الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (9/ 223: 225)
البيع عند أذان الجمعة:
أمر القرآن الكريم بترك البيع عند النداء (الأذان) يوم الجمعة، فقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } [الجمعة: 9]، والأمر بترك البيع نهي عنه.
ولم يختلف الفقهاء في أن هذا البيع محرم؛ لهذا النص.
غير أن للجمعة أذانين، فعند أي الأذانين يعتبر مورد النهي عن البيع؟
أ - فمذهب جمهور الفقهاء، ومنهم بعض الحنفية كالطحاوي، أنه الأذان الذي جرى به التوارث، ولم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أذان خطبة الجمعة بين يدي المنبر، والإمام على المنبر، فينصرف النداء إليه؛ ولهذا قيده المالكية والحنابلة بـ: الأذان الثاني.
واستدلوا لذلك بما يلي:
- ما روي عن السائب بن يزيد رضي الله عنه، قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فلما كان عثمان رضي الله عنه، وكثر الناس، زاد النداءَ الثالثَ على الزوراء.
وفي رواية: "زاد الثاني"، وفي رواية: "على دار في السوق، يقال لها: الزوراء"، وتسمية الأذان الأول في أيامنا أذانًا ثالثًا؛ لأن الإقامة - كما يقول ابن الهمام - تسمى أذانًا، كما في الحديث: "بين كل أذانين صلاة"، ولأن البيع عند هذا الأذان يشغل عن الصلاة، ويكون ذريعة إلى فواتها، أو فوات بعضها.
ب - والقول الأصح والمختار عند الحنفية، وهو اختيار شمس الأئمة، أن المنهي عنه هو البيع عند الأذان الأول الذي على المنارة، وهو الذي يجب السعي عنده، وهو الذي رواه الحسن عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - إذا وقع بعد الزوال.
وعللوه بحصول الإعلام به، ولأنه لو انتظر الأذان عند المنبر يفوته أداء السنة، وسماع الخطبة، وربما تفوته الجمعة إذا كان بيته بعيدًا من الجامع.
بل نقل الطحاوي عن صاحب البحر قوله فيما ذهب إليه الطحاوي: "وهو ضعيف".
ج - وهناك رواية عن الإمام أحمد، حكاها القاضي عنه، وهي: أن البيع يحرم بزوال الشمس، وإن لم يجلس الإمام على المنبر.
وهذه الرواية قريبة من مذهب الحنفية، لكن ابن قدامة قرر أنها لا تصح من وجوه، وهي: أن الله تعالى علق النهي عن البيع على النداء، لا على الوقت، ولأن المقصود بهذا إدراك الجمعة، وهو يحصل بالنداء عقيب جلوس الإمام على المنبر، لا بما ذكره القاضي، وهو زوال الشمس، وإن لم يجلس الإمام على المنبر، ولأنه لو كان تحريم البيع معلقًا بالوقت، لما اختص بالزوال، فإن ما قبله وقت أيضًا؛ لأن وقت الجمعة عند أحمد هو ما بين ارتفاع الشمس قدر رمح إلى آخر وقت الظهر.
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (9/ 225)
حكم البيع عند أذان الجمعة:
- جمهور الفقهاء على أن النهي عن البيع عند الأذان هو للتحريم، صرح به المالكية والشافعية والحنابلة.
أما الحنفية فقد ذكروا أن أقل أحوال النهي الكراهة، وأن ترك البيع واجب، فيكره تحريمًا من الطرفين: البائع والمشتري على المذهب، ويصح إطلاق الحرام عليه، كما عبر المرغيناني، ويفترض تركه، كما عبر الشرنبلالي.
قيود تحريم هذا البيع:
- إن هذا النهي الذي اقتضى التحريم أو الكراهة، مقيد بقيود:
أ - أن يكون المشتغل بالبيع ممن تلزمه الجمعة، فلا يحرم البيع على المرأة والصغير والمريض، بل نص الحنفية على أن هذا النهي قد خص منه من لا جمعة عليه، ومع ذلك فقد ذكر ابن أبي موسى - من الحنابلة - روايتين في غير المخاطبين، والصحيح عندهم أن التحريم خاص بالمخاطبين بالجمعة؛ وذلك لأن الله تعالى إنما نهى عن البيع من أمره بالسعي، فغير المخاطبين بالسعي لا يتناولهم النهي، ولأن تحريم البيع معلل بما يحصل به من الاشتغال عن الجمعة، وهذا معدوم في حقهم.
ب - وأن يكون المشتغل بالبيع عالمًا بالنهي، كما نص عليه الشافعية.
ج - انتفاء الضرورة إلى البيع، كبيع المضطر ما يأكله، وبيع كفن ميت خيف تغيره بالتأخير، وإلا فلا حرمة، وإن فاتت الجمعة، كما يقول الجمل من الشافعية.
د - أن يكون البيع بعد الشروع في أذان الخطبة - كما عبر الجمهور - أو عنده، كما عبر المالكية أيضًا.
هـ - ولم يتعرض الحنفية للتقييد بغير كون الأذان بعد الزوال.
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (9/ 226)
قياس غير البيع من العقود عليه في التحريم:
- النهي عند الجمهور شامل البيع والنكاح وسائر العقود.
بل نص الحنفية على وجوب ترك كل شيء يؤدي إلى الاشتغال عن السعي إلى الجمعة، أو يخل به.
ونص المالكية على أنه يفسخ بيع وإجارة وتولية وشركة وإقالة وشفعة، لا نكاح وهبة وصدقة وكتابة وخلع.
ونص الشافعية على حرمة الاشتغال بالعقود والصنائع وغيرها، مما فيه تشاغل عن الجمعة.
وفي قول عند الحنابلة: أنه يحرم غير البيع من العقود، كالإجارة والصلح والنكاح؛ لأنها عقود معاوضة، فأشبهت البيع.
والمذهب عند الحنابلة: تخصيص عقد البيع والشراء فقط بالتحريم وعدم الصحة بعد الشروع في الأذان الثاني، فتصح عندهم سائر العقود من النكاح والإجارة والصلح وغيرها، من القرض والرهن والضمان (الكفالة) ونحوها؛ لأن النهي ورد في البيع وحده، وغيره لا يساويه؛ لقلة وقوعه، فلا تكون إباحته ذريعة لفوات الجمعة، ولا يصح قياسه عليه.
ونصوا على أن إمضاء البيع الذي فيه خيار، أو فسخه يصح، ولا يعتبر مجرد الإمضاء والفسخ في الخيار بيعًا.
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (9/ 229: 230)
صحة البيع عند أذان الجمعة:
جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية، وبعض المالكية، يرون أن عقد البيع يقع صحيحًا؛ لأن المنع منه لمعنى في غير البيع، خارج عنه، وهو ترك السعي، فكان البيع في الأصل مشروعًا جائزًا، لكنه يكره تحريمًا؛ لأنه اتصل به أمر غير مشروع، وهو ترك السعي.
ويتفرع عن صحة البيع الأمور التالية:
أ - عدم وجوب فسخه، في أحد قولين عند الحنفية، وأحد قولين عند المالكية أيضًا، فقد قال الشيخ العدوي: وهناك قول آخر يقول: لا فسخ، والبيع ماض، ويستغفر الله.
ب - وجوب الثمن لا القيمة.
ج - ثبوت ملك المبيع قبل القبض.
لكن مشهور مذهب المالكية: أن هذا البيع كالبيع الفاسد يفسخ، ويرد من يد المشتري ما لم يفت بيده، فإن فات - بتغير سوق - مضى العقد، ولزم المشتري القيمة حين القبض، على المشهور، وقيل: بالقيمة حين البيع.
والذين نصوا من المالكية على وجوب فسخ البيع ألحقوا به نحو البيع، من الإجارة والشركة والإقالة والشفعة - إذا أخذ بها، لا لو تركت - لكنهم استثنوا مثل: النكاح والهبة والصدقة والعتق، فلا يفسخ شيء من ذلك، وإن حرم.
والفرق بين هذه المذكورات وبين البيع ونحوه عندهم: هو أن البيع ونحوه مما فيه العوض يرجع لكل عوضه بالفسخ، فلا كبير ضرر فيها، بخلاف ما لا عوض فيه، فإنه يبطل أصلًا لو فسخ.
وذكر العدوي في النكاح علة أخرى، وهي: حصول الضرر بفسخه، فربما يتعلق أحد الزوجين بصاحبه.
والخلع ينبغي أن يمضي ولا يفسخ، على مقتضى العلة المتقدمة، وهي أنه يبطل أصلًا لو فسخ.
أما الحنابلة: فقد صرحوا بأن البيع لا يصح قليله وكثيره، ولا ينعقد للذي في النص الكريم، وهو ظاهر في التحريم.
(بتصرف).
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة - الدبيان - (5/ 185، 189) .
الحكم التكليفي للبيع بعد نداء الجمعة الثاني:
أمر الله سبحانه وتعالى بترك البيع عند الأذان من يوم الجمعة، والسعي إلى الصلاة، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ } [الجمعة: 9].
قال ابن العربي: "وهذا مجمع على العمل به، ولا خلاف في تحريم البيع... ".
وحكى الإجماع ابن رشد في "بداية المجتهد".
وعبر الحنفية بالكراهة، وذكر ابن نجيم بأن المقصود بها: كراهة التحريم، اتفاقًا.
وقال الشافعية: لا يكره البيع قبل الزوال يوم الجمعة.
ويكره البيع كراهة تنزيه بعد الزوال، وقبل ظهور الإِمام، أو قبل جلوسه على المنبر وقبل شروع المؤذن في الأذان.
ويحرم البيع بعد جلوس الخطيب على المنبر، وشروع المؤذن في الأذان.
ولا أعلم دليلًا في تعليق الكراهة على الوقت، فإن الآية إنما نهت عن البيع حين سماع النداء للجمعة إلى حين الفراغ من الصلاة، فما عداه فعلى الإباحة.
هذا هو الحكم التكليفي للبيع بعد سماع النداء.
[م - 388] وقد اختلف العلماء في نداء الجمعة، هل المقصود به النداء الأول، أو النداء الثاني؟
على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يحمل على الأذان الأول، وهذا القول هو الأصح في مذهب الحنفية، وقيده الزيلعي بأن يقع الأذان الأول بعد الزوال.
القول الثاني: يحمل على الأذان الثاني، وهو مذهب الجمهور، واختاره بعض الحنفية.
القول الثالث: لا يجوز البيع منذ زوال الشمس من يوم الجمعة إلى مقدار تمام الخطبتين والصلاة، ومن شهد الجمعة فإلى أن تتم صلاتهم للجمعة، وهو قول في مذهب الحنفية، وحكاه القاضي رواية عن أحمد، واختيار ابن حزم.
دليل الجمهور على أن المعتبر هو النداء الثاني:
ما رواه البخاري من طريق الزهري، عن السائب بن يزيد، قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإِمام على المنبر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وعمر رضي الله عنهما، فلما كان عثمان رضي الله عنه، وكثر الناس، زاد النداءَ الثالثَ على الزوراء. قال أبو عبد الله: الزوراء: موضع بالسوق بالمدينة.
واعتبر ما أحدثه عثمان النداء الثالث، باعتبار أن الإقامة تسمى أذانًا، ويطلق عليه الأول باعتبار موضعه منها.
فقد روى عبد الرزاق، عن ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار، أن عثمان رضي الله عنه أولُ من زاد الأذان الأول يوم الجمعة لما كثر الناس، زاده، فكان يؤذن به على الزوراء. [إسناده صحيح].
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، قال: كان الأذان في يوم الجمعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وعمر أذانًا واحدًا حتى يخرج الإِمام، فلما كان عثمان كثر الناس، فزاد الأذان الأول، وأراد أن يتهيأ الناس للجمعة. [إسناده صحيح].
فإذا كان النداء على وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو النداء الثاني، الذي يكون بين يدي الخطيب، وهو على المنبر، ولم يكن معروفًا النداء الأول كان هو المقصود بقوله تعالى: { إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ } [الجمعة: 9].
وهو النداء الذي يجب السعي عنده إلى الصلاة، ولا يجب السعي بمجرد النداء الأول، وإنما النداء الأول لأجل أن يرجع الناس من الأسواق ليستعدوا للصلاة.
تعليل الحنفية على أن المعتبر هو النداء الأول:
علل الحنفية قولهم ذلك بأن النداء الأول هو النداء الذي يحصل به الإعلام، ولأنه لو انتظر الأذان عند المنبر يفوته أداء السنة، وسماع الخطبة، وربما تفوته الجمعة إذا كان بيته بعيدًا عن الجامع.
دليل من قال: يحرم البيع من زوال الشمس:
إن التوجه إلى الجمعة يجب بدخول الوقت، وإن لم يؤذن لها أحد؛ ولهذا لا يعتبر في التحريم الأذان لو كان قبل الوقت، فهذا يدل على أن المعتبر هو الوقت، وليس مجرد الأذان.
وتعقبه ابن قدامة: "لا يصح هذا، يعني: تعليق النهي بالوقت؛ لأن الله تعالى علقه على النداء، لا على الوقت، ولأن المقصود بهذا إدراك الجمعة، وهو يحصل بما ذكرنا، دون ما ذكره، ولو كان تحريم البيع معلقًا بالوقت لما اختص بالزوال، فإن ما قبله وقت أيضًا، فأما من كان منزله بعيدًا لا يدرك الجمعة بالسعي وقت النداء، فعليه السعي في الوقت الذي يكون به مدركًا للجمعة؛ لأن الجمعة واجبة، والسعي قبل النداء من ضرورة إدراكها، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كاستقاء الماء من البئر للوضوء، إذا لم يقدر على غيره، وإمساك جزء من الليل مع النهار في الصوم، ونحوهما".
الراجح من الخلاف:
قول الجمهور هو القول المتعين؛ لأن حمل الآية على أمر لم يكن موجودًا وقت نزولها لا يتصور.
والسعي إلى الصلاة له وقتان:
وقت استحباب، ووقت وجوب، وهو وقت النداء إذا جلس الإِمام على المنبر، والتحريم خاص في وقت الوجوب، وليس في وقت الاستحباب؛ لأن من فوت وقت الاستحباب لم ينكر عليه.
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة - الدبيان - (5/ 191، 197) .
الحكم الوضعي للبيع بعد نداء الجمعة:
عرفنا أن البيع بعد نداء الجمعة محرم، وأن العلماء مجمعون على تحريمه، والسؤال: لو أن البيع وقع، فهل نحكم على البيع بالبطلان، أو نقول: يحرم البيع مع صحة العقد؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: يصح العقد مع التحريم، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، وبعض المالكية.
القول الثاني: يجب فسخه، وهو مذهب المالكية، والحنابلة.
• دليل من قال: العقد صحيح:
قالوا: الأدلة قد قامت على أن النهي إذا لم يتناول معنى في نفس العقد، أو القربة المفعولة، أو ما هو من شروطها التي يخصها لم يمنع جواز ذلك، وذلك نحو البيع عند أذان الجمعة، وتلقي الجلب، وبيع حاضر لباد، ومثل الصلاة في الأرض المغصوبة، والطهارة بماء مغصوب، وغسل النجاسة به، والوقوف بعرفات على جمل مغصوب، وكون الفعل فيها منهيًّا عنه في هذه الصفة لا يمنع من القول بجوازه؛ لأن النهي عنها لم يتناول معنى في نفس المفعول، وإنما تناول معنى في غيره، وكون الإنسان مرتكبًا للنهي، عاصيًا في غير المعقود عليه لا يمنع وقوع فعله موقع الجواز، والدليل على صحة ما ذكرنا: أنه لو رأى رجل يصلي رجلًا يغرق، وقد كان يمكنه تخليصه، أنه منهي عن المضي في هذه الصلاة، ومأمور بتخليص الرجل، فإن لم يفعل، ومضى في صلاته، كانت صلاته مجزئة، ولولا أن ذلك كذلك لقلنا: لا يجوز له فعل الصلاة.
وفي اتفاق المسلمين على جواز صلاة من هذا وصفه دلالة على أن النهي إذا لم يتعلق بمعنى في نفس العقد، أو في نفس القربة المفعولة، أو بما هو من شروطها التي تختص بها، أنه لا يمنع صحة العقد، ووقوع القربة موقع الجواز، ألا ترى أن تخليص الرجل من الغرق ليس من الصلاة، ولا من شروطها في شيء؟! ألا ترى أن من عليه تخليص الغريق لو اشتغل بالصلاة أيضًا كان عاصيًا في اشتغاله عن تخليصه؟! وأن أذان الجمعة ليس من نفس البيع، ولا من شرطه، فلم يفسد البيع من أجله وإن كان منهيًّا عنه؛ لأن المعنى فيه الاشتغال عن صلاة الجمعة لا البيع؛ لأنه لو لم ينعقد البيع في ذلك الوقت، واشتغل بغيره، كان النهي قائمًا في اشتغاله بغير الصلاة، فعلمت أن النهي إنما تناول الاشتغال عن الجمعة، لا البيع نفسه، وكذلك النهي عن تلقي الجلب، وبيع حاضر لباد، إنما هو لأجل حق الغير، لا لأجل البيع، وكذلك في استيام الرجل على سوم أخيه، أنه منهي عنه، ولو عقد البيع على هذا الوجه كان العقد صحيحًا، مع كونه منهيًّا عنه؛ لأن النهي عنه إنما تعلق لحق المساوم، لا بالعقد نفسه، ونظائر ذلك كثيرة، وفيما ذكرنا تنبيه على المعنى في أشباهه، فصار ما ذكرنا أصلًا في هذه المسائل.
• دليل من قال: العقد باطل:
الدليل الأول: قال تعالى: { وَذَرُوا الْبَيْعَ } [الجمعة: 9].
وجه الاستدلال: أمر الله سبحانه وتعالى بترك البيع، فكأنه قال: "لا تبيعوا"، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.
ونوقش: أنتم لا تمنعون أن هناك أشياء نهى عنها الشارع، وصححها؛ لوجود قرينة، كالنهي عن تلقي الجلب، ومع ذلك أثبت للبائع الخيار إذا أتى السوق، ونهى عن التصرية، وأثبت للمشتري الخيار إذا وقع البائع في النهي، وثبوت الخيار فرع عن صحة البيع فيهما، فدل ذلك على أن التحريم والصحة قد يجتمعان، ولا تلازم بين النهي، والفساد، وإذا كان لا تلازم بين النهي والفساد لم تكن صيغة النهي وحدها دالة على الفساد، وإنما تدل على التحريم، والممنوع أن يكون الشيء منهيًّا عنه، ومأمورًا به في ذات الوقت، فيمتنع أن يقال: حرمت عليك الطلاق في حال الحيض، وأمرتك به، وأبحته لك، وأما إذا قال: حرمت عليك الطلاق في الحيض، فإن فعلت فقد وقع الطلاق، وأنت آثم، وحرمت عليك الصلاة في الثوب المغصوب، فإن فعلت صحت الصلاة، وأنت آثم، فشيء من هذا ليس بممتنع، فدل على أن النهي لا يقتضي فساد المنهي عنه في كل حال.
وتُعُقب ذلك، قال شيخنا ابن عثيمين: "إن قال قائل: لم لا تقولون: هو حرام، ولكنه صحيح، كما قلتم في الجلب؟
فالجواب: الفرق بينهما ظاهر.
أولًا: لأن حديث التلقي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار"، فثبوت الخيار فرع عن صحة العقد، فيكون في الحديث دليل على أن العقد صحيح.
ثانيًا: أن النهي عن التلقي ليس نهيًا عن العقد لذاته، ولكنه نهي عن العقد لحق الغير، حيث إنه ربما يكون فيه خديعة للقادم، فيشتريه المتلقي بأقل؛ ولهذا جعل الحق له في إمضاء البيع، أو فسخه، وأما مسألتنا فإن النهي عن البيع بعينه، وما نهي عن البيع بعينه لا يمكن أن نقول: إنه صحيح، سواء في العبادات، أو في المعاملات؛ لأن تصحيحنا لما جاء فيه النهي بعينه إمضاء لهذا الشيء الذي نهى الشارع عنه؛ لأن الذي نهى الشارع عنه يريد منا أن نتركه ونتجنبه، فإذا حكمنا بصحته فهذا من باب المضادة لأمر الله سبحانه وتعالى... ".
وقول شيخنا - عليه رحمة الله - بأن النهي عن البيع لعينه، كأنه رأى أن النهي عائد إلى ذات البيع، وليس لأمر خارج، والحقيقة أن النهي وإن كان نهيًا عن البيع، لكنه معلل بأمر خارج، فليس النهي عن البيع عند نداء الجمعة كالنهي عن بيع الغرر، والنهى عن الربا، والنهي عن القمار، فهذه البيوع هي البيوع المنهي عنها لذاتها؛ ولذلك لو انشغل عن السعي للصلاة بغير البيع كان منهيًّا عنه أيضًا، مما يدل على أن النهي ليس لذات البيع، فالعلة من الأمر بترك البيع منصوص عليها في سياق الآية، فقوله تعالى: { فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ } [الجمعة: 9] يعلم منه التعليل للنهي عن البيع بكونه مانعًا من السعي إلى الجمعة؛ إذ لو قدرنا النهي عن البيع مطلقًا من غير رابطة الجمعة كان الكلام غير منتظم.
فقوله تعالى: { فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } [الجمعة: 9] مقصوده الحفظ على إقامة الجمعة، وعدم التفريط فيها، وقوله تعالى: { وَذَرُوا الْبَيْعَ } [الجمعة: 9] جار مجرى التوكيد لذلك، بالنهي عن ملابسة ما يشغل عن السعي إليها، لا أن البيع تحول إلى منهي عنه لذاته، والله أعلم.
ولذلك قال الجصاص: "لما لم يتعلق النهي بمعنى في نفس العقد، وإنما تعلق بمعنى في غيره، وهو الاشتغال عن الصلاة، وجب أن لا يمنع وقوعه صحته... وأيضًا هو مثل تلقي الجلب، وبيع الحاضر للبادي، والبيع في الأرض المغصوبة ونحوها، كونه منهيًّا عنه لا يمنع وقوعه".
ولو قال شيخنا رحمه الله: إن النهي عن البيع بعد نداء الجمعة لحق الله، والنهي عن تلقي الجلب لحق الآدمي، لكان فرقًا صحيحًا، لكنه فرق غير مؤثر في الحكم فيما أرى، وإن كان الباجي المالكي يراه مؤثرًا، قال في المنتقى: "النهي عن البيع إذا كان لحق الله اقتضى فساده، كالبيع وقت صلاة الجمعة".
أما أن يقال بأن النهي عنه عائد لذات البيع فلم يتضح لي، والله أعلم بالصواب.
الدليل الثاني: أن الشارع لم يأذن بالبيع بعد نداء الجمعة، فوجوده كعدمه.
وقد روى مسلم من طريق سعد بن إبراهيم، عن القاسم بن محمَّد، قال: أخبرتني عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد".
أن معنى "رد" أي: مردود على صاحبه، والمردود: هو الباطل.
• الراجح من الخلاف:
بعد استعراض الأدلة أجد أن القول بصحة العقد أقوى من حيث الدليل، ونحن نقول للناس: لا تفعلوا، ونشدد عليهم في ذلك، فإن خالف أحد وفعل فلن ترتفع المفسدة بإبطال العقد، فالمفسدة التي هي الانشغال عن سماع الخطبة قد وقعت، سواء صححنا البيع أو أبطلناه، وكوننا نصحح العقد مع مطالبتنا للعاقدين بالتوبة، وعدم تكرار مثل ذلك أولى من إبطال العقد، خاصة أن العقد قد توفرت فيه شروط العقد الصحيح وأركانه، والله أعلم.