الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (34/ 302، 303)
كفالة المال:
كفالة الدين:
- يشترط الفقهاء لصحة كفالة الدين: أن يكون دينًا صحيحًا، وأن يكون واجبًا في الذمة، على التفصيل الآتي:
1 - أن يكون دينًا صحيحًا:
يشترط في الدين المكفول به أن يكون دينًا صحيحًا، وهو ما لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء، وعلى ذلك تجوز كفالة نفقة الزوجة عند وجوبها بالقضاء أو الرضاء، سواء كانت ماضية أو حاضرة أو مستقبلة.
وقال الشافعي - في الجديد -: تجب نفقة الزوجة بالعقد والتمكين، وحينئذ لا يصح ضمان النفقة المستقبلة.
فإذا كان الدين صحيحًا، فلا يشترط جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة والشافعي في القديم أن يكون معلوم القدر والصفة والعين؛ لأن الكفالة من قبيل التبرع، والتبرع يصح مع الجهالة كالنذر، وقد جرى بها العرف، والحاجة إلى التعامل بها تبرر ذلك، غير أن الحنابلة يشترطون لصحة الكفالة بدين مجهول أن يكون مآله إلى العلم بمقداره، كأن يقول الكفيل: كفلت لك بمالك قبل فلان، ولا يعلم مقدار ذلك.
وذهب الشافعي - في الجديد - إلى عدم صحة الكفالة بالدين المجهول، وهو ما ذهب إليه الثوري والليث وابن أبي ليلى وابن المنذر وغيرهم؛ لأن الكفالة التزام دين في الذمة، والتزام المجهول غرر ينهى عنه الشارع، فوجب أن يكون الدين معلومًا حتى يكون الكفيل على بينة من أمره ومن قدرته على الوفاء بما التزم به.
2 - أن يكون واجبًا في الذمة:
يشترط الحنفية والمالكية والحنابلة والشافعي في القديم أن يكون الدين المكفول به واجبًا في الذمة عند الكفالة به، أو أن يكون مآله إلى الوجوب، وعلى ذلك تصح الكفالة بالدين الموعود به - وإن لم يكن موجودا عند الكفالة - لأن مآله إلى الوجوب، وذلك كأن يقول الكفيل: أقرض فلانًا وأنا كفيل بما ستقرضه إياه.
واشترط الشافعي - في الجديد - أن يكون الدين ثابتًا في الذمة عند الكفالة، وعلى ذلك: فإن الكفالة لا تصح - على هذا القول - بما سيكون من دين موعود به، وما ذهب إليه الشافعي - في الجديد - من عدم صحة الكفالة بالدين قبل ثبوته، يرجع إلى أن الكفالة ضم ذمة إلى ذمة في الدين، والدين قبل ثبوته لا تشغل به ذمة، فلا يتحقق معنى الكفالة.
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (34/ 303: 305)
كفالة العين:
- المقصود بضمان العين أو كفالتها: أن يلتزم الكفيل برد عينها إن كانت قائمة، وبرد مثلها أو قيمتها إذا تلفت، وللفقهاء في حكم كفالة الأعيان تفصيل يرجع إلى ثبوت الحق في ذمة الأصيل أو عدم ثبوته، وذلك على التفصيل الآتي:
قد يكون المكفول به من الأعيان المضمونة سواء كانت مضمونة بنفسها أو مضمونة بغيرها، وقد يكون المكفول به أمانة في يد حائزه، فهذه حالات ثلاث تفصيلها كما يلي:
1 - العين المضمونة بنفسها:
- هي التي يجب على حائزها أن يردها إلى صاحبها إن كانت قائمة أو يرد مثلها أو قيمتها إن تلفت، وذلك كالعين المغصوبة أو المقبوضة على سوم الشراء.
وقد ذهب الحنفية والحنابلة وهو قول عند الشافعية إلى صحة كفالة هذا النوع من الأعيان، فيلتزم الكفيل برد العين ما دامت قائمة، وبرد المثل إن كانت مثلية، وبرد القيمة إن كانت قيمية، والحكم كذلك عند الحنفية في العين المبيعة بعقد فاسد.
وذهب المالكية وهو قول آخر للشافعية إلى أنه لا تجوز الكفالة بالأعيان، على أنه إذا استحق لزمه عينه، وإنما تصح إذا ضمن المعين على أنه إذا تلف بتعد أو تقصير التزم بدفع قيمته أو برد مثله، وعلى ذلك: إذا ضمن عين المغصوب لم يصح الضمان، ولكن إذا كفله على أنه ملزم بضمانه إذا تعذر رده صح الضمان.
2 - العين المضمونة بغيرها:
- وهي التي يجب على حائزها أن يردها إلى صاحبها إن كانت قائمة، فإذا هلكت لا يجب أن يرد مثلها أو قيمتها، بل يجب عليه التزام آخر، مثال ذلك: المبيع في يد البائع، فإنه مضمون بالثمن، فإذا هلك سقط الثمن عن المشتري إذا لم يكن دفعه، ووجب على البائع رده إليه إن كان دفعه، وكذلك الرهن في يد المرتهن، فإنه مضمون بالدين إذا كانت قيمته تزيد عليه، وإلا كان مضمونًا بقدر قيمته من الدين.
وقد ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن هذا النوع من الأعيان يجوز ضمان تسليمه فقط ما دام قائمًا، فإذا هلك سقطت الكفالة؛ لأنه إذا هلك هلك على صاحب اليد بما هو مضمون به، فالمبيع مضمون بالثمن، وإذا هلك في يد البائع سقط الثمن عن المشتري، وعند المالكية لا يصح ضمان الأعيان، على معنى تسليمها بذاتها، وقد تقدم في العين المضمونة بنفسها عرض قولي الشافعية، فيجريان أيضًا في هذه المسألة.
3 - الأمانة:
- قسم الحنفية الأعيان التي تعد أمانة في يد حائزها قسمين: قسم يجب على صاحب اليد تسليمه، بمعنى أنه ملتزم بأن يسعى إلى تسليمه إلى مالكه، كالعارية في يد المستعير والعين المستأجرة في يد المستأجر، وهذا القسم تجوز الكفالة بتسليمه لوجوب التسليم على صاحب اليد، فإذا هلك لا يلزم الكفيل شيء لكونه أمانة، والأمانة إذا هلكت تهلك مجانًا.
والقسم الآخر لا يجب على صاحب اليد تسليمه، بل على المالك أن يسعى إلى ذلك، كالودائع وأموال المضاربة، وهذا القسم لا تجوز الكفالة بتسليمه، كما لا تجوز بقيمته؛ إذ ليس شيء منهما مضمونًا أو واجبًا على صاحب اليد، ولا كفالة إلا بما هو واجب.
وذهب المالكية إلى عدم صحة ضمان الودائع والعاريات ومال القراض، على أنها إذا تلفت أتى بعينها، ولكن إذا ضمنها على أنها إذا تلفت بتعد أو تقصير التزم بدفع القيمة أو رد المثل، صح الضمان ولزم؛ لأنها كفالة معلقة على ثبوت الدين، وهي جائزة عندهم.
وذهب الشافعية إلى أن العين إذا لم تكن مضمونة على من هي في يده، كالوديعة والمال في يد الشريك والوكيل والوصي، فلا يصح ضمانها؛ لأن الواجب فيها التخلية دون الرد.
وذهب الحنابلة إلى أن الأمانات، كالوديعة والعين المؤجرة والشركة والمضاربة والعين التي يدفعها إلى القصار والخياط لا يصح ضمانها إن ضمنها من غير تعد فيها؛ لأنها غير مضمونة على من هي في يده، فكذلك على ضامنه، أما إن ضمنها إن تعدى فيها فظاهر كلام أحمد يدل على صحة الضمان، فعلى هذا إن تلفت العين بغير تعد ولا تفريط لم يلزم الضامن شيء، وإن تلفت بتفريط أو تعد لزم الحائز ضمانها، ولزم ضامنه ذلك؛ لأنها مضمونة على من هي في يده، فلزم ضامنه، كالغصوب والعواري، وهذا في الحقيقة ضمان ما لم يجب، وهو جائز عندهم.
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (34/ 303)
الكفالة بالدرك:
اتفق الفقهاء على صحة الكفالة بالدرك - رغم أنه لم يثبت ولم يلزم - لأن الحاجة تدعو إليه، وعلى ذلك يجوز أن يضمن شخص لأحد العاقدين ما بذله للآخر إن خرج مقابله مستحقًّا أو معيبًا أو ناقصًا ورد، سواء كان ذلك قبل قبض الثمن أو كان بعده.
والمذهب عند الشافعية: أن ضمان الدرك إنما يصح بعد القبض؛ لأنه إنما يضمن ما دخل في يد البائع، ولا يدخل الثمن في ضمانه إلا بقبضه، وضمان الدرك أن يضمن للمشتري الثمن إن خرج المبيع مستحقًّا، أو إن أخذ بشفعة سابقة على البيع ببيع آخر، ولا يختص ضمان الدرك بالثمن بل يجري في المبيع فيضمنه للبائع إن خرج الثمن المعين مستحقًّا أو أخذ بشفعة سابقة.
أما الجعل في الجعالة فأجاز الكفالة به الحنفية والمالكية والحنابلة، سواء كانت الكفالة قبل الشروع في العمل أو كانت بعده؛ لأنه آيل إلى اللزوم، والأصح عند الشافعية عدم صحة الكفالة بالجعل قبل الفراغ من العمل؛ لأنه غير آيل للزوم بنفسه، بل بالعمل، ومقابل الأصح: جواز الكفالة به بعد الشروع في العمل.
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (3/ 230)
ضمان الدرك:
- من الفقهاء من قال: إن ضمان الدرك استعمل في ضمان الاستحقاق عرفًا، وهو أن يضمن الثمن عند استحقاق المبيع، ومنهم من جعله نوعًا من ضمان العهدة، ومنهم من قال: إن ضمان الدرك هو ضمان العهدة.
ويتفق الفقهاء على أنه يجوز ضمان الثمن عند استحقاق المبيع لمسيس الحاجة إلى ذلك، في نحو غريب لو خرج مبيعه أو ثمنه مستحقًّا لم يظفر به.
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (34/ 305: 307)
كفالة النفس:
- هي التزام الكفيل بإحضار المكفول إلى المكفول له أو إلى مجلس الحكم أو نحو ذلك، وفي هذه الحالة يتحد المكفول به والمكفول عنه.
وقد اختلفت كلمة الفقهاء في حكم الكفالة بالنفس، وفي مضمونها، وذلك على التفصيل التالي:
أ - حكم الكفالة بالنفس:
- ذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة إلى أن الكفالة بالنفس صحيحة، وهذا مذهب شريح والثوري والليث بن سعد وغيرهم، لقوله تعالى: { قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ } [يوسف: 66]، ولما رواه حمزة بن عمرو الأسلمي، أن عمر رضي الله عنه بعثه مصدقًا، فوقع رجل على جارية امرأته، فأخذ حمزة من الرجل كفلاء حتى قدم على عمر، وكان عمر قد جلده مائة جلدة، فصدقهم، وعذره بالجهالة.
قال ابن حجر: استفيد من هذه القصة مشروعية الكفالة بالأبدان، فإن حمزة بن عمرو الأسلمي صحابي، وقد فعله، ولم ينكر عليه عمر مع كثرة الصحابة حينئذ، وروى البخاري كذلك قول جرير والأشعث لعبد الله بن مسعود في المرتدين: استتبهم وكفلهم، فتابوا وكفلهم عشائرهم، قال ابن حجر: قال ابن المنير: أخذ البخاري الكفالة بالأبدان في الديون من الكفالة بالأبدان في الحدود بطريق الأولى، والكفالة بالنفس قال بها الجمهور.
والمذهب عند الشافعية صحة كفالة البدن في الجملة للحاجة إليها، واستؤنس لها بقوله تعالى: { قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ } [يوسف: 66].
وفي قول: لا تصح؛ لأن الحر لا يدخل تحت اليد ولا يقدر على تسليمه، وقطع بعضهم بالأول.
ب - مضمون الكفالة بالنفس:
- لا خلاف بين الفقهاء في صحة كفالة النفس بالنظر إلى من عليه دين، ولكنهم اختلفوا في جوازها ببدن من عليه حد أو قصاص، وذلك على التفصيل الآتي:
ذهب الحنفية إلى جواز الكفالة ببدن من عليه دين؛ لأنها مجرد التزام بإحضار من يجب إحضاره إلى مجلس ينبغي أن يحضره، ولا تتضمن التزامًا بدين المكفول إلا بالشرط، كأن يقول الكفيل: إن لم أحضره إلى مجلس القضاء الفلاني في وقت كذا فعلي ما عليه من الدين. كما ذهبوا إلى عدم جواز الكفالة ببدن من عليه حد خالص لله، كحد الزنا وشرب الخمر؛ لأنها تندرئ بالشبهات، فلا يليق بها الاستيثاق، سواء طابت نفس المطلوب بالكفالة أو لم تطب، وسواء كان ذلك قبل إقامة البينة أو بعدها، أما الكفالة ببدن من عليه حد فيه حق للعبد، كحد القذف، أو ببدن من عليه قصاص، فإنها تصح باتفاق الحنفية، إن طابت بها نفس المطلوب؛ لأنه أمكن ترتيب موجبه عليه، وهو تسليم النفس؛ لأن تسليم النفس فيهما واجب، فيطالب به الكفيل، فيتحقق الضم.
وإن لم تطب نفس المطلوب بإعطاء الكفيل بلا جبر - في القصاص وحد القذف - فلا تجوز الكفالة عند أبي حنيفة، أي: لا يجبر على إعطاء كفيل بنفسه يحضره في مجلس القضاء لإثبات ادعاء خصمه عليه، وتجوز الكفالة بالبدن في هذه الحالة عند الصاحبين، لوجود حق العبد، فيليق الاستيثاق.
الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (34/ 307: 309)
يميز المالكية بين نوعين من كفالة الوجه:
ضمان الوجه:
- وهو التزام الإتيان بذات المضمون وإحضاره وقت الحاجة إليه، وهذا لا يجوز إلا إذا كان المضمون مدينا؛ لأن مقتضى الضمان إحضاره إلى الطالب ليتمكن من استيفاء دينه منه، وبناء على ذلك لا يصح ضمان الوجه فيمن يثبت عليه قصاص أو حد أو تعزير، وللزوج رد ضمان الوجه إذا صدر من زوجته، سواء كان ضمانها له أو لغيره، وسواء كان الدين الذي على المضمون يبلغ ثلث مالها أو أقل أو أكثر؛ لأنه مظنة لخروجها لطلبه، وفي ذلك معرة عليه.
الضمان بالطلب:
- وهو التزام طلب الغريم والتفتيش عليه إن تغيب والدلالة عليه دون الالتزام بإحضاره، وقيل: يلتزم بإحضاره؛ ولذا صح ضمان الطلب فيمن كان مطلوبًا بسبب حق مالي، أو بسبب قصاص ونحوه من الحقوق البدنية من حدود وتعزيرات متعلقة بآدمي، كأن يقول الكفيل: أنا حميل بطلبه، أو لا أضمن إلا الطلب، أو لا أضمن إلا وجهه، أو أضمن وجهه بشرط عدم غرم المال إن لم أجده.
وحاصل كفالة البدن عند الشافعية كما قال الإمام الغزالي: التزام إحضار المكفول ببدنه، فكل من يلزمه حضور مجلس الحكم عند الاستعداء، أو يستحق إحضاره، تجوز الكفالة ببدنه، فتجوز الكفالة ببدن من عليه حق مالي لآدمي كمدين وأجير وكفيل، وببدن من عليه عقوبة آدمي كالقصاص وحد القذف - على الأظهر - وقيل: لا تصح قطعًا، ولا تصح الكفالة ببدن من عليه حد لله تعالى كالزنا والخمر - على المذهب - وقيل: قولان، فإن كفل بدن من عليه مال لم يشترط العلم بقدره؛ لعدم لزومه للكفيل، ولكن يشترط أن يكون مما يصح ضمانه، وتصح الكفالة ببدن صبي ومجنون بإذن وليهما؛ لأنه قد يستحق إحضارهما لإقامة الشهادة على صورتهما في الإتلاف وغيره، وببدن محبوس وغائب، وإن تعذر تحصيل الغرض في الحال، وببدن ميت قبل دفنه ليشهد على صورته بإذن الوارث.
والقاعدة: أن كل دين لو ادعي به على شخص عند حاكم لزمه الحضور له تصح الكفالة ببدن من هو عليه.
وذهب الحنابلة إلى صحة الالتزام بإحضار من عليه حق مالي إلى ربه، سواء من كان عليه الحق حاضرًا أو غائبًا؛ ولذا صحت الكفالة ببدن من عليه دين لازم، معلومًا كان الدين - للكفيل - أو مجهولًا، ولا يمنع من جوازها أن يكون المكفول محبوسًا عند الحاكم؛ إذ المحبوس عنده يمكن تسليمه بأمر الحاكم.
ولا تصح الكفالة ببدن من عليه حد لله، - كحد الزنا، أو ببدن من عليه حد لآدمي، كحد القذف؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، مرفوعًا: "لا كفالة في حد"، ولأن مبناه على الإسقاط والدرء بالشبهة، فلا يدخله الاستيثاق، ولا يمكن استيفاؤه من غير الجاني، ولا تصح الكفالة ببدن من عليه قصاص؛ لأنه بمنزلة الحد، وتصح الكفالة بالصبي والمجنون، وببدن المحبوس والغائب.
وتصح الكفالة - عندهم - مع اشتراط أن يضمن المال إذا لم يحضر المكفول، وتصح الكفالة حالة ومؤجلة، كما صح الضمان كذلك.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - مجموعة من المؤلفين - (4/ 225: 229)
الكفالة بالنفس إذا كانت بسبب المال فهي جائزة بالإجماع:
الكفالة بإحضار نفس المكفول جائزة إذا كانت بسبب المال، وقد قد نُقِلَ الإجماعُ على ذلك.
• من نقل الإجماع:
الإمام محمد بن الحسن التميمى الجوهرى ت في حدود 350 هـ، فقال: "وأجمع الصحابة ومن بعدهم على إجازة الكفالة بالنفس -وإن لم يكن معه مال- وإنما الاختلاف بعدهم".
الإمام الماوردي ت 450 هـ، فقال: "الكفالة في الحدود باطلة، وفي الأموال على قولين: أحدهما: جائزة...، وروي أن العباس بن عبد المطلب تكفل بأبي سفيان بن حرب عام الفتح لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- [ثم ذكر مثل هذه الآثار عن الصحابة الدالة على جواز الكفالة بالنفس، ثم قال:] فدل على أن إجماع الصحابة منعقد بجواز الكفالة".
الإمام ابن مودود الموصلي الحنفي ت 683 هـ؛ فقال: "وتجوز بالنفس والمال؛ لما روينا وذكرنا من الحاجة والإجماع".
وقال الإمام ابن رشد الحفيد: "وأما الحَمَالة بالنفس، وهي التي تعرف بضمان الوجه؛ فجمهور فقهاء الأمصار على جواز وقوعها شرعًا إذا كانت بسبب المال".
• الموافقون على الإجماع:
وافق على نفي الخلاف والإجماع على جواز الكفالة بالنفس: الحنفية، والمالكية، والشافعي في القديم وبعض أصحابه، والحنابلة، وهو قول شريح، والثوري، والليث، والفقهاء السبعة.
• مستند الإجماع:
{ قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ } [يوسف: 66].
قال الإمام الماوردي في معرض الاستدلال بالآية: "والمَوْثِق: الكفيل، فامتنع يعقوب من إرسال ولده مع إخوته إلا بكفيل يكفل به".
2 - عموم قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الزعيم غارم".
3 - حديث حارثة بن مضرب قال: صليت الغداة مع عبد اللَّه بن مسعود رضي اللَّه عنه، فلما سلم قام رجل فأخبره أنه انتهى إلى مسجد بني حنيفة مسجد عبد اللَّه بن النواحة فسمع مؤذنهم يشهد: أن لا إله إلا اللَّه، وأن مسيلمة الكذاب رسول اللَّه، وأنه سمع أهل المسجد على ذلك، فقال عبد اللَّه: من ها هنا، فوثب نفر، فقال: عليَّ بابن النواحة وأصحابه، فجيء بهم، وأنا جالس، فقال عبد اللَّه بن مسعود لعبد اللَّه بن النواحة: أين ما كنت تقرأ من القرآن؟ قال: كنت أتقيكم به. قال: فتب. قال: فأبى، قال: فأمر قَرَظَةَ بن كعب الأنصاري، فأخرجه إلى السوق، فضرب رأسه، قال: فسمعت عبد اللَّه يقول: من سره أن ينظر إلى بن النواحة قتيلًا في السوق فليخرج فلينظر إليه. قال حارثة: فكنت فيمن خرج، فإذا هو قد جرد ثم إن ابن مسعود استشار الناس في أولئك النفر، فأشار إليه عدي بن حاتم بقتلهم، فقام جرير والأشعث، فقالا: لا، بل استتبهم وكفلهم عشائرهم، فاستتابهم فتابوا، فكفلهم عشائرهم.
4 - لأنه لما جاز ضمان المال وهو في الذمة جاز ضمان صاحب الذمة نفسها؛ إذ لعدم الفرق بين ضمان الحق وبين ضمان من عليه الحق.
5 - لأن الحاجة، والمصلحة داعية إلى جواز الكفالتين المال والنفس.
6 - أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بعث كان الناس يكفل بعضهم بعضًا فأقرهم عليه، وعليه العمل من غير نكير إلى يومنا هذا من لدن الصدر الأول.
• الخلاف في المسألة:
خالف الشافعي في الجديد وبعض أصحابه في جواز الكفالة بالنفس؛ فلم يجيزوها، وكذا داود الظاهري.
• أدلة هذا القول:
قوله تعالى: { قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ } [يوسف: 79].
ووجه الدلالة كما يقول الإمام الماوردي: "فكان قوله: { مَعَاذَ اللَّهِ } إنكارًا للكفالة أن تجوز حين سأله إخوته أن يأخذ أحدهم كفيلًا ممن وجد متاعه عنده".
2 - لأن النفس لا تضمن باليد، وما لا يضمن باليد لا يصح أن يضمن بالعقد كالميتة والخمر.
3 - لأن الضمان بالنفس في القصاص يكون باطلًا، وعقد الكفالة بالنفس ضمان لا يستحق على الضامن أن يطالب بمقتضاه؛ لذا وجب أن تكون الكفالة به باطلة.
النتيجة:
عدم انعقاد الإجماع على جواز الكفالة بالنفس؛ لخلاف الشافعي في الجديد وبعض أصحابه، وداود الظاهري.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - مجموعة من المؤلفين - (4/ 229: 232)
نفي الخلاف على عدم صحة الكفالة بالنفس في الحدود.
الكفالة بالحد نفسه والقصاص لا تجوز، وقد نُفي الخلافُ في ذلك.
• من نفى الخلاف:
الإمام السرخسي ت 483 هـ، فقال: "لا خلاف أنه لا تصح الكفالة بنفس الحد والقصاص".
الإمام كمال الدين ابن الهمام ت 861 هـ، فقال: "لا خلاف أنه لا تكفيل بنفس الحدود والقصاص".
• الموافقون على نفي الخلاف:
وافق جمهور الفقهاء على نفي الخلاف في عدم جواز الكفالة في الحدود: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، ونقله شمس الدين ابن قدامة عن شريح، والحسن، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور.
• مستند نفي الخلاف:
1- قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا كفالة في حد".
2- وقال بكير بن عبد اللَّه بن الأشج: "لا تقبل حمالة في دم ولا في سرقة ولا شرب خمر ولا في شيء من حدود اللَّه وتقبل فيما سوى ذلك".
3 - لأن الحدود والقصاص لا يجري فيها النيابة في الإيفاء.
4 - لأن الكفالة المقصود منها هو أن يقوم الكفيل مقام المكفول عنه في الإيفاء، وهذا لا يصلح في شيء من الحدود أو القصاص. فلا تصح الكفالة بها.
5 - لأن من مقاصد الكفالة هو الاستيثاق، والحدود مبنية على الدرء والإسقاط؛ فلا يناسبها الاستيثاق بالكفالة؛ لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ادرؤوا الحدود مما استطعتم".
• الخلاف في المسألة:
خالف في ذلك صاحبا أبي حنيفة: أبو يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني؛ فقالا بجواز الكفالة في الحدود.
• أدلة هذا القول:
الحدود يجوز الحبس فيها للتهمة، فالكفالة أولى؛ لأن الاستيثاق بالحبس أبلغ منه في الكفالة، فلما جاز الحبس وهو الأبلغ في الحدود؛ كانت الكفالة أحق بالجواز.
النتيجة:
عدم تحقق نفي الخلاف في عدم جواز الكفالة بالنفس في الحدود؛ لخلاف الصاحبين؛ حيث قالا بالجواز.