، وبين هذه الثلاثة اتفاق واختلاف على ما يلي:
أ- فمن حيث جواز الرجوع فيه، في التوكيل للزوج حق عزل وكيله بالطلاق مطلقًا، سواء أكان الوكيل هو الزوجة أم غيرها، إلا أن يتعلق به حق للزوجة زائد عن التوكيل، كقوله لزوجته: إن تزوجت عليك فأمرك بيدك، أو أمر الداخلة عليك بيدك، فإنه لا يملك عزلها في هذه الحال؛ لتعلق حقها به، وهو دفع الضرر عنها، ولولا ذلك لأمكنه عزلها، فإن فوضه بالطلاق تخييرًا أو تمليكًا لم يكن له عزل المفوض حتى يطلق أو يرد التفويض.
ب- ومن حيث تحديده بمدة، فإن حدد الزوج النيابة بأنواعها بالمجلس تحدد مطلقًا، وإن حددها بزمان معين بعد المجلس لم تقتصر على المجلس، ولكن إن مارس النائب حقه في الطلاق خلال الزمن المحدد طلقت، وإلا فهو على حقه ما دام الزمان باقيًا، إلا أن يعلم القاضي بذلك، فإن علم به فإنه يحضره ويأمره بالاختيار، فإن اختار الطلاق طلقت، وإلا أسقط القاضي حقه في ذلك، ولا يمهله ولو رضي الزوج بالإمهال؛ وذلك حماية لحق الله تعالى، فإن أطلق ولم يحدده بالمجلس ولا بزمن آخر فللمالكية روايتان: الأولى: يتحدد بالمجلس كالحنفية، والثانية: لا يتحدد به.
ج- من حيث عدد الطلقات، إن كان التفويض تخيرًا مطلقًا - وقد دخل بزوجته - فللمفوضة إيقاع ما شاءت من الطلاق، واحدة واثنتين وثلاثًا، وإن كان لم يدخل بها، أو كان التفويض تمليكًا، فله منعها من أكثر من واحدة، بشروط ستة، إن توفرت لم يقع بقولها أكثر من واحدة، وإن اختلت وقع ما ذكرت.
وهذه الشروط هي:
1- أن ينوي ما هو أقل من الثلاث، فإن نوى واحدة لم تملك بذلك أكثر منها، فإذا نوى اثنين ملكتهما، ولم تملك الثلاث.
2- أن يبادر للإنكار عليها فور إيقاعها الثلاث، وإلا سقط حقه ووقع ثلاث.
3- أن يحلف أنه لم ينو بذلك أكثر من العدد الذي يدعيه، واحدة أو اثنتين، فإن نكل قضي عليه بما أوقعت، ولا ترد اليمين عليها.
4 - عدم الدخول بالزوجة إن كان التفويض تخيرًا، وإلا وقع الثلاث عليه إن أوقعها مطلقًا.
5 - أن لا يكرر التفويض، فإن كرره بأن قال لها: أمرك بيدك، أمرك بيدك، أمرك بيدك، لم يقبل اعتراضه على طلاقها الثلاث، إلا أن ينوي بالتكرار التأكيد، فيقبل اعتراضه.
6 - أن لا يكون التفويض مشروطًا عليه في العقد، فإن شرط في العقد ملكت الثلاث مطلقًا.
فإن خيرها، ودخل بها، فطلقت نفسها واحدة فقط، لم تقع وسقط تخييرها؛ لأنها خرجت بذلك عما فوضها، وقد انقضى حقها بإظهار مخالفتها، فسقط خيارها في قول، وفي قول آخر لم يسقط بذلك خيارها.
ثالثًا- مذهب الشافعية والحنابلة:
65- أجاز الشافعية والحنابلة للزوج إنابة زوجته بالطلاق، كما أجازوا له إنابة غيرها به أيضًا، فإن أناب الغير كان توكيلًا، فيجري عليه من الشروط والأحكام ما يجري على التوكيل من جواز التقييد والرجوع فيه.
وللزوج تفويض طلاقها إليها، وهو تمليك في الجديد عند الشافعية، فيشترط لوقوعه تطليقها على الفور...، وفي قول توكيل، فلا يشترط فور في الأصح، وعلى القول بالتمليك في اشتراط قبولها لفظًا الخلاف في الوكيل، والمرجح عدم اشتراط القبول لفظًا، وعلى القولين: (التمليك والتوكيل) له الرجوع عن التفويض، ولو قال لزوجته: طلقي ونوى ثلاثًا، فقالت: طلقت ونوتهن، وقد علمت نيته، أو وقع ذلك اتفاقا فثلاث؛ لأن اللفظ يحتمل العدد، وقد نوياه، وإذا نوى ثلاثًا ولم تنو هي عددًا، أو لم ينويا، أو نوى أحدهما وقعت واحدة في الأصح.
وعند الحنابلة: من قال لامرأته: أمرك بيدك، فهو توكيل منه لها بالطلاق، ولا يتقيد ذلك بالمجلس، بل هو على التراخي لقول علي رضي الله عنه، ولم يعرف له مخالف في الصحابة، فكان كالإجماع، وفي الأمر باليد لها أن تطلق نفسها ثلاثًا، أفتى به أحمد مرارًا، كقوله: طلقي نفسك ما شئت، ولا يقبل قوله: أردت واحدة، وإن قال لها: اختاري نفسك لم يكن لها أن تطلق أكثر من واحدة، وتقع رجعية؛ لأن "اختاري" تفويض معين، فيتناول أقل ما يقع عليه الاسم، وهو طلقة رجعية، إلا أن يجعل إليها أكثر من واحدة، كأن يقول: اختاري ما شئت، أو اختاري الطلقات إن شئت، فإن نوى بقوله: اختاري عددًا، فهو على ما نوى؛ لأنه كناية، بخلاف: أمرك بيدك، فيتناول جميع أمرها، وليس للمقول لها: "اختاري" أن تطلق، إلا ما داما في المجلس، ولم يتشاغلا بما يقطعه عرفًا، إلا أن يقول لها: اختاري نفسك يومًا أو أسبوعًا أو شهرًا، فتملكه إلى انقضاء ذلك.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (3/ 544).
صحة التوكيل في الطلاق:
يجوز أن يقيم الزوج وكيلًا عنه في إيقاع الطلاق على زوجته، ونُقل الإجماع على ذلك.
• من نقل الإجماع:
1 - ابن عبد البر (463 هـ)، حيث قال: "والأصل المجتمع عليه أن الطلاق بيد الزوج، أو بيد من جعل إليه".
2 - الكاساني (587 هـ)، حيث قال: "وأجمعوا على أن قوله لأجنبي: طلق امرأتي، توكيل".
وقال أيضًا: "... أنه لو أضاف الأمر بالتطليق إلى الأجنبي، ولم يقيده بالمشيئة، كان توكيلًا بالإجماع".
• الموافقون على الإجماع:
ما ذكره الكاساني، وابن عبد البر، من الإجماع على صحة التوكيل في الطلاق، وافق عليه الشافعية، والحنابلة، وهو قول الحسن، والنخعي.
• مستند الإجماع:
1- عن فاطمة بنت قيس -رضي اللَّه عنها-، أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة، وهو غائب، فأرسل إليها وكيلُه بشعير، فسخطته، فقال: واللَّه ما لكِ علينا من شيء، فجاءت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فذكرت ذلك له، فقال: "ليس لك عليه نفقة".
• وجه الدلالة: أن وكيل زوج فاطمة بنت قيس طلقها بمحضر من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأمضاه، مما يدل على جواز التوكيل في الطلاق.
2- لما جازت الوكالة في النكاح مع تغليظ حكمه، كان جوازها في الطلاق أولى.
• الخلاف في المسألة:
ذهب ابن حزم إلى أن التوكيل في الطلاق لا يجوز.
• أدلة هذا القول:
قال تعالى: { وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا } [الأنعام: 164].
قال ابن حزم: فلا يجوز عمل أحد عن أحد، إلا حيث أجازه القرآن أو السنة الثابتة عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا يجوز كلام أحد عن كلام غيره، إلا من حيث أجازه القرآن أو السنة، ولم يأت في طلاق أحد عن أحد بتوكيله إياه قرآن ولا سنة، فهو باطل.
النتيجة:
عدم تحقق الإجماع على أنه يجوز التوكيل في الطلاق؛ وذلك لوجود خلاف عن ابن حزم.