الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (37/ 214، 215 )
البيع في المسجد:
- ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه يكره لغير المعتكف البيع والشراء في المسجد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وسل سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر، وجمروها في الجُمَع".
وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشراء والبيع في المسجد، وأن تنشد فيه ضالة، وأن ينشد فيه شعر.
وأما بالنسبة للمعتكف فإنه لا بأس أن يبيع ويبتاع في المسجد ما كان من حوائجه الأصلية، من غير أن يحضر السلعة؛ لأنه قد يحتاج إلى ذلك بأن لا يجد من يقوم بحاجته، إلا أنهم قالوا: يكره إحضار السلعة للبيع والشراء؛ لأن المسجد محرر عن حقوق العباد، وفيه شغله بها.
وكذلك الحال عند المالكية في كراهة البيع والشراء في المسجد بغير سمسرة؛ لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك".
فإن كان بسمسرة أي: بمناداة على السلعة، بأن جلس صاحب السلعة في المسجد، وأتاه المشتري يقلبها، وينظر فيها ويعطي فيها ما يريد من ثمن حرم؛ لجعل المسجد سوقًا، ثم إن محل الكراهة إذا جعل المسجد محلًّا للبيع والشراء، بأن أظهر السلعة فيه، معرضًا لها للبيع، وأما مجرد عقدهما فلا يكره.
والمختار عند الشافعية القول بكراهة البيع والشراء فيه؛ لما روى أبو هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك".
المغني - ابن قدامة - (6/ 383 )
ويكره البيع والشراء في المسجد، وبه قال إسحاق؛ لما روى أبو هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد ضالة في المسجد، فقولوا: لا ردها الله عليك"، أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب، ولأن المساجد لم تبن لهذا.
ورأى عمران القصير رجلًا يبيع في المسجد، فقال: هذه سوق الآخرة، فإن أردت التجارة فاخرج إلى سوق الدنيا.
فإن باع فالبيع صحيح؛ لأن البيع تم بأركانه وشروطه، ولم يثبت وجود مفسد له، وكراهة ذلك لا توجب الفساد، كالغش في البيع والتدليس والتصرية.
وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: "قولوا: لا أربح الله تجارتك" من غير إخبار بفساد البيع دليل على صحته، والله أعلم.
المجموع شرح المهذب - النووي - (1/ 176)
"إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد ضالة فقولوا: لا ردَّ الله عليك"، قال الترمذي: حديث حسن.
وعن بريدة رضي الله عنه، أن رجلًا نشد في المسجد، فقال: من دَعَى إليَّ الجملَ الأحمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا وجدتَ؛ إنما بنيت المساجد لما بنيت له" رواه مسلم.
وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشراء والبيع في المسجد، وأن ينشد فيه ضالة، وأن ينشد فيه شعر".
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة - الدبيان - (5/ 173: 184) .
البيع في المسجد:
المساجد سوق من أسواق الآخرة، بنيت لإقامة ذكر الله، وسوق البيع والشراء هو سوق من أسواق الدنيا.
روى مسلم في صحيحه من طريق أبي عبد الله مولى شداد بن الهاد، أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد، فليقل: لا ردها الله عليك؛ فإن المساجد لم تبن لهذا".
وورد النهي عن البيع بخصوصه، وسيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى قريبًا، ومعلوم أن المساجد لم تبن لتكون سوقًا يروج فيها التجار سلعهم.
وقد روى مسلم في صحيحه من طريق عبد الرحمن بن مهران مولى أبي هريرة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها".
فجعل المساجد في مقابل الأسواق في الحب والبغض، وإنما كانت المساجد أحب الأماكن إلى الله؛ لأنها أماكن أسست لتقوى الله وطاعته، وكانت الأسواق أبغض البلاد إلى الله؛ لما فيها من الغش والخداع، والربا، والأيمان الكاذبة.
وإذا كان البيع في المسجد دخله سمسار منع بالاتفاق؛ لأنه يكون المسجد، والذي هو أحب الأماكن إلى الله، في صورة السوق التي هي أبغض الأماكن إلى الله.
قال في مواهب الجليل: "وأما البيع بالسمسار فيه –يعني: في المسجد- فممنوع باتفاق... ".
وكذلك اشتد نهي الفقهاء إذا كان البيع في المسجد مع حضور السلعة؛ لأن ذلك يحول المسجد إلى سوق للبيع والشراء وتبادل البضائع، ولم تبن المساجد لهذا.
قال الكاساني في بدائع الصنائع: "والمراد من البيع والشراء: هو كلام الإيجاب والقبول من غير نقل الأمتعة إلى المسجد؛ لأن ذلك ممنوع عنه لأجل المسجد؛ لما فيه من اتخاذ المسجد متجرًا".
وقال الإِمام مالك: "لا أحب لأحد أن يظهر سلعته في المسجد للبيع، فأما أن يساوم رجلًا بثوب عليه، أو بسلعة تقدمت رؤيته لها، فيوجب بيعها، فلا بأس".
وإذا تبين لنا هذا فما حكم الإيجاب والقبول في المسجد بدون حضور السلعة، وبدون أن يكون هناك سمسار؟
اختلف العلماء في ذلك على أربعة أقوال:
القول الأول: يكره لغير المعتكف، وهو مذهب الحنفية.
القول الثاني: يكره مطلقًا، وهو مذهب عامة أهل العلم.
القول الثالث: يحرم، وهو المشهور في مذهب الحنابلة، واختيار اليمانييْن: الشوكاني، والصنعاني.
القول الرابع: يجوز البيع في المسجد، اختاره بعض التابعين، وهو قول ضعيف في مذهب الشافعية، واختيار ابن حزم.
دليل من قال: يكره البيع في المسجد:
الدليل الأول: ما رواه أحمد من طريق ابن عجلان، ثنا عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشراء والبيع في المسجد، وأن تنشد فيه الأشعار، وأن تنشد فيه الضالة، وعن الحلق يوم الجمعة قبل الصلاة. [تفرد به عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده].
قد يقال: لما نهى عن الشراء والبيع في المسجد كان المقصود بذلك الإيجاب والقبول؛ لأن النهي عن البيع يتضمن النهي عن الشراء، فيكون فيه إشارة إلى أن النهي يشمل ما إذا كانت السلعة حاضرة، أو غير حاضرة، وهو ما يدل عليه إطلاق النهي عن البيع والشراء فيه.
وقد قال شيخنا ابن عثيمين - رحمه الله - كلامًا نحو هذا.
قال في الشرح الممتع: "مراده بالشراء هنا القبول؛ لأنه قد يوجب البائع البيع، فيقول: بعت عليك هذا بعشرة، وبعد ذلك يقول المؤذن: الله أكبر، فيقول الثاني: قبلت، فالذي وقع بعد النداء هو الشراء، وإلا من المعلوم أنه لا بيع إلا بشراء، ولا شراء إلا ببيع، لكن قد يقع القبول بعد النداء، والإيجاب قبل النداء، فنقول: إن البيع لا يصح".
والذي حمل النهي على الكراهة: أن الحديث قد تضمن النهي عن إنشاد الشعر في المسجد، وقد صح الإذن فيه؛ ولهذا حمل النهي على التنزيه، والإذن فيه لبيان الجواز، أو المرخص فيه الشعر المحمود كالذي في الزهد ومكارم الأخلاق، والمنهي عنه خلافه.
الدليل الثاني: ما رواه الترمذي من طريق عبد العزيز بن محمَّد الدراوردي، أخبرنا يزيد بن خصيفة، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا رأيتم من يبيع أو ييتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة، فقولوا: لا رد الله عليك. [رواه الثوري، عن يزيد بن خصيفة، عن محمَّد بن عبد الرحمن، قال: كان يقال: ولم يرفعه، وهو المحفوظ، ورجح الدارقطني إرساله].
الدليل الثالث: ما رواه عبد الرزاق، عن محمَّد بن مسلم، عن عبد ربه بن عبد الله، عن مكحول، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جنبوا مساجدكم مجانينكم، وصبيانكم، ورفع أصواتكم، وسل سيوفكم، وبيعكم، وشراءكم، وإقامة حدودكم، وخصومتكم، وجمروها يوم جمعكم، واجعلوا مطاهركم على أبوابها". [ضعيف جدًّا].
الدليل الرابع: ما رواه ابن ماجه من طريق زيد بن جبيرة الأنصاري، عن داود بن حصين، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خصال لا تنبغي في المسجد، لا يتخذ طريقًا، ولا يشهر فيه سلاح، ولا ينبض فيه بقوس، ولا ينشر فيه نبل، ولا يمر فيه بلحم نيء، ولا يضرب فيه أحد، ولا يقتص فيه من حد، ولا يتخذ سوقًا". [ضعيف جدًّا].
دليل من قال: يحرم البيع في المسجد:
استدلوا بما رواه أحمد من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشراء والبيع في المسجد..." الحديث. [سبق تخريجه في أدلة القول الأول].
وإذا ثبت النهي عن البيع في المسجد، فإن الأصل حمل النهي على التحريم، ولا يحمل على الكراهة إلا لقرينة صارفة، ولا قرينة.
قال الشوكاني: "وأنت خبير بأن حمل النهي على الكراهة يحتاج إلى قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي الذي هو التحريم عند القائلين بأن النهي حقيقة في التحريم، وهو الحق".
قال الصنعاني تعليقًا على حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك".
قال الصنعاني تعليقًا على هذا: "فيه دلالة على تحريم البيع والشراء في المساجد، وأنه يجب على من رأى ذلك فيه: أن يقول لكل من البائع والمشتري: "لا أربح الله تجارتك"، يقول جهرًا زجرًا للفاعل لذلك".
والحديث سبق تخريجه، ولم يصح مرفوعًا، ولو صح لكان ظاهرًا في الدلالة على التحريم؛ لأن الدعاء على المسلم بكساد تجارته لا يباح إلا لمحرم؛ لما في ذلك من تنفير القلوب، وتوريث العداوة.
دليل من قال: يجوز البيع في المسجد:
الدليل الأول: استدلوا بقوله تعالى: { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ } [البقرة: 275]، ولم يأت نهي عن ذلك إلا من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وتفرده بمثل ذلك لا يقبل.
الدليل الثاني: الإيجاب والقبول كلام مباح، مثله مثل أي كلام يدور في المسجد بين رجلين، وإذا كان إنشاد الشعر في المسجد جائزًا، فالإيجاب والقبول مثله، إن لم يكن أحوج منه، ما دام أن ذلك لا يحمل على لغط ورفع أصوات في المسجد، وعرض السلع، وسماسرة تنادي من يشتري، من يزيد؟.
الدليل الثالث: لو استأجر رجل رجلًا على تعليم الصبيان في المسجد لكان ذلك مباحًا، وعقد الإجارة بيع منفعة.
الدليل الرابع: إذا كان الرسول قد يقضي بين المتخاصمين في المسجد، ولا ينافي ذلك حرمة المسجد، وما بنيت له، فكذلك ألفاظ الإيجاب والقبول.
فقد جاء في الصحيحين في قصة المتلاعنين، حيث تلاعنا في المسجد،
وجاء في الصحيحين من حديث كعب رضي الله عنه أنه تقاضى ابنَ أبي حدرد دينًا كان له عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فارتفعت أصواتهما، حتى سمعهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في بيته، فخرج إليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كشف سجف حجرته، فنادى: يا كعبُ، قال: لبيك يا رسول الله، فأشار إليه بيده أن ضع الشطر من دينك، قال كعب: قد فعلت يا رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قم فاقضه".
وجاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا على باب حجرتي، والحبشة يلعبون في المسجد، ورسول الله يسترني بردائه، أنظر إلى لعبهم.
الراجح من الخلاف:
القول بالتحريم لم يقل به إلا الحنابلة، ولا أستطيع أن أجزم به، وهو لم يرد إلا في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ولست أنكر أن هذا السند من قبيل الحسن لذاته فيما لم يتفرد به من الأحكام، وأما إذا تفرد فإن النفس لا تقبل مثله، والقول بالكراهة غير بعيد عن الصواب، من أجل المعنى، لا من أجل النص، وأجد قول مالك - رحمه الله - أن الإيجاب والقبول في المسجد إذا لم يكن في ذلك رفع أصوات، ولم يكن بحضور السلعة إلى المسجد، ولم يكن في ذلك ما يشغل عن صلاة واجبة، ولم يستغل جمع المسجد في البحث عن مشتر للسلعة، أنه لا بأس به، وأن ذلك من جنس الكلام المباح الذي قد يتكلم به الرجل في المسجد مع أخيه.
قال الإمام مالك: "لا أحب لأحد أن يظهر سلعته في المسجد للبيع، فأما أن يساوم رجلًا بثوب عليه، أو بسلعة تقدمت رؤيته لها، فيوجب بيعها، فلا بأس".
وأبعد من ذلك من حرم من أهل عصرنا توزيع النشرات العلمية المشتملة على بعض الأذكار في المساجد؛ لأنه قد وضع في أسفلها اسم من قام بطبعها من الشركات، والمحلات التجارية، وأن ذلك يدخل في مسمى البيع؛ لأنه نوع من الدعاية لتلك المحلات فهذا بعيد كل البعد عن مقصود الشارع من كراهة البيع والشراء في المسجد، فمراد الشارع على التسليم بثبوت النهي عن البيع والشراء ألا يتحول المسجد إلى سوق تعرض فيه السلع، فيتحول من كونه سوقًا للآخرة إلى سوق من أسواق أهل الدنيا، وليس في هذه النشرات ما يصرف الناس عن رسالة المسجد، وكتابة اسم من قام بطباعتها، أو وضع علامته التجارية تابع غير مقصود.