الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية - (17/ 96)
حكم الحجر على السفيه:
- ذهب جمهور الفقهاء المالكية والشافعية والحنابلة وأبو يوسف ومحمد، وهو المفتى به عند الحنفية إلى أن المحجور عليه إذا فك عنه الحجر لرشده وبلوغه ودفع إليه ماله ثم عاد إلى السفه أعيد عليه الحجر، وبهذا قال القاسم بن محمد والأوزاعي وإسحاق وأبو عبيد.
واستدلوا بالكتاب والسنة.
أما الكتاب: فقوله تعالى: { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا } [النساء: 5]، وقوله تعالى: { فَإِنْ ءَانَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } [النساء: 6]، فقد نهانا الله تعالى عن الدفع إليه ما دام سفيهًا، وأمرنا بالدفع إن وجد منه الرشد؛ إذ لا يجوز الدفع إليه قبل وجوده، ولأن منع ماله لعلة السفه فيبقى المنع ما بقيت العلة، صغيرًا كان السفيه أو كبيرًا.
وأما السنة: فقوله عليه الصلاة والسلام: "خذوا على يد سفهائكم".
وأورد ابن قدامة ما رواه عروة بن الزبير، "أن عبد الله بن جعفر ابتاع بيعًا، فقال علي رضي الله عنه: لآتين عثمان ليحجر عليك، فأتى عبدُ الله بنُ جعفر الزبيرَ، فقال: قد ابتعتُ بيعًا وإن عليًّا يريد أن يأتي أمير المؤمنين عثمان فيسأله الحجر عليَّ، فقال الزبير: أنا شريكك في البيع، فأتى عليٌّ عثمانَ، فقال: إن ابن جعفر قد ابتاع بيعَ كذا فاحجر عليه، فقال الزبير: أنا شريكه في البيع، فقال عثمان: كيف أحجر على رجل شريكه الزبير؟" ثم قال ابن قدامة: وهذه قصة يشتهر مثلها، ولم يخالفها أحد في عصرهم فتكون إجماعًا حينئذ.
واستدلوا أيضًا بأن هذا سفيه فيحجر عليه، كما لو بلغ سفيهًا؛ فإن العلة التي اقتضت الحجر عليه إذا بلغ سفيهًا سفهه، وهو موجود، ولأن السفه لو قارن البلوغ منع دفع ماله إليه، فإذا حدث أوجب انتزاع المال كالجنون، وفي الحجر عليه صيانة لماله وورثته من بعده.
وأما أبو حنيفة فقد ذهب إلى أنه لا يبتدأ الحجر على بالغ عاقل بسبب السفه؛ لما سبق.
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (4/ 470: 477)
يحجر على من كان سفيهًا مضيعًا لماله:
إذا بلغ الغلامُ غيرَ رشيدٍ، أو سفه الكبيرُ فلم يحسنِ التصرف في ماله، كأن بذره وضيعه في المعاصي أو الإسراف؛ حُجِرَ عليه، وقد نُقِلَ الإجماعُ والاتفاقُ على ذلك، كما نُفي الخلافُ فيه.
• من نَقلَ الإجماعَ ونَفَى الخلافَ:
الإمام ابن المنذر ت 318 هـ، فقال: "وأجمعوا على أن الحجر يجب على كل مضيع لماله من صغير وكبير".
الإمام الطحاوي ت 321 هـ، فقال: "لم أجد عن أحد من الصحابة والتابعين أنه قال: لا حجر –أي: على المضيع لماله- كما قال أبو حنيفة إلا عن النخعي وابن سيرين".
الإمام ابن هبيرة ت 560 هـ، فقال: "واتفقوا على أن الغلام إذا بلغ غير رشيد لم يسلم ماله إليه".
الإمام الموفق ابن قدامة ت 620 هـ، فقال: "المحجور عليه إذا فك عنه الحجر لرشده وبلوغه ودفع إليه ماله، ثم عاد إلى السفه أعيد عليه الحجر...، وقال أبو حنيفة: لا...، ولنا: إجماع الصحابة، وروى عروة بن الزبير أن عبد اللَّه بن جعفر ابتاع بيعًا، فقال علي رضى اللَّه عنه: لآتين عثمان؛ ليحجر عليك، فأتى عبدُ اللَّه بنُ جعفر الزبيرَ، فقال: قد ابتعت بيعًا، وإن عليًّا يريد أن يأتي أمير المؤمنين عثمان، فيسأله الحجر عليَّ، فقال الزبير: أنا شريكه في البيع، فقال عثمان: كيف أحجر على رجل شريكه الزبير؟"....، وهذه قصة يشتهر مثلها، ولم يخالفها أحد في عصرهم، فتكون إجماعًا".
الإمام ميارة الفاسي ت 1072 هـ، فقال: "اتفقوا أن على الإمام أن يولي عليه إذا ثبت عنده سفهه، وخشي ذهاب ماله".
• الموافقون على الإجماع والاتفاق ونفي الخلاف:
وافق جمهور فقهاء الأمصار وأتباعهم على الإجماع والاتفاق ونفي الخلاف على وجوب الحجر على المضيع لماله: أبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وهو قول عثمان وعلي، وابن عباس وابن الزبير وعائشة، والقاسم بن محمد، والأوزاعي وإسحاق وأبي ثور.
• مستند الإجماعِ والاتفاقِ، ونَفْي الخلاف:
1 - قوله تعالى: { فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ } [البقرة: 282].
قال السرخسي في معرض الاستدلال بهذه الآية: "وهو تنصيص على أن إثبات الولاية على السفيه، وأنه مولى عليه، ولا يكون ذلك إلا بعد الحجر عليه".
2 - وقوله تعالى: { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ } [النساء: 5].
قال السرخسي عقب استدلاله بهذه الآية أيضًا: "وهذا أيضًا تنصيص على إثبات الحجر عليه بطريق النظر له؛ فإن الولي الذي يباشر التصرف في ماله على وجه النظر منه له".
3 - وقوله تعالى: { فَإِنْ ءانَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } [النساء: 6].
قال الإمام ابن بطال عقب استدلاله بهذه الآية: "فنهى تعالى عن دفع الأموال إلى السفهاء، وقال: { فَإِنْ ءَانَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } [النساء: 6]، فجعل شرط دفع أموالهم إليهم وجود الرشد، وهذه الآية محكمة غير منسوخة، ومن كان مبذرًا لماله فهو غير رشيد".
وقال الإمام ابن رشد الحفيد عقب استدلاله بها أيضًا: "فدل هذا على أن السبب المقتضي للحجر هو السفه".
4 - ما روي أن حبان بن منقذ الأنصاري رضي اللَّه عنه كان يُغْبن في البياعات لآمَّةٍ أصابت رأسه، فسأل أهلُه رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يحجر عليه، فقال: إني لا أصبر عن البيع، فقال عليه الصلاة والسلام: "إذا بايعت فقل: لا خلابة، ولي الخيار ثلاثة أيام".
قال الإمام السرخسي عقب الاستدلال بهذه الحديث: "فلو لم يكن الحجر بسبب التبذير في المال مشروعًا عرفًا؛ لَمَا سال أهلُه ذلك".
5 - ما روي "أن عبد اللَّه بن جعفر رضي اللَّه عنه ابتاع أرضًا سبخة بستين ألفًا، فقال له عثمان: ما يسرني أن تكون لي بنعليَّ معًا؛ فبلغ ذلك عليًّا رضي الله عنه، وعزم أن يسأل عثمان أن يحجر عليه، فجاء عبدُ اللَّه بنُ جعفر إلى الزبيرِ، وذكر أن عليًّا يريد أن يسأل عثمان رضي اللَّه عنهما أن يحجر عليه، فقال الزبير: أنا شريكك، فجاء عليٌّ إلى عثمان رضي اللَّه عنهما، وسأله أن يحجر عليه، فقال: كيف أحجر على من شريكه الزبير؟".
قال الإمام الشيرازي عقب استدلاله بهذا الحديث: "فدل على جواز الحجر".
6 - لأن ماله المضيع عاجز عن إصلاح ماله أو متعمد؛ لتضييعه في شهواته.
7 - لأن الحجر على الصبي شرع؛ لاحتمال التبذير، فيكون الحجر على السفيه مع تيقن التبذير أولى.
8 - أن الحجز إنما شرع صيانة لماله ولمصحلته.
9 - لأن إطلاقه في التصرف يفضي إلى ضياع أمواله وفيه ضرر عليه.
10 - لأن السفه لو قارن البلوغ منع دفع المال إليه، فإذا حدث السفه أوجب انتزاع المال كالجنون.
• الخلاف في المسألة:
خالف في هذه المسألة الإمام أبو حنيفة، وزفر، وإبراهيم النخعي وابن سيرين، والظاهرية، فقالوا: لا يحجر على الحر البالغ، إذا بلغ مبالغ الرجال.
• أدلة هذا الرأي:
1 - ما روي أن حبان بن منقذ كان يغبن في البياعات، فطلب أولياؤه من النبي عليه الصلاة والسلام الحجر عليه، فقال له: "إذا ابتعت فقل: لا خلابة ولي الخيار ثلاثة أيام"، ولم يحجر عليه.
2 - لأن المضيع لماله مخاطب بأحكام الشريعة فهو كالرشيد؛ فلا يحجر عليه، ولأن الحجر عليه لا يدفع ضررًا عنه؛ لقدرته على إتلاف ماله بالزواج من أربع وتطليقهن قبل الدخول وبعده وفي كل وقت.
3 - لأن الحجر على المضيع ماله فيه إنقاص لآدميته وإهدار لها، وضرر الحجر عليه أعظم من إضاعته لماله، والنفوس مجبولة على رفض الحجر، كما ترفضه النفوس الأبية، ولا يُزال الضرر الأدنى بالضرر الأعلى.
النتيجة:
عدم تحقق الإجماع والاتفاق ونفي الخلاف في وجوب الحجر على كل سفيه مضيع لماله؛ لخلاف أبي حنيفة ومن سبق.
المغني ابن قدامة (6/ 607)
ولنا: قول الله تعالى: { فَإِنْ ءَانَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } [النساء: 6]، قال ابن عباس: يعني: صلاحًا في أموالهم.
وقال مجاهد: إذا كان عاقلًا، ولأن هذا إثبات في نكرة، ومن كان مصلحًا لماله فقد وجد منه رشد، ولأن العدالة لا تعتبر في الرشد في الدوام، فلا تعتبر في الابتداء، كالزهد في الدنيا، ولأن هذا مصلح لماله، فأشبه العدل، يحققه أن الحجر عليه إنما كان لحفظ ماله عليه، فالمؤثر فيه ما أثر في تضييع المال، أو حفظه.
وقولهم: إن الفاسق غير رشيد، قلنا: هو غير رشيد في دينه، أما في ماله وحفظه فهو رشيد، ثم هو منتقض بالكافر، فإنه غير رشيد ولا يحجر عليه لذلك، وكذلك لو طرأ الفسق على المسلم بعد دفع ماله إليه لم يَزُل رشده، ولم يحجر عليه من أجله، ولو كانت العدالة شرطًا في الرشد لزال بزوالها، كحفظ المال، ولا يلزم من منع قبول القول منع دفع ماله إليه، فإن من يعرف بكثرة الغلط والغفلة والنسيان، أو من يأكل في السوق، ويمد رجليه في مجامع الناس، وأشباههم، لا تقبل شهادتهم، وتدفع إليهم أموالهم.
إذا ثبت هذا، فإن الفاسق إن كان ينفق ماله في المعاصي، كشراء الخمر، وآلات اللهو، أو يتوصل به إلى الفساد، فهو غير رشيد؛ لتبذيره لماله، وتضييعه إياه في غير فائدة.
وإن كان فسقه لغير ذلك، كالكذب، ومنع الزكاة، وإضاعة الصلاة، مع حفظه لماله، دفع ماله إليه؛ لأن المقصود بالحجر حفظ المال، وماله محفوظ بدون الحجر؛ ولذلك لو طرأ الفسق بعد دفع ماله إليه لم ينزع منه.
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة - الدبيان - (2/ 41: 45)
دليل الجمهور على الحجر على السفيه مطلقًا، اتصل بالبلوغ أو طرأ بعده:
الدليل الأول: استدل الجمهور بقوله تعالى: { حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ ءانَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } [النساء: 6]، فدفع المال للصبي موقوف على تحقق شرطين:
الأول: البلوغ، فلا يدفع إليه ماله قبله.
الثاني: إيناس الرشد منه.
وقد روى مسلم في صحيحه من طريق جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن يزيد بن هرمز، أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن خمس خلال، وفيه: وكتبت تسألني متى ينقضي يتم اليتيم، فلعمري إن الرجل لتنبت لحيته وإنه لضعيف الأخذ لنفسه، ضعيف العطاء منها، فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس فقد ذهب عنه اليتم... ".
الدليل الثاني: قال تعالى: { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا } [النساء: 5].
فنهينا أن نعطي السفيه المال، وهو مطلق يشمل السفه المتصل بالبلوغ، والسفه الذي عاد إليه بعد أن كان رشيدًا.
الدليل الثالث: قال تعالى: { فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ } [البقرة: 282].
وجه الاستدلال: قال الشافعي: أثبت الولاية على السفيه والضعيف والذي لا يستطيع أن يمل هو، وأمر وليه بالإملاء عليه؛ لأنه أقامه فيما لا غناء به عنه من ماله مقامه.
ونوقش هذا الاستدلال: بأن شيخ المفسرين الطبري - رحمه الله - قد رجح أن السفيه هنا هو: الجاهل، وبين في تفسيره أن السفه في لغة العرب يأتي بمعنى الجهل، واستدل على ذلك، بأن الله - سبحانه وتعالى - ابتدأ الآية بقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ } الآية [البقرة: 282].
والصبي والسفيه لا يجوز مداينته، وقد استثنى الله ثلاثة أشياء من الإملال، وهم السفيه والضعيف والذي لا يستطيع أن يمل هو، وهؤلاء الثلاثة أشخاص مختلفون، وليسوا صنفًا واحدًا، وكلهم تجوز مداينتهم، ولكنهم لا يستطيعون توثيق هذا الدين بالكتابة، فصار السفيه: هو الجاهل بالإملال، فوضع عنه فرض الإملال بجهله موضع صواب ذلك من خطئه.
والموصوف بالضعف: هو العاجز عن إملاله، إما لعي لسانه أو خرس به، وإن كان شديدًا رشيدًا.
وأن الموصوف بأنه لا يستطيع أن يمل هو: الممنوع عن إملاله إما لغيابه أو لحبسه ونحوهما.
والولي هنا ليس ولي السفيه ومن ذكر معه، وإنما المقصود ولي الحق.
قال الطبري: ولا وجه لقول من زعم أن السفيه في هذا الموضع: هو الصغير, وأن الضعيف: هو الأكبر الأحمق؛ لأن ذلك إن كان كما قال؛ يوجب أن يكون قوله تعالى: { أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُّمِلَّ هُوَ } [البقرة: 282] هو العاجز من الرجال العقلاء الجائزي الأمر في أموالهم وأنفسهم عن الإملال، إما لعلة بلسانه من خرس أو غيره من العلل، وإما لغيبته عن موضع الكتاب، وإذا كان ذلك كذلك بطل معنى قوله تعالى: { فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ } [البقرة: 282]؛ لأن العاقل الرشيد لا يولى عليه في ماله، وإن كان أخرس أو غائبًا, ولا يجوز حكم أحد في ماله إلا بأمره.
الدليل الرابع: ما رواه الدارقطني، قال: أخبرنا محمَّد بن أحمد بن الحسن الصواف، أخبرنا حامد بن شعيب، نا سريج بن يونس، أخبرنا يعقوب بن إبراهيم -هو أبو يوسف القاضي- نا هشام بن عروة، عن أبيه، "أن عبد الله بن جعفر أتى الزبير، فقال: إني اشتريت بيع كذا وكذا، وإن عليًّا يريد أن يأتي أمير المؤمنين فيسأله أن يحجر عليَّ فيه، فقال الزبير: فأنا شريكك في البيع، فأتى عليٌّ عثمانَ فقال: إن ابن جعفر اشترى بيع كذا وكذا، فاحجر عليه، فقال الزبير: فأنا شريكه في البيع، فقال عثمان: كيف أحجر على رجل في بيع شريكه فيه الزبير؟" [أعله أحمد بتفرد أبي يوسف فيه].
وجه الاستدلال: قال الشافعي: "علي - رضي الله عنه - لا يطلب الحجر إلا وهو يراه، والزبير لو كان الحجر باطلًا قال: لا يحجر على حر بالغ، وكذلك عثمان، بل كلهم يعرف الحجر".
الدليل الخامس: ما رواه البخاري من طريق شعيب، عن الزهري، قال: حدثني عوف بن مالك بن الطفيل، هو ابن الحارث، وهو ابن أخي عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم – لأمها، أن عائشة رضي الله عنها، حدثت أن عبد الله بن الزبير قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة: "والله لتنتهين عائشة أو لأحجرن عليها..." الحديث، وفيه قصة، ففيه أن عبد الله بن الزبير - رضي الله عنه - يرى الحجر على الكبير، ولو لم يكن متصلًا بالبلوغ.
الراجح:
بعد استعراض أقوال العلماء؛ أجد أن قول الجمهور هو القول الصواب المتمشي مع القواعد، وأن الحجر ينبغي أن يدور مع علته، فإذا وجد ما يقتضي الحجر من تبذير للمال وجب الحجر عليه، سواء كان السفه متصلًا بالبلوغ، أو طرأ عليه بعد أن كان رشيدًا، فإذا زال عنه السفه، وكان بالغًا وجب دفع المال إليه، وأن بيع السفيه وشراءه موقوف على إذن وليه، والله أعلم.