الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (25/ 219: 221)
التصرف في دين السلم قبل قبضه:
- بناء على كون دين السلم غير مستقر، ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه لا يصح بيع المسلم فيه لمن هو في ذمته، أو لغيره، أو الاستبدال عنه؛ لأنه لا يؤمن فسخ العقد بسبب انقطاع المسلم فيه وامتناع الاعتياض عنه، فكان كالمبيع قبل القبض، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "من أسلم في شيء فلا يصرفه في غيره"، قالوا: وهذا يقتضي ألا يبيع المسلم دين السلم لا من صاحب ولا من غيره، هذا في البيع، أما غيره من التصرفات ففيها خلاف.
قال الحنفية: "لا يجوز التصرف لرب السلم في المسلم فيه قبل قبضه بنحو بيع وشركة ومرابحة تولية، ولو ممن هو عليه".
وقال الكاساني: "لا يجوز استبدال المسلم فيه قبل قبضه، بأن يأخذ رب السلم مكانه من غير جنسه؛ لما ذكرنا أن المسلم فيه وإن كان دينًا فهو مبيع، ولا يجوز بيع المبيع المنقول قبل القبض..
وتجوز الحوالة بالمسلم فيه؛ لوجود ركن الحوالة مع شرائطه، وكذلك الكفالة به...
ويجوز الرهن بالمسلم فيه؛ لأنه دين حقيقة، والرهن بالدين – أي: دين كان - جائز".
وقال الشافعية: "والمسلم فيه لا يجوز بيعه، ولا الاستبدال عنه، وهل تجوز الحوالة به بأن يحيل المسلم إليه المسلم بحقه على من له عليه دين قرض أو إتلاف، أو الحوالة عليه، بأن يحيل المسلم من له عليه دين قرض أو إتلاف على المسلم إليه؟ فيه ثلاثة أوجه، أصحها: لا، والثاني: نعم، والثالث: لا يجوز عليه، ويجوز به".
وقال الحنابلة: "لا يصح بيع المسلم فيه قبل قبضه ولو لمن هو في ذمته...، ولا يصح أخذ غيره، أي: المسلم فيه مكانه...، وسواء كان المسلم فيه موجودًا أو معدومًا، وسواء كان العوض مثله في القيمة أو أقل أو أكثر، ولا تصح الحوالة به – أي: بدين السلم - لأنها معاوضة بالمسلم فيه قبل قبضه، فلم تجز كالبيع. ولا الحوالة عليه؛ لأنها لا تصح إلا على دين مستقر، والسلم عرضة للفسخ".
- وخالف في ذلك ابن تيمية وابن قيم الجوزية، حيث أجازا بيع المسلم فيه قبل قبضه لمن هو في ذمته بثمن المثل أو دونه لا أكثر منه حالًّا، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما، ورواية عن أحمد.
قال ابن المنذر: ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قال: "إذا أسلفت في شيء إلى أجل، فإن أخذت ما أسلفت فيه، وإلا فخذ عوضًا أنقص منه، ولا تربح مرتين".
وحجتهم على جواز بيعه من المدين أو الاعتياض عنه إذا كان ذلك بسعر المثل أو دونه: هو عدم المانع الشرعي، حيث إن حديث "من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره" ضعيف لا تقوم به حجة، وحتى لو ثبت فمعنى "فلا يصرفه إلى غيره" أي: لا يصرفه إلى سلم آخر، أو لا يبعه بمعين مؤجل...، وذلك خارج عن محل النزاع، قال ابن القيم: "فثبت أنه لا نص في التحريم ولا إجماع ولا قياس، وأن النص والقياس يقتضيان الإباحة.
أما دليلهم على عدم جواز الاعتياض عنه بأكثر من قيمته: فلأن دين السلم مضمون على البائع، ولم ينتقل إلى ضمان المشتري، فلو باعه المشتري من المسلم إليه بزيادة، فقد ربح رب السلم فيما لم يضمن، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ربح ما لم يضمن.
- ونهج المالكية في القضية مسلكًا وسطًا، إذ أجازوا بيع المسلم فيه لغير المسلم إليه إذا لم يكن طعامًا، فقال ابن رشد الحفيد: "وأما بيع السلم من غير المسلم إليه فيجوز بكل شيء يجوز به التبايع، ما لم يكن طعامًا؛ لأنه يدخله بيع الطعام قبل قبضه".
أما الاعتياض عنه، أو بيعه من المسلم إليه: فقد أجازوه بشروط ثلاثة، بينها الخرشي بقوله: "يجوز للمسلم إليه أن يقضي السلم من غير جنس المسلم فيه، سواء حل الأجل أم لا، بشروط ثلاثة:
الأول: أن يكون المسلم فيه مما يباع قبل قبضه، كما لو أسلم ثوبًا في حيوان، فأخذ عن ذلك الحيوان دراهم؛ إذ يجوز بيع الحيوان قبل قبضه.
الثاني: أن يكون المأخوذ مما يباع بالمسلم فيه يدًا بيد، كما لو أسلم دراهم في ثوب مثلًا، فأخذ عنه طست نحاس؛ إذ يجوز بيع الطست بالثوب يدًا بيد.
الثالث: أن يكون المأخوذ مما يجوز أن يسلم فيه رأس المال. كما لو أسلم دراهم في حيوان، فأخذ عن ذلك الحيوان ثوبًا، فإن ذلك جائز؛ إذ يجوز أن يسلم الدراهم في الثوب".
قال ابن جزي: "من أسلم في طعام لم يجز له أن يأخذ عنه غير طعام، ولا أن يأخذ طعامًا من جنس آخر، سواء كان ذلك قبل الأجل أو بعده؛ لأنه من بيع الطعام قبل قبضه. فإن أسلم في غير طعام جاز أن يأخذ غيره إذا قبضه الجنس الآخر مكانه، فإن تأخر القبض عن العقد لم يجز لمصيره إلى الدين بالدين، ويجوز أن يأخذ طعامًا من نوع آخر مع اتفاق الجنس، كزبيب أبيض عن أسود، إلا إن كان أحدهما أجود من الآخر أو أدنى، فيجوز بعد الأجل؛ لأنه من الرفق والمسامحة، ولا يجوز قبله؛ لأنه في الدون وضع على التعجيل، وفي الأجود عوض عن الضمان، وقال بعد ذلك: "يجوز بيع العوض المسلم فيه قبل قبضه من بائعه بمثل ثمنه أو أقل لا أكثر؛ لأنه يتهم في الأكثر بسلف جر منفعة، ويجوز بيعه من غير بائعه بالمثل وأقل وأكثر يدًا بيد، ولا يجوز بالتأخير للغرر؛ لأنه انتقال من ذمة إلى ذمة، ولو كان البيع الأول نقدًا لجاز".
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - مجموعة من المؤلفين - (2/ 645: 648)
تحريم بيع المسلم فيه قبل قبضه:
• المراد بالمسألة:
إذا أراد مستحق المسلم فيه أو رأس مال السلم أن يبيع نصيبه قبل أن يقبضه، سواء كان البيع على من هو عليه، أو على غيره، وسواء كان قبل حلول الأجل أو بعده، فإن ذلك محرم لا يجوز، بإجماع الفقهاء.
• من نقل الإجماع:
• ابن قدامة (620 هـ) يقول: [أما بيع المسلم فيه قبل قبضه فلا نعلم في تحريمه خلافًا]. نقله عنه البهوتي، وعبد الرحمن القاسم.
• شمس الدين ابن قدامة (682 هـ) يقول: [لا يجوز بيع المسلم فيه قبل قبضه، بغير خلاف علمناه].
• العيني (855 هـ) يقول: [(ولا يجوز التصرف في رأس مال السلم، والمسلم فيه، قبل القبض) هذا باتفاق الفقهاء].
• برهان الدين ابن مفلح (884 هـ): [ولا يجوز بيع المسلم فيه قبل قبضه، بغير خلاف نعلمه]. نقله عنه البهوتي.
• عبد الرحمن القاسم (1392 هـ) يقول: [ولا يصح بيع المسلم فيه على غير من هو عليه قبل قبضه، إجماعًا].
• الموافقون على الإجماع:
وافق على هذا الإجماع: المالكية، والشافعية، وابن حزم من الظاهرية.
• مستند الإجماع:
يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:
الأول: عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه".
• وجه الدلالة: أن السلم لون من ألوان البيع، فيأخذ حكمه، ويدخل في عموم الحديث.
الثاني: عن عبد اللَّه بن عمرو -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك".
• وجه الدلالة: أن من باع المسلم فيه، أو رأس مال السلم قبل القبض، يكون قد باع ما لم يدخل في ضمانه، وهو ممنوع بنص الحديث.
الثالث: عن أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره".
• وجه الدلالة: أن بيع المسلم فيه، ورأس مال السلم قبل القبض، يعد صرفًا للسلم إلى غيره، فيمنع منه.
• المخالفون للإجماع:
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين، هما:
القول الأول: يجوز بيع المسلم فيه قبل قبضه، لكن بشرط أن يكون بقدر قيمته أو أقل، وأن يكون الثمن حالًّا، قال به ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها: ابن تيمية، وابن القيم.
واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها:
الأول: القياس على الثمن في المبيع، قال ابن تيمية: [والدليل على ذلك: أن الثمن يجوز الاعتياض عنه قبل قبضه بالسنة الثابتة عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال ابن عمر: كنا نبيع الإبل بالنقيع -والنقيع بالنون هو: سوق المدينة، والبقيع بالباء هو مقبرتها - قال: كنا نبيع بالذهب، ونقضي الورق، ونبيع بالورق، ونقضي الذهب، فسألت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ذلك. فقال: "لا بأس إذا كان بسعر يومه، إذا تفرقتما وليس بينكما شيء"، فقد جوَّز النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يعتاضوا عن الدين الذي هو الثمن بغيره، مع أن الثمن مضمون على المشتري، لم ينتقل إلى ضمان البائع، فكذلك المبيع الذي هو دين السلم، يجوز بيعه، وإن كان مضمونًا على البائع لم ينتقل إلى ضمان المشتري].
الثاني: أما الاستدلال على أن يكون بقدر قيمته أو أقل منها: فهو من أجل ألَّا يربح فيما لا يضمن، والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن ربح ما لم يضمن.
القول الثاني: يجوز بيع رأس مال السلم قبل القبض، إذا فسخ العقد، قال به الحنابلة في رواية عندهم، اختارها القاضي أبو يعلى وابن عقيل.
ولعلهم يستدلون: بأن رأس المال بعد الفسخ لم يَعُد مستحقًّا لأجنبي، وعاد ملكه لصاحبه، فجاز له التصرف فيه بما شاء.
النتيجة:
عدم صحة الإجماع في المسألة؛ وذلك لثبوت الخلاف فيها.
المغني - ابن قدامة - (6/ 415: 417)
وبيع المسلم فيه من بائعه، أو من غيره، قبل قبضه، فاسد.
وكذلك الشركة فيه، والتولية، والحوالة به، طعامًا كان أو غيره.
أما بيع المسلم فيه قبل قبضه: فلا نعلم في تحريمه خلافًا، وقد "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل قبضه، وعن ربح ما لم يضمن".
ولأنه مبيع لم يدخل في ضمانه، فلم يجز بيعه، كالطعام قبل قبضه.
وأما الشركة فيه والتولية، فلا تجوز أيضا؛ لأنهما بيع على ما ذكرنا من قبل.
وبهذا قال أكثر أهل العلم.
وحكي عن مالك جواز الشركة والتولية؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه "نهى عن بيع الطعام قبل قبضه، وأرخص في الشركة والتولية".
ولنا: أنها معاوضة في المسلم فيه قبل القبض، فلم يجز، كما لو كانت بلفظ البيع.
ولأنهما نوعا بيع، فلم يجوزا في المسلم قبل قبضه، كالنوع الآخر، والخبر لا نعرفه، وهو حجة لنا؛ لأنه نهى عن بيع الطعام قبل قبضه، والشركة والتولية بيع، فيدخلان في النهي.
ويحمل قوله: "وأرخص في الشركة والتولية" على أنه أرخص فيهما في الجملة، لا في هذا الموضع.
وأما الإقالة فإنها فسخ، وليست بيعًا.
وأما الحوالة به فغير جائزة؛ لأن الحوالة إنما تجوز على دين مستقر، والسلم بغرض الفسخ، فليس بمستقر.
ولأنه نقل للملك في المسلم فيه على غير وجه الفسخ، فلم يجز كالبيع.
ومعنى الحوالة به: أن يكون لرجل طعام من سلم، وعليه مثله من قرض أو سلم آخر أو بيع فيحيل بما عليه من الطعام على الذي له عنده السلم، فلا يجوز.
وإن أحال المسلم إليه المسلم بالطعام الذي عليه لم يصح أيضًا؛ لأنه معاوضة بالمسلم فيه قبل قبضه، فلم يجز، كالبيع.
وأما بيع المسلم فيه من بائعه: فهو أن يأخذ غير ما أسلم فيه عوضًا عن المسلم فيه، فهذا حرام، سواء كان المسلم فيه موجودًا أو معدومًا، سواء كان العوض مثل المسلم فيه في القيمة، أو أقل، أو أكثر، وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي.
وذكر ابن أبي موسى عن أحمد رواية أخرى فيمن أسلم في بر، فعدمه عند المحل، فرضي المسلم بأخذ الشعير مكان البر، جاز.
ولم يجز أكثر من ذلك.
وهذا يحمل على الرواية التي فيها أن البر والشعير جنس واحد، والصحيح في المذهب خلافه.
وقال مالك: يجوز أن يأخذ غير المسلم فيه مكانه، يتعجله ولا يؤخره إلى الطعام.
قال ابن المنذر: وقد ثبت أن ابن عباس قال: "إذا أسلم في شيء إلى أجل فإن أخذت ما أسلفت فيه، وإلا فخذ عوضًا أنقص منه، ولا تربح مرتين" رواه سعيد في سننه.
ولنا: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره"، رواه أبو داود، وابن ماجه.
ولأن أخذ العوض عن المسلم فيه بيع، فلم يجز، كبيعه من غيره.
فأما إن أعطاه من جنس ما أسلم فيه خيرًا منه، أو دونه في الصفات، جاز؛ لأن ذلك ليس ببيع، إنما هو قضاء للحق، مع تفضل من أحدهما.
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة - الدبيان - (8/ 213: 219)
بيع المسلم فيه على غير من هو عليه قبل قبضه:
إذا كان دين المسلم فيه من الديون غير المستقرة، فما حكم بيع المسلم فيه لغير من هو عليه قبل قبضه؟
هذه المسألة اختلف فيها العلماء:
فقيل: لا يجوز بيعه، وهذا القول هو مذهب الجمهور من الحنفية والشافعية، والحنابلة.
وقيل: يجوز بيعه بمثل ثمنه، أو أقل، أو أكثر، بشرط أن يكون بيعه بالعين، وليس بالدين، واشترط المالكية ألا يكون المسلم فيه طعامًا، وأن يكون المأخوذ مما يباع بالمسلم فيه يدًا بيد، كما لو أسلم دراهم في ثوب مثلًا، فأخذ عنه طست نحاس؛ إذ يجوز بيع الطست بالثوب يدًا بيد.
واحترز بذلك من أخذ اللحم عن الحيوان من جنسه، فإن ذلك لا يجوز؛ لامتناع بيعه يدًا بيد، وهذا مذهب المالكية.
دليل الجمهور على منع بيع دين السلم:
الدليل الأول: ما رواه أبو داود من طريق عطية بن سعد، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره". [ضعيف].
الدليل الثاني: ذكر ابن قدامة الإجماع على التحريم، قال -رحمه الله-؛ "أما بيع المسلم فيه قبل قبضه فلا نعلم في تحريمه خلافًا".
ويناقش: بأن الخلاف في المسألة محفوظ، والإجماع لم يثبت، وكيف تصح دعوى الإجماع مع مخالفة عالم المدينة مالك بن أنس؟!
الدليل الثالث: استدل الشافعية بأن دين السلم لم يقبض، وقد جاء النهي عن بيع ما لم يقبض، جاء في نهاية المحتاج: "ولا يصح بيع المثمن الذي في الذمة، نحو المسلم فيه، ولا الاعتياض عنه قبل قبضه، بغير نوعه، أو وصفه؛ لعموم النهي عن بيع ما لم يقبض".
ويناقش: بأن بيع ما لم يقبض قد وقع الإجماع على منعه في الطعام الذي يحتاج إلى استيفاء من كيل، أو وزن، واختلفوا فيما عدا ذلك -وقد سبق بحث هذه المسألة في فصل سابق من هذا الكتاب -وقياس مسألتنا هذه على مسألة بيع الدين على غير من هو عليه قياس مع الفارق.
الدليل الرابع: علل بعضهم المنع لكون المبيع لم يدخل في ضمان بائعه، فلم يجز بيعه قبل قبضه.
قال ابن قدامة: "ولا يجوز بيع السلم قبل قبضه...؛ لأنه مبيع لم يدخل في ضمانه، فلم يجز بيعه".
ويناقش من وجهين:
الوجه الأول: لا نسلم أن المُسْلِم إذا باع المُسْلَم فيه على غير من هو عليه، أنه قد باع شيئًا لم يدخل في ضمانه، ذلك أنه قد باع دينًا موصوفًا متعلقًا في ذمته، ولم يبع شيئًا معينًا، وإذا كان يصح من المسلم إليه أن تنشغل ذمته بالضمان في بيع الموصوف في الذمة، فما المانع أن يكون المسلم ضامنًا للدين اتجاه المشتري الجديد، كما أن المسلم إليه ضامن للدين اتجاه المسلم؟ وبهذا لا يوجد مانع من الربح فيه؛ لأن ذمته مشغولة بضمانه؛ ولهذا قال المالكية: إن باع المسلم دين السلم على غير من هو عليه جاز أن يبيعه بأقل، وبأكثر مما اشتراه؛ لأنهم يرون أن ذمته مشغولة بالضمان، فأذنوا له بالربح، وإذا باع دين السلم على من هو عليه، لا يتصور أن يكون ضامنًا له، فاشترطوا ألا يربح فيه، وهذا قوي جدًّا.
الوجه الثاني: على فرض أن يكون دين السلم ليس مضمونًا على المسلم، فإن الحديث إنما تضمن النهي عن ربح ما لم يضمن، وليس فيه النهي عن التصرف فيه، وبينهما فرق، فإذا اشترطنا أن يبيعه بمثل ثمنه، أو أقل، لا أكثر، لم يربح فيما لم يضمن، ولا تلازم بين التصرف والضمان؛ بدليل أن المنافع المستأجرة يجوز أن يؤجرها المستأجر، وهي مضمونة على المؤجر الأول، والثمر المبيع على شجره، مبقًى إلى الجذاذ، يجوز بيعه، وهو مضمون على البائع الأول.
الدليل الخامس: أن في بيع المسلم فيه قبل قبضه غررًا، وذلك أنه يحتمل حصول المبيع في المستقبل، وعدم حصوله، فهو مجهول العاقبة، وهذا حقيقة الغرر الممنوع في البيع.
ويجاب: بأن بيع الشيء الموصوف في الذمة لا غرر فيه؛ لأنه لم يبع عليه شيئًا معينًا، ولو كان في ذلك غرر لم يصح بيع السلم كله مطلقًا.
الدليل التاسع: بيع الدين على غير من هو عليه، يدخل في بيع ما ليس عند الإنسان، وقد نهي عنه.
ويجاب: النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان، لا يدخل فيه النهي عن بيع الدين؛ بل المقصود: لا تبع معينًا ليس في ملكك، والدين غير معين، ولو كان بيع الدين يدخل في بيع ما ليس عند الإنسان منع بيع السلم كله، والله أعلم.
دليل المالكية على جواز بيع المسلم فيه لغير من هو عليه إذا لم يكن طعامًا:
ما رواه البخاري من طريق شعبة، حدثنا عبد الله بن دينار، قال: سمعت ابن عمر - رضي الله عنهما - يقول: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه". ورواه مسلم.
فإذا كان الدين طعامًا، وباعه صاحبه على من هو عليه، أو على غيره، أدى ذلك إلى بيع الطعام قبل قبضه، وهذا منهي عنه، ومفهوم الحديث أن غير الطعام يجوز بيعه، ولو لم يقبضه.
ويناقش: بأن المقصود بالنهي عن بيع الطعام، ذلك الطعام الذي تعلق به حق توفية، وليس الطعام الموصوف في الذمة، والروايات يفسر بعضها بعضًا، فبعض الروايات نهت عن بيع الطعام حتى يقبض، وفي بعضها حتى يستوفى، والاستيفاء: هو كيل ما بيع بكيل، ووزن ما بيع بوزن.
أما الطعام الموصوف في الذمة فلا مانع من بيعه مطلقًا، سواء كان بيعه على من هو عليه، أو على غيره؛ لأن صاحبه حين يبيعه يبيع دينًا في الذمة ليس معينًا، وذلك يعني أن البائع الثاني ذمته ستكون مشغولة بضمانه.
الراجح من الخلاف:
بعد استعراض الأدلة أجد أن القول بجواز بيع الدين على غير من هو عليه، طعامًا كان، أو غير طعام، هو الأقوى دليلًا، ولا مانع من الربح فيه إن باعه على غير من هو عليه.
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة - الدبيان - (8/ 253: 255)
الإقالة في عقد السلم:
تَرِدُ الإقالة على عقد السلم قبل قبض المسلم فيه وبعده، فترفع أثر العقد بين المتقايلين، وتوجب رد رأس المال إلى المشتري، سواء أكان مثليًّا أم عينيًّا، إن كان الثمن في يد المسلم إليه، وحكي فيه الإجماع، حكاه ابن عبد البر وابن قدامة، وابن القيم في "تهذيب السنن".
قال ابن عبد البر: "قد أجمعوا أن الإقالة بيع جائز في السلف برأس المال".
فإن خرج عن يده بتلف أو غيره فقيل: يردُّ مثله إن كان مثليًّا، أو قيمته إن كان قيميًّا، وهذا مذهب الجمهور.
قال ابن عابدين: "اعلم أنه لا يرد على اشتراط قيام المبيع لصحة الإقالة، إقالة السلم قبل قبض المسلم فيه، فإنها صحيحة، سواء كان رأس المال عينًا أو دينًا، وسواء كان قائمًا في يد المسلم إليه، أو هالكًا؛ لأن المسلم فيه، وإن كان دينًا حقيقة، فله حكم العين، حتى لا يجوز الاستبدال به قبل قبضه، وإذا صحت –يعني: الإقالة- فإن كان رأس المال عينًا ردت، وإن كانت هالكة رد المثل إن كان مثليًّا، والقيمة إن كان قيميًّا... ".
وذهب المالكية إلى أن الثمن إن خرج من يد المسلم إليه فإنه فوت يمنع الإقالة إلا أن يكون الثمن نقدًا فتصح الإقالة؛ لأن النقد لا يتعين رد عينه عندهم حتى مع وجوده، فإذا كان له أن يعطيك مثله ولو كان في يده، صح أن يعطيك مثله مع فواته على أن يرد المسلم إليه مثله معجلًا، ولا يؤخره اليومين والثلاثة.
واختار ابن حزم عدم جواز الإقالة في السلم مطلقًا:
واحتج بأن الإقالة بيع، وهي من بيع ما لم يقبض، وقد نهي عنه؛ لأنه غرر.
وهل تصح الإقالة في بعض المسلم فيه؟
فيه خلاف بين أهل العلم:
فقيل: تصح في بعضه كما تصح في جميعه، وهو ما ذهب إليه الحنفية، والشافعية، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد.
لأن الإقالة مندوب إليها، وكل مندوب إليه جاز في الجميع جاز في البعض كالإبراء والإنظار.
وقيل: لا تصح الإقالة في بعض المسلم فيه، إلا أن يكون رأس المال عرضًا يعرف بعينه، أو كان عينًا (دراهم أو دنانير) أو طعامًا لا يعرف بعينه ولم يقبضه المسلم إليه، أو قبضه ولم يغب عليه.
وأما إن كان رأس المال عينًا أو طعامًا، وقبضه المسلم إليه، وغاب عليه، لم تجز الإقالة في البعض، هذا مذهب المالكية.
لأن الإقالة في البعض تأخذ حكم البيع، وبيع الشيء قبل قبضه لا يجوز، والأول أصح.